الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
الجهاد فى الإسلام

الجهاد فى الإسلام

الشيخ/ عبد الأمير قبلان

نائب رئيس المجلس الإسلامى الشيعى الأعلى

المفتى الجعفرى الممتاز فى الجمهورية اللبنانية

يسعدنا أن نتشرف لمشاركتكم فى هذا المؤتمر الإسلامى الكبير، الذى تعبرون فيه عن اهتمامكم البالغ بقضايا الإسلام والمسلمين، وإنها إضافة جديدة تقدمها وزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والتى تصب فى خدمة الدعوة الإسلامية، حيث تواجه الأمة الإسلامية قضايا مصيرية اثر المعطيات الكثيرة والمتتابعة التى طرأت على العالم، وتفرض على نموذجنا الإسلامى أن يتنبه لها وأن يسلط الأضواء عليها، ويبين بالحجة والبرهان على سماحة الإسلام وانفتاحه وتواصله، لأنه دين العالمية والسلام والتسامح ونبذ العنف، وإذ تتولى مصر عقد هذه المؤتمرات من منطلق المسئولية، ومن أجل جمع المسلمين على كلمة سواء، للانطلاق نحو تحقيق الأهداف المرجوة لكل ما يعود بالخير على الإسلام والمسلمين.

مقدمة:

إن الروح الإنسانية التى انطوت عليها الناحية الدينية والأخلاقية فى الإسلام، سرت أيضا إلى الناحية القانونية بجميع فروعها، وتجلت فى أحكامها كافة

وشيدت فى مجموع هذه النواحى بناء متينا متماسكا فى جميع أجزائه، فلا يمكن تقديره من ناحية واحدة فحسب، بل ينبغى تقديمه ككل مترابط لا يتجزأ.  إذا كانت هناك مغالطات فى فهم الإسلام لاعتباره فى غالبه قانون حرب، غير أن النصوص الشرعية المعول عليها وحدها تؤيد العكس، وهو أن الإسلام يعتبر السلام قاعدة أساسية فى نظامه التشريعى ، وأن هذه النصوص لم تتقاول أحكام الحرب إلا فى الأحوال الاستثنائية، التى تعد فيها الحرب مشروعة، فلا يمكن من ثم أى عمل أو تصرف مخالف- على فرض وقوعه- أن يبطل مثل هذه النصوص المقدسة والصريحة. وتوضيحا لذلك فأن كلمة الإسلام بالذات مشتقة من نفس الجذر الذى اشتقت منه كلمات السلم والسلام والسلامة، وقد صورت هداية الإسلام فى القرآن الكريم، بأنها تخرج المؤمنين من ظلمات الجاهلية إلى نور الحق، وتهديهم إلى طريق السلام، كما ورد فى الآيات الكريمة (يهدى به الله من اتبع. رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) (1) والسلام من أسماء الله الحسنى، وقد ورد ذكره فى القرآن الكريم أهو الله الذى لا اله إلا هو الملك القدوس السلام، (2) وتكرر هذا الاسم فى الدعاء النبوى "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ". وعبارة السلام عليكم " هى التحية اليومية الشائعة بين العرب والمسلمين، وهى من أحسن تحيات الأمم، لتضمنها السلامة التى لا حياة ولا فلاح إلا بها. فهى الأصل المقدم على كل شئ ، ثم إن رد التحية واجب دينى وأخلاقى، عملا بالآية القرآنية الكريمة إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها إن الله كان على كل شىء حسينا، (3) وكان النبى صلى الله عليه وسلم  فى كتبه التى وجهها إلى الملوك الأجانب ليدعوهم إلى الإسلام، يخاطبهم بقوله: "سلام على من اتيع الهدى". وكذلك سميت الجنة "بدار السلام " فى أكثر من آية كريمة أوالله يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم ! (4) ألهم دار السلام عند ريهم وهو وليهم بما كانوا يعملون، (5). ومن الأهمية أن نشير إلى أن كلمة السلام وردت فى أكثر من مائة آية من آيات القرآن الكريم، على حين أبئ كلمة الحرب ومشتقاتها، لم نذكر إلا فى ستة

آيات، وهذا دليل على أن السلم والسلامة والسلام من صميم الإسلام، بحسب النصوص المقدسة، وأدلته الشرعية، ومقاصده السامية، وتعاليمه الحقيقية، وتقاليده الثابتة، وأن الحرب وهو كره، كتب لحالات استثنائية أكتب عليكم القتال وهو كره لكم ) (6).

