الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية

مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية

و الحضارات المعاصرة

الأستاذ الدكتور/ أحمد صدقى الدجانى

دولة فلسطين

فى نطاق تناول موضوع "حقيقة الإسلام فى عالم متغير"، الذى اختاره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر العربية، موضوعاً لمؤتمره الرابع عشر المنعقد بالقاهرة فى ذكرى مولد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لعام 1423 (20- 23/5/2002)، يأتى هذا البحث ليتشوف "مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة".

-    لقد تحدثت ورقة عمل المؤتمر فى تقديمها لموضوعه عن "محاولات خلط للأوراق وربط ظالم بين الإسلام والإرهاب، فى ظل ظروف ومتغيرات يعيشها عالمنا المعاصر وبخاصة بعد أحداث 11/9، واتهام العرب والمسلمين بمعاداة الحضارة وتشجيع الإرهاب ". الأمر الذى يتطلب وقفة موضوعية تضع النقاط على الحروف بشأن حقيقة الإسلام، وتذكر أيضا بعطاء الحضارة الإسلامية للحضارة الأوروبية، وبما قدمته هذه الحضارة من "نموذج رائع للتعايش الإيجابى بين الأديان والحضارات". وانتهت الورقة إلى أن هذا التوضيح والبيان يصب فى نهاية الأمر فى "تحديد مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية وغيرها من الحضارات ". وهذا ما استهدفه المحور الرابع من محاور المؤتمر- الخاص بالرؤية المستقبلية- الذى يتكامل مع محاور: حقيقة الإسلام، والعلاقة بالآخر، والجهاد.بغية الوفاء بالمطلوب من بحثنا، سوف نمهد أولاً بحديث عن المفاهيم، ثم نتعرف على المشهد الحضارى العالمى والحضارة الإسلامية ضمنه، لنصل إلى تشوف مستقبل العلاقات بين حضارتنا الإسلامية والحضارات المعاصرة

. أولاً: تمهيد:

حديث عن المفاهيم:

الحضارة الإسلامية هى واحدة من حضارات عالمنا المعاصر. ولها دائرتها الحضارية التى تضم ديار الإسلام. ويتصل بها عدة مصطلحات من المفيد أن تكون مفاهيمها واضحة فى استخدامنا لها فى هذا البحث.

ثقافة وحضارة:

توجد فى إطار هذه الحضارة ثقافات كثيرة. والثقافة فى أبسط تعريفاتها هى " مجموع عناصر الحياة وأشكالها ومظاهرها فى مجتمع من المجتمعات" فهى إذا "جماع حياة المجتمع "، يكتسبها الفرد من مجتمعه، وينميها بجهد عقلى داخلى وبعلم يتخصص فيه، فيتأدب- على حد تعبير أجدادنا- آخذا من كل علم بطرف، ويعتز المجتمع بثقافته التى يتفرد بها لكونها نتاج امتزاج فكرى نفسى عاطفى يوجه الإنسان، كما لاحظ د.أذرشب فى ندوة التعاون العربى الإيرانى، ويمكن أن نضيف "وروحى" إيضا. وقد قدر أحد الباحثين الغربيين "ميردوك " وجود ثلاثة آلاف ثقافة فى عالمنا كما أورد هارى شابيرو فى كتابه "نظرات فى الثقافة"، وثقافة مجتمع ما تصور- كما لاحظ ويل ديورانت فى موسوعته قصة الحضارة " عملية الانتخاب الطبيعى الذى تقوم به تجارب لا حصر لها.. كما تصور حكمة الأجيال التى تعاقبت فى المجتمع فجمعت تراثاً غزيراً". ويلاحظ العلماء أن للدين تأثيرا قوياً على الثقافة، شأن اللغة. وانطلاقاً من هذا التعريف يمكن أن نتحدث عن "ثقافة النوبة" مثلاً  فى وادى النيل، ومثيلاتها هنا وهناك فى عالمنا، باعتبارها "ثقافة محلية"، وعن "ثقافة قطرية" هى جامع للثقافات المحلية.

والحضارة فى أبسط تعريفاتها هى "نمط من الحياة يتميز بخطوط وألوان من الرقى.. وتقوم فى دائرة من الاتساع المكانى والبشرى والزمانى.. وتتضمن نظماً ومؤسسات وقيما ومعانى تنطوى الحياة عليها". والحضارة بفعل ذلك كله تضم العديد من الثقافات القطرية، فى "جامع مشترك " تفاعل فيه الإنسان مع المكان والزمان، وكونته عناصر"الدين بما يوفره من رؤية كونية"، و "لسان جامع مشترك إلى جانب ألسنة أخرى" و"تاريخ وعادات ونظم " فى دائرة واسعة ينتمى إليها- حضاريا- كل البشر المقيمين فى هذه الدائرة على اختلاف أقوامهم ومللهم وأنماط حياتهم وشرائحهم الاجتماعية، وقد عرف تاريخ الإنسان قيام عدد من الحضارات وازدهارها وأفول بعضها.

وعُمران:

والعمران هو مصطلح اقترحه ابن خلدون فى مقدمته للدلالة على نمط الحياة بوجه عام، جاعلاً إياه أحدث الخواص التى تميز بها الإنسان عن سائر الحيوانات، وهو التساكن والتنازل فى مصر أو حلَّة للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات، لما فى طباعهم من التعاون على المعاش. ومن هذا العمران ما يكون حضرياً ومنه ما يكون بدويا. وقد استلهم ابن خلدون المصطلح من الهدى القرآنى (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (هود: 61). والعمران فى اللسان العربى هو نقيض الخراب، وعمر الإنسان هو اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، وهكذا يكون تعمير العالم المدلول الإيجابى للتغيير، لأن التغيير يمكن أن يكون سلبياً فيغدو تخريبا. وقد آن الأوان- ونحن ننظر فى مستقبل الحضـارة ونرى ما يتم باسم التحضر على صعيد الإخلال بالبيئة وبمحيطنا الحيوى وعلى صعيد الهندسة الوراثية- أن نميز بين التعمير الحضارى وأى تخريب فى إطار الظاهرة الحضارية. وهذا ما دعا كاتب هذا الحديث إلى اقتراح مصطلح العمران الحضارى للدلالة على التوظيف الإيجابى للمنجزات الحضارية فى كتابه "عمران لاطغيان ".

ودائرة حضارية:

فى ضوء هذه المصطلحات الثلاثة: الثقافة والحضارة والعمران، تتضح معالم مصطلح "الدائرة الحضارية" الذى يدل على حضارة نشأت وازدهرت، فى رقعة من الأرض يسكنها أقوام وملل وشعوب وقبائل وأمم شاركوا فى إقامتها وانتموا إليها بثقافاتهم المحلية والقطرية. وقد عنى التاريخ الحضارى بدراسة الظاهرة الحضارية فى الاجتماع الإنسانى عبر العصور، وبالتعرف على المجتمعات الحضارية التى ظهرت فيه، وبتحديد دوائرها الحضارية، وذلك منذ أن أرسى قواعدها ابن خلدون. ووقف أرنولد توينبى فى دراسته الجامعة "دراسة فى التاريخ " أمام واحد وعشرين مجتمعا حضاريا حفظ لنا التاريخ أخبارهم، ظهروا فى مختلف القارات، أشار إلى مجتمعات توقفت عن النمو الحضارى مثل: الإسكيمو، وانتهى إلى أن هناك سبعا من الحضارات بقيت ولكل منها دائرته الحضارية.

