مستقبل
العلاقة بين الحضارة
الإسلامية والحضارة المعاصرة
الأستاذ الدكتور/ أحمد الخمليشى
مدير دار الحديث الحسنية
المغرب
تقديم:
منذ
بضعة آلاف من السنين تمكنت التجمعات الإنسانية من إنشاء حضارات متعددة، والسمة
المسيطرة على علاقاتها كانت إقصاء كل واحدة منها لما عداها، ومحاولة الانفراد
بالقيادة وفرض التبعية على الآخرين. تلاشت حضارات، وذبلت مثيلات لها، ونشأت أخرى
لتتواصل سنة التدافع، وتتوالى حلقات حياة الإنسان على الأرض إلى أن يرثها الله ومن
عليها.
ندرك اليوم جيداً موقع حضارتنا الإسلامية فى هرم
باقى الحضارات، ونتساءل عن مستقبل العلاقة بينها. خصوصاً
وقد أطلت نذرها مع بداية هذا القرن، الذى كان يظن بلوغ
الإنسانية فيه كاهل رشدها، وتجاوزها غرائز الشر والأثم
والعدوان، إلى قيم التعايش والتعاون على البر و التقوى.
قيل الكثير عن المستقبل بين الحضارات، وتعددت الآراء ذات اليمين وذات
الشمال.
ومن المؤكد أن الرؤية الأقرب إلى الواقعية، للعلاقة المستقبلية بين
الحضارات الإسلامية والحضارات الأخرى، ينبغى أن تنطلق
من المقومات الأساسية لمفهوم الحضارة، وما نتوفر عليه الآن من تلك المقومات، ثم
بناء المستقبل على أخذ العبرة من الماضى والحاضر.
وهذا ما نود تناوله بإيجاز فى فقرتين اثنتين:
الفقرة
الأولى: مقومات "الحضارة" وماذا يتوفر منها الآن؟
أولا: المقومات:
كل جماعة بشرية تعيش على الأرض، إلا وتتوفر على مجموعة من المعارف
والمعتقدات والنظم والتقاليد، التى تحكم نمط حياتها
وعلاقاتها بالآخرين وبالعالم المادى الذى تعيش فيه. لكن ذلك لا يرقى إلى وصفه بمصطلح
"الحضارة" حتى يكون فى مستوى أعلى ما وصلت
إليه الإنسانية من تلك المعارف والنظم وقيم الحياة وقوانينها، فى
الفترة الزمنية المعنية.
فوصف "الحضارة" له مقومات لا يتحقق
بدونها وفى مقدمة هذه المقومات:
1-التمكن من المعرفة التى وصلت إليها الحضارات
الرائدة:
معرفة الإنسان غير متناهية كما يقول جابر بن حيان، أو كما يقول ابن الهيثم:
العالم قائم على نظام رياضى، وأنه لذلك يمكن السيطرة
عليه وتسخيره بحل المعادلات الرياضية التى يقوم عليها
نظامه.
ويؤكد الإمام الغزالى أن "المعارف إذا
اجتمعت فى القلب
(1) وازدوجت فى القلب على ترتيب مخصوص أثمرت
أخرى، فالمعرفة نتاج المعرفة، فإذا حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل من
ذلك نتاج آخر، وهكذا يتمادى النتاج، وتتمادى العلوم، ويتمادى الفكر إلى غير
نهاية" (2).
فوظيفة الإنسان فى هذه الحياة هى مواصلة البناء، والسعى إلى
الأفضل ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتوسيع الدائب لدائرة معارفه ومدركاته.
والمجموعة الإنسانية التى يقبل منها أن تقول
إنها "متحضرة"، وتمتلك "حضارة"، تساهم فى
"تكوين الإنسان " وتوجيه مسيرته، هى التى تتوفر فعلا على "المعرفة الحاضرة"، وتستطيع
بذلك إبراز عبقريتها فى اكتشاف المزيد من المعرفة وفى
استعمالها لخير الإنسان ماديا ومعنويا، بدل تدمير حياته وقيمه. أما المجموعة التى يقف بها واقعها المعرفى فى درجة أدنى (3) فينبغى أن تركزعلى ما ينقصها من
المعرفة لتضع قطارها على السكة، كى ينطلق بها بالسرعة
والأمان المتوفرين للحضارات الرائدة.
2- التعايش وتدبير الاختلاف:
الحضارة الحق هى التى
ترسخ بين أبنائها ثقافة التماسك وقبول التعبير عن الرأى
الآخر مع المجادلة بالحسنى ووسائل الإقناع. فلا حضارة مع التعصب للرأى، ولا تمدن مع فرض الرأى
بالعنف أو بالإقصاء.
الاختلاف
سنة من سنن الله (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم )، ولكن
الأمة المتحضرة تستطيع تدبير اختلاف المنتمين إليها أيا كان مجاله عرقيا أو لغويا
أو فكريا وحتى عقائديا.