الإسلام إذن ينطوى على معنى السلام، ثم إن تعاليمه الأساسية تشجع السلام، وتحض عليه، ومن هذه التعاليم: المساواة الإنسانية، والتسامح الدينى، والأخوة الشاملة، والمجادلة بالحسنى، والتعاون على البر، وتجنب البغى والعدوان. لكن دعوة السلم هذه لا تسالم العدوان والبغى. والإسلام إذ يضع الحدود الفاصلة بين الحرب المشروعة جهادا فى سبيل الله والحق، ودفعا للظلم وغضبا لحرمات لا يجوز أن تستباح  أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نجضرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) (7) والقرآن يوضح لأمته منهج سلوكها فى الحرب والسلم، برفض البغى والعدوان.

تحديد المفاهيم:

الجهاد. لغة: على وزن فعال، مأخوذ من الجهد بالضم، بمعنى الطاقة والجهد بالفتح بمعنى التعب والمشقة. فتحمل المشقة، وبذل الطاقة، والجهد فى أى مجال، تطلق عليه لغة الجهاد.

الجهاد. شرعا: لقد اعتمد الشرع الإطلاق فى النصوص الدينية، فجاءت كلمة الجهاد ضمن المعنى اللغوى العام، الذى هو بذل الوسع، وتحمل المشقة فى سبيل شيء ما. وورد لفظ الجهاد ومشتقاته فى حوالى الأربعين آية، ومنها قوله تعالى: (والذين لا يجدون إلا جهدهم) (8)! (ان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما) (9) وفى نصوص عديدة أطلق الجهاد على جوانب مختلفة من أ!كمال البر، فجاءت كلمة الجهاد تشمل عناوين كثيرة من السعى، فهى تبدأ من جهاد النفس، وهو الجهاد الاكبر، إلى التطوع للقتال فى سبيل الله، وتستمر مع السعى الدائب لإقامة الحق، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والكفاح ضد الظلم والعدوان. وضمن هذا السياق، كان اعتبار القتال فى سبيل الله، : والمشاركة فيه بالمال والنفس، جهادا لما يمثله من أبهى صور البذل وتحمل المشاق.

إذن، الجهاد بمعناه العام الشامل، هو بذلى الجهد والطاقة، وتحمل العناء والمشقة فى سبيل الله بالدفاع عن المبادئ والقيم، ولخدمة مصالح- لأمة وحماية الحرية الدينية، ( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا)(10)

 القتال:

إن غالبية الآيات والأحاديث التى تتحدث عن الجهاد، تتجه إلى هذا النوع من الجهاد، الذى يقوم على عناوين كثيرة ذكرناها أنفا، أما لفظ القتال وما يتعلق به فقد جاء وروده فى سياق الرد على عدوان المعتدين، درءا للمفاسد وتوطيدا لمصالح المسلمين. إن هذا الأمر جاء مقترنا بالنهى، وهو ما يشهد عليه قوله تعالى: ( وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)  (11) فإن مضمون هذه الآية يتفق مع ما نزل فى القرآن فى الإذن للمسلمين بالقتال، وبذلك يكون الله- سبحانه وتعالى- قد ذكر فى تعليل إذنه للقتال الأمور التالية، وهى: كونهم مظلومين، معتدى عليهم فى أنفسهم، مخرجين نفيا من أوطانهم وأموالهم لأجل دينهم و إيمانهم، وهو ما يستهدف فى النهاية، أنه لا يجوز مقابلة الاعتداء إلا بمثله، وفقأ للنص القرآنى أو أن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، (12) ( فمن اعتدى عليكم إعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (13) فدفع الاعتداء عن المسلمين وديارهم وأموالهم حق طبيعى تعترف به وتقره الأعراف البشرية والقوانين الدوليه فى الماضى والحاضر؟ لأنه دفاع محض ضد العدوان. فالقتال فرض وواجب على المسلمين عند توفر سببه ومسوغاته وغايته، ولا يشترط وقوع الاعتداء فعلا، بل يكفى معرفة تصميم العدو للقيام بعدوان، لأن نية الشروع تكون موجودة، وهى الاستعداد للقتال. وقد قال الإمام على رضى الله عنه : "فوالله ما غزى قوم فى عقر دارهم إلا ذلوا،. وفى هذه الحالة، تكون صفة العدوان موجودة، ولأن الدعوة إلى الإسلام حق، وصون حرية التبليغ بهذا الدين أمر واجب شرعا، فإذا حيل بين التبليغ وجموع البشر وجب تحقيق ذلك بما يستدعى من تأمين الحرية للناس ليكونوا أحرارا فى اعتناق الإسلام (و ما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون رينا أخرجنا من هذه القرية الظالم ) أهلها، (14). وبذلك تتأكد حالة الحرب الاستثنائية التى تعتبر محرمة وغير مشروعة، إلا ضمن مسوغات وهى:

حماية الحرية الدينية: أى الحرب الوقائية التى تكون بإنذار أو بدونه،

حتى تصل إلى دفع العدوان، وهى الحرب الدفاعية، ومحاربة الظلم ! إقامة العدل وحماية النظام ومنع الفتنة إمان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما (15) فالحرب إذا كانت ظاهرة شنيعة ومفجعه، فقد حددتها الآيات المتعلقة بها فى إطار يلزمها، وضمن مسوغات تؤكد عليها عندما تكون لازمة وضرورية لدفع العدوان والظلم أفلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الاعلون، (16). فالقتال هنا- وفق مصاديقه التى ذكرناها- يعتبر شعبة من شعب الجهاد، وهو فرض واجب على كل مسلم، بدليل الآية القرآنية ( اتفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله) (17). وقد رتب الفقهاء ذلك فى مواضع منها: دخول العدو ديار الوطن، أو التقاء الزحفين وتقابل الصفين أو استنفار الإمام الجيش نفيرا عاما للذود عن بيضة الإسلام ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله) (18).

العنف:

يعرف ابن منظور العنف بأنه: "الخرق بالأمر وقلة الرفق به وهو ضد الرفق "، ويعرفه أبو هلال العسكرى بأنه: !التشديد فى التوصل إلى المطلوب "، وتعزفه موسوعة علم النفس بأن: "مصطلح العنف هو السلوك المشوب بالقسوة والعدوان والقهر والإكراه، وهو عادة سلوك بعيد عن التحضر والتمدن تستثمر الدوافع والطاقات العدوانية استثمارا صريحا بدائيا، كالضرب والتقتيل للأفراد، والتدمير للممتلكات، واستخدام القوة لإكراه الخصم وقهره. ويمكن أن يكون العنف فرديا يصدر عن فرد واحد، كما يمكن أن يكون جماعيا يصدر عن جماعة أو هيئة أو مؤسسة تستخدم جماعات وأعدادا كبيرة على نحو ما يحدث فى التظاهرات السلمية التى تتحول إلى عنف وتدمير واعتداء، أو استخدام الشرطة للعنف فى فض التظاهرات والإضرابات. إنما نجد على النقيض الكامل لمصطلح العنف مصطلح اللاعنف، الذى هو سلوك لا يمكن فصله عن القدرة الداخلية والروحية المتحكمة بالذات، وهى الطريق التى يعالج بها الإنسان الأشياء ب! لين ورفق.

إن مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، لا أصل له فى الإسلام، هناك قاعدة الأهم والمهم، وكلما دار الأمر بين ضررين، قدموا الأخف علىالأكثر، وذلك بخلاف الغاية تبرر الوسيلة التى تقدم الغاية مهما كلف الأمر. وقد خلت سور القرآن الكريم من لفظة العنف ومشتقاتها. ومن خلال المعنى اللغوى، فإن العنف لا يعدو أن يكون صورة من الشدة التى تخالف الرفق، وهو لا يعنى القتل أو الفتك بالأرواح أو ما شابهه، وإن رافقته بعض صنوف الضرب والشتم، ولكنه طريق للوصول إلى كل ذلك، فتكرار العنف أو شدته قد يؤدى إلى أعمال العنف الكبيرة، كالقتل وغيره، مما يحتويه مفهوم الإرهاب حديثا. ولأن الفطرة الإنسانية تحارب العمل العنفى، فقد ظهرت المقاومة للعنف بكل أشكاله، وولد مصطلح للعنف، الذى يعنى أن يعالج الإنسان الأشياء سوا أكانت بناء أو هدما بكل لين ورفق حتى لا يتأذى من هذا العلاج.

