أحكام الجهاد
الأستاذ
الدكتور/ محمد عهد الرزاق السيد إبراهيم الطبطبائى
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية- الكويت
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
منذ وضعت الشريعة
الإسلامية آدابا للقتال، مبنية
على عدم الاعتداء، لقوله تعالى: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب
المعتدين) (1)، بل كان النبى صلى الله عليه وسلم يوصى المسلمين عند الحرب بالأخلاق الفاضلة.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جهز المسلمين لغزوة مؤته "اغزوا باسم
الله، فى سبيل الله، من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا، ولا امرأة، ولا كبير أفانيا، ولا منعزلا فى صومعة، ولا تقطعوا نخلا، ولا شجرة ولا تهدموا بناء" (2).
وقال لعبد الرحمن
بن عوف عندما أرسله فى سرية دومة الجندل:
(اغزوا جميعا فى سبيل
الله، وقاتلوا فى سبيل القه
وقاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، ولا
تغدروا، ولا تمثلوا، ولا
تقتلوا وليدا).
وعندما ننظر إلى
عموم الحروب سواء قبل الإسلام أو بعده، فقد وقعت فيها الشناعات، وما نعيشه اليوم من الاعتداء الإسرائيلى على الأطفال والنساء أكبر
دليل على ظلم هذه الجيوش وضلالها.
وقد اعتنى الفقهاء بموضوع
الجهاد، وقد ألحقه المالكية بالعبادات اعتبارا بقصد المجاهد، والشافعية ألحقوه
بالجنايات باعتبار أنه جناية على الكفار لكفرهم(3).
تعريف الجهاد:
الجهاد- بكسر
الجيم- مصدر جاهد مجاهدة، أصله فى اللغة: المشقة، يقال: جاهدت جهادا، أى: بلغت
المشقة، وهو مأخوذ من المجاهدة، وهى المقاتلة، ومجاهد اسم فاعل من جهد إذا بالغ فى قتال عدوه. (4)
واصطلاحا: قيل: دعاء إلى الدين الحق، وقتال من لا يقبله (5).
وقيل: قتال مسلم كافرا، غير ذى عهد، لإعلاء كلمة اله تعالى، أو حضوره له، أو دخوله أرضه (6). وقيل: الجهاد فى سبيل الله: المبالغة فى أتعاب النفس فى ذات الله، إعلاء كلمته التى
جعلها الله طريقا إلى الجنة (7). وقيل: القتال فى سبيل
الله (8). وقيل: قتال الكافر(9). وقيل: بذل الجهد فى
قتال الكفار(10).
ويطلق أيضا على
مجاهدة!النفس، والشيطان، والفساق، فأما مجاهدة النفس
فعلى تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان
فعلى دفع ما يأتى من الشبهات، وما يزينه من الشهوات،
وأما مجاهدة الكفار، فتقع باليد، والمال، واللسان، والقلب، وأما الفساق، فباليد، والمال، واللسان، ثم القلب(11).
مشروعية الجهاد:
الأصل فى
مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: (كتب عليكم القتال ) (12).
وقوله تعالى: ( واقتلوهم حيث وجدتموهم) (13).
وقوله تعالى:
(وقاتلوا المشركين كافة ) (14) وهى آية السيف.
ومن السنة:
قال رسول الله صلى الله "أمرت أق أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا
الله، وأق محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن قالوها عصموا منى
دماءهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله"
وقال صلى الله عليه وسلم : "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على
شعبة من النفاق"(15).
وأما الإجماع، فأجمع المسلمون على مشروعيته (16).
حكم الجهاد:
أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة مدة يدعو إلى الله ، ط لى
الإيمان به، وينهى عن الشرك، ولم يؤمر فى ذلك بقتال، بل أمره الله تعالى بأن يعرض عنهم، فقال: أو أعرض عن المشركين
" (17)، وقال: ( فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره )(18)، فأتى بأمره لما أذن لهم فى القتال، فنزلت: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا" (19)، قال ابن عباس:
فهى أول آية نزلت فى القتال(2).
أولا: فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم:
اختلف العلماء فى
حكم الجهاد فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم إلى أربعة أقوال: فقال الماوردى:
كان عينا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح فى حق كل من أسلم
إلى المدينة لنصرة الإسلام.
وقال السهيلى:
كان عينا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبى
صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة على أن يؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصروه.
قال الشوكانى: "ومع ذلك فليس فى حق الطائفتين على التعميم،
بل فى حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفى حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من
الكفار ابتداء".
وذهب آخرون إلى
أن: الجهاد كان صكينا فى الغزوة التى يخرج فيها النبى صلى الله عليه وسلم دون غيرها (21).
والأصح عند الشافعية أنه فرض كفاية (122، لقوله تعالى: إلا يستوى
القاعدون 00)الآية.
وذهب الشوكانى إلى أنه كان عينا على من عينه النبى صلى الله عليه وسلم فى حقه، وإن لم يخرج(23).
ثانيا: بعد عهد النبى صلى الله عليه وسلم :
لقد اتفق العلماء على أن الجهاد بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرض كفاية(23)
إذا قام به البعض سقط عن الباقين ة لقوله تعالى: (
لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على
القاعدين درجة وكلآ وعد الله الحسنى ) (24)، وهذا يدل على أن
القاعدين غير مأثومين مع جهاد غيرهم(25).
ولأن المقصود فيه
دفع شر الكفار، وكسر شوكتهم، وإعلاء كلمة الإسلام، فإذا حصل المقصود بالبعض، فلا
حاجة إلى غيرهم، والنبى
صلى الله عليه وسلم كان يخرج للجهاد ولا يخرج جميع أهل المدينه-(26)، ولأنه لم يفرض لعينه، إذ هو إفساد فى نفسه،
!!نما فرض لإعزاز دين الله، ودفع الفساد عن العباد، وكل ما هو كذلك فهو فرض كفاية
إذا حصل المقصود بالبعض، والا ففرض عين(27)، لأنه أمر
بالمعروف، ونهى عن المنكر، فيكون على الكافة، ولأنه لو وجب على جميع الناس، تعطلت
مصالح المسلمين من الزراعة، والصناعة، وانقطعت مادة الجهاد، من السلاح ونحوه، فلا
يقدر المجاهدون على الإقامة على الجهد، فيؤدى إلى تعطيله، فإن لم يقم به أحد، أثم
جميع الناس بتركه، كسائر فروض الكفايه-(28).
قال تعالى: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم
طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا
إليهم ) (29)، فحثهم على أن ننفر طائفة، وتمكث طائفة، فدل على أن الجهاد فرض كفاية، لا فرض عين (30) .
وذلك إلا أن تدعو الحاجة، كأن يدهم العدو، (31) أو النفير
العام، (32) لقوله تعالى: (انفروا خفافا
وثقالا ) (33) والنفير العام: أق يحتاج
إلى جميع المسلمين، فلا يحصل المقصود، وهو إعزاز الدين، وقهر المشركين إلا
بالجميع، فيصير عليهم فرض عين، كالصلاة(34).
ونقل عن ابن عبد
البر أنه فرض كفاية مع الخوف، ونافلة مع الأمن
(35) .
وقت وجوبه:
ذهب جمهور
العلماء إلى أن الجهاد يجب فى السنة مرة، أى أن يوجه الإمام كل سنة طائفة، ويزج
بنفسه معها، أو يخرج بدله من يثق به ليدعوهم للإسلام ويرغبهم فيه، ثم يقاتلهم إذا
أبوا منه (36).
واستدلوا على ذلك
بأن الجزية تجب بدلا عنه، ولا تجب فى السنة أكثر من مرة اتفاقا، فيكون بدلها كذلك.
وذهب فريق من
العلماء إلى وجوبه كلما أمر به (37).
وقت مشروعيته:
اتفق العلماء على
أن الجهاد شرع بعد الهجرة، (38) وأما قبل الهجرة فكان ممنوعا منهصلى الله عليه وسلم لأنه كان مأمورا بالصبر وتحمل الأذى (39).
الالفاظ ذات الصلة:
النصرة: النصرة
لغة: الإعانة، وعكسها: الخذلان وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله،.
هدف نصرة المسلم:
إن غاية نصرة
المسلم لأخيه المسلم رفع الظلم عنه، والمحافظة على حياته، ودينه، وماله، وعرضه.
حكم نصرة المسلم:
نصرة المسلم
واجبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انصر
أخاك ظالما أو مظلوما ، قالوا يا رسول الله : علمنا كيف ننصره مظلوما ، فكيف ننصره
ظالما، قال : تأخذ بيده " ( رواه البخارى )
الفرق بين الجهاد
ونصرة المظلوم:
ا- إن المقصود من مشروعية الجهاد:
المحافظة على الدين، أما الهدف من نصرة المظلوم: هو دفع الظلم عنه.
3- أن العلة فى مقاتلة الكفار- عند جمهور العلماء من
أبى حنيفة ومالك وأحمد- هى الحرابة، وذهب الإمام الشافعى وبعض أصحاب أحمد إلى أن مجرد الكفر هو العلة (40)0 أما العلة
فى نصرة المظلوم فهى دفع الظلم عنه.
- أن المجاهد يأخذ من الزكاة، فهو من الأصناف
الثمانية الواردة فى قوله تعالى:( إنما الصدقات
للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله ) (41) أى: المجاهدون.
أما من ناصر المظلوم فهو ليس من أهل الزكاة، ولا يستحقها بالفعل.
4- أن الجهاد لا يكون إلا بإذن الحاكم أو نائبه (42)، أما نصرة المظلوم فلا
تفتقر إلى إذن أحد
5- أن الجهاد يكون فى مقاتلة الكفار، أما نصرة
المظلوم فإنها تكون فى دفع الظلم عن المسلمين أو غيرهم.
6- أن الجهاد إذا لم يتعين يجب فيه استئذان الأبوين(43)، لحديث عبد الله
ابن عمرو قال:
"جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى الجهاد، فقال: أحى
والدك؟ قال: نعم، قال ففيهما فجاهد ( 44)، وفى رواية "أتى رجل، فقال: يا رسول الله إنى
جئت أريد الجهاد معك، ولقد أتيتك، وإن والدى يبكيان،
قال: ارجع إليهما، فأضحكاهما كما أبكيتهما، (45).
وعن معاوية بن جاهمة السلمى أن جاهمة أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله
أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: الزمها فإن الجنة
عند رجلها" لم (46) واشترط العلماء أن يكون الأبوان مسلمين، واختلف فى إلحاق الجد والجدة.
أما نضرة المظلوم
فإنه لا يشرط فيها اذن الوالدين.
مفهوم الإرهاب:--
الإرهاب لغة: مشتق من الرهبة، وهى:، إدخال الرعب فى نفوس الآخرين.
وقد استعمل فى
القبر آن فى قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) (47) .
وأما مفهومه
المعاصر:
فقد "انتشر
فى وقتنا المعاصر اصطلاح الإرهاب
وقد جرد من معانيه الأصلية، وأصبح يطلق على كل من يمس صالح الدول، باستخدام القوة،
دون وجود حرب قائمة.
الفرق بين الجهاد
والإرهاب:
هناك فروقات عدة بين الجهاد والإرهاب، أهمها ما يلى:
ا- أن الجهاد لا يكون إلا في قتال المسلمين للكفار، أما الإرهاب
يمكن أن يشمل اعتداء الكفار على الكفار، أو على المسلمين، أو المسلمين على
المسلمين، أو المسلمين على الكفار المعاهدين.
2- أق الجهاد لا يكون إلا
بحق، أما الإرهاب فقد يكون بحق أو بدون حق.
3- أن الجهاد يؤجر عليه الإنسان بكل حال، أما الإرهاب
فلا يؤجر عليه الإنسان إلا إن كان بحق.
المقاتلة:
الجهاد أعم من
المقاتلة (48)، لحديث:، رجعنا من الجهاد الاصغر إلى الجهاد الاكبر.
من يجب الوقوف عن
قتله فى الجهاد:
لقد وردت آيات
عامة فى قتل الكفار، قال تعالى:( فإذا إتسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم )، وذهب الفقهاء
إلى أنه لا يقتل فى الجهاد عدة أصناف(49).
1- المرآة:
لقد ثبت عن ابن
عمر- رضى الله عنهما- قال: "وجدت امرأة مقتولة فى بعض مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان"(50). ورأى عليه الصلاة والسلام امرأة مقتولة، فقال: "هاه مالها قتلت، وما كانت تقاتل؟"(51).
واستدلوا بهذا
الحديث على أنها تقتل فى حالة مقاتلتها، أى بسبب
مقاتلتها، فتقتل حال مقاتلتها، وبعده، وليس المراد أنها لا تقتل إلا فى حال
مقاتلتها
وقد ذكر الفقهاء بأن
للمرأة ثمانية أحوال ة لأنها إما أن تقتل أحدا أو لا، وفى
كل إما أن تقاتل
بسلاح أو غيره، وفى كل إما أن تؤسر أو لا، فإن قتلت أحدا بالفعل جاز قتلها، سواء
كانت قتلته بسلاح أو غيره، كالحجارة، سواء أسرت أم لا، وإن لم تقتل أحدا، فإن قاتلت بالسلاح، كالرجل، جاز قتلها أيضا، أسرت أم لا،
وان قاتلت برمى الحجارة فلا تقتل بعد الأسر اتفاقا، ولا
فى حال المقاتلة على الراجح عند المالكية (52). وقال سحنون:
لا تقتل المرآة إذا أسرت مطلقا، وصححه ابن ناجى، وهو ظاهر المصنف، وقيل: إن قتلت أحدا جاز قتلها،إلا فلا (53).
وعن عائشة- رضى الله عنها- قالت: لم
تقتل من نسائهم- يعنى نساء بنى قريظة- إلا امرأة
واحدة، قالت عائشة: والله إنها لعندى تحدث معى، وتضحك ظهرا وبطنا،
ورسول الله وعون يقتل رجالهم بالسيوف، إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة، قالت: أنا
والله، قلت: ويلك ما لك؟ وما شأنك؟ قالت: أقتل، قلت: لم، قالت: حدث أحدثته، فانطلق بها،
فضريت عنقها، فكانت عائشة تقول: ما أنسى عجبى من طيب
نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل(54)، فقتلها النبى
صلى الله عليه وسلم يوم قريظة؟ لأنها
ألقت رحى على محمود بن سلمه (55)
وذهب المالكى إلى أنها إذا قالت بالحجارة فلا تقتل(56).
المرأة إذا أبدت برأى فى الحرب:
ذهب المالكية إلى
أنه لا يعتبر كون المرأة أبدت مشورة أو
رأى، ولا تقتل بذلك، لأن الرأى فى ترك رأيها (57).
بينما ذهب
الحنفية إلى أنها تقتل: إذا كانت ملكة، أو لها رأى فى الحرب، أو مال تحث به (58).
2- الخنثى:
لقد نص الشافعية والحنابلة على عدم جواز قتل الخنثى فى الجهاد (59)؟ لأن الخناثى ملحقون بالنساء
(60) .
3- الصبى:
أما الصبي، فلا يجوز
قتله فى القتال، وقد ورد عن ابن عمر، رضى الله عنهما- قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان.(61) وقد سماه النبى صلى الله عليه وسلم تجاوزا، وعندما
بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلمين
قتلوا بعض الأطفال قال: دما بال أقوام تجاوز بهم القتل حتى
قتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية، لا تقتلوا الذرية".
والصبى المطيق للقتال، لا يجوز قتله، ويجرى فيه ما فى المرآة
من التفصيل.(62) وذلك ما لم يقاتل، فإن قاتل الصبى،
فإنه يقتل طالما يقاتل، أما بعد الأسر فلا يقتل لأنه ليس من أهل العقوبه(63).
4- المعتوه والمجنون:
ومعنى المعتوه: ضعيف العقل، والمجنون: المختل العقل(64).
والمجنون ينقسم إلى قسمين:
(1) الجنون المطبق:
إذا كان المعتوه، وهو ضعيف العقل، لا يقتل، فلا يقتل
المجنون من باب أولى. ويستثنى من ذلك إذا قاتل المجنون، فإنه
يقتل لتعدى ضرره، ودفع شره،
ما دام يقاتل لا
بعد الأسر، لأنه ليس من أهل العقوبه-(65).
(ب) الجنون المتقطع:
إذا كان الجنون متقطعا،
ويفيق أحيانا، فإنه يقتل(66) .
5- الشيخ:
المقصود به من لا قدرة له على القتل لكبر، فهذا لا يقتل
لكونه ليس من أهل القتال(67).
وعبر عنه الحنفية
بالشيخ الفانى، وبالذى فنيت
قواه (68)، وعبر عنه الشافعية بالشيخ الضعيف (69).
واستثنوا أن يكون ملكا، أو يحرض عليه، أو له رأى فى الحرب، لأن الرأى من أعظم المعونة فى ألحرب،
وربما كان أبلغ من القتال، أو مال يحث به، أو يكون ممن يحتال(70).
وقد ورد أنه قتل دريد بن الصمة يوم حنين ،وكان
له مائة وعشرون سنة ، ولم ينكر النبى صلى الله عليه
وسلم قتله ؛ لأنه كان صاحب رأى ، وخرجوا به معهم يستعينون برأيه (71).
وعند الحنفية ، والأظهر عند الشافعية يجوز قتله
مطلقا ؛ لأنه من أهل العقوبة (72) .
6- الزمن :
العاجز، والمقصود
هنا: العاجز عن القتال، كأن يكون مريضا
بإقعاد، أو شلل، أو فلج، أو جذام، أو نحو ذلك.
وهذا إذا كان ليس ملكا، ولا رأى له، أو مال يحث به، أو لم
يقاتل، أو يحرض على القتال، فإنه لا يقتل ( 74).
وعند الحنفية
والأظهر عند الشافعية جواز قتله بعد الأسر(75).
وعلى القول بجواز
قتلهم، جاز استرقاقهم، وسبى نسائهم، وصببيانهم،
واغتنام أموالهم ( 76).
7- الأعمى:
ذهب جمهور
العلماء إلى أن الأعمى لا يقتل فى الحرب (77)
. وذلك إذا كان
لا رأى له فى الحرب، أو لم يقاتل، أو يحرض على القتال، أو ذا
مال يحث به على القتال، لتعدى ضرره (78).
وعند الحنفية، والأظهر
عند الشافعية، جواز قتله مطلقا، لأنه من أهل العقوبة(79) .
8- الرهبان والأحبارر:
الرهبان: جمع راهب، وهو العابد، والأحبار: جمع حبر- بفتح
المهملة وكسرها وهو الأفصح- العالم (80).
والرهبان والأحبار، ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول:
الراهب المنعزل: إذا كان الراهب منعزلا
بدير، أو صومعة، فلا يقتل، لأنه صار كالنساء من جهة
كونهم بلا رأى وتدبير، ولاعتزالهم أهل دينهم وتباعدهم عن محاربة المسلمين، فينقطع
عن أهل ملته حسا- فى دير أو صومعة - فلا يخالطهم فى رأى، ولا يعينهم فى تدبير مشورة.
فلا يقتلون لا لفضل ترهبهم، بل هم أبعد من الله من
غيرهم، لشدة كفرهم،
و إنما تركوا لتركهم أهل دينهم، فصاروا كالنساء (81).
ولأن فى حديث أبى
بكر الصديق رضى الله عنه : "وستمرون على أقوام فى مواضع لهم احتبسوا
أنفسهم فيها، فدعهم حتى يميتهم الله على ضلالتهم " (82).
وأن عموم قوله
سبحانه وتعالى: (فاقتلوا المشركين) (83)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "اقتلوا
شيوخ المشركين" (84)، فإنه مخصوص بما تقدم
من الحديث (85).
والثانى: رهبان الكنائس المخالطون الناس، إلا أن يكونوا ذا
رأى يؤلب على المسلمين، أو يدلون على عورات المسلمين، فإنهم يقتلون(86).
9- الرقيق:
وقد زاد الشافعية
أنه يحرم قتل من به رق إذا لم يقاتل، واستدلوا بخبر الصحيحين عن النهى عن قتل
النساء والصبيان، وإحاق من به رق بهما (87).
10- الأجراء، والحراثون وأرباب الصنائع:
اختلف العلماء فى
حكم الأجراء والحراثون، وأرباب الصناعات ممن لم يكن لهم
رأى وتدبير الحروب لقومهم، وإلا قتلوا، فذهب بعض المالكية والأظهر عند الشافعية
إلى أنهم يقتلون، وهو قول سحنون، والمشهور أنهم لا
يقتلون، بل يؤسرون، وهو قول ابن القاسم، وابن الماجشون،
وابن وهب، وابن حبيب، وحكاه اللخمى عن مالك قائلا، وهو
الأحسن، لأن هؤلاء فى أهل دينهم كالمستضعفين(88).
واستدل من قال
بمنع قتل الصناع والأجراء بقول النبى صلى الله عليه وسلم: "الحق خالدا، فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا،
(89)، والعسيف هو الأجير.
قال الدسوقى: والظاهر أنه خلاف لفظى فى
حال، وأن المدار على المصلحة بنظر الإمام(90).
وعلى القول بجواز
قتلهم، جاز استرقاقهم، وسبى نسائهم وصبيانهم، واغتنام
أ موالهم (91).
العلة فى عدم قتل
هؤلاء:
إن الموجب للقتل هو الحراب، ويدل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى امرأة
مقتولة قال: "هاه ما لها قتلت، وما كانت تقاتل؟،،
وهؤلاء الذين ذكرناهم، لا يقتلون، والمجنون والصغير غير مخاطب" (92).
11- الرسل:
وكذلك يستثنى قتل الرسل(93)، الذين يرسلهم الكفار عند الجهاد، لخبر ابن مسعود قال: كنت
عند النبى
صلى الله عليه وسلم يوما، إذ جاءه ابن النواحة
(94)، رسولا من مسيلمة، قد بعثه إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، هو وابن وثال (95)، فكلما النبى صلى
الله عليه وسلم ، فقال لهما: إنى رسول الله، أتشهد انت أنى رسول الله ؟، فقالا له: أتشهد أنت أن
مسيلمة رسول الله؟ فقال لهما:
"آمنت بالله ورسوله، لو كنت
قاتلا رسولا لقتلتكما" (96).
12- من لا رأى لهم:
لقد عمم بعض
العلماء بأنه كل من لا رأى له فى الحرب فإنه لا يقتل، إلا أن يقاتل(97) .
حكم من تعمد
قتلهم:
ذهب الشافعية
والحنابلة إلى أنه من قتل أعمى، أو امرأة، أو صبيا، أو مجنونا، ونحوهم غرم الثمن
غنيمة، وعليه العقوبة، أى: التعزير لقتله من لا يحل قتله (98). مصير من ليس من أهل الحرب:
ذهب المالكية إلى أن الحاكم مخير فيهم بين ثلاثة أوجه:
الاسترقاق، والعتق، والفداء، إلا الرهبان والأحبار يكونان حرين ولا يسترقان، ويترك
له ماله على الأشهر(99). إعاشة من ليس من أهل الحرب:
إن من شفقة
الإسلام، أن نص العلماء على أنه يترك لمن لا يقتل ولا يؤسر ما يتعيشون منه، كالبقرة، والغنيمات، والبغلة، والنخيلات، وما يقوم بمعاشهم، ويؤخذ الباقى،
أو يخرب، أو يحرق (100).
وذهب بعض
المالكية إلى أنه يترك لهم أموالهم كلها (101).
القتل بالرمى بالمنجنيق(102)، والغارة والتبييت (103):
اختلف العلماء فى
حكم قتل من ليس من أهل الحرب من المشركين بالرمى
بالمنجنيق، أو ما يعم الهلاك به كالتحريق بنار، أو تغريق
بماء.
فدت هب أبو حنيفة
وأصحابه والثورى إلى أنه: لا بأس برمى
حصون المشركين، إن كان فيهم من
ليس من أهل الحرب كالأطفال، ولا بأس أن يحرق الحصن، ويقصد به المشركين (104).
وقال الشافعى: لا بأس برمى الحصن وفيه أسارى وأطفال، ومن أصيب فلا شئ فيه، وان تترسوا ففيه قولان:
أحدهما: يرمون،
لقوله تعالى: (وخذوهم واحصروهم )(105)، وحاصر
رسول الله صلى الله عليه