وأهم الوسائل التى توصل بها المجتمع الحضارى الحديث إلى تدبير
الاختلاف:
-
حرية إبداء الرأى فى ظل عدم انتهاك حقوق
الآخرين أفراداً جتمعاً.
-
تشريع النظام القانونى الذى يتجاوز الرأى ويعلوه كى يلزم الجميع ويضبط
بدقة علاقات الأفراد ويحدد حقوقهم والتزاماتهم.
-
التنظيم المؤسسى للدولة واستبعاد الخلط بينها وبين الأشخاص الذين
يساهمون فى تسييرها.
- القدرة على تدبير الاختلاف بمعنى الجمع بين حرية الرأى
وتعدده وبين ضبط السلوك وتنظيم المجتمع بقواعد وأحكام موحدة ملزمة للجميع، وذلك عن
طريق التمييز بين التعبير عن الرأى (فرديا أو جماعة) الذى لا يلزم أحدا وبين إقرار الحكم الملزم فى السلوك والعلاقات الاجتماعية.
3- القيم التى تحقق التوازن بين حاجات الإنسان المادية والاجتماعية
والروحية:
منذ خلق الإنسان وهو فى سعيه وفكره موزع بين
الأنانية والغرائز الفردية، والانتماء الاجتماعى،
والروحانية التى وجهت تفكيره إلى القوى المسيرة لهذا
العالم، إلى أن هدته رسالات السماء إلى إله واحد خالق الكون.
وكما تفاوتت مراحل مسيرته، تفاوت كذلك سلوك أفراده فى
الميل إلى هذا الاتجاه أو ذاك.
ويمكن القول إن الواقع الإنسانى اليوم- بما فيه
واقع العالم الإسلامى- يتسم بطغيان الأنانية وطموحاتها،
وتراجع خطير فى الجانب الروحى
والقيم الدينية العليا. وهو ما ينبغى استقصاء أسبابه
ودواعيه.
والذى
يهمنا الآن هو التاكيد على أن من المقومات الأساسية
لمفهوم "الحضارة" وجود توازن لدى ممثليها تنظيراً وممارسة بين النوازع:
المادية، والاجتماعية، والدينية.
4- مساهمة مجموع الأمة فى صنع "الحضارة" ومسيرتها:
إجمالاً: الحضارات تبنى أسسها العامة على مرجعية دينية، أو مرجعية علمانية
بالتعبير الشائع الاستعمال. وفى كلا الحالين فإن العباقرة والرواد هم الذين يرشدون
المسيرة ويكشفون عن معالم الطريق المؤدية إلى الأفضل لكن عملهم يبقى فى حدود الإرشاد وأسلوب الإقناع، وبذلك يساهم مجموع الأمة عن
وعى واقتناع فى تطبيق القيم، ومبادئ السلوك للأهداف التى يدعو اليها العباقرة والرواد.
5- القدرة على التعايش مع
الحضارات الأخرى:
لا جدال فى أن نزعة الإقصاء والرغبة فى السيطرة وإبادة الحضارات المنافسة التى
كانت سائدة فى الماضى، خفت
مظاهرها اليوم، ولم يعد مقبولا لدى الأغلبية من المفكرين وغيرهم من بنى الإنسان،
تداول مصطلح صدام الحضارات وتداعياته.
ولكنها بالتأكيد لم تختف نهائيا من ثقافة
الحضارات المعاصرة، ولذلك
ما يزال مفروضا على كل حضارة ترغب فى الاستمرار
وفى أداء رسالتها، أن تحصن نفسها بما يجعلها قادرة على الاستمرار فى التعايش.
والقدرة على التعايش توفرها مناعة مادية وأخرى معنوية.
فأهم عناصر المناعة المادية:
المستوى المعرفى- كل أنواع المعرفة الرائجة فى المجتمع المعاصر- وما يرتبط بها من القوتين الاقتصادية والعسكرية
(4)، وفضلا عن ذلك نجد التكتلات العملاقة التى استكملت
تشكلها أو هى فى الطريق
إليه، وما يفتحه أمامها هذا التكتل من آفاق لا حدود لها علميا، واقتصاديا،
وسياسيا، وعسكريا. الأمر الذى تعتبر معه مجازفة محفوفة
بالمخاطر، محاولة أية حضارة مواصلة السير وهى متشرذمة
مفككة الأوصال، معتمدة على كيانات لا وزن لها ولا رأى لها مع التكتلات المسيطرة
على كل أدوات التأثير والتوجيه تفرض "العولمة" بالمواصفات التى تريد.
ثانيا: ماذا نتوفرعليه الآن من مقومات الحضارة؟
أشرنا إلى بعض العناصر التى تشكل المقومات الضرورية
لمفهوم الحضارة، والأسس القوية لمواصلة السير وأداء الرسالة.
وإذا كان التساؤل عن مستقبل الحضارة الإسلامية مع الحضارات المعاصرة، فإن
الواقع الحالى لهذه الحضارة من مقومات الصمود والمساهمة
فى توجيه حياة الإنسان المادية والروحية- المسلمون
الذين يمثلونها ما هو نصيبهم من المعرفة
والعلوم التى وصل إليها الإنسان- ومن القوى
الاقتصادية والسياسية والعسكرية المهيمنة، وما هو نهجهم فى
الممارسة إزاء التعايش وتدبير الاختلاف؟ وحتى القيم التى
نتسارع إلى لوم الحضارة الغربية على إقصائها ماذا نملك منها؟ مثلا: التسامح،
المساواة، الحرية، تحكم الضمير فى السلوك، والصدق فى التعامل.. إلخ.
يقول فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ:
"إن الصراع بين الديمقراطية الليبرالية الغربية و الفاشية
الإسلامية"(5)، ليس صراعاً بين نظامين حضاريين يتمتعان بقابلية البقاء نفسها،
ويستطيع كلاهما ركوب العلم والتكنولوجيا، وخلق الثروات والتعامل مع التنوع الموجود
فى عالمنا المعاصر. فى هذه
المجالات كافة تسيطر المؤسسات الغربية على الأوراق كلها، ولذلك فهى ستستمر فى الانتشار فى العالم على المدى الطويل " (6).
والذى
يهمنا من هذه العبارة هو قوله: إن المؤسسات الغربية تسيطر على الأوراق كلها ولذلك فهى ستستمر فى الانتشار فى العالم على المدى الطويل. إنها
عبارة تفرض علينا الوقوف لديها كثيرا ونحن نتحدث عن مستقبل العلاقة بين الحضارة
الإسلامية والحضارات الأخرى.
من
بين ما تقوله الإحصائيات المتداولة أن:
- سكان العالم الإسلامى يقربون ربع سكان العالم وحصتهم من الثروة العالمية
تقل عن 6%.
- ثلثى
فقراء العالم تقريبا من المسلمين.
- فى
العقود الثلاثة الماضية قتل ما لا يقل عن مليونين ونصف مليون شخص فى حروب جرت داخل أو بين الدول الإسلامية.
- ثمانين فى المائة من الإعدامات سنويا تنفذ فى
الدول الإسلامية.
- ثلثى
السجناء السياسيين فى العالم يوجدون بسجون دول إسلامية.
- ثمانين فى المائة من لاجئ العالم مسلمون.
- الجامعات العربية تنفق
على البحث العلمى 1% من ميزانياتها العامة مقابل 40% تنفقها
الجامعات الأمريكية، ومع هذا المستوى الوضيع للبحث العلمى،
يزيد فى هشاشته ما تستنزفه هجرة مليون ومائتى ألف كل عام من البلدان الإسلامية إلى أوروبا وأمريكا
الشمالية واستراليا ونيوزيلاندا، من المهاجرين ذوى
التعليم العالى. والقائمة طويلة، لا نجهلها إنما
نتجاهلها.
يضاف إلى كل ذلك التشرذم الذى آلت اليه الكيانات السياسية فى العالم الإسلامى، وهو ما شتت إمكانياته وأفقده المساهمة فى التقرير، وأعجزه عن الدفاع عن حقوقه ضد المعتدين
والغاصبين.
لكن هل معنى كل هذا أن العلاقة المستقبلية للحضارة الإسلامية بالحضارات
الأخرى وبالأخص حضارة الغرب ستبقى غير متكافئة؟ لا نعتقد ذلك إذا غيرنا ما
بأنفسنا. وهنا يأتى السؤال الكبير وهو: بماذا أو كيف
يتحقق هذا التغيير؟ الأمر ليس سهلا ولا بسيطا- وفى الفقرة التالية نقدم وجهة نظر نأمل
أن تلقى العناية بالتحليل، والتعديل والإضافة عسى أن نتدارك ما اقترب من الفوات،
وتضافرت العوادى على النيل منه سرا وعلانية.
الفقرة الثانية:- الفوز بالمستقبل يفرض تغيير ما بالنفس وإصلاح الذات وأخذ
العبرة من الماضى والحاضر :
قد يبلغ التشاؤم بالمستقبل أشده، تأثرا بمؤشرات الحاضر الذى
كشفت الأحداث المتتالية منذ سنة تقريبا- وما تزال- عما كان خافيا منه على الكثير
من الناس.
لكن مع كل ذلك ما يزال الأمل قائما فى إمكانية
تحقيق الإنسان لحضارة يوازى فيها بين رغباته المادية وقيمه الاجتماعية والدينية.
فآفة حضارة اليوم هى تنكرها للمرجعية الدينية
والقيم الروحية، والاستسلام للأنانية، النفعية والرغبة الجامحة فى المتعة.
الابتعاد عن مرجعية الدين مارسته أجيال متعاقبة فى
الغرب المسيحى لذا يبدو التراجع عنه هناك مستبعدا على
الأقل فى المدى القريب.
وفى العالم الإسلامى كثير من مظاهر السلوك
ومجالات نتظيم العلاقات الاجتماعية لا تقرر فيها
المرجعية الدينية التقليدية، فشكل الانفصال الذى ابتدأ فى أوروبا منذ أكثر من قرنين بدأ مسيرته فى
المجتمعات الإسلامية تنظيزاً وممارسة. لكن مع هذا
الواقع المتشابه، توجد حقيقة أخرى ذات أهمية تنفرد بها هذه المجتمعات وهى إيمان
أغلبية أفرادها على الأقل بالعقيدة الدينية إيمانا لا تعادله أية قيمة أخرى من
القيم التى يمكن أن يخلص لها الإنسان، الأمر الذى يعنى أن المسلم إذا زود بقيم دينه وبمبادئه السامية،
فإنه لن يتمرد عليها. وإنما سيربط بها كل عمله وإنتاجه أيا كان مجال تخصصه من
المعرفة الإنسانية، وبذلك تتحقق الحضارة المرغوب فيها أى
القائمة على الفكر والعقل فى ظل قيم الدين ومبادئه
القطعية التى توجه العقل وترشده ولا تصادمه أبداً.
ولتحليل
الموضوع، نثير السؤالين الآتيين:
1- لماذا انفصلت الحضارة
لدى المجتمع المسيحى عن المرجعية الدينية وانتصرت
للعلمانية فصل الدولة عن الدين؟
2- ما هى أسباب سريان العدوى الى المجتمع
الإسلامى؟
ونردف الجواب عن السؤالين بخلاصة:
أولا: لماذا انفصلت الحضارة لدى المجتمع المسيحى
عن المرجعية الدينية وانتصرت للعلمانية وفصل الدولة عن الدين؟
مما لا اختلاف فيه أن ذلك راجع إلى سببين أساسيين هما:
ا- الجمود الفكرى لدى رجال الدين أو الإكليروس الذين يمثلون الكنيسة الناطقة باسم الله:
إن الفقه أو القانون الذى وضعته الكنيسة لتنظيم
معاملات الناس وعلاقاتهم، كان متسماً بالصفة الأخلاقية والورع وحب الخير للجميع،
ولكن فى مجال الفكر
والإبداع "الاجتهاد" كانت حربها صارمة لكل جديد بدعوى حماية
المعتقدات الدينية ومقاومة البدعة والهرطقة، ووصل الأمر كما هو معروف إلى إحراق
"الزنادقة"، بالنار أحياء، كما حدث مع الطبيب الأسبانى
ميخائيل سيرفتوس الذى أعدمته
الكنيسة عام 1553 حرقاً بالنار عن نظريته حول الدورة الدموية، وعن كتابيه: "أخطاء
التثليث" "والعودة الى النصرانية أو إصلاح
المسيحية".
وما يزال هذا الجمود قائما إلى الآن، ومن ذلك فتوى الكنيسة الكاثوليكية
بتحريم الإخصاب الاصطناعى بين الزوجين اللذين يتعذر
عليهما الإخصاب العادى.
2- احتكار"رجال الدين" لفهم النصوص
الدينية والإفتاء باسمها:
لم
تكن الرهبنة ومؤسسة الكنيسة وما امتلكته من اختصاصات، من أصول الديانة المسيحية.
(وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا فى
قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء
رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون
) (7).
كما أن الكنيسة كما هو معروف لم تنشأ إلا مع بداية القرن الرابع الميلادى. التقاليد إذن هى التى تطورت بالممارسة الدينية إلى أن أصبح لها سدنة يختصون
بفتاوى التحليل والتحريم، وتفسير نصوص الكتاب المقدس، وليس لباقى
المؤمنين إلا التلقى والتطبيق دون إمكانية المناقشة
فبالأحرى الاعتراض.
ماذا كانت نتيجة احتكار التفسير وجموده؟
النتيجة هى أن كل الأفكار الجديدة والعميقة
اعتبرت من نتاج العقل ومناهضة للتعاليم الدينية وإن صدرت من أفراد متشبثين
بعقيدتهم الدينية.
مثلا جان جاك روسو كان متمسكاً بعقيدته المسيحية وضد الإلحاد، ومع ذلك صنفت
أفكاره فى كتابه العقد الاجتماعى
contrat
social
ضمن الأفكار العقلانية المستقلة عن التعاليم الدينية، بل والمناهضة لها بالنظر إلى
موقف الكنيسة من الاستبداد المؤسس على الحق الإلهى فى الحكم.
لم يقل جان جاك روسو ولا معاصروه إن نظريته مؤسسة على أصول الدين المسيحى أو تفسير لنصوصه لأنه "ليس من أهل الاختصاص
" المخول لهم الحديث باسم الدين.
ومعلوم أن نظرية العقد الاجتماعى كانت الركيزة
الصلبة لإصلاح النظام السياسى الذى
تعتبر كل الإصلاحات الأخرى متفرعة عنه، ونتيجة حتمية لما يوفره للمواطن من مناخ
الشعور بالمسئولية والمساهمة بكل طاقاته فى البناء
والإضافة.
لو كان مسموحاً لكل مفكر مسيحى أن يخوض فى النصوص الدينية ويربط بها أفكاره، وفعل ذلك جان جاك روسو
وأمثاله من رواد النهضة الأوروبية المتشبثين بعقيدتهم الدينية- هل كانت هذه النهضة
تتنكر للدين، وترتمى فى
أحضان العلمانية المادية إلى أن وصلت إلى ما هى عليه من
القطيعة المطلقة بالأخلاق الدينية والقيم الروحية؟
(8).
إذن الخطأ كان من "رجال الدين " الذين عكفوا على الحكاية
والتقليد فى تقديم أحكام الدين، وقعد بهم ذلك عن ملاحقة
واقع الحياة المتطور مكتفين بإصدار فتاوى التحليل والتحريم مع اعتبار كل من عداهم
ممنوعا من الرجوع إلى النصوص المقدسة، وبالأحرى ربط أفكاره بمبادئها وغاياتها (9).
ثانيا:-
ماهى أسباب سريان العدوى إلى المجتمع الإسلامى؟
يسهل القول بأن عدوى الابتعاد عن المرجعية الدينية لم تأت إلا من استعمار
الغرب للعالم الإسلامى الذى
مكنه من فرض ما كان لديه من تشريعات ونظم، ثم أتبع ذلك بتكوين بعض أبنائه الذين
تسلموا الحكم بعد الاستقلال، فواصلوا
"التغريب " الذى أشربوا حبه فى مدرسة
المستعمر، وافتتنوا بالقانون "الوضعى"
وتنكروا "للفقه الإسلامى" الذى أكثر من تفصيل الأحكام الجزئية إلى حد افتراض وقائع غير
قابلة للحدوث. وفضلا عن ذلك "الاجتهاد" مفتوح لكل "من توفر على
أدواته" لمواجهة الأوضاع المتجددة فى حياة
المجتمع.
وإن ما حدث فى الغرب لا مبرر له فى المجتمع الإسلامى الذى لا وجود فيه لمؤسسة كالكنيسة أو الإكليروس،
تتوسط فى قراءة وتفسير نصوص الوحى
وتحرم ذلك على بقية المؤمنين بالرسالة.
وسرعان ما كثر"المجتهدون " (عند أهل السنة) حتى تجاوز عددهم فى نهاية القرن الثالث خمسمائة مجتهد فيما قيل. ولأسباب
سياسية وتفاديا للفوضى فى ضبط العلاقات الاجتماعية، تم
تقليص عدد المجتهدين إلى خمسة أو أقل، وأطلق على هؤلاء مصطلح "الإمام " الذى يعنى وجوب اقتداء الكافة بهم وعدم الخروج عن
"مذاهبهم ".
وقد نتج عن هذه المبالغة فى التقليد انغلاق
التعليم والمعرفة بشأن تنظيم المجتمع وعلاقة الإنسان بالكون المحيط به- فى نقل حكاية "المروى فى
المذهب " رغم أن الكثير منه لم يعد صالحا للتطبيق
(10) سواء بالنسبة للواقع الفعلى الذى يعيشه المجتمع الإسلامى
(11)، أومقارنة بالغرب الذى
اتسع أفق معرفته فأنشأ تخصصات متعددة فى التعليم، وشرع فى اكتشاف وتسخير "ما فى
السموات وما فى الأرض " وتوصل بذلك إلى نظم مبتكرة
وجديدة كل الجدة فى مجال تتظيم
المجتمع ومؤسساته.
لذلك عندما احتك العالم الإسلامى بالغرب وجد
نفسه أمام فراغ فى التخصصات العلمية وما يتبعها من
المعرفة أفقيا وعموديا، وفى خصاص كبير إزاء التنظيم
الشامل للمجتمع ولمؤسساته. هذا هو السبب الحقيقى لنقله
ما لدى الآخرين والمؤسس على فلسفة العلمانية المستقلة عن المرجعية الدينية. وإذا
أردنا بناء حضارة مستظلة بالمرجعية الدينية، تعين تثبيت الأساس الذى تقوم عليه أركانه وأعمدته.
وفيما يلى
تلخيص لوجهة نظر نأمل تقويمها وتقويتها، لأن الموضوع يرتبط به المصير، فلا يكفى
لاستقصائه رأى أو بضعة آراء.
خلاصة:
استطلاع
مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى، يفرض معرفة واقعها
الحاضر، والبحث عن وسائل تدارك المستقبل.
أولاً: الحا ضر:
من نذر الحاضر:
1- معاناة الأمة من خصائص
كبيرة فى المؤهلات الحضارية: العلمية منه، والسياسية
والاقتصادية، والعسكرية.
2- التكوين بمؤسسات
التعليم وفى مختلف التخصصات (12) يتم بمعزل عن المرجعية الدينية، وإذا قدمت
للتلميذ بعض المواد الدينية فإن الأمر يقتصر على جزئيات فقهية، يتلقاها جامدة،
يبقى معها بعيدا عن فهم رسالة الإسلام اعتقادا وسلوكا، وإن أنفق الكثير من الوقت فى حفظ واستحضار ما تلقاه.
3- التكوين فى مؤسسات "التعليم الدينى"
بمختلف المصطلحات التى تطلق عليه، يتميز بوصفين:
- الانعزال عن أهم فروع
المعرفة التى لا غنى عنها للمجتمعات المعاصرة.
- الانغلاق الطائفى والمذهبى، والاقتصار على
النقل والحفظ بدل الفهم والتحليل والرغبة فى الإبداع.
4- انتشار ثقافة تقسيم
المسلمين إلى فئتين: الأولى وهى الأغلبية المطلقة، لا يشعرون بالمسئولية الشخصية
عن إهمال فهم قيم الإسلام والمبادئ الأساسية التى تقوم
عليها رسالته، وإنما يؤمنون بكفاية "التلقى"
من الفئة الثانية التى يعتبر المنتسبون إليها أنهم
"مؤتمنون " على نقل ما "استحفظوا"
من فقه الأئمة وآرائهم (13)، دون أن يشعروا هم كذلك بالمسئولية عن إهمال
"الاجتهاد"، والنظر فى مآلات
الأفعال المقررة فى أصول الفقه.
ثانياً: وسائل تدارك المستقبل:
رغم
مثبطات الحاضر، يمكن تأمين المستقبل إذا أعدت له عدته، وصدق العزم.
من وسائل تأمين المستقبل:
1- العقيدة الدينية
الواعية، فقد سبقت الإشارة إلى تميز المجتمع الإسلامى
بقوة العقيدة كقيمة عليا لا تضاهيها قيمة أخرى. ولكن للاستفادة منها كأهم عنصر فى حضارة المستقبل، يتعين أن تؤسس لدى الفرد على الوعى والفهم العميق لأسسها التى
نزل بها الوحى مع الإدراك المجمل للحقائق التى تربطه وبما يحيط به فى هذا
العالم.
أما العقيدة القائمة على التلقى والإدراك السطحى، فقد تنقلب إلى آلة تدمير بدل وسيلة تعمير. وواقعنا
منذ حوالى عقدين إلى الآن يغنى عن سرد الأمثلة.
2- لتحقيق الاستفادة من العقيدة الدينية، لا غنى
عن الانطلاق من إصلاح "تعليم الدين " وذلك بتفريعه إلى:
(أ) تكوين مركز على الوعى بمفهوم الدين وبقيم الفكر والسلوك التى
يؤدى بها الإنسان الأمانة التى تحملها بعد أن أبت حملها
السموات والأرض.
وهذا يتم فى مرحلة الثانوى
لجميع الأفراد ضمن ما يسمى بالتكوين العام. وبذلك يتمكن المسلم أيا كان تخصصه فيما
بعد من البقاء مرتبطا بقيم دينه فى الفكر والإنتاج
والسلوك. ويساهم بالتالى فى
نشر الحضارة الإسلامية ونموها بدل الانفصال عن الهوية والارتماء فى أحضان فكر الآخرين كما يحدث الآن، نتيجة طبيعة التكوين
الملقن قبل وأثناء التخصص.
(ب) تكوين تفصيلى أو متخصص فى نصوص الشريعة
وأحكامها. ومهام هذا التكوين:
- المساعدة والإرشاد إلى
الفهم السليم لأحكام الدين بالبيان والإقناع، وليس بالإملاء وفتاوى التحليل
والتحريم.
- قراءة نصوص الوحى وتطبيقها على واقع الحياة المعيشية، وإنهاء أسلوب النقل
والحكاية.
- المساهمة فى صياغة "فقه إسلامى" حقيقى أى يعالج العلاقات التى يحتاج المجتمع فعلا إلى تنظيمها، بدل الاكتفاء بنقل ما
قاله السابقون الذى كان فى
حينه "فقها إسلاميا " يقدم الحلول لكل أسئلة الواقع، أما الآن فالآلاف
والآلاف من الأسئلة لا تلقى جوابا (14).
3- السعى
الحثيث إلى التمكن من المعرفة التى وصل إليها الإنسان فى كل فروعها وتخصصاتها لأنها السبب الوحيد:
- لاكتساب باقى مؤهلات الحضارة من نمو إنسانى،
ورخاء اقتصادى وقوة رادعة للمعتدى (15).
- لفرض الحضور فى "نادى الحضارات " والمساهمة فى
التقرير، وتوجيه مسيرة الإنسان فكراً وسلوكاً.
4- التخلى
عن الفتاوى الفردية بالتحليل والتحريم والمساس بعقيدة الآخرين باسم الدين، وبأسلوب
الإخبار عن الله وشريعته. وتعويض ذلك بالتفصيل:
- بين إبداء الرأى بمعنى الاقتناع الشخصى بأن
واقعة ما حكمها الشرعى هو كذا اعتمادا على المؤيدات التى يبينها صاحب الرأى. وهو لا
يلزم أحدا أيا كان من صدر منه، نعم تبقى أهمية الرأى
المعبر عنه مرتبطة بالمؤيدات التى أسس عليها.
- وبين
إضفاء الصفة الإلزامية على حكم ما باعتباره حكما شرعيا يجب على الجميع تطبيقه
والخضوع له. وهذا يتعين أن يوكل إلى "مؤسسة"
يسند إليها المجتمع إقرار الأحكام الإلزامية بصرف النظر عن كون الحكم المعنى متفقا
عليه أو مختلفا فيه بين عدة آراء. وبذلك يكتسب "الحكم الشرعى"
حرمته ومصداقيته، بدل الفوضى الحالية الناجمة عن فتاوى التحليل والتحريم الفردية.
ومن الضرورى أن تكون المؤسسة منتخبة على غرار
البرلمانات القائمة اليوم أو بأية طريقة أخرى أكثر تحقيقا لتمثيل الأمة.
نعلم جميعا حقيقة الانتخابات فى العالم الإسلامى عموما، ولكن إذا كنا عاجزين عن إصلاح سلوكنا وعلاج
انحرافاتنا، فإن الحديث عن بناء حضارة إسلامية مكافئة لحضارة الغرب أو تفوقها يبقى
حديث نفاق وخداع والسكوت خير منه قطعاً.
(فبشر
عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا
الألباب ) (16).
فالمسلمون المبشرون فى الآية هم القادرون على
تمييز القول الأحسن من غيره عند تعدد الآراء التى
يستمعون إليها. أما الذين يكتفون بالتلقى، وليس لهم
قلوب يفقهون بها ما تلقوه فبعيدون عن الهداية. وحولنا عشرات المجتمعات منها
الواعية ومنها غير الواعية، فأى واقع يعيشه كل نوع
منهما؟.
والله من وراء القصد، وهو الهادى إلى سواء
السبيل.
الرباط
15/4/2002
المراجع
(1) يقول الإمام الغزالى: إنه لا يعنى بالقلب
اللحم الصنوبرى الشكل المودع فى
الجانب الأيسر من الصدر وإنما الذى يعنيه هو لطيفة
ربانية... وتلك اللطيفة هى حقيقة الإنسان، وهو المدرك
العالم العارف من الإنسان، وهو المخاطب، والمعاقب، والمعاتب، والمطالب - إحياء
علوم الدين الغزالى – 3/4.
(2) نفس المرجع- 529/4.
(3) ولعل واقع التعليم
ونسبة الأمية فى العالم الإسلامى،
يغنى عن كل تعليق.
(4) والأحداث الأخيرة خير
شاهد على ذلك.
(5) هذه العبارة المعبرة
عن الخلفية الأيديولوجية لفوكوياما، يحاول شرحها بقولـه
فى ذات المقال: " يمكن توضيح الأمور بالقول إن
الصراع الحالى ليس ببساطة معركة ضد الإرهاب، ولا ضد
الإسلام كدين أو حضارة ولكنه صراع ضد الفاشية الإسلامية، أى
العقيدة الأصولية غير المتسامحة، التى تقف ضد الحداثة والتى انبعثت حديثا فى أجزاء عديدة
من العالم الإسلامى".
(6) من مقال له فى نيوزويك الأمريكية بتاريخ 25/12/2001.
(7) آية
27 سورة الحديد.
(8) ومن المفارقات التى تستحق التوقف والتأمل، أن عدداً غير قليل اليوم من مفكرى الغرب يرون أن حضارتهم نسخة علمانية للمسيحية وأن
"الديمقراطية الحديثة نسخة علمانية للمبدأ المسيحى
فى المساواة الإنسانية عالميا"
-فوكوياما فى مقاله السالف الذكر- لكن هيهات الآن للناس أن يصغوا لهذه
المقالة بعد أن ترسخ فى ثقافة الأجيال المتعاقبة أن
النهضة كانت تنويراً عقلانياً على حساب اللاهوت والميتافيزيقا، المنتسبين إلى
اللامعقول.
(9) ألا نسير نحن على نفس النهج؟
- فصل ما يطلق عليه "التعليم
الدينى" عن مجمل وقائع الحياة وتطوراتها.
- رفع شعار: "لا
يجوز أن يخوض فى الأحكام الشرعية إلا أهل الاختصاص
".
- كل ما ينتجه المفكرون
والباحثون وأساتذة الجامعات المسلمون غير المتخرجين من "التعليم الدينى" فى العلوم الإنسانية
والعلوم الدقيقة بمختلف فروعهـا
- يصنف فى
خانة الإنتاج "الوضعى" أى
العلمانى بالاصطلاح الغربى.
فإذا كان "التعليم الدينى" غائبا- أو
يكاد- فى إنتاج ومواصلة إنتاج ما تحتاجه الأمة فى كل تخصصات ما يصطلح عليه بالعلوم الإنسانية والدقيقة،
وإنتاج "التعليم الآخر" "وضعى "
فكيف نتصور بناء "حضارة إسلامية مكافئة على الأقل للحضارات الأخرى؟..
(10) لا نقول هذا جزافاً،
وإنما هو الواقع المؤكد:
- فى ما لم يتناوله السابقون بالمناقشة
لعدم حاجتهم اليه، مثل: موضوعات قوانين الحريات العامة،
والانتخابات، والسير، والنقل الجوى، ومجالات أخرى لا حصر لها يفرضها التوسع
المستمر لمعرفه الإنسان وما يتبع ذلك من تطور فى
علاقاته بمن وبما حوله.
- فى
ماناقشه السابقون بالبساطة التى
كانت كافية للواقع الاجتماعى القائم كمؤسسات الدولة،
وأعوانها، وموظفيها، ومداخيل الخزينة العامة ( بيت
المال ) ونظام إنفاقها، والعلاقات والاتفاقات بين
الدول...
إلخ.
- بل حتى فى ما فصل فيه المتقدمون الحديث وأطالوا فى
تفريع جزئياته، مثل كثير من العقود، والشركات والحقوق العينية كالملكية والرهن،
ونظام القضاء، وإجراءات المحاكمة بفروعها المختلفة، ووسائل الإثبات. …إلخ.
(11) مثلا الفقه بقى
يناقش موارد بيت المال "كما وردت عند أبى يوسف فى
نهاية القرن الثانى، والحال أن هذه الموارد كلها انتهى
وجودها فى زمن مبكر من قيام الدولة الإسلامية. ومثل ذلك
تقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب أو الكفر، والمتساكنين
فى
" أرض الإسلام " إلى "مسلمين وأهل
ذمة".
(12) هذه الظروف يمكن
إرجاعهـا إلى:
- الموروث الثقافى المستمد من المجتمعين اليهودى
والمسيحى المنتشرين فى أماكن
غير بعيدة عن مهد الدعوة الإسلامية فضلا عن دخول عدد غير قليل من اليهود
والمسيحيين فى الدين الجديد دون أن يستطيعوا التخلص من
المعتقدات القائمة على حق الأحبار والرهبان وحدهم فى
تفسير نصوص الدين وبيان أحكامها.
- كثرة من دخل الإسلام من
غير العرب، حيث اضطرهم عدم معرفة لغة القرآن إلى الاكتفاء بما يقدمه إليهم
المتقنون لهذه اللغة، وما يضيفونه من شروح واستنتاجات...
(13) ليس معنى ذلك أن
الرجوع الى نصوص الكتاب والسنة الثابتة، يختفى معه تعدد الآراء، وإنما الذى
يتحقق هو "الاجتهاد" فى تفسير نصوص الوحى على ضوء واقع الإنسان المتطور معرفة وسلوكا، بدل الأكتفاء بنقل ما قاله السابقون وفقا لظروف الواقع والمعرفة التى عاشوا فيها.
أما تعدد الآراء فيتم تدبيره أو
الفصل بين "الرأى" الذى
هو "اقتناع شخصى " بحقيقة ما من الإنتقال به إلى وصف "الحكم" أو "القاعدة
الملزمة" الذى يفرض تحديد " المؤسسة، المؤهلة
لتقديم هذا، وهو اغفل قديما فتشتتت الأمة الواحدة إلى طوائف ومذاهب قددا.
وكثيراً ما نشاهد فى الفضائيات التليفزيونية
واعظين ومرشدين يرددون: إن هذا ليس قولى ولا رأيى، وإنما هو قول الله أو قول رسوله ثم يتلو آية أو حديثاً
نبويا. والحال أن الأمر يتعلق برأى اجتهادى
يخالفه رأى أو آراء اجتهادية أخرى فى تفسير الآية أو فى تفسير الحديث أو صحته.
(14) بما فى ذلك التخصص المستوعب لموضوع "فقه المعاملات "
وهو القانون بمختلف فروعه حيث ما يزال مرتبطاً بمرجعيته المستحدثة فى أصوله وقواعده، مفصولاً عن أصول الفقه وقواعده.
(15) فالفقه ما يزال يقدم
بالمعنى الذى انتقده الغزالى
عندما قال إنهم "خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة فى
الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها، واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة-
بها.
فمن كان أشد تعمقاً فيها وأكثر اشتغالاً بها يقال هو الأفقه.
إحياء
علوم الدين 1/48
(16) آية 17، 18 سورة الزمر.