والمسلمون كانوا على رأس المقاومين للعنف، بدليل ما ورد فى القرآن الكريم

من دعوة إلى السلام، والتسامح، والعفو، والمجادلة بالتى هى أحسن، ونبذ التعصب والتعسف، وهذا دليل على مناداة الإسلام بالعنف. فالأديان كلها قامت على مبدأ السلم والأخوة بين البشرية ونبذ العنف، و إن منطق الرسل والأنبياء كان منطق السلم والعنف، والاحتجاج بالعقل من أجل إنقاذ البشرية، حيث يقول القرآن الكريم: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (19).

الإرهاب:

الإسلام دين السماحة والرحمة، وقد جاء للناس كافة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (20) يرفض العدوان والعنف والإرهاب بكل صوره وأشكاله،

الجهاد وصوره:

لقد ورد معنى الجهاد فى القرآن الكريم بكثير من المعانى منها جهاد المحارب للحق والباغى المذكور فى قوله تعالى: (فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله) (24) ومنها جهاد النفس الأمارة بالسوء (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) (25) فإن محاولة كبحها وقمعها وكبت سيطرتها جهاد بل هو أعظم الجهاد، وفى الرواية أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث بسرية فلما رجعوا قال: "مرحبا بقوم قضوا الجهاد الاصغر وبقى عليهم الجهاد الأكبر" فقيل: "يا رسول الله ما الجهاد الأكبر؟، قال: "جهاد النفس ".

والجهاد فى سبيل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) (26) والجهاد للدفاع عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين وتنوير. من كان منصفا منهم وهدايته إلى الصراط المستقيم.

ومن هنا اصطلح الفقهاء على جهاد الأعداء بالجهاد الأصغر، وعلى جهاد النفس بالجهاد الأكبر.

وعن فضيل بن عياض قال: "سألت أبا عبد الله صلى الله عليه وسلم عن الجهاد أسنة هو أم فريضة؟ " فقال: (الجهاد على أربعة أوجه: فجهادان فرض، وجهاد سنة لا تقام إلا مع الفرض، وجهاد سنة، فأما أحد الفرضين فمجاهدة الرجل نفسه عن معاصى الله- عز وجل- وهو من أعظم الجهاد، ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض، وأما الجهاد الذى هو سنة لا يقام إلا مع فرض فهو مجاهدة العدوة لأن مجاهدة العدو فرض على جميع الأمة ولو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب، وهذا هو من عذاب الأمة، وهو سنة على الإمام وحده يأتى العدو مع الأمة فيجاهدهم، وأما الجهاد الذى هو سنة فكل سنة أقامها الرجل وجاهد فى إقامتها وبلوغها وإحيائها، فالعمل والسعى فيها من أفضل الأعمال  لأنها إحياء سنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة فله أجرها واجرمن عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شىء". الإرهاب وصوره فى تاريخ الأديان والحضارات :

إن تاريخ عبارة "إرهاب" لا يتعدى فى بدئه نهاية القرن الثامن عشر، فهى

عندما ظهرت كان ظهورها نتيجة طويلة ومشحونة بالقلاقل والأحداث المختلفة وبالأفكار والعقائد أدى تفاعلها كلها إلى بروز العبارة هذه والتى راحت تكتسب مضمونا سياسيا واضح المعالم على عدة مراحل فكرية، بحيث يمكننا استخراج

هذه المراحل فى تكامل مدلولها:

المرحلة الأولى، حيث لم تكن العبارة تدل بعد على أى معنى سياسى، والمرحلة

الثانية، حيث أخذت تظهر بعض الملامح السياسية فى استعمالها، والمرحلة الثالثة حيث اتضح فيها المعنى السياسى ومن ذلك نفهم عدم وجود تعريف موحد وشامل للإرهاب حتى أصبح التعريف بحد ذاته مشكلة تصعب على الحل إذ إنه

من العسير التوصل إلى تحديد مجرد للإرهاب دون إدخال عناصر خارجية عليه تتمثل فى الآراء المتداولة حوله.

وإذا كان هناك من تعار يفه فإنها تظل ضيقة فى أفقها لأنها تفتقد للشرعية العالمية، وهذه الشرعية لن تتأتى إلا عبر الإحساس العالمى أجمع بضرورة توحيد المصطلح، وبالتالى يسهل تعييد الطريق لمحاربة كل أشكال الإرهاب،  إن كان ذلك يتطلب فى الوقت الحاضر الكيفية لمقاومة الإرهاب. والواقع أنه سبق للجمعية العمومية للأمم المتحدة أن أصدرت فى العام 1994 إعلانها الشهير حول مكافحة الإرهاب الدولى، وطالبت الدول الممنية بالتزام كل التوصيات التى أوردها هذا الإعلان، ومع أن هذا الإعلان لم يعرف الإرهاب الدولى تعريفا محددا، إلا أنه أورد على سبيل التوضيح فى مضامين اثنتى عشرة معاهدة دولية تحديدا لأنواع من الإرهاب الدولى تتعلق بجرائم القراصنة، وخطف الطائرات، والجرائم المرتكبة بحق الدبلوماسيين والموظفين الدوليين وأخذ الرهائن وجرائم التعذيب والتخريب.

إن مسألة تعريف الإرهاب ضرورية وملحة، لأنها تمكن الهيئات الدولية من

اعتماد مرجعية قانونية موحدة- من جهة- كما تمكن الدول من الالتزام القانونى الموحد وغي!ر خاضع لمصالح أى دولة من الدول- من جهة ثانية- إلا أن غياب هذا التعريض أو تغييبه لأسباب سياسية إقليمية معروفة يجب أن لا يمنع الدول المعنية من التركيز فى سياق عملها الدبلوماسي- على حالات أخرى حرص القانون الدولى على اعتمادها. ومن هذه الحالات:

أن القانون الدولى يحظر نوعين من الإرهاب الدولى، إرهاب الأفراد لدى قيامهم أو ارتكابهم جريمة حرب، أو جريمة ضد الإنسانية أو جريمة إبادة أو جريمة عدوان، الإ رهاب الدولة الذى يمكن أن يحدث عندما ترفض الدولة التزام المعاهدات الدولية المتعلقة بوجوب محاربة الإرهاب الدولى.

والقانون الدولى يميز من جهة ثانية بين الإرهاب والمقاومة، وهو بقدر حرصه على تجريم إرهاب الأفراد والدول، يحرص أيضا على تشريع المقاومة الوطنية لحالتى تقرير المصير ومقاومة الاحتلال. ونجد أيضا أن ميثاق الأمم المتحدة بالذات شرع المقاومة، وركز على ضرورة ممارسة الحق فى تقرير المصير من دوق أى عائق أو مانع. وهناك قرارات المجمعية العمومية للأمم المتحدة منذ الستينات، تؤكد على هذا الحق وتدعو كلى الدول إلى احترامه وعدم التعرض لمنعه، ط ن الشعوب المناضلة من أجل التوصل إلى ممارسة حقها فى تقرير مصيرها، ودحر الاحتلال، يمكن أن تستعين بكل ا الوسائل بما فيها العنف المسلح من أجل هذه الغاية. وبذلك باتت ممارسة حق المقاومة ضد الاحتلال الذى يجب أن يميز عن الإرهاب هو من مبادئ وميثاق الأمم المتحدة، وتحكمه أيضا اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 من حيث حماية المدنيين الواقعين تحت الاحتلال، وهكذا يميز - القانون الدولى بين الإرهاب والمقاومة.

وخير تكيد على ذلك، ما قدمته المقاومة الإسلامية المباركة فى جنوب لبقان

من عنوان وصمود فى دحر العدو الإسرائيلى عن أرضنا اللبنانية، وهى ستبقى خزانا لكل طالب حق مغتصبة أرضه، ومنارة لكل الأحرار فى العالم الحر بأن يستلهم منها الدروس والعبر.

الدفاع المشروع:

إن المبرر لقيام حق الدفاع الشرعى هو اتقاء الخطر، حفظا للمعصوم من نفس أو عرض أو مال، فليس حق الدفاع إلا سلطة وقائية.

وجاء فى أبمثر النصوص الفقهية، أن للإنسان الحق فى مقاومة المعتدى على نفسه، أو ماله مع ظن السلامة، !نه إذا قتل المعتدى فلا شيء عليه، كما انه لو فتل دون ذلك كان له أجر الشهداء. وأكدت هذا المبدأ المروريات عن النبى صلى الله عليه وسلم : من فتل دون أهله وماله فهو شهيد".

إذا، للإنسان أن يدافع عن نفسه وماله، ويجب اعتماد الأسهل. فلو اندفع الخصم فى الصياح اختصر عليه، وإن كان فى موضع يلحقه المنجد، وإن لم يندفع عول على. اليد فإن لم تغن فالعصا، فإن لم يكف فالسلاح، ويذهب دم المدفوع هدرا جرحا كان أو قتلا، ويستوى فى ذلك الحر والعبد. ولو قتل الدافع كان شهيدا، ولا يبدأه ما لم يعلم قصده إليه، وله دفعه مادام مقبلا. ويتعين الكف مع إدباره لاندفاع ضرره.

إذا كان للمدافع أن يمارس حقه فى الدفاع بالدفع فحسب، لأن حق الدفاع سلطة وقائية فهل له أن يقصد القتل؟ (اتفق فقهاء الشافعية والمالكية والأمامية على أن الدفاع يقصد لمنع العدوان، ودرء الأذى، ولو أدى إلى القتل. إلا أنه ليس للمدافع أن يباشر القتل، أو يقصده ابتداء بحجة الدفاع، لأنه ملزم بمراعاة التدرج، ولكنه يملك حق الدفاع، ولو أدى إلى قتل المعتدى إذا توقف الدفع عليه. فالاتفاق بين الفقهاء وارد على وجوب مراعاة الترتيب فى مقام- الدفاع، بحيث لو كان فى الإمكان دفع المعتدى باليد أو العصا لا يسوغ دفعه بالسلاح القاتل المؤدى إلى جرحه أو قتله، فلو تجاوز، فكسر عضوا من أعضائه، أو جنى على حياته يكون ضامنا ومسئولا عن جنايته. كما أن المعتدى إذا فز، فليس لمن كان هدفا لعدوانه أن يتتبعه، إذا ضربه فقطع يمينه وولى مدبرا فضربه وقطع رجله وأحد أعضائه يكون مسئولا وضامنا لجنايته، لأنه قد تجاوز حقه على حد تعبيرهم. ولأن إباحة فعل الدفاع مشروطة بتوافر شروط الدفاع الشرعى، ومنها التناسب بين فعل الدفاع والخطر الذى هدد المعتدى عليه، وبانتفاء هذا التناسب يعود المجال للقول بإباحة الأفعال المدافعة، إذ إن إجماع فقهاء المذاهب منعقد على أن إباحة الدفاع إنما هى لدفع الخطر، بمعنى أنه سلطة وقائية، !ذا كان الأمر كذلك، فلا يباح من فعل المدافع إلا القدر الضرورى الذى يحقق الدفع، وما زاد عن هذا القدر لم يكن ضروريا، لاندفاع الخطر لما دونه شدة، فهو لم يقم بدور الوقاية من الخطر ومن ثم فلا مسوغ لإباحته، ومجمل القول أن الإسلام لم يرخص بأى حال من الأحوال أن تعرض كرامة الإنسان للتحدى والعدوان، في طلب منه أن يدافع عنها بكل إمكانياته حتى إذا قتل كان مع الأبرار والشهداء والصالحين.

خاتمة:

الكل يعرف الإرهاب ولا أحد يريد أن يعرفه، فالإرهاب الذى يتحدث عنه الغرب ويضخم من صورته وخطورته، ليس سوى تغطية وتعمية مقصودة لإرهاب الكيان الصهيونى الأول فى العالم، الذى اقتلع شعبا بكاملة من أرضه واحتلها وأباد مئات الألوف منها، ولا يزال هذا الكيان الغاصب يرفض تطبيق القرارات الدولية فى فلسطين، ويمعن فى تقتيل الأطفال والشيوخ والنساء وتشريد من تبقى من أبناء شعب فلسطين ضمن مخططات منظمة، وجرائم وحشية، يهتز لها الضمير الإنسانى، وتدينها شرعية حقوق الإنسان والمواثيق الدولية والقانون الدولى. وعلى الولايات المتحدة الأمريكية، إزاء ما يجرى فى فلسطين، أن تقوم بتغيير جذرى فى سياستها والكف عن الكيل بمكيالين والتوقف عن دعم الإرهاب الصهيونى فى تلك الأرض المقدسة.

إن دماء الأبرياء فى فلسطين تستغيث، لا من أجل وقف إرهاب الكيان الإسرائيلى فحسب، إنما من أجل تحالف دولى يعيد لأصحاب الأرض حقوقهم ويؤمن لهم السلام الحقيقى.

إن الإسلام حارب الإرهاب بكل أشكاله وصوره، ولم تشرع الحرب فى الإسلام

إلا لضرورة الدفاع عن النفس ورد العدوان، لأنه يرفض الاعتداء على المسلمين وعلى غير المسلمين، ! ان إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام دعوة ظالمة. وإننا ندعو الغرب ومؤسساته إلى قراءة هذا الدين دين السماحة والرحمة وحقوق الإنسان فى كل زمان ومكان، وكانت تعاليمه مبعث أعظم حضارة عرفتها البشرية، وان كان هناك من مأزق يعيشه العالم الغربى، فإنه فى مأزق مع ذاته من خلال ذلك التناقض الغريب بين مبادئ تؤمن بالديمقراطية لتوفير العدالة الاجتماعية، وبين سلوك أنانى يعتمد الريح والمنفعة دون اكتراث بحقوق الغير، سوى الضغط عليهم واستغلالهم، فالديمقراطية عنده تتسلخ عن بعدها الإنسانى والحقوقى والأخلاقى لتحقق غايات مصلحية. ولخروج العالم الغربى من مأزقه، عليه الرجوع إلى أخلاق الإنسان الفطرية التى استقر عليها الضمير البشرى، وآمن بها العقلاء المنصفون. لأن الابتعاد عنها هو اتجاه نحو الهاوية. وهناك مأزق الديمقراطية المعاصرة، الذى يتمثل فى إشكالياتها الأخلاقية، وعدم التقيد بالقواسم المشتركة التى تحفظ التوازن العالمى عبر مفهوم العدالة للجميع واحترام خصوصية كل ثقافة.

إن اجتماعنا اليوم فى مصر العروبة والإسلام، بلد الأزهر الشريف، ومشاركتنا مع تلك النخبة المتميزة من العلماء والمفكرين والباحثين وصانعى القرار، يجعلنا ننظر بأمل كبير إلى المستقبل وإلى فعالية هذه المؤتمرات، لما ستتخذه من مقررات وتوصيات ومن إجابات. ولا يجوز أن يغيب عن أذهاننا ما يجرى فى فلسطين، فلسطين القدس المحتلة التى يحاصرها الاحتلال والتهويد لبترها عن جذورها الإسلامية المزروعة فى أعماق التاريخ، فالأمة مطالبة اليوم بالتكاتف والعمل من أجل نصرة شعب فلسطين، شعب الانتفاضة الأبى.

نسأل الله لمؤتمركم التوفيق والسداد، وللأمة الإسلامية الأمن والسلام، وأن يرتفع نداء الله أكبر على مآذن المسجد الأقصى المبارك.

نسأل الله أن يوفقنا جميعا إلى ما يحب ويرضى، وأن يجمعنا دائما على طاعته، وأن يجعل هذه المؤتمرات خالصة لوجهه الكريم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المراجع

ا. سورة المائدة آية 16.

3. سورة الحشر أية 23.

3. سورة النساء أية 86.

4. سورة يونس آية 25.

5- سورة الأنعام آية 127.

6- سورة البقرة آية 216.

7. سورة الحج آية 39- 40.

8. سورة التوبة آية 79.

9- سورة لقمان آية 15.

. ا- سورة الفرقان آية 53.

ا ا. سورة البقرة آية 190.

2 ا. سورة النحل آية 126.

3 ا. سورة البقرة آية 194.

4 ا. سورة النساء آية 75.

5 ا. سورة الحجرات آية 9.

6 ا- سورة محمد آية 35.

7 ا- سورة التوبة آية 41.

8 ا. سورة التوبة آية 111.

9 ا. سورة آل عمران آية 159.

.3. سورة الأنبياء آية 107.

21- صورة الحشر آية 13.

23- سورة النحل آية 51.

23. سورة الأنفال آية 60.

34- سورة الحجرات الآية 9.

25- سورة الشمس آية 7- 8.

36. سورة آل عمران آية 104.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع