الجهاد
" مقاصده
وضوابطه "
السيد/
على بن السيد عبد الرحمن الهاشمى
مستشار
الشئون القضائية والدينية
دولة
الإمارات العربية المتحدة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد
بن عبد الله المبعوث رحمة للناس
أجمعين، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وقد جاهد فى الله حق جهاده، فأخرج الناس
بدعوة الحق من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى صراط مستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا، ورضى الله عن جميع الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. وبعد،،،
مقدمة:
لقد عنيت مؤتمرات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية السابقة بجوانب من الحياة
الإسلامية والإنسانية: اجتماعية، واقتصادية وتشريعية، وفكرية، وقد أثمرت- بحمد الله وتمام توفيقه- وآتت
أكلها، إلا أن هذا المؤتمر له من الخصوصية حيث يعقد فى ظروف حرجة وغير مسبوقة، بسبب
امتداد العدوان الصهيونى على جوانب عديدة من بلاد
العروبة والإسلام، وقد ساندته فى حملته الغاشمة قوى غبية باطشة،
وقد صدق من قال: بأن ما يسمى بالحملة على الإرهاب ما هو إلا تعبيد الطريق أمام
عدوان إسرائيلى غاشم على الأرض المقدسة فى فلسطين، وعلى
أهلها من عرب ومسلمين، ثم تلك الحملة ما هى إلا
توطئة لحرب ظالمة على بلاد المسلمين، ومحاربة للإسلام وقيمه الرفيعة.
ومن هنا فإنه على
العالم أجمع أن يعى أن الأمة العربية والإسلامية عندما تخوض حربا أو قتالا فإنها لا تخوضها
دفاعا عن مقدسات إسلامية فحسب،
ولكن عن قيم إنسانية رفيعة تحاول الصهيونية العالمية أن تدوسها وتحطمها بمعاول
وآليات متطورة مكنتها منها دول لم تدرك حركة التاريخ، ! ان
أدركت فإنها لا تملك القدر الكافى من الوعى الذى بمقتضاه ترى بعين الواقع والحقيقة أن العرب والمسلمين
إنما يدافعون- أيضا- عن مقدسات دينية مسيحية قد صانها المسلمون فى الأرض المباركة،
وفى مختلف البقاع عبر القرون، يلتقى فيها العابدون فيجدون الأمن والسلام.
مفهوم الجهاد:
قد يرد على بعض
الأذهان أن انتشار الإسلام كان بالسيف والقتال، ويتشدق
هذا النفر من أهل
الاستشراف، ومن بعض المسلمين أن تلك حقيقة تاريخية مفروغ منها.
ولا نجرد بعض
هؤلاء من خسئن النية عند كتابتهم عن الإسلام، وخاصة الغربيين منهم، ولكن حسن
النية- إن توفر- لا يعفيهم من حسن الفهم والنفاذ إلى حقائق التاريخ، والفقه فى
الدين لتصحيح الأقاويل التى يشيعونها عن فريضة (الجهاد) فى الإسلام.
فإن الذين لم يحسنوا فهم (الحقائق) يحسبون أن الإسلام يوجب القتال الدائم على المسلم، كما يوجب الصلاة والصيام
وسائر الشعائر المفروضة. وحقيقة الأمر أن الأساس الأخلاقى
الذى قامت عليه فريضة (الجهاد) بمفهومه الإسلامى يستقيم مع كل أساس سليم لكل اعتقاد قويم.
وهذه الأسس
والقواعد الإسلامية فى (مفهوم الجهاد)
تشمل مبادئ المساواة
بين الأجناس
الإنسانية أمام الله، وتقرر أواصر
الأخوة العالمية بين جميع البشر، بغير نظر إلى العنصر أو اللون أو الدين، من حيث
الدفاع عن المستضعفين، وحمايتهم ممن يعتدون عليهم،و إغاثة المعوزين
والمحرومين، وبذل الحياة نفسها فى سبيل هداية الناس إلى الطريق المستقيم، وهذا فيه
من الإيثار ومكارم الأخلاق مما يعد
مثالا يحتذى.
كما أن التفصيلات
السياسية لم تشغل فى يوم من الأيام أذهان المسلمين، فقد
اختط
المسلمون سياسة تسود فيها آداب العقيدة الإسلامية، والتى
هى مكارم الأخلاق التى جاء بها رسل الله وأنبياؤه لمن سبق من الأمم، وهذه المكارم الأخلاقية تقوم على العدل
الاجتماعى، والحكم السمح الرفيق مع المخالف حتى فى العقيدة، والمستجيب لحاجات
الأمة وضرورياتها.
وقد
أجمع أهل العلم على أن (الجهاد بمفهومه الذى ذكرناه)
وبوجه عام هو مبدأ من مبادئ الإسلام التى أخذت مكانتها بين عقائده وفروعه.
وقد
استقرت دعوة القرآن الكريم إلى الجهاد على عمومه متعلقة بذمة المسلمين جماعة وأفرادا،
وتقتضيهم هذه الذمة أن يؤمنوا بتشريع الجهاد (عامة) كإيمانهم بأى
معتقد ثابتة صحته، وأن يقوموا بتنفيذه كما فرضه الله، وبمقاصده وضوابطه المشروعة.
وقد
ورد لفظ (الجهاد) فى القرآن الكريم ثلاثين مرة، وورد كثيرا بلفظ القتال (المرادف
له) وكلاهما يرد أحيانا مقرونا
(بسبيل الله).
ومثالا
على ذلك قوله تبارك وتعالى: ( الذين آمنوا يقاتلون
فى سبيل الله) (النساء: 76).
وقوله:
(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله) (الأنفال: 72)
وكذلك
ورد كل من اللفظين غير مقيد بلفظ (فى
سبيل الله) فقال عز سلطانه: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم..
) (البقرة:
216).
وقوله:
(وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) (النساء: ه 9).
أما
لفظ (فى سبيل الله) فقد ورد ذكره فى الآيات، أربعا وخمسين مرة، وقد يرد سؤال: مامعنى فى سبيل الله؟.
جمع
من المفسرين اشتهر عندهم أن لفظ (سبيل الله) هو مخصوص
(بجهاد الكفار فكلما ورد لفظ (فى سبيل الله) فمعناه الجهاد
(ضد الكفر وأهله) ومقاتلتهم
لإعلاء كلمة الله.
ولكن
بالنظر المتأنى نجد هذه الكلمة (فى سبيل الله) فى بعض مواقعها من القرآن الكريم، ظاهرة فى التعميم ولا تختص (بقتال
الكفار)، وربما كان السياق ناطقا بهذا التعميم، والسياق له حكمه المطاع فى توجيه
العبارات القرآنية وغيرها.
وعلى هذا يكون
لفظ (فى سبيل الله، غير مقصور على
قتال العدو لإعلاء كلمة الله، إن كان هذا المعنى فى مقدمة المعانى التى تراد من هذا اللفظ.
إذن فألوان
الجهاد كثيرة، وأبرزها الجهاد بالنفس، والجهاد بالمال، وبكل ما تتطلبه موجبات
العقيدة والوطن فى السلم والحرب.
الجهاد
ليس عنفا ولا
إكراها للدخول فى الإسلام
لقد كان القتال
غير مأذون فيه، فلما أن تكررت غارات البغى والعدوان على
المسلمين، أذن الله- تبارك وتعالى-
لرسوله والمسلمين بقتال المشركين وأعداء الدين. وفى
الأزمان الأولى كان الجهاد باللسان والحجة، وبالمعجزات وخوارق العادات، كان ذلك
بين الأنبياء وأتباعهم، وبين الكافرين المناوئين لهم.
يقول عز سلطانه: (وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا
والله يحب الصابرين) (آل عمران: 146).
ولكن لا يزال حتى اليوم ينسب أعداء الإسلام إليه أنه قاتل
الناس ليكرههم على الدخول فيه. مع أن الجهاد فى الإسلام ليس بدعا جديدا ولا شذوذا عن سنن التناحر والتدافع بين أهل الحق
وأهل الباطل فى كل زمان ومكان.
الإسلام يحارب
العنف والإرهاب
إن الإسلام سلك بدعوته (منذ اليوم الأول للبعثة النبوية
الشريفة) سبيل التفاهم، وأمر أتباعه بأن يتذرعوا بالصبر والحلم طويلا كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
إلا أنه أباح
القتال والدفاع إذا لم يجد المسلمون موقفا كريما سوى المقاومة-
بضوابطها المشروعة- لدفع الطغيان والصلف الباغي كما نرى اليوم على أرض فلسطين
الغالية: أرض النبوات، ومهبط الوحى الإلهى
المقدس، ومنتهى إسراء ومبتدأ معراج
الرسول- صلى الله عليه وآله
وسلم- إلى الملأ الأعلى.
ولو كان الإسلام
يقر (مبدأ العنف) فى دعوته، ما شرعت الجزية وهى مبلغ رمزى زهيد من مال القادرين
ممن يريدون البقاء على دينهم من اليهود والنصارى، ولا أجاز الحلف مع أعدائه
المشركين، ومن ثم معاهدتهم على ترك الحرب، والدخول فى سلم معهم.
ولكن الإسلام قد
شرع كل ذلك رغبة فى السلام وإيمانا بما يحققه الأمن
والاستقرار من حياة كريمة للجميع، فى ظل العدل والمساواة والأخوة الإنسانية، ولما
يحدثه العنف من فتن وترويع للآمنين، مما يؤدى إلى القضاء على الحياة الحرة
الكريمة.
لقد مكن الإسلام
(غير المسلمين) من أن يضعوا عن أنفسهم أعباء الحروب وويلاتها، ويطرحوا من أذهانهم
أسباب الخصومة بتفاهم ودى وأخوى مع المسلمين على ما
يتفقون عليه من معاهدات تكون رحيمة بالجانبين، فيقول جل وعلا: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع ا لعلي!ا! (الأنفال:
61).
فإن وجهة الإسلام
مع خصومه تحتمها الآية الكريمة فى قوله تعالى: الا
إكراه فى الدين... ث! (البقرة: 256).
هذه آية كريمة
وصريحة تقرر نزاهة الإسلام عن اجمراه، بل تقرر نزاهة
الديانات السماوية الصحيحة كلها عن شائبة اجمراه للناس
على الدخول فى دين القه.
وقد تاعد نفى اجمراه فى آية أخرى، إذ
كان النبى- صلى الفه عليه
وآله وسلم- يرغب فى هداية الناس جميعا، وكان يحزن على تخلفهم عن دعوته حتى يظن إقصار العقول منهم، أن هذا الحرص منه إلحاح فى الدعوة أو
إكراه على الإقتناع، فالفه
تعالى يصرف رسوله عن هذا الحزن وينفى عنه شبهة اجمراه
بقوله تعالى: (ولوشاء ريك لامن
قن فى الارض كلهم جميغا أفأنت ئكرة الناس حتى يكونوا
مؤمنين ث! (يونس: 199.
والمعنى لا تحزن
عليهم، فإن إيمانهم منوط بمشيئة الفه لا بمجرد إقناعك،
وانك تواصل دعوتك الرحيمة بهم، وأنت لا تستطيع إكراه الناس على الإيمان،
فالاستفهام إنكارى فى قوله تعالى: (1 فأنت ئكرة الناس،.. والإنكار نفى، يعنى: أنت
لا تكره الناس كما يزعم الزاعمون.
والذى ننتهى إليه فى غيرما مشاحة ولا نزاع فى الحق، أن
الإسلام برى من تهمة اجمراه، وان وجهة الإسلام لواضحة لكثير من علماء أهل
الكتاب، ومنهم من يقبلون عليه تباعا مطمئنين إلى حقيقته، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون.
ولا يزال الإسلام
هاتفا بالناس جميعا أن يبتعدوا عن عداوته، وأن يستجيبوا لدعوته، وهو يفتح باب
التفاهم والمسالمة على احترام عقيدته وشريعته، وصيانة كرامته، وطرح المظالم التى
تحيف بأهله أو تجحف بأوطانه، ومن ثم فهو يحترم أفكار الآخرين ومعتقداتهم من غير ما
تخلي عن دعوتهم إلى الخير إلى الطريق الذي يرى فيه سعادة البشرية جمعاء.
وفى سبيل هذه الغايات الإنسانية الاجتماعية كانت
معاهداته مع أعدائه الذين حاربوه، وكانت سياسته الرحيمة العادلة جاذبة إليه كثيرا
من الشعوب والقبائل بعد أن تفهموه.
وليس فى صفحات
التاريخ الأمين شائبة تغض من شأن الإسلام كدستور للمجتمع أو كمنهج للتدين، أو
نموذج يهتدى به المرء فى خلوته وفى اجتماعه، وفى كل
حركة تصدر عنه، أو كل فكرة تخالج سريرته، أو كلمة تجرى على لسانه، وقد جاء هذا
المعنى فيما كتبه الدكتور أغوستاف لوبون)
كبير مؤرخى فرنسا فى كتابه (حضارة العرب) كما ذكر نحوا من هذا الأستاذ
المؤرخ البريطانى (أرنولد توينبى). إن جهاد المسلمين فى هذا العصر لفى
حاجة قصوى إلى التأسى
بما رسم الله لهم فى شريعته، وفى حاجة
قصوى إلى حسن التطبيق، وذلك من طريق الإيمان به وحسن التفكير فيه والتوسع فى
الابتكار والمحاولات الجادة والحضارة الأصيلة، حتى لا نكتفى
بما نضطر إليه من تقليد غيرنا.
وحينذاك يجد
المسلمون أنفسهم عباقرة فى أفانين الحرب كما كان أسلافهم الذين وقفوا إلى جانب
الرسول- صلى الله عليه وآله
وسلم- والذين حملوا الراية من بعده فتركوا بنا أمثلة من البطولة التى تشيد بها
الدنيا على صفحات أسفار التاريخ، قال تعالى: (وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو
سقاكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) (الحج: 78).
هذا وان مفهوم
القتال فى الجهاد الإسلامى مادة وروح، فيه الدعوة إلى
الخير والسلام، وفيه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفيه الإعراض عن الاستغلال
والاستعباد.
إلا أن مفهوم
القتال فى الشرق والغرب مادة فقط، وفيه الدعوة إلى التسلط والاستعمار ونهب خيرات
المواطنين الأصليين، وفيه إشاعة المنكر والفساد، وفيه من دواعى
الحرب مما يعرض السلام للخطر فى كل وقت
وحين.
ولقد حث الإسلام
على الطاعة، والطاعة هى الضبط والنظام، فاستجاب
المسلمون (وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا
وإليك المصير) (البقرة: ه 28).
وأشاع الإسلام معانى الخلق الكريم ومنه: الصبر الجميل،
وغرس روح الشجاعة والإقدام، وأمر بالثبات فى ميدان القتال، وحرم التولى يوم الزحف وجعله من الكبائر، ودعا إلى الجهاد بالأموال
والأنفس لإعلاء كلمة الله، وبين أن المثل العليا لابد أن تكون لها الأسبقية على كل
شىء فى الدنيا، وجعل مقام الشهداء من أعظم المقامات.
فإذا تذكرنا أن
الجهاد فى الإسلام يهدف إلى حماية حرية نشر الدعوة الإسلامية، إلى إشاعة السلام إلى الدفاع عن
القيم الحضارية.
وإذا تذكرنا أيضا
أن تعاليم القتال فى الإسلام تنص على الوفاء بالعهود، واحترام المواثيق والعقود،
والترفع عن الظلم والعدوان، والعمل على كل ما من شأنه إقرار السلام.
إذا كان ذلك كذلك فإن من أهداف القتال فى الإسلام ومن تعاليمه أن روح الجهاد
التى تتغلغل فى أعماق المسلم الحق مبنية على أسس سليمة رصينة" لأن هذا المسلم
يؤمن إيمائا عميقا بأنه يخوض (حربا عادلة) وهذه الحرب هى (حافز) جديد تجعل من
المؤمن (مقاتلا رهيبا) كما يعبر بذلك العسكريون
المحدثون، فالمجاهد المسلم لا يبغى من وراء ذلك إلا وجه الله ونصرة الحق الذى قامت به السموات والأرض.
وبذلك تصبح
(إرادة القتال فى الجهاد الإسلامى بأهدافه وضوابطه)
تسيطر على المسلم فى ميدان القتال أيام الحرب كما تسيطر عليه أيام السلم.
إن الهدف الحيوى من الحرب هو تحطيم الطاقات
المادية والمعنوية للعدو، فإذا انتصر عليه فى ميدان الحرب واستطاع أن يحطم طاقاته
المادية فلا بد من جهود أخرى لتحطيم طاقاته المعنوية؟ ليكون النصر كاملا يؤدى الى
الاستسلام.
وهنا تبدأ الحرب
النفسية التى تستهدف الطاقات المعنوية فى الدرجة الأولى. وفى
تاريخ الحروب أمثلة لا تعد ولا تحصى عن انتصارات استطاعت القضاء على الطاقات
المادية، ولكنها لم تستطع القضاء على الطاقات المعنوية، فكانت بذلك انتصارات
ناقصة، وحروب خاسرة.
إن الكفاح المشروع يقتضى من المسلمين- وقد تبينوا معنى الجهاد فى الإسلام ومراميه
ومقاصده السامية- أن يهبوا هبة رجل واحد، وأن ينفروا خفافا وثقالا، ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم لتحرير أوطانهم، وفى مقدمة ذلك إنقاذ وتحرير
المسجد الأقصى المبارك، وكنيسة المهد والقيامة، وبقية المقدسات من أيدى اليهود المعتدين الطغاة؟ ليذكر العباد فى رحابها اسم الله- عز وجل- ويقيموا فيها شعائره.
ان كل تقصير- لا سمح الله- فى هذا السبيل
قد يؤدى فى النهاية إلى عواقب وخيمة وغير محسوبة يصعب تداركها بمضى
السنين، فمطامع العدو لا تقف عند هذا الحد الذى استولى
عليه من أرض العرب والمسلمين، بل هو يطمع فى أرض تمتد من النيل إلى الفرات، بل
يطمع فى أوسع من ذلك، يطمع فى المدينة وما حولها، وفى أقطار أخرى عربية إسلامية، إنه لمن ما يؤلم
النفس ويدمى القلب أن يبقى عدو المسلمين والعرب يصول ويجول فى بلادهم، يتكبر ويتجبر ويعلو ويتيه دون أن يجد أمامه قوة تردعه وتوقفه عند حده، وفى كل يوم
يظهر علينا بشىء
جديد، واعتداءات هنا وهناك، إإجراءات تعسفية
للبطش بالآمنين من السكان، وقوانين ظالمة تصادر فيها أموال العرب والمسلمين، وتخرج
أصحاب الحق من بلادهم، بالإضافة إلى ما يقوم به هذا العدو من عبث بالمقدسات، وهدم
للآثار الإسلامية، واستيلاء على الأموال، تمهيدا لتهويد مدينة القدس الخالدة،
وإزالة الصبغة الإسلامية والعربية عنها، غير عابئ بالعرب والمسلمين، ولا حاسب
لهيئة الأمم حسابا، ولا محترم
لمجلس الأمن وقراراته، ولا مهتم بالعالم أجمع.
بينما يخرج على
الناس من يصف هذا العدوان بأنه طريق للسلام ومحاربة للإرهاب، ومن يصدق ذلك عليه أن
يودع عقله ويمشى فى ركاب من تصدق عليهم المقولة (إذا أخذ ما وهب سقط ما وجب !) وفى
هذا منتهى العجب إ!
مع أن المسلمين
قادرون على إيقافه عند حده، وإزالة آثار عدوانه إذا اتفقت كلمتهم وصحت عزائمهم،
وساروا فى الطريق المستقيم التى رسمها القه- تعالى- لهم، فلديهم من القوة العددية الشىء الكثير، فهمـا يعدون بمئات
الملايين فى المشارق والمغارب، كما أن لديهم من الإمكانيات المادية والمالية ما
يتمكنون بها من تزويد جيوش جرارة قوية فى أسلحتها البرية والبحرية والجوية.
بإن لديهم من
الأموال ما يمكنهمـا من أن يكونوا
أقوى الأمم وأشدها بأسا لو استخدموا
أموالهم وتصرفوا فيها تصرفا يعود على مجموع الأمة بالخير والنفع والفائدة.
إن المال ليس كل شىء فى هذه الحياة، وماذا يفيد المال إذا كانت الأمة التى
تملكه ذليلة الجانب مهدورة الكرامة، لا قيمة لها ولا وزن لها فى عالم الأقوياء،
تتحكم الأمم القوية فى مقدراتها، دون أن يكون لها رأى نافذ، أو كلمة مسموعة، ودون
أن يكون لها حول ولا طول؟
إن المال لم يوجد
فى الحياة ليكون مكدسا فى الخزائن وفى
الصناديق، أو مكنوزا فى البيوت والبنوك، أو مودعا فى مصارف أعداء
الأمة، إنما وجد ليكون وسيلة فعالة
ومن الوسائل التى تؤدى إلى خير الأمة وتقويتها، ودفع الأعداء عنها، وتمكينها من
الحياة الحرة الكريمة على أرضها، وتحت سمائها.
وعلى المسلمين أن
يعلموا أن هذه هى الأيام الخطيرة فى تاريخهمـا، بل هذه
هى الأوقات الرهيبة التى تمتحن فيها قوة إيمانهم،
وسلامة يقينه!ا، وصدق عزيمتهم، وثباتهم على الحق، والدفاع عنه، حتى يشرق الحق
بنوره ويزهق الباطل (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) (الإسراء: ا 8).
ونسأله عز وجل أن
يوفق أمة العروبة والإسلام رعاة ورعية إلى خير الطرق وأرشد السبل، وأن يشملهم سبحانه بنعمة ربانية، تجمع شتاتهم، وتوحد كلمتهم،
وتشد من أزرهم ضد أعداء دينهم ودنياهم.
وفى هذا المقام
أرفع للعلماء الأجلاء المشاركين فى هذا المؤتمر صادق التحية،
ولرئاسة المؤتمر جزيل الشكر والتقدير، مشفوعة بتحيات مباركات من حضرة صاحب السمو
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة لأخيه فخامة
السيد الرئيس محمد حسنى مبارك رئيس جمهورية مصر العربية، وللشعب
المصرى العربى الشقيق، داعيا المولى- عز وجل- أن يحفظ الجميع بما حفظ به الذكر الحكيم.
وصدق ا العظيم إذ
يقول: أو المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكرويقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله
أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم، (التوبة: 71).
والله يقول الحق وهو الهادى إلى سواء
السبيل.
المراجع
ا- أحكام القرآن.
لابن العري.
2- تفسير المنار. السيد
محمد رشيد رضا.
3- الجامع لأحكام القرآن. للعلامة القرطبى.
4- نيل الأوطار. للإمام
محمد بن على الشوكانى.
5- الأحكام السلطانية.
للعلامة الماوردى.
6- السياسة الشرعية. العلامة عبد الوهاب خلاف.
7- التاريخ الإسلامى
العام. د. على ابراهيم حسن.
8- الحضارة. د. حسين مؤنس.
9- الإسلام عقيدة وشريعة. الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت.
. ا- المجتمع الإنساني فى ظل الإسلام. العلامة الإمام
محمد أبو زهرة.
11- حضارة العرب. غوستاف لوبون.
2 ا- مصادر معرفة الحضارات
د. عبد العزيز صالح محمد.
3 ا- ابن الخطاب يتجهز للقادسية. صحيفة الجمهورية 3
5/9/1 97 1.