إن تعدد الحضارات التى قامت فى الاجتماع الإنسانى حقيقة يكاد يجمع عليها المختصون بالتاريخ الحضارى من المؤرخين. وقد فند هؤلاء مقولة نفرمن المؤرخين الغربيين الذين ظهروا فى عصر الاستعمار الأوروبى التى زعمت وجود حضارة واحدة هى حضارة الغرب الوارثة لحضارة الإغريق والرومان، وكل من كان خارج دائرتها فهم "برابرة". وهو التعبير الذى أطلقه بعض الإغريق القدماء على غيرهم. وكان لتوينبى جهد بارز فى هذا التفنيد، وهو الذى كتب "العالم والغرب " بهذا الهدف. ولافت أن التاريخ الحضارى شهد ازدهاراً فى القرن العشرين الميلادى، فى مختلف أنحاء عالمنا، أسهم فيه عدد من المؤرخين العرب والمسلمين. ويسجل كاتب هذا الحديث فضل بعض هؤلاء على جيله وعليه، ومنهم شكيب أرسلان، ومالك بن نبى، وجورج حداد أستاذ الحضارة فى الجامعة السورية فى الخمسينيات، وقسطنطين زريق، وجمال حمدان الجغرافى المؤرخ، وزكى نجيب محمود، وأنور عبدالملك وآخرون. ولايزال القول بحقيقة تعدد الحضارات فى عالمنا اليوم هو الغالب، إن برز رأى يقول بأن الحضارة الغربية باتت فى عصر ثورة الاتصال التى نشهدها حضارة كونية، وقد أشار هنتنجتون فى مقاله إلى ف. س. نايبول الذى طرح هذا الرأى وزعم أن حضارة الغرب كونية

كلية تناسب كل الناس، وطرح هذا الرأى مؤخراً محمود أمين العالم الذى تساءل "هل هناك حضارات متعددة فى عصرنا الحالى أم أن هناك حضارة واحدة؟ " وأجاب "بأن التعدد الحضارى كان موجوداً طوال التاريخ الماضى، بينما تسود فى عصرنا الراهن حضارة واحدة غربية المنشأ رأسمالية". وخالفه كثيرون شرحوا حقيقة تعدد الحضارات اليوم، ونجد مثلاً على ذلك فى ندوة مجلة المستقبل العربى صراع حضارات أم تعدد ثقافات، فى العدد 12/1988 التى شارك فيها معه: السيد ياسين وأسامة خليل وقيس جواد العزاوى، والحق أن تخلل بعض الإنجازات المادية الغربية الحضارات الأخرى، لا يعنى انتهاء هذه الحضارات، لأن ما يميز بين حضارة وحضارة ثقافتها وقيمها ورؤاها الكونية، وما الإنجازات المادية الغربية إلا ثمرة الإنجازات المادية للحضارات جميعاً التى تراكمت عبر العصور، ولذا لاحظ دارس الحضارات سهولة انتقالها فى إطار التفاعل الحضارى على عكس انتقال الأفكار. وقد فصل قسطنطين زريق شرح ذلك فى حديثه عن تفاعل الحضارات.

عناصر الدائرة الحضارية:

وبعد.. فإن مفهوم الدائرة الحضارية فى ضوء ما سبق، ووفقاً للتعريف الذى أوردناه يتضمن عنصرا جغرافياً وآخر بشرياً سكانياً وعنصراً ثالثاً تراثيا ثقافياً حضارياً عمرانياً تحكمه رؤية كونية يوفرها الدين فى غالب الأحيان والفلسفة الوضعية حيناً كما فى العلمانية الغربية.

ثانياً: المشهد الحضارى العالمى وحقائق حضارتنا:

ننظر فى الدوائر الحضارية فى عالمنا المعاصر. فنجد أن علماء التاريخ الحضارى المعتمدين يطرحون آراء متقاربة بشأنها، مع اختلاف حول نقاط بعينها، فهم متفقون على حقيقة تعددها. وقد رأى أرنولد توينبى حوالى منتصف القرن العشرين أنها سبع دوائر بقيت من المجتمعات الحضارية التى تتبعها فى "دراسته للتاريخ" وبلغت واحداً وعشرين، وهذه الدوائر السبع الباقية هى: الحضارة الغربية وتشمل عنده أوروبا والأمريكتين الشمالية والجنوبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الهندوكية، والحضارة الصينية، والحضارة الكورية

اليابانية، والحضارة المسيحية البيزنطية، والحضارة الأرثوذكسية المسيحية الروسية. وحين عمد صموئيل هنتنجتون إلى تحديد هذه الدوائر عند كتابة بحثه المثير للجدل حول صراع الحضارات فى عام 1993، مستنيرا بدراسة توينبى الجامعة، ذكر الغربية، ولكنه أخرج منها أمريكا الجنوبية، وجعل لها فرعين فقط: الأوروبى والأمريكى الشمالى، وقال بوجود حضارة أمريكا اللاتينية فى أمريكا الجنوبية، كما ذكر الحضارات الإسلامية، والهندوكية، والصينية التى سماها الكونفوشوسية، واليابانية، والأرثوذكسية " السلافية" مستبدلا هذا المصطلح بالروسية. وذكر أخيراً احتمال وجود حضارة أفريقية قائلا "وربما الإفريقية". ونكتفى بتسجيل هذين الرأيين لشهرة كل منهما فى الغرب وفى العالم بعامة.

ثمان دوائر حضارية فى عالمنا:

الرأى الذى نطمئن إليه بعد إعمال فكر وإمعان نظر، هو أن هناك اليوم ثمان دوائر حضارية يمكن التمييز بينها تكشفها النظرة المحيطة، وتسود فى كل منها حضارة غالبة لها خصائصها. فهناك الغربية بفرعيها الأوروبى والأمريكى الشمالى، والحضارة الأمريكية الجنوبية التى جاءت ثمرة تفاعل حضارة المستعمرين المستوطنين الغربيين القادمين من شبه جزيرة أيبريا مع حضارة سكان البلاد الأصليين مع الحضارة الأفريقية المتأثرة بالحضارة الإسلامية، ونحن مع الرأى الذى يميزها عن الحضارة الغربية، وهناك الحضارة الهندوكية فى الهند، وهناك الحضارة الأرثوذكسية السلافية فى روسيا وأوروبا الشرقية الجنوبية، وهناك الحضارة الأفريقية السائدة فى جنوب الصحراء فى قارة أفريقيا، والحضارة الإسلامية بفروعها فى آسيا وأفريقيا.

وقفة أمام دائرة الحضارة الأفريقية:

يجدر الوقوف هنا لتأكيد حقيقة وجود دائرة حضارية أفريقية وذلك فى ضوء عدم ذكر توينبى لهـا وقول هنتتنجتون باحتمال وجودها. والحق أن نظرة متأنية لتاريخ أفريقيا العام الذى جمعته منظمة اليونسكو فى سبعة مجلدات فى عهد مديرها العام أحمد مختار أمبو، تؤكد أن هذه الحضارة كانت قائمة فى أنحاء

مختلفة من أفريقيا قبل حلول كارثة الاستعمار الأوروبى للقارة والنهب الاستعمارى لها والذى شمل فيما شمل الكثير من الوثائق المكتوبة. وقد تفاعلت هذه الحضارة مع الحضارة الإسلامية بفرعها الأفريقى بخاصة الذى عم أفريقيا شمال الصحراء وشرق أفريقيا، فجرى استخدام الحرف العربى أحياناً فى كتابة لغات أفريقية. وهناك اليوم صحوة علمية إزاء هذه الحضارة يتوقع لها أن تكشف الكثير عنها، كما كشفت البحوث العلمية الغربية ازدهار حضارة أمريكا قبل كولمبس: المكسيكية وألانكا والإنديز والمايا. والأمل أن تسهم مراكزنا العلمية الثانية. وكم طاب لى مؤخرا حين التقيت بأخى أحمد مختار أمبو- زميلى فى أكاديمية المملكة المغربية- أن أستزيد من علمه بهذه الحضارة، فسمعت منه ما يستحق حديثا مفصلا ليس هذا مجاله.

حلقات مركزية وتخوم:

حين نتأمل كلا من هذه الدوائر الحضارية نلاحظ وجود حلقة مركزية فيها تحيط بها حلقات تنتهى بمحيط الدائرة الذى هو تخومها مع بقية الدوائر. وللحلقة المركزية موقع متميز، كما أن للتخوم أهميتها. وفى دائرتنا الحضارية الإسلامية يمثل جزءا من الوطن العربى. هذه الحلقة المركزية فيها مصر وفلسطين وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، وتخوم الدائرة تقوم مع الدوائر الأفريقية والهندوكية والصينية والغربية والأرثوذكسية السلافية، فى قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا.

إن تخوم أى دائرة حضارية يمكن أن تكون مناطق وصل بين الحضارات فى عهود السلم، كما يمكن أن تكون مناطق فصل فى عهود الحرب حين تنشب نزاعات وتحتدم صراعات. ووفقاً للرؤية الكونية التى تحكم الحضارة تكون النظرة إلى هذه التخوم ويكون التعامل معها. ولقد تجلى هذا الأمرفى الفرضية التى، انطلق منها صموئيل هنتنجتون فى كتابه "صدام الحضارات " مؤخراً. والفرضية التى قدمها هى بكلماته "أن المصدر الأساسى للنزاعات فى هذا العالم الجديد لن يكون مصدراً أيديولوجياً أو اقتصاديا فى المحل الأول. فالانقسامات الكبرى بين البشر ستكون ثقافة والمصدر المسيطر للنزاع سيكون ثقافياً، وستظل الدول الأمم هى أقوى اللاعبين فى الشئون الدولية، لكن النزاعات الأساسية فى السياسات العالمية ستحدث بين أمم ومجموعات لها حضارات مختلفة. "وسيطر الصدام بين الحضارات على السياسات الدولية، وبذلك ستكون الخطوط الفاصلة بين الحضارات هى خطوط المعارك فى المستقبل ". فالرؤية هنا تحكمها فكرة "الصراع " ولذا أصبحت النظرة إلى التخوم على أنها خطوط معارك بين الدوائر الحضارية، وعلى العكس من ذلك حين تكون الرؤية الكونية محكومة بفكرة أن الله جل وعلا خالق كل شىء، خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ومن ثم ليتعاونوا على البر والتقوى، فإن النظر إلى التخوم تصبح على أنها مناطق وصل بين الدوائر الحضارية وليس مناطق فصل. وهذا هو الشأن فى حضاراتنا الإسلامية التى ظهر فيها رمز "السندباد" البحرى والبرى. فالتعارف والتعاون على البر والتقوى هو الأصل فى العلاقات بين الدوائر الحضارية، والاستثناء هو الصراع يحدث "طغيان " يبغى بغير حق.

موقع دائرتنا الحضارية:

فى ضوء ماسبق يتضح مكان دائرة الحضارة الإسلامية من دوائر حضارات عالمنا المعاصر وبينها، فهى واحدة منها تجاور خمسة أخرى، وهى تمتد فى قلب المساحة التى تشغلها قارات عالمنا الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهى تشهد من ثم تفاعلات حضارية قوية. كما يتضح أيضاً موقع وطننا العربى فى هذه الدائرة، فى مركزها وفى طرفها الغربى حتى شاطئ الأطلسى.

وقفة أمام اسم دائرة الحضارة الإسلامية:

فى ختام هذا الجزء من حديثنا نستشعر الحاجة إلى وقفة أمام الأسماء الشائعة للدوائر الحضارية ومن بينها اسم حضارتنا، ويلفتنا أن بعضها سمى بمكان الدائرة، وواحدة وفق الجهة، وبعضها برز فى اسمه الدين الغالب. فالأفريقية والأمريكية الجنوبية واليابانية أعطى المكان أسماؤها، والغربية نسبة إلى الغرب، وكانت قبل امتدادها إلى أمريكا الشمالية تعرف الأوروبية نسبة إلى المكان. والهندوكية نسبة إلى الدين الغالب، الكونفوشيوسية الصينية والأرثوذكسية السلافية برز فى اسميهما الدين والأقوام، أما الإسلامية فأخذت اسمها من الإسلام. وقد حبَّذ بعض مؤرخى الحضارات العرب إضافة كلمة العربية للإسلامية. وذلك للإشارة إلى أن اللسان العربى الذى أنزل به القرآن                                                                                                                                                                                                                                                               الكريم كان لغة التعبير الأولى، وأن للعرب دوراً فى حمل رسالة الإسلام ونشرها، كما أن لوطنهم مكان مركزى فى هذه الدائرة الحضارية. ويحبذ آخرون الاقتصار على كلمة الإسلامية تجنباً لإثارة حساسيات الانتماءات القومية فى هذا العصر الذى قامت فيه الدول القطرية، وتوخياً للاختصار.

واضح أن للرؤية الكونية، دينا كانت أو فلسفة، مكان خاص ودور خاص فى كل هذه الحضارات، سواء منها من حملت اسما يشير إلى الدين الغالب أو من لم تحمل. ومعلوم أن للبوذية والشنتوية مكانهما فى الحضارة اليابانية، شأن المسيحية الكاثوليكية فى الأمريكية الجنوبية، شأن الأديان الأفريقية فى الأفريقية، وهذه تستحق أن ندرسها. وإذا كانت العلمانية بفلسفاتها غلبت على الحضارة الغربية فى القرنين الأخيرين إلا أن المسيحية بمذهبها الكاثوليكى ونحلها المتفرعة من المذهب البروتستانتى كان لها تأثيرها الفعال فيها، وهذا ما نراه فى أوروبا المتوسط حيث الكاثوليكية وفى الشمال الأوروبى والولايات المتحدة الأمريكية وكندا حيث تنتشر النحل البروتستانتية.

بقى أن نقول إن بروز الرؤية الكونية المؤمنة فى الحضارة الإسلامية لدى المسيحيين والمسلمين المؤمنين بالله جعل كثيرين فى الغرب يستعملون كلمة "الإسلام " للدلالة على هذه الحضارة بجميع من ينتمى إليها، وهذا هو المدلول الحضارى لكلمة الإسلام يضاف إلى مدلول رسالة الإسلام الخاتمة ورسالات الإسلام التى سبقت.

حرب العولمة الجارية:

نتابع التعرف على المشهد الحضارى لعالمنا المعاصر، فأجد عند كتابة هذه السطور فى مطلع الأسبوع الثانى من شهر أبريل نيسان 2002، محرم 1423 أن دائرتنا الحضارية مستهدفة بحرب العولمة التى يشنها العولميون "القارونيون الجدد" عليها بقيادة الإدارة الأمريكية. وفى نطاق هذه الحرب يقوم جيش المستعمرين المستوطنين الصهاينة العنصريين منذ مارس 2002 بحرب إبادة على الشعب، العربى الفلسطينى تستهدف إخضاعه واخضاع الأمة، وإنهاء انتفاضة الأقصى- ضد الاحتلال الإسرائيلى لوطنه وللقدس- التى أكملت شهرها الثامن عشر، وذلك بعد أن أعلنت الإدارة الأمريكية يوم 11 مارس بدء المرحلة الثانية فى هذه الحرب، وكانت قد باشرت المرحلة الأولى فى أفغانستان فى 10/7/ 2001 إثر زلزلة

11/9/ 2001 التى أصابتها. ويواجه الشعب العربى الفلسطينى هذه الحرب بمقاومة بطولية للمستعمر المستوطن الصهيونى تمنع فى نطاق ظاهرة المقاومين لطغيان العولمة وطغوتها وهيمنتها. وقد فصلنا عن هذه الحرب فى بحث مستقل.

 

المشهد الحضارى وتأملات فيه:

إن المشهد الحضارى لعالمنا المعاصر اليوم مستمر فى خطوطه الأساسية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقد سبق أن وقفنا أمامه فى مطلع عقد تسعينات القرن العشرين فى كتابنا "عمران لا طغيان " فوجدنا بداية مناخاً من نوع خاص مخيم عليه فيه ما يبعث على التفاؤل والكثير مما يبعث على التشاؤم. وقد أشارت السيدة فرو هارلم برونتلاند- رئيسة اللجنة العالمية للبيئة والتنمية- إلى هذا المناخ فى مقدمتها لتقرير اللجنة الذى صدر مؤخراً باسم مستقبلنا المشترك، فذكرت كيف وقعت مآس عدة خلال إعداد التقرير مثل: المجاعات الأفريقية، وتسرب الغاز فى مصنع المبيدات فى بوبال بالهند، والكارثة النووية فى تشيرنوبيل فى الاتحاد السوفيتى، بينما أزمة الديون تفعل فعلها فى الدول النامية مع هبوط الأسعار للسلع الأولية وهبوط الدخول الفردية، وكان مجال العلاقات الاقتصادية الدولية يثير القلق فى العالم أجمع، وأشارت إلى أن أعوام الستين شهدت أوقاتاً للتفاؤل والتقدم حين كان هناك أمل فى عالم أكثر شجاعة وفى أفكار دولية تقدمية بعد أن غدت المستعمرات التى تحظى بالموارد الطبيعية دولاً مستقلة، وبدا أن هناك سعياً جاداً نحو مثل التعاون المشترك. ولكن أعوام السبعين شهدت مفارقة تمثلت فى الانزلاق البطئ إلى حالات ردود فعل وعزلة فى وقت كانت فيه سلسلة مؤتمرات للأمم المتحدة تقدم الأمل بتعاون أعظم فى معالجة القضايا الرئيسية. وتميز عقد الثمانين بالتراجع عن الاهتمامات الاجتماعية، والتفات العلماء إلى الخطر الذى يتهدد البيئة بعد أن أصبح التردى البيئى مسألة حياة أو موت بالنسبة للأمم النامية بعد أن كان فى بادئ الأمر مشكلة تخص الأمم الغنية مقترنة بالثورة الصناعية.

لقد سلط تقرير مستقبلنا المشترك أضواء على واقع عالمنا الحضارى، شأن كثير من التقارير الأممية والدراسات التى صدرت حديثاً. فهناك إيجابيات فى هذا الواقع يوقف أمامها فنحن نستطيع أن ننقل المعلومات والبضائع عبر كوكبنا بأسرع مما كان فى أى وقت مضى، ونستطيع أن ننتج غذاء أكثر باستثمار موارد أقل، وتقدم لنا تكنولوجيتنا وعلومنا- على الأقل- القدرة على النظر بصورة أعمق فى أنظمة الطبيعة وفهمها بشكل أفضل. ومن الفضاء نستطيع أن نرى وندرس الأرض كنظام تتوقف صحته على صحة جميع أجزائه. ونحن نملك القدرة على المواءمة ما بين الجهود البشرية وقوانين الطبيعة، ونؤهل ازدهاراً خلال ذلك، وفى هذا يستطيع تراثنا الثقافى والروحى أن يعزز مصالحنا الاقتصادية ويدعم ضرورات بقائنا. وهناك فى هذا الواقع نجاحات منها، انخفاض معدلات الوفيات بين الأطفال، والزيادة فى طول أعمار الناس، وارتفاع نسب البالغين القادرين على القراءة والكتابة فى العالم، ونسبة الأطفال الذين يدخلون المدرسة، وزيادة الإنتاج العالمى للغذاء بأسرع من نمو السكان، لكن هذه العمليات نفسها التى أدت إلى هذه المكتسبات هى التى أوصلت إلى إخفاق على صعيد التنمية من منظور عالمى تجسده هذه الفجوة ما بين أمم غنية وأخرى فقيرة- التى تتسع بدل أن تضيق وتدل عليه أرقام عدد الناس الجائعين فى العالم والأميين منهم وعدد المحرومين من المياه النقية أو المساكن الصالحة. كما أوصلت هذه العمليات إلى إخفاق فى إدارة بيئتنا البشرية بفعل اتجاهات بيئية تهدد بتفجير كوكبنا وتهدد بالخطر حياة العديد من الكائنات الحية التى تقطنه. ففى كل سنة تتحول ستة ملايين هكتار من الأرض الجافة المنتجة إلى صحار، وهناك أكثر من أحد عشر مليون هكتار من الغابات تدمر سنويا و تقتل الأمطار الحامضية غابات وبحيرات وتخرب التربة، ويؤدى حرق الوقود الأحفورى إلى نشر ثانى أكسيد الكربون فى الجو، مما يتسبب فى الزيادة التدريجية للحرارة فى العالم، وتهدد غازات صناعية أخرى باستنزاف غلاف الأوزون الذى يحمى الكرة الأرضية، الى الحد الذى يمكن أن يرتفع معه بشكل حاد عدد إصابات الناس والحيوانات بالسرطان، وتتعرض للاختلال دورة الغذاء فى المحيطات، وتطرح الصناعة والزراعة مواداً سامة فى مكونات الدورة الغذائية للإنسان، وفى طبقات المياه الباطنية إلى حد يتجاوز إمكانية التطهير.

يخرج المتأمل فى الواقع الحضارى فى عالمنا أيضاً بأن الأواصر بين البيئة والتنمية أواصر معقدة وهى فى حالات كثيرة لا تفهم على الوجه المطلوب. لكن النظرة الشاملة للأمن الدولى والقومى يجب أن تتجاوز التركيز التقليدى على القوة العسكرية وسباق التسلح. فالمصادر الحقيقية لانعدام الأمن تشمل أيضاً التنمية غير المستديمة. وقد تحدث تقرير مستقبلنا المشترك- وهو ينبه إلى هذا الأمر- عن الإجهاد البيئى كمصدر للنزاع، وعن النزاع كسبب للتنمية غير المستديمة. فالتفاعل بين الفقر والظلم وتدهور البيئة والنزاع جار على قدم وساق وبطرائق معقدة وفعالة، ومن مظاهره ظاهرة ما يسمونه لاجئ البيئة التى تشتمل أسبابها الكامنة على تردى قاعدة الموارد الطبيعية وقدرتها على اعالة السكان، ومثل عليها أحداث القرن الأفريقى منذ السبعينات التى شهدت هروب زهاء عشرة ملايين أفريقى فى عامى 84- 85 من ديارهم بسبب الحروب التى نشبت إثر حدوث الجفاف، وكان من أسبابها سوء استخدام الأرض المستمر على فترة طويلة، وواضح أن سوء الاستخدام هذا مرتبط بالاستغلال الذى هو التعبير الصارخ عن الظلم، وقد أوضح مشروع الهيئة البيئية للسلفادور الذى أعدته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إثر الأحداث التى جرت هناك مؤخراً أن الأسباب الأساسية للصراع الدائر ليست أسباباً بيئية بقدر ما هى أسباب سياسية، نابعة من معضلات تتعلق بتوزيع الموارد فى أرض مكتظة. و أحد الأمثلة على هذا الاستغلال: سياسة الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا ؛ فمن الطرائق التى تعتمدها هذه السياسة باسم نظام أراضى الوطن الذى يخصص 14% من أراضى البلاد إلى 72% من السكان. وينجم عن ذلك هروب الشباب السود من هم فى سن العمل من هذه الأراضى التى أنهكتها الزراعة والرعى بحثاً عن العمل فى المدن، وهناك يواجهون ظلماً اجتماعياً واقتصادياً قاهراً وتمييزاً عنصرياً غاشماً، فيناضلون فى مواجهة ذلك ويعمد النظام إلى قمعهم فيبحث ضحاياه عن ملجأ عبر الحدود، فيعمد نظام جنوب إفريقيا إلى توسيع رقعة الصراع لتشمل الدول المجاورة. وتقع المنطقة بأسرها أسيرة صراع أوسع. ويذكرنا هذا الحديث عن النظام العنصرى فى جنوب إفريقيا بما يقوم به النظام العنصرى الصهيونى فى فلسطين، وتتداعى إلى الخاطر السياسات التى تمارسها القاعدة الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية فى منطقة الوطن العربى.

لقد شهد الواقع الحضارى فى عالمنا فى مرحلة الحرب الباردة نشوب صراعات كثيرة وفى خضم هذه الصراعات وهذه الحروب بلغ الإنفاق العسكرى فى عالمنا تريليون دولار سنويا، مستهلكا فى بلاد كثيرة نسبة عالية من إجمالى إنتاجها الوطنى، وخيم شبح الحرب النووية مهدداً العمران البشرى، وامتلأت مخازن السلاح بأسلحة الدمار الجماعى الأخرى، وانتشرت ثقافة السلاح التى استخدم فيها نصف مليون عالم فى أبحاث التسلح على الصعيد العالمى، ودأبت دول كثيرة على التمسك بهذه الثقافة ونشرها وبخاصة فى الدول المنتجة للسلاح.

وقد قدر تصدير السلاح بأكثر من 35 مليار دولار سنويا التهمت فيها تجارة السلاح ما يربو على 300 مليار دولار خلال العقدين الماضيين ؛ ثلاثة أرباعها على شكل مبيعات لما يعرف بالبلدان النامية. وهكذا يتجلى الصراع سببا لحدوث ما يسميه تقرير مستقبلنا المشترك: التنمية غير المستديمة.

إن هذا الواقع الحضارى فى عالمنا يؤثر على حياة الإنسان أينما كان على سطح كوكبنا. وهناك كثيرون اليوم فى مختلف الأنحاء يقفون اليوم وهم يتأملونه أمام حروب محلية إقليمية وصراعات دموية، وفقر وسوء تغذية وأمراض وديون، وتدخل صندوق النقد الدولى، وانهيار أسعار، وكوارث بيئية تفعل فعلها فى العديد من بنى البشر؛ وبخاصة فى الجنوب فى عالمنا الذى تزداد فجوة الثروة القائمة بينه وبين الشمال أتساعا وإذا كان الشعور بالتفاؤل قد عم بعض الأوساط فى أعقاب انتهاء الحرب الباردة بشأن هذا الواقع الحضارى حيث بدا لها أن الأزمة الاقتصادية العالمية انتهت، وقامت الديمقراطية فى أماكن لم تكن متوقعة، ولم يعد بالإمكان التعرف على الخريطة الأيديولوجية والاجتماعية فى القارة الأوروبية، وأصبحت المؤشرات فى البلاد المتطورة تبشر برحلة جديدة من النمو تستمر عدة سنوات، إلا أن هذا التفاؤل سرعان ما اصطدم بحقيقة أن المشاكل التى تنجم عن النظام العالمى السائد ستستمر من مشكلة عدم التوازن بين البلدان إلى مشكلة الانتقال العسير لنظام السوق إلى مشكلة المظالم بين المجموعات الاقتصادية فضلا عن مشاكل البطالة والمجاعات وفوضى الأسواق المالية والمواد الأولية. ويتطلع البعض إلى التحديث التقنى كحل يكفل سير الأمور نحو الأحسن وبأقل ما يمكن من الشرور، ولكن البعض الآخر ينبه إلى أنه لا يمكن تأمين النمو المستمر فعلا إلا إذا توقفت سياسات الدول الكبرى الاقتصادية عن السير فى الاتجاه المعاكس، إذ لا يمكن للمضاربات الأمريكية المفرطة فى الولايات المتحدة والعجز بالوفر الحقيقى وعودة التضخم وزيادة معدلات الفائدة وديون الشركات أن تسلم من الهزات الخطيرة فى أسواق البورصة، كما أن النمو- بشكل عام حتى فى أكثر البلاد ثراء- لا يمس إلا فئة محدودة من السكان، والبنية التحتية لا تزال متخلفة فى عدد من البلدان الغنية نفسها، كان ذلك بالنسبة للجسور أو شبكات الطرق أو منشآت التعليم فى وقت لا ينعكس فيه تطور النفقات على هذه البنية، هذا فضلاً عن أن العزلة أصبحت مهيمنة فى المدن الكبرى، فالعديد من الناس غارقون تحت كتلة من المعلومات، ويتجه بعض هؤلاء فى المجتمعات الغنية بالدرجة الأولى إلى الاكتفاء بالتمتع بمشهد القوة فى ملذات الأقلية وتعاطى المكيفات. وتؤكد دراسات غربية أن السياسات الاقتصادية فى الغرب لا تزال تتبنى مفهوما للتنمية يجعلها تنمية لصالح الأغنياء والمؤثرين، ولا تزال غافلة عن متطلبات حماية البيئة حين تتابع الحديث التقليدى عن التكاليف والعائد غير المادى، متجاهلة الحاجة إلى نظام اقتصادى جديد يسلك مسلكاً مخالفاً للتكاليف والعائد غير المادى ، متجاهلة الحاجة الى نظام اقتصادى جديد يسلك مسلكا للتكاليف والعائد غير المادى ، وقد أدت هذه السياسات إلى زيادة أعباء العالم فى الجنوب وإلى استقطاب الثروة والدخل فى الشمال، وحدث هذا الاستقطاب أيضاً داخل مجتمعات الرخاء نفسها فارتفع مؤشر البطالة ليصل فى الجماعة الأوروبية مثلا 15% من القوى العاملة، واكتسبت الممارسات الاقتصادية المشبوهة أو السوداء التى يتم بعضها عن طريق العنف أهمية كبيرة. وتبدو العواقب النهائية لهذه السياسات فى رأى أصحاب تلك الدراسات غامضة ومشكوك فيها.

 

مشكلات وأخطار:

لقد دأبت التقارير الأممية التى تناولت هذا الواقع الحضارى فى عالمنا خلال العقدين الماضيين على التحدث عن المشكلات التى تتحدى البشرية جمعاء فتقرير اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال مثلاً الذى صدر عن اليونسكو عام 1981 بعنوان "أصوات متعددة وعالم واحد) أوضح أن تحديات مشكلات البيئة والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية لاسيما غير المتجدد منها، وأزمة الطاقة، والعمالة، والتضخم، والكفاح ضد الآفات الاجتماعية التى تنتشر داخل الأمم وتسود فيما بينها، والدفاع عن حقوق الإنسان.. كفاح ضد مخلفات الاستعمار، وحماية السلاح، ونزع السلاح، هى تحديات يرتبط بعضها ببعض ولا يمكن مواجهتها إلا بتضافر القوى التى نعيش فى كنفها والتى جعلت عالمنا أكثر ترابطاً، وأصبح مفهوم العالم عند إنسان العصر بفعلها أشمل وأعمق. وكان إعلان الأمم المتحدة الخاص بإقامة نظام دولى جديد الذى صدر فى أيار- مايو 1974، قد لاحظ وجود فجوة كبيرة آخذة فى الاتساع بين دول غنية وأخرى فقيرة، وأن مكاسب التقدم التقنى ليست مقسمة بالتساوى بين أعضاء المجتمع الدولى، وقد ثبت أنه من المستحيل تحقيق تنمية عادلة ومتوازنة للمجتمع الدولى فى ظل النظام الاقتصادى الحالى، ذلك أن الفجوة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية مستمرة فى ظل نظام أقيم فى وقت لم يكن فيه للبلدان النامية وجود كبلدان مستقلة، وهو نظام يدعم عدم المساواة. ويتجلى انعدام المساواة فى هذا النظام على مختلف الصعد.. استغلال موارد المحيطات بصورة سيئة أو بصورة بالغة الكثافة من جانب قلة من الدول تنتهك الحق المتكافئ لجميع الدول الأخرى فى التمتع بنصيبها مما هو هبة الطبيعة للبشرية جمعاء.. وما يتم على صعيد إنتاج الغذاء وتوزيعه.. وعلى صعيد انتشار التقنية والصناعات.. وعلى صعيد تأثير الإنسان على البيئة.. وعلى صعيد بنى التجارة وشروط التبادل التجارى.. وعلى صعيد استخدام المواد الخام.. وعلى صعيد العمل والعمالة. وما يصدق على هذا النظام الاقتصادى يصدق على نظام الاتصال الدولى، وعلى النظام السياسى الدولى، أى على النظام العالمى بجوانبه المختلفة.

يتجلى لنا من خلال هذا المشهد الحضارى خطران يهددان العمران فى عالمنا أولهما: خطر طغيان العولميين على البيئة وامتهانهم لها والتعدى عليها بحجة قهر الطبيعة، كما يتمثل فى التدخل فى ناموس الخلق بدون ضابط وتغيير خلق الله. وقد رأينا فيما سبق من الحديث أمثلة على هذا الطغيان على البيئة، أما التدخل فى ناموس الخلق بدون ضابط فإن أمامنا أمثلة عليه فى بعض تطبيقات الهندسة الوراثية، بعد أن توصل المشتغلون بعلم الحياة إلى شطر وحدة الوراثة- الجين- وبنائه من جديد، فأحدثوا ثورة على صعيد الصناعة العلمية قوامها هندسة عملية الحياة للأغراض التجارية بيوتكنولوجى- التقنية الحيوية. والواقع القائم اليوم على هذا الصعيد يشير إلى أن قدرات المشتغلين بالطب التقنى من أطباء وباحثين تجاوزت العرف التراثى والأخلاقى للبشر على حد تعبير المحرر العلمى لمجلة نيوزويك. والموضوع مطروح على الكافة ومتداول على صعيد المشتغلين بالطب النفسى الذين لا يقفون فى بحوثهم عند خطوط حمر؛ وعلى صعيد الحكومات التى لها اهتمام قانونى فى تأمين انتقال الحياة من حبل إلى آخر بشكل منتظم ؛ وعلى صعيد المجتمعات التى تحكمها اعتبارات دينية وخلقية ؛ وعلى صعيد رجال الأعمال الذين يريدون توظيف هذا الجديد واستثماره.

الخطر الآخر يواجه الإنسان بخاصة ويتمثل فى: طغيان بعض البشر على أخوة لهم فى الإنسانية وبغيهم عليهم بغير حق فى صورة قارونية معاصرة. ومن مظاهره القهر السياسى بصوره المختلفة واتساع الفجوة بين قلة غنية وكثرة فقيرة وتفجر الصراعات بين الأقوام والملل والطبقات.

 

إمكانية المعالجة:

يبدو مستقبل الحضارة فى ضوء ما سبق محل تساؤل الإنسان فى عصرنا، ويشتد القلق على مصير الإنسانية والمحيط الحيوى بعامة، ويسود فى بعض أوساط أصحاب الرؤية الملحدة الدهرية المادية يأس من إمكانية الإنقاذ، فالوقت فات، والساعة هى الخامسة والعشرون، وقد اتسع الخرق على الراتق.. ولكن أصحاب الرؤية المؤمنة ليسوا بيائسين، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، بل إنهم أمضى عزيمة لمواجهة الأخطار التى تهدد الإنسان والكائنات الحية والأرض؛  والاستجابة لتحدياتها. وهم ينطلقون من رؤيتهم المؤمنة فى تأملهم لهذه اللحظة التاريخية التى تعيشها الحضارة اليوم، وفى إعمالهم الفكر لتحديد ما ينبغى عمله فى ضوء سنة الأولين.

لقد وقف أرنولد توينبى طويلاً أمام هذه اللحظة التاريخية فى شيخوخته وهو يكتب الإنسان وأمه الأرض، فرأى أن البشرية تأخذ بخناقها أزمة خانقة، وهى لا تقل فى شرها عن الحربين العالميتين، والمستقبل مزعج. وعرض احتمال حدوث نكبة من صنع الإنسان تدمر المجال الحيوى، وتقضى على البشرية جمعاء مع استكمال الحياة الأخرى، ثم قال هذا احتمال لكنه ليس الخيار الوحيد. ولاحظ أن الإنسان زاد فى قوته المادية بحيث أصبح خطراً حتى على بقاء المجال الحيوى، لكنه لم يزد إمكاناته الروحية، وقرر أن التغيير الوحيد المعقول فى تركيب المجال الحيوى الذى يمكن أن ينقذ هذا المجال هو زيادة القدرة الروحية للإنسان. وأكد علة أن الإنسان يظل بالإضافة إلى أنه طبيعة وجسم يتمتع بروح، وهذه الروح تمتلك الوعى، ومن ثم فالإنسان يمكنه أن يختار إما الخير وإما الشر. وأعرب عن اعتقاده أن مرض المجتمع الحديث لا يمكن شفاؤه إلا بثورة روحية فى قلوب بنى البشر وعقولهم. فالعلل الاجتماعية لا تعالج بالتغيرات المؤسسية.. فالعلاج الناجى هو روحى؛ لأن كل مؤسسة اجتماعية تقوم على فلسفة أو دين، وهى بحسب القاعدة الروحية التى أقيمت عليها تكون حسنة أو سيئة، وأنا أوافق على أن الإنسانية بحاجة إلى أساس روحى جديد، وكثيرة هى الأصوات التى انطلقت من مختلف أنحاء عالمنا مؤكدة على الحاجة الملحة فى عصرنا إلى الإيمان.

إن الرؤية المؤمنة المسلمة لهذه اللحظة الحضارية التاريخية تكشف عن وجود إمكانية كبيرة لاختيار الخير وانتصاره على الشر. وهى على يقين من إمكانية النجاة على الصعيدين الفردى والجماعى بالإيمان والعمل الصالح والتواصى بالحق والتواصى بالصبر. وهى تستحضر قصص الأولين فنجد أمثلة كثيرة على ذلك، انهزم فيها الطغيان والبغى بغير حق وانتصر فيها المؤمنون بفضل الله. وهكذا انتهت الفرعونية الطاغية والقارونية الباغية، وأمثالها من المفسدين فى الأرض. وتتأمل هذه الرؤية المؤمنة المسلمة تاريخ الحضارات الإنسانية فتلاحظ السنن التى تحكم هذا الصراع بين الخير والشر.

إحدى هذه السنن هى قدرة الدين على النفاذ برسالته وقيمه وتعاليمه فى أوساط الحضارة التى تعانى أزمة روحية. ومثل على هذه السنة بما وقف أمامه أرنولد توينبى متأملاً ما حدث فى الإمبراطورية الرومانية حين فتحت بلدان الشرق عسكرياً، فوقع هجوم معاكس من قبل الشرق هو اجتياح الأديان الشرقية بلدان الغرب على حد قوله. وقد توقع أن يرتد الغرب والعالم عن عبادة العقائد الحديثة مثل: الشيوعية والفردية والعلمانية، وعبر عن أمله أن تنتصر فكرة المحبة من خلال الإيمان بالله. وأوضح فى كتابه "العالم والغرب " أن المثل الأعلى للإخاء الإنسانى الذى خرج منتصراً من تمازج الحضارات هو أول تفسير لنجاح هذه الأديان التى تخاطب كل الكائنات البشرية دون تمييز فى العنصر أو الطبقة أو الجنس، والتى أنقذت أعضاءها بالاتحاد مع كل كائن أعلى، وذلك لأنها تعلمت أن الطبيعة البشرية دون النعمة الإلهية لا تكفى. لقد كان الشرقيون يجربون نوعين من المتألهين خيبوا الآمال، فالعسكرية المتألهة المتمثلة فى الإسكندر كانت فضيحة رنانة. والإسكندر هو قاطع طريق أكثر منه إله. وماذا نقول عن البوليس المتأله أغسطس قيصر؛ ويمكننا القول أن ما سبق وحصل مرة فى الماضى ما زال أحد الأمور الممكنة فى المستقبل. والمثل الآخر الذى نستحضره على هذه السنة هو انتشار الإسلام فى أصقاع الأرض، رسالة رحمة للعالمين.

إن إنقاذ العمران الحضارى فى عالمنا يبدأ بالدعوة إلى الإيمان بالله سبحانه خالق الموت والحياة الذى لا إله الا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ؛ وباعتماد الرؤية المؤمنة المسلمة فى النظر إلى كل الأمور وهذه الرؤية تقدم نظرة كونية تقول بمبدأ وحدة الأصل البشرى ومبدأ كرامة الإنسان ومبدأ النوع ومبدأ التعارف وصولاً إلى التعاون ومبدأ لا إكراه فى الدين. وهى تتضمن مفاهيم تتعلق بالإنسان والمكان والزمان تؤكد على استخلاف الإنسان فى الأرض وحريته فى الاختيار وقدرته على الفعل.

أصبحت الحاجة ملحة فى عصرنا إلى بلورة مفهوم للحضارة يؤكد على التعمير ويقاوم التخريب الذى نرى أمثلة كثيرة عليه وهو يتم باسم الحضارة وتستهدف البيئة والإنسان على السواء. وآفاق التعمير رحبة للارتفاع بصرح العمران. وقد رأى محمد إقبال فى كتابه "تجديد التفكير الدينى فى الإسلام " أن العالم- كما صوره القرآن ـ لم يخلق عبثاً، وهو مرتب على نحو يجعله قابلاً للزيادة والامتداد يزيد فى الخلق ما يشاء، فى صميم كيانه قوة مبدعة وروح متصاعدة، تسمو قدماً من حالة وجودية إلى حالة أخرى. ولقد قدر عليه أن يشارك فى أعمق رغبات العالم الذى يحيط به، وأن يكيف نفسه ومصير العالم كذلك، تارة بتهيئة نفسه لقوى الكون، وتارة أخرى ببذل ما فى وسعه لتسخير هذه القوى لأغراضه ومراميه. وفى هذا المنهج من التغير التقدمى يكون الله فى عون المرء شريطة أن يبدأ هو بتغيير نفسه (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، والرؤية المؤمنة المسلمة تحث على التعمير، وهى توفر النظرة الشاملة لمفهوم العمران الحضارى التى تحيط بجميع جوانب الحياة، وتحقق التكامل بين مختلف الأبعاد فى النفس الإنسانية وفى الاجتماع الإنسانى على السواء، وتحدد بدقة مكان الإنسان فى الطبيعة. وقد أشار ماكس شيلى فى كتابه الذى يحمل هذا الاسم إلى حالة الاضطراب التى آلت إليها الدراسات الفلسفية عن الإنسان فى الغرب، حيث لا تتوافر من خلالها فكرة موحدة عن الإنسان. ومفهوم العمران الحضارى هذا يأخذ فى الاعتبار وحدة العالم من خلال تنوعه حين يدرس جزءا منه، وترابط أبعاد الحياة الإنسانية بحيث تكون المشكلة هى التنمية، مثلا يكون علينا- كما يقول البرتودى -  رأينا أن نوضح ما هو أساسى وجوهرى.. الإنسان، العدل، الحب، الحرية،الكرامة، الشعر، الجمال، القيم الروحية، والإيمان نظريا وعمليا، لأن النموذج الاقتصادى الذى يغفل ذلك يهبط بالفن إلى منزلة البضاعة، ويهوى بالعلم إلى أن يصبح أداة، وينحط بشأن الأفكار لتصبح محسوبة بمصطلحات الربح والخسارة، وهناك طرق كثيرة نتصور بها العالم لا تعتمد على قانون العرض والطلب أو على القيود التى تفرضها اعتبارات الربح والكفاءة أو على قدرة شيطان الجشع الوقحة.

الحاجة أيضا إلى أن يكون التعامل مع البيئة والمحيط الحيوى انطلاقا من الرؤية المؤمنة المسلمة التى رأينا كيف تنظر إلى الأرض وإلى السماء على جميع المخلوقات فى إطار وحدة خلق الله بالميزان الذى وضعه الله سبحانه لمخلوقاته جميعا ومنها الإنسان. وبقدر ما تحث هذه الرؤية على التعمير والإفادة مما سخره الله للإنسان؛ بقدر ما ترفض فكرة الصراع مع الطبيعة وقهرها، وتأبى التغيير فى خلق الله.. وقد حذر القرآن الكريم من اتخاذ الشيطان ولياً من دون الله حين يعد عباد الله ويمنيهم ويأمرهم بتغيير خلق الله، فأورد على لسان الشيطان فى سورة النساء (وقال لأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضًا. ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن (فليقطعن أو فليفتشن) آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليًا من دون الله فقد خسر خسرانًا مبينًا. يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً) (الآيات 118 ـ 120 ). وهكذا تحدد هذه الرؤية المؤمنة الضوابط  فى التعامل مع البيئة.

الرؤية المؤمنة المسلمة:

توفر الرؤية المؤمنة المسلمة إمكانية النجاح فى إزالة مسببات التوتر فى عالمنا وإخراج السلام من أزمته وإقامة نظام عالمى يحقق العدل، فهى تعترف بمبدأ الاختلاف بين الناس باعتباره سنن الله فى الكون، وبمبدأ الحق فى الاختيار، وبمبدأ كرامة الإنسان، وبمبدأ وحدة أصل البشرية، وبمبدأ التعارف ؛ وصولاً إلى التعاون على البر والتقوى، فلا طغيان، ولا عنصرية، ولا استلاب هوية، ولا إكراه فى الدين.

إن هذه الرؤية المؤمنة المسلمة كفيلة بتحقيق التكامل بين العقيدة والأخلاق والقانون. فمحور الأخلاق فيها والدين الذى جاء به الوحى الإلهى، وهى من ثم ليست نسبية. وتطبيق القانون يتم وفق معيار واحد بمساندة الضمير الذى تحييه العقيدة.

واضح أن العمل المطلوب لإنقاذ العمران الحضارى يتطلب جهودا كبيرة تبذل على عدة مستويات.

هناك أولاً المستوى المؤسسى العالمى. فعالمنا المعاصر يشهد نمواً مستمراً فى المؤسسات العالمية بحكم ثورة الاتصال التى يعيشها. والاقتناع أصبح راسخاً فيه بأن قضايا العالم ومشكلاته مترابطة ومتداخلة، وأن معالجتها تتطلب فترة زمنية طويلة نسبياً، وأن أى تصورات أو نماذج مستقبلية شاملة مستقبل الجنس البشرى على كوكب الأرض لابد أن تأخذ فى اعتبارها العدل والإنصاف بين الناس، وهذه الأمور الثلاثة ضمنها نادى روما رسالته. والدعوة تتردد على الصعيد العالمى لعمل مشترك يتضمن مقترحات للتغيير فى المؤسسات والقوانين. وقد خصص تقرير مستقبلنا المشترك آخر فصوله لهذه الدعوة. ولابد أن تتعاون الدول على إحداث هذا التغيير والقيام بهذا العمل المشترك. وتوفر الرؤية المؤمنة المسلمة أفضل مناخ لهذا التعاون بما يؤكد عليه من وحدة البشر وأخوتهم وعالمية رسالتها (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

هناك ثانياً مستوى العمل المجتمعى الأهلى الذى يحقق التعاون بين الجماعات فى عمل تطوعى أساسه الإحسان. وقد برز فى حضارتنا العربية الإسلامية فى صور كثيرة وكان لنظام الوقف دور فيها، كما برز فى حضارات أخرى ، وهو يعرف فى حضارة الغرب اليوم باسم المجتمع المدنى. ويمكن للعمل فى هذا المستوى أن يحقق الكثير حين تحكمه الرؤية المؤمنة المسلمة التى تحث على التعاون على البر والتقوى، وعلى التكافل، وعلى الإنفاق والتراحم.

هناك ثالثاً مستوى عمل الفرد. والعمل فيه يستطيع أن يحقق الكثير مما لا يمكن للمستويين السابقين النهوض به، وفيه يبرز أثر الضمير وأثر الأخلاق وأثر الإيمان إلى جانب أثر القانون. والرؤية المؤمنة المسلمة ترتفع بهذا العمل إلى أعلى ذروة من خلال العلاقة التى تقوم بين العبد وربه فى صورة الإحسان الذى عرفه الحديث القدسى (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ). وهى تؤكد أن النجاة يوم القيامة تعتمد اعتمادأ كليأ على العمل الصالح الذى يقوم به الفرد المؤمن، (وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً) والرؤية المؤمنة المسلمة ترى هذا العمل فى إطار العمل الكلى، فالواحد منا يقف على ثغرة البناء الشامل فلا يؤتين من قبله، والمرء منا لا يحقرن من المعروف شيئاً. ويتضمن هذا العمل فيما تضمن الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والنصيحة والمشورة والجهر بالحق.

وبعد..

فواضح أن مسئولية إنقاذ العمران الحضارى فى عالمنا تقع، على كاهل جميع المؤمنين فيه، ولابد لهم أن يتكاتفوا معاً لعمل الصالحات. وأن لهم من أجل تحقيق هذا التكافل أن يتحاوروا ويتعارفوا بهدف الوصول إلى لقاء والتعاون على البر والتقوى، وأن لهم أن يأتوا إلى كلمة سواء، وأن يستبقوا الخيرات. ويشهد العالم اليوم حركة واسعة على هذا الصعيد تشمل المؤمنين من مختلف الأديان، وهى تستحق أن تشجع.

إن للإنسان المسلم أن يستشعر مسئولية خاصة فى إطار هذه المسئولية الجماعية، انطلاقاً من اعتقاده بأن الإسلام هو خاتمة الرسالات السماوية وأن الدين عند الله الإسلام، إن الله سبحانه نزل الذكر وقال (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وأنه تعالى أرسل نبيه الأمين رحمة للعالمين. ويستطيع الإنسان المسلم أن ينهض بهذه المسئولية ويقوم بدوره على أكمل وجه من خلال القيام بقراءته المعاصرة لتعاليم دينه، وقرن الفكر بالفعل، وطرح رؤيته المؤمنة المسلمة للأمور فى العالم أجمع. وإن مما يلفت النظر أن حركة فكرية قوية يشهدها العالم الإسلامى اليوم تسعى للقيام بهذا الدور بروح الاجتهاد والتجديد.

إن دائرة الحضارة العريية الإسلامية حافلة بالإمكانات التى يمكن أن يوظفها الإنسان المسلم فى القيام بدوره. وقد تناولت كتابات كثيرة بالدراسة لهذه الإمكانات، وبحثت فى إمكانية قيام نظام إقليمى لهذه الدائرة، وفى مكان هذا النظام الإقليمى من نظام عالمى سليم نعمل لإقامته، فى ظل الصحوة التى وضحت معالمها فى عالمنا الإسلامى.

إن عالمنا يشهد ظهور علامات مبشرة فى الأفق- كما يقول شاندرا مظفر فى بحثه القيم " نحو رؤية روحية للإنسان " منها: قيام جماعات محلية كثيرة هنا وهناك تتعاون على معالجة مشكلاتها، وجماعات البيئة الخضر التى تتعاون لحماية المحيط الحيوى، والناشطين من أجل السلام القائم على العدل، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمصلحين الدينيين، والداعين إلى رفع الظلم عن المرأة والطفل. والإنسان المسلم قادر على الإسهام فى إغناء عمل هذه الجماعات وتحقيق التعاون بينها لإنقاذ العمران الحضارى فى عالمنا.

إن لنا أن نثق بقدرة الإنسان المؤمن فى عالمنا على مواجهة التحديات التى تهدد مستقبل العمران الحضارى، وهو متجه إلى رب العالمين الرحمن الرحيم مقراً وداعياً ( إياك نعبد وإياك نستعين. إهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غيرالمغضوب عليهم ولا الضالين). آمين  ومقبل على عمل الصالحات والتواصى بالحق والتواصى بالصبر.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع