صلة التأثير والتأثر
بين
الحضارة الإسلامية
وغيرها
الأستاذ الدكتور/ السيد
محمد الشاهد
الأستاذ بجامعة
الأزهر- مصر
بداية أود
التأكيد على عدة نقاط:
(أولاً) أنه لا توجد حضارة بدأت من الصفر بحيث يمكن أن تعتبر البداية الأولى والأم
للحضارات التى تلتها فى
الظهور، كما يدعى بعض مؤرخى الفكر الإنسانى،
حتى اعتبرت الفلسفة اليونانية نقطة انطلاق الفكر الإنسانى
وأما لكل ما تلاها من حضارات وفلسفات، ثم اضطرهؤلاء المؤرخون أو من لحقهم إلى الاعتراف بأسبقية وفضل الحضارات المصرية القديمة
على ما تلاها من حضارات، وأولاها الحضارات اليونانية. وأزعم كذلك أن
الحضارات المصرية القديمة لم تنطلق من فراغ بل كانت إفرازاً لتفاعلات فكرية وعقدية سبقتها وشكلت محاورها الرئيسية رغم أننا قد لا
نستطيع الآن تحديد تلك المصادر التى يمكن أن تكون
إنسانية أو عقدية أو هما معا.
(ثانياً) إن الفكر الإنسانى المرتبط بالحياة لم ينفك يوماً ما عن معتقدات دينية ترتبط بعالم علوى يتعالى
عن الإدراك الحسى
دائما والعقلى أحياناً، تلمس فيه الإنسان أسباب وجوده، ورأى فيه غاية كده وعنائه.
وأرتب على ذلك قولى بأنه: لم يوجد قط فى تاريخ الفكر الإنسانى خطاب فكرى
خالص، بل كان الخطاب الفكرى مرتبطا بعقائد غيبية كان
مصدرها مجهولا فى بعض الأحيان ومعلوما فى أحيان أخرى. وسوف يظل الارتباط بين شقى
الخطاب الفكرى والفلسفى قائما
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
(ثالثاً)
أن التاريخ الفكرى والعقدى
للبشرية خضع ولا يزال يخضع وسوف يظل خاضعا لتأثير التأويلات المتعسفة من بعض مؤرخى الفكر والحضارات الإنسانية، ولا أستثنى من ذلك أية
دائرة حضارية.
(رابعاً) أن
التأثير دليل حيوية المتأثر، والتأثير دليل قوة المؤثر.
فكل فكر حى يتأثر بما سبقه ويمكنه أن يؤثر فيما يلحقه
إذا توفرت فيه عناصر القوة ووجد فى المتأثر شروط التأثر
مثل الانفتاح والتمكن من لغة المؤثر.
(خامساً) أن جدلية التأثر والتأثير بين الحضارات لا تسير فى
خط
مستقيم بل تأخذ الشكل الدائرى حيث يصبح الكل متأثرا
ثم مؤثرأ فيما يشبه تصور أرسطوطاليس
للحركة التى تسير فى شكل دائرى تبدأ بالمحرك الأول وتنتهى إليه مدفوعة بما
أسماه العشق، أى عشق الحركات لمحركها الأول.
وهى فى سعيها إلى معشوقها تتحرك
بسابقتها وتحرك لاحقتها. فالحضارات تبعا لهذا التصور ذات طبيعة تكاملية، لا تصادمية،
ترتبط كل منها بغيرها مرة متأثرة، وأخرى مؤثرة، كما يترتب على هذا التصور رفض
نظريات "صدام الحضارات " ونهاية التاريخ "كذلك أسميه " نرجسية "التاريخ الحضارى".
(سادساً وأخيراً) أن العلاقة بين
الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية لا تخرج عن هذا التصور لجدلية التأثر والتأثيربين الحضاريين.
(أ) حال الفلسفة اليونانية
حين انتقالها إلى دائرة الفكر الإسلامى (ملحوظات أولية):
أود الإشارة هنا
إلى حقيقة لم تحظ بما تستحق من الإيضاح فى الأبحاث
التى أرخت لتلك الفترة وتناولت طبيعة الثقافات التى أثرت فى الفكر الإسلامى من
حيث النشأة والمنهج والمضمون وألخص ملحوظاتى فى هذا السياق فى ثلاث نقاط على
النحو التالى:
أولاً: أن الفلسفة اليونانية لم تكن عقلانية خالصة، ولم تخل من الأساطيروالاعتقاد فى قوى غيبية
كما كان الحال مثلا فى المدرسة الفيثاغورية
الأولى، وخاصة شخصية مؤسسها فيثاغورث الأول، وكذلك مذهبهم فى
الأعداد وقواها السحرية... إلخ (1).
ثانياً: أن الفلسفة اليونانية كانت قد انحدرت إلى مستوى سيئ جدا قبل وصولها إلى
بلاد الشرق، وذلك بسبب ظهور تيارات الشك التى اشتد
تأثيرها قبيل ظهور المسيح عليه السلام، ممثلا فى الشكاك المتأخرين وأولهم أينسيديموس Aenesidemos (حوالى سنة 70 قبل الميلاد) (2) وظل أثرهم حتى ظهور القديس أوغسطين (ت 430 م) فى نهاية القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الميلادى. وقد ساعد فى تشويه
الثقافة اليونانية ظهوركتب نسبت إلى فلاسفة مشهورين
مثل: أرسطوطاليس الذى نسب
إليه كتاب الربوبية الذى اعتمد عليه الفارابى فى كتابه "التوفيق
بين رأى الحكيمين" وهو عند المحققين بعض تاسوعات
أفلوطين (القرن الثالث الميلادى) أو لأحد تلاميذه، كما
توجد أكثر من ألف رسالة أو كتيب منسوبة إلى شخص يدعى "هرمس
" لا تعرف شخصيته أو عما إذا كان هناك فيلسوف بهذا الاسم على الإطلاق(3).
نلاحظ أن تيارات
الشك ظهرت فى كل مراحلها الأولى والوسطى والمتأخرة كرد فعل للإفراط فى اعتماد العقل وسيلة وحيدة للوصول إلى الحقيقة، وهذا الشك يعتمد فى حججه على العقل أيضا ويبين أن العقل أيضا يناقض نفسه ويعجز عن الوصول
إلى الحقيقة إذا اعتمد فقط على نفسه. وكانت نتيجة ذلك الاتجاه هى
ترك العقل والاعتماد على الإيمان فى قوة غيبية
تتحكم فى مصائر البشر، كما كانت الحال فى كثير من الديانات الشرقية التى تتأسس على فقدان الثقة فى
العقل بل لأنها نبتت فى البيئة الشرقية التى كانت تتلائم طبيعتها مع هذا
النوع من التفكير(4).
وعندما اختلطت
هذه الفلسفات المختلفة ولم تكن إحداها قادرة على تفسيركل
المشكلات الطبيعية والفكرية التى واجهت البشرآنذاك ظهر الاتجاه إلى الاعتماد على كل من العقل والروح أى التعقل إلى جانب الإيمان، وربما يقدم أحدهما على
الآخر، فكان البعض يرى أن الإيمان يوصل إلى التعقل Uog Anselm erdo intelligam، والآخر يرى أن التعقل هو طريق الإيمان مثل معظم المعتزلة
والفلاسفة، ومنهم من كان يجعل تعارض الحقائق الإيمانية مع العقل سببا فى التمسك بالإيمان بها مثل مارتين لوثر (Grede quia adsurdum) أما الفلسفات التى أتت
بعد ذلك فقد حاولت طريقا وسطا يجمع بين العقل والإيمان كما كان واضحا فى ما ذهب إليه "فيلون " الفيلسوف اليهودى الذى عاصر ظهور المسيح
عليه السلام، وكذلك القديس أوغسطين الذى سبق ذكره قبل
قليل وهما أهم مفكرى رجال الدين فيما قبل الإسلام.
ثالثا: أن ما وجده
المسلمون من ثقافات فى البلاد المفتوحة لم يكن له نصيب
كبير من الأصالة، لأنها كانت قد امتزجت بالثقافة الإغريقية، وما وجدوه من الثقافة
الإغريقية فى الإسكندرية مثلا، لم يكن بعيدا عن التأثر
بالثقافات الشرقية، وكان هذا المزيج من الثقافات الشرقية والثقافات الإغريقية يسمى
بالثقافة الهيلينية أو الهيلينيستية.
ولم يقف تأثير
الثقافة الإغريقية على الثقافات الشرقية محاولة الشرقيين أخذ ما يتفق مع ثقافتهم
فقط ونبذ الباقى، فقد تركت الثقافة الإغريقية بعض
معالمها فى الثقافات الشرقية وأثرت فيها تأثيرا شديدا
وأكسبتها لونا جديدا ظهر عند مفكرى تلك الثقافات قبل
ظهور المسيحية وما بعدها إلى أن جاء الإسلام.
والخلاصة: أن الإيمان الذى يؤيده العقل وكذلك العقل الذى
يؤيده الإيمان
كان
نتيجة مرحلة لتطوير الفكر الإنسانى فى
مرحلة ما قبل الإسلام.
إذن لم يكن
للفلسفة اليونانية تأثير كلى مباشر على الفكر الإسلامى، بل كان تأثيرا فرديا (جزئيا) غير مباشر، تمثل فى بعض
الفلاسفة مثل أفلاطون (المثل- الخلق) أفلوطين، ابن
سينا، أرسطو فى المنطق والميتافيزيقيا، أبيقور فيما يسمى بنظرية الذرة (الجزء الذى
لا يتجزأ) وما عرف بنظرية الكمون والظهور، خاصة عند النظام المعتزلى.
(ب) ما تميزت به
الفلسفة الإسلامية عن سابقاتها:
لم تعد بنا حاجة
إلى تفصيل الحديث عن أصل كلمة فلسفة وتعريفها، فمن الواضح أن هذه الكلمة غير عربية
رغم أنها أصبحت متداولة وكأنها عربية، حتى أن البعض يعربها ويستخرج منها صيغا نحوية فيقال: "التفلسف " والفعل
"تفلسف " أو "تتفلسف " وغير ذلك من الاشتقاقات اللغوية
المعروفة فى اللغة العربية. ومن نافلة القول أن كلمة
الفلسفة فى لغتها الأصلية اليونانية مكونة من مقطعين
فيلو Philo ، صوفيا Sophia بمعنى محبة الحكمة، أما الكلمة العربية المقابلة لها
فهى الفكر، فيكون المقابل العربى لكلمة الفلسفة
الإسلامية الفكر الإسلامى وهذا هو الأصح.
الفلسفة الإسلامية لم
تطرح أصلا السؤال عن وجود الله، أو عن معنى الحياة، أو
عن: من أين؟ الى
أين؟
رغم أن هذه هى الأسئلة التى شغلت بها الفلسفة
اليونانية، بل تنطلق الفلسفة الإسلامية من يقين بوجود الله وكذلك يقين بأن
الوحى الإلهى هو مصدر القرآن
الكريم.
أما ما نجده فى كتب الفلسفة الإسلامية من براهين لإثبات وجود الله فلا
يقصد بها سوى إقناع منكرى الألوهية بضرورة وجود الخالق-
جل وعلا- وهى عند الفلاسفة والمفكرين المسلمين ضرورة منطقية. ثم انطلق الفكر
الإسلامى بعد ذلك إلى معرفة صفات الله أو بمعنى أدق
إثبات صفات الله التى نزلت فى القرآن الكريم من قدرة، وعلم، وحكمة، وإرادة،
وحياة، ووجود، الى آخره... اعتماداً على ما فى الكون من حكمة تثبتها السنن الكونية، وكل
مكونات الكون. وقد مهد اهتمام المسلمين بذلك تطويرهم للعلوم الطبيعية، وتوصلهم إلى
اكتشافات ونظريات علمية شيدت للإنسان أعظم حضارة عرفها التاريخ حتى الآن، ويضرب
المفكر الألمانى المسلم "مراد هوفمان" فى بحث له بعنوان "حول دور الفلسفة
الإسلامية"(5) مثالا لاختلاف آراء المفكرين المسلمين حول
إحدى المسائل الفلسفية، ثم ينطلق من بيان اختلاف المواقف إلى التعرف على اختلاف
الاتجاهات الفكرية حيث قسمها إلى أربعة اتجاهات، وبنى هذا الاختلاف على أساس قولهم
فى بعض صفات الله، التى توحى بتبين
موقف المذهب فيقول: "لو أننا افترضنا أن بعض المسلمين سئل عن تفسير معنى قوله
تعالى: ( فإن الله كان بعباده بصيرا) (سورة فاطر: 45)، سوف ترى
أن كل واحد منهم يتخذ موقفا مخالفا للآخر تجاه فهم هذه الآية الكريمة، أحدهم: سوف
ينكر ضرورة و إمكانية تفسير هذه الآيات ويكتفى
بقراءتها وتصديقها كما أنزلت، ويكون صاحب هذا الموقف ممن
ينتمون إلى مذهب الإمام "أحمد بن حنبل" وعلى منهج الشيخ
محمد ابن عبد الوهاب. أما الثانى: فرغم أنه لا ينكر
أهمية تفسير هذه الآيات إلا أنه سوف يذهب إلى استحالة
الوصول إلى تفسير قاطع لها، ولعل هذا الثانى يكون ممن ينتمون إلى الأشعرية. أما الثالث، والرابع: فسوف
يذهبان إلى ضرورة وإمكانية تفسير هذه الآيات الكريمة، إلا أن الثالث: سوف يتبع فى ذلك المنهج العقلى، ويكون من المعتزلة.
أما الرابع: فسوف يتبع المنهج الحدسى ويكون من أتباع المنهج الصوفى كالإمام أبى حامد الغزالى".
بذلك يكون مراد
هوفمان قد قسم الفلسفة الإسلامية إلى أربعة اتجاهات:
اتجاه سنى محافظ، واتجاه أشعري يقدم النقل على العقل، واتجاه معتزلى يقدم العقل على النقل،
واتجاه صوفى يقدم الحدس الروحى على ما سواه فى فهم نصوص الوحى.
(جـ) حول أصالة الفكر الإسلامى
نشأة ومنهجا:
هل كان السبب
الوحيد فى إقبال المسلمين على دراسة الثقافات الأخرى هو فقط رغبتهم فى الدفاع عن الإسلام ضد هجمات ثقافية جاءت من تلك الثقافات؟ وبعبارة
أخرى- إذا افترضنا أن دخول الإسلام على ثقافات أخرى لم ينتج عنه مصادمات
أو مواجهات من جانب الثقافات المقهورة- هل كان يعنى ذلك أن المسلمين ما
كانوا ليقبلوا على تلك الثقافات؟
إن الرأى الذى يذهب إليه معظم مؤرخى الفكر الإسلامى سواء من المسلمين أو من غيرهم هو
أن المسلمين اضطروا إلى ذلك لغرض الدفاع عن الإسلام ضد الديانات الأخرى التى سادت البلاد المفتوحة والتى
كانت قد سبقت الإسلام إلى تعلم المنطق الإغريقى، وأن هذا الاحتكاك بالثقافات غير الإسلامية ولد فى المسلمين الجدل الذى أدى إلى نشأة الفرق الإسلامية من متكلمين وفلاسفة ومتصوفة، ويخرج القارئ بانطباع مؤداه أنه ما كانت تلك
الفلسفة لتظهر فى الإسلام لولا هذا الاحتكاك الثقافى بالثقافات غير الإسلامية مثل الإغريقية والفارسية
والهندية إلى جانب الديانات الأخرى، وأهمها المسيحية واليهوديه
.
رأيان متناقضان (مؤيد ومخالف):
فيقول عبده فراج:
" ولم يكن المسلمون قبل احتكاكهم بأهل الأديان الأخرى
وقبل شيوع الثقافات الهندية والسريانية واليونانية يجدون أدنى صعوبة فى الاعتقاد بظاهر معنى الآيات ( يقصد
الآيات القرآنية التى تدل على اختيار العبد لأفعاله
وكذلك التى وردت فيها ذكر صفات الله تعالى ) وما طابقها من الحديث، ولا ينقبون فيما وراء ذلك من مشكلات
وتأويلات، ولكن لم يلبث الجدال أن ظهر واشتد بين المسلمين، وبين أهل الملل
والأديان الأخرى، من جهة، وبينهم وبين أنفسهم من جهة أخرى (6).
ويقول عرفان عبد
المجيد: "حاول كتاب "الفرق والمقالات " ربط نشأة الفرق
والمذاهب الإسلامية بعوامل أجنبية تتمثل فى الديانات
والثقافات والمعتقدات الفلسفية التى وجدها المسلمون فى البلاد المفتوحة، وكانت الغاية التى
استهدفوها هى تصوير هذه الفرق
والمذاهب فى شكل دعاوى مبتدعة ومذاهب مستحدثة من أديان
قديمة باطلة... وفى العصر الحديث نهض بعض المستشرقين لدراسة هذه المذاهب والفرق
وانتهوا فى دراساتهم واجتهادهم- على الرغم مما فيها من
جدية وعمق وتحليل- الى القول بأن هذه المذاهب تولدت فى الإسلام بتأثير عوامل أجنبية على
اختلاف بينهم فى تحديد تلك العوامل، وقد صدر هذا عن
اعتقادهم بأن العقلية العربية مصابة أصالة "باللاموضوعية "(7).
ويؤيد الرأى الذى ذهب إليه عرفان عبد
المجيد ما قاله ديلاسى أوليرى
عن العقلية العربية فى كتابه "الفكر العريى ومكانه فى التاريخ "
حيث ورد فى مقدمةهذا الكتاب:
"الحق أن هذه الثقافة الإسلامية فى أساسها وفى
جوهرها جزء من المادة الهيلينية الرومانية، بل إنه حتى
علم التوحيد الإسلامى قد تمدد وتطور بواسطة منابع هلينية".
ويناقض أوليرى نفسه فى
الفقرة اللاحقة على تلك فيقول: "ولكن الإسلام ظل مدة طويلة منعزلا عن
المسيحية، وحدث تطوره فى بيئات تختلف عنها تماما، حتى
ليبدو غريبا عليها، أجنبياً عنها، وتظهرأعظم قوة له فى أنه قد عرض
المادة القديمة (يقصد التى عرفها المسلمون عن الثقافة الهلينية) فى شكل جديد جدة
تامة" (8).
إن من يتدبر آيات
القرآن الكريم والحديث الشريف، يجد الأدلة الكافية على أن أصول تلك
الفرق الإسلامية، وما جاءت به من أمهات المسائل موجودة فى
مصدر الإسلام الأصيل، فالآيات التى تحث على التدبر
والتعقل وتحصيل العلم وتفضيل الذين يعلمون على الذين لا يعلمون، بالإضافة إلى
الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التى تحث على الأخذ
بالأسباب والتوكل على الله فى ترقب النتائج وهى عديدة
ولا تخفى على من يريدها.
ولقد كان من الطبيعى أن يتدبر المسلم ما جاء فى كتاب الله العزيز من تعاليم وإشارات
وآيات بينات وهذا يوصله حتماً إلى ما يشبه
الجدل واعتماد الدليل العقلى فى
المناقشة، وأقصد هنا "الجدل الإيجابى" الذى يستهدف الوصول إلى المعرفة، وليس "الجدل السلبى" الذى لا يقصد منه إلا
التشكيك ونقض الرأى الآخر بحق وبغير حق.
أضف إلى ذلك أنه
كانت هناك ديانات أخرى فى الجزيرة العربية وهى اليهودية
والمسيحية، وكان منهم من له ثقافة وإطلاع مما جعل النقاش حول مشكلات لم تصل
اليهودية ولا المسيحية إلى حل قاطع فيها أمراً طبيعياً.
ولم يكن العرب
المسلمون أقل كفاءة من غيرهم على التدبر والتفكير العقلى
والنقاش، وهذه الحقائق كلها تؤكد أن الجدل حول مسائل فى العقيدة وفى الفقه وفى السياسة لم يكن شيئاً مستورداً من
ثقافات أخرى ولا نتج عن الاحتكاك بها وإن كان هذا
الاحتكاك فى الواقع هو بمثابة المعجل به والمشجع على
نموه واتخاذه مسارا متطرفا فى بعض الأحيان.
الجــدل فى الإسلام:
أذكر عالمين
جليلين أيدا الرأى الذى يذهب
إلى أن الفلسفة والجدل أصلهما إسلامى أولهما أبو محمد
عبد الله بن السيد البطليوسى
(المتوفى سنة 521 هـ) الذى يذهب فى كتابه "التنبيه على الأسباب التى
أوجبت الاختلاف بين المسلمين " إلى أن الخلاف الذى
عرض لأهل ملتنا من ثمانية أوجه كل ضرب من الخلافات متولد منها ومتفرع عنها (9):
الاول منها: اشتراك اللفظ والمعانى. الثانى: الحقيقة والمجاز.
الثالث: الإفراد
والتركيب . الرابع: الخصوص والعموم.
الخامس: الرواية والنقل. السادس: الاجتهاد فيما
لا نص فيه.
السابع: الناسخ والمنسوخ. الثامن: الإباحة والتوسع.
ويدور هذا الكتاب
الصغير الحجم نسبيا وعظيم الفائدة حقا حول هذه الأوجه الثمانية، وهو من أول ما كتب
فى هذا الفن وما نهل منه اللاحقون عليه.
أما الجدل فهو على وجهين، كما سبق ذكره إما إيجابيا وإما سلبيا، وعلم
الجدل يعرف عند المسلمين تارة بأنه "علم يقوم على مقابلة الأدلة لإظهار أرجح
الأقوال الفقهية"، وتارة أخرى بأنه "علم يقتدر به على حفظ أى وضع يراد ولو باطلا وهدم أى وضع يراد ولو حقا"(10).
أما العالم
الجليل الذى سوف أتوقف عند وجهة نظره فترة أكثر من تلك التى سبقت، لأهميتها، وأرجو أن يعذرنى
القارئ الكريم فى ذلك، فهو ناصح الدين عبد الرحمن بن
نجم المعروف بابن الحنبلى، المتوفي
سنة 634 هـ الذى يقول فى كتابه "استخراج الجدال من القرآن الكريم "(11):
"اعلم أن الله- سبحانه وتعالى- ذكر لفظة "الجدل " وما تصرف منها فى كتابه العزيزفى تسعة وعشرين موضعا،
ولفظة "الحجة"وما تصرف منها فى سبعة وعشرين موضعا،
ولفظة "السلطان " فى ثلاثة وثلاثين موضعا،
الجميع المراد به "الحجة" سوى موضع واحد فى
سورة "الحاقة" (هلك عنى سلطانيه)آيه :29، "أما الجدل فهو مذموم
فى كل موضع ذكر إلا فى ثلاثة
مواضع ". أحدها فى النحل. (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن)(آية: 125).
والموضع الثانى فى العنكبوت: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن) (آية: 46).
وقول الله عز وجل: ( بالتى هى أحسن ) خيردليل على وجود نوعين
من الجدل أحدهما مستحسن والآخر مستقبح.
وأول من سن الجدل
الملائكة صلوات الله عليهم، كما يقول ابن الحنبلى
فى كتابه المذكور، حيث قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن
نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون)(البقرة آية:30). فأما إبليس
فهو أول من أظهر الخلاف وركب العناد وسار فى البلاد،
والفرق بينه وبين الملائكة أن الملائكة لم يظهر منهم خلاف ولا عصيان، بل طلبوا
بسؤالهم الإيضاح والبيان، وإبليس أفتى وذل فى مسألته
فانقطع فى مجادلته وبان فساد تعليله وإزاغته عن الصواب فى تأويله أنه قال: ( خلقتنى من نار وخلقته من طين (الأعراف آية: 12) (12).
وأول المجادلين
من الأنبياء- عليهم السلام- هو نوح- u- قال: (استغفروا ربكم إنه
كان غفارا• يرسل السماء عليكم مدرارا• ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل
لكم أنهارا• مالكم لا ترجون لله وقارا• وقد خلقكم أطوارا• ألم
تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا• وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا•
والله أنبتكم من الأرض نباتا• ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا• والله جعل لكم الأرض بساطا• لتسلكوا منها سبلا فجاجا)(نوح: 10- 20) (13) ثم جدال إبراهيم- عليه السلام- وحجاجه وله
ثلاثة مقامات الأول: مع نفسه، والثانى: مع أبيه،
والثالث: مع نمرود وقومه (14) وجدال إبراهيم- u- مع نفسه لم يكن جدالاً بالمعنى المعروف
ولكن كان نظرا ولكن جداله كان مع أبيه: (واذكر فى الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا• إذ قال لأبيه يا أبت لم
تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك
شيئا) إلى آخرالآيات من سورة
مريم (الآيات 41- 42)، وكذلك جداله مع النمرود فى الآية
رقم 258 من سورة البقرة(15).
ثم يذكر ابن الحنبلى الأدلة على وجود الصانع فى
آيات القرآن الكريم، ويذكر منها الآيات (17- 21) من سورة
الغاشية: (أفلا ينطرون
إلى الإبل كيف خلقت•وإلى السماء كيف
رفعت• وإلى الجبال كيف نصبت• وإلى الأرض كيف سطحت• فذكر إنما أنت مذكر). ويذكر كذلك الآيات الكريمة من سورة النبأ الآيات (رقم 6- 16) وغيرها والآيات
(27- 33) من سورة النازعات، وكذلك الآيات (3- 4) من سورة الرعد، والآية (رقم 164)
من سورة البقرة، و(الآية: 5) من سورة يونس، إلى آخر ذلك
من الآيات الكريمة التى تدل على وجوده تعالى
وهو الغنى عن التدليل ولكنه أعلم بخلقه منهم ويعلم حاجتهم إلى دليل عقلى يفهمه الإنسان بعقله المحدود (16).
ثم يورد بعض
الآيات الكريمة التى تثبت وحدانيته تعالى واستحالة أن
يكون له شريك فى ملكه، ومنها الآية (22) من سورة
الأنبياء: ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (17).
ثم يذكر بعض الايات الكريمة التى تدل على
البعث، مثل الآيات (66- 67) من سورة مريم، والآيات (78- 79) من سورة يس: ( وضرب لنا مثلاً ونسى خلقه قال
من يحيى العظام وهى رميم قل يحييها الذى أنشأها أول مرة
وهو بكل خلق عليم) (18).
ويليها أدلة نبوة
سيدنا محمد- عليه الصلاة والسلام- منها الآية (23) من سورة البقرة: (وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة
من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين )، والآية الكريمة: (قل لئن اجتمعت
الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولوكان بعضهم لبعض ظهيرا ) (سورة الإسراء آية: 88) (19). وغير ذلك من الآيات البينات. ويذكر من
ألفوا فى دلائل نبوة نبينا محمد- عليه وعلى آله وصحبه
أفضل الصلوات والسلام- ومنهم أبو نعيم الحافظ الأصبهانى
(ت430 هـ) وأبو بكر بن فورك (ت: 406 هـ)
والحافظ أبو بكر البيهقى (ت 458 هـ)(20).
ويختتم ابن الحنبلى كتابه المذكور بفصل أفرده للأسئلة والأجوبة الجدلية
من الكتاب العزيز بذكر الآيات الكريمة ثم شرحها وبيان معانيها، وأساليب الجدال
فيها ويبدأ ذلك بالآيات الكريمة( 11- 12) من سورة البقرة، والآيات (18- 19) من
سورة يس، والآية (183) من سورة آل عمران (21).
والحقيقة أننى لا أريد التوقف كثيرا عند هذه النقطة، فالجدال والنقاش
اللذان يعتمدان على أدلة سمعية وعقلية، ويهدفان إلى الوصول إلى الحقيقة تجدهما فى كثير من كتب التراث الفكرى فى شتى فروعه واتجاهاته، وعندما نقرأ كتابى"منهاج
السنة"و "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول " لشيخ
الإسلام تقى الدين ابن تيمية نجد فيهما نمطا جدليا له
طابع المناقشة المنهجية العلمية. وكذلك
بعض المراجع القيمة الأخرى التى يذخر بها تراثنا الفكرى فى العصور
السالفة، وكذلك فى العصر الحديث، أختار منها واحدا على
سبيل التمثيل، حيث ينبه مؤلفه إلى منزلق خطير قد يقع فيه المهتمون بمحاولة التوفيق
بين العقل والنقل أى بين العلم والدين.
يقول عباس محمود
العقاد فى كتابه "التفكير فريضة إسلامية":
"والإفراط إنما يحذر من محاولة التوفيق بين القرآن الكريم وبين تلك العلوم ( يقصد العلوم العصرية) فى كل جليل ودقيق مما ثبت
ثبوت اليقين ومما يعرض أصحابه عرضا يحتمل المراجعة، بل يحتمل النقض والإلغاء، فمن
الحق أن نعلم أن كتابنا (القرآن الكريم) يأمرنا بالبحث والنظر والتعلم والإحاطة
بكل معلوم يصدر عن العقول، ولكن ليس من الحق أن يزعم أن كل ما تستنبطه العقول
مطابق للكتاب مندرج فى ألفاظه ومعانيه. فإن كثيرا من
آراء العلماء التى يستنبطونها أول الأمر لا يعدو أن
يحسب من النظريات التى يصح منها ما يصح ويبطل منها ما
يبطل ولا تستغنى على الدوام عن التعديل، وإعادة النظر من حين إلى آخر"(22).
وقد تركزت
موضوعات الفكر الإسلامى حول أربعة نقاط:
1- إثبات وجود الله وما يليق به من
صفات (التوحيد).
2- تفسير كيفية الخلق وإثباته.
3- إثبات النبوة بصفة عامة ونبوة
سيدنا محمد r، بصفة خاصة.
4- مسألة الجبر والاختيار (العدل).
وكان من نصيب
النقطتين الأولتين من التأثر بالثقافات الأخرى أكبر
بكثير من النقطتين الأخيرتين.
والمسلمون كانوا أيضا
فى أربع مجموعات رئيسية:
ا- السلفيون. 2- المتكلمون (أصحاب الفرق).
3- الفلاسفة. 4- المتصوفة.
ويلاحظ هنا أن مصطلح "أهل السنة والجماعة" كان ينطبق فى بداية الأمرعلى كل من أهل السلف
والمتكلمين، فكان كل فريق منهما يدعى لنفسه الأحقية بهذه التسمية. ولم تقتصر هذه
التسمية على أهل السلف الذين تجنبوا الكلام والدخول فى
متاهات جدلية مع المتكلمين إلا فى فترة متأخرة، وبعد
ظهور مذهب الإمام أحمد ابن حنبل مثل الأشاعرة وانتصارهم
لمذهب السلف على طريقتهم الكلامية التى تأثروا فيها
بالمعتزلة بما جلب عليهم غضب الممسكين عن الكلام والجدال من أهل السلف الصالح. وفى
ردود الشيخ ابن تيمية على الأشاعرة فى
كتابه "الموافقة"(23) ما يكفى فى هذا الصدد.
أما الفلاسفة
والمتصوفة فقد كانوا أبلغ من الآخرين فى تأويل الآيات
والبحث
عن
المعنى الباطن، كما كانوا يدعون. والمتصوفة كانت أكثر من الفلاسفة فى هذا الاتجاه وأبلغهم جميعا فى
الاعتماد على التفسير الباطن وترك ظاهر القرآن الكريم وإن كانوا متفقين
مع الفلاسفة فى بعض النقاط. ومعظمهم كان يجمع بين
الفلسفة والتصوف، وبعضهم جمع إليه الكلام كما هى الحال
عند الإمام أبى حامد الغزالى.
والخلاصة أن أهل
السلف اختاروا التمسك بظاهر الآيات الكريمة والحديث الشريف، وتجنبوا الدخول فى مجادلات تلهيهم عن التدبر فى
آيات الله البينات وسنة رسوله
الكريم r
دون السؤال عن الكيف، فنجوا بدينهم وسلموا من كل طعن
وشبهة.
أما المتكلمون فقد آمنوا بما جاء فى القرآن الكريم ظاهرا
وباطنا، ولكنهم زادوا على السلف بالتأويل والبحث عن الكيف، فحاولوا إثبات العقيدة (الوحى) بالبراهين العقلية
(العقل) فأعطوا للعقل حرية البحث عن الأسباب معتمدين فى
ذلك على أن العقل لايمكن أن يتعارض مع ما جاء به الوحى الإلهى الكريم، فتشعبت آراؤهم
ومذاهبهم حتى لم يجدوا شيئا يتفقون عليه فيما بينهم أو كادوا،
وما ترتب على ذلك هو أمر معروف للجميع.
أما الفلاسفة فقد
كان جل همهم هو محاولة التوفيق بين ما جاء به الوحى من ناحية وبين ما وجدوه فى
الفلسفة الإغريقية والهيلينية، وهذه المحاولة هى التى سببت تميزهم عن الفلاسفة
الإغريق، فجاءت محاولاتهم شبيهة بمحاولات فيلون اليهودى وأفلوطين الإسكندرانى
وأوغسطين المسيحى، وان اختلفت عنها فى كثير من النقاط الأخرى التى لم تتعرض لها الفلسفة الهيلينية بالتفصيل وتميزت ببعضها كمسألة إثبات النبوة وتعريفها.
أما بالنسبة
للمسألة الرئيسية فى الفلسفة،
وهى إثبات وجود الله، فقد استعان معظم الفلاسفة المسلمين بما وصل إليهم من أفلاطون وأرسطو، وبعض مؤلفات أفلوطين التى وصلتهم منسوبــــة إلــى أرسطو مثل: الكتـــاب المسمى بالـــربوبية
(أثولوجيا) وهو بعض تاسوعات أفلوطين (24) كما سبق ذكره، وأضافوا إلى ذلك براهين
جديدة مثل البرهان المسمى ببرهان واجب الوجود- الذى جاء به أبو نصر الفارابى (ت
339 هـ/ 0 95 م)، واعتمده ابن سينا
(427 هـ/1037م) بينما رفضه ابن رشد (595 هـ/1198م) واعتبر ما قال به أرسطوطاليس.
أما موقف الفلاسفة
من النبوة فملخصه أن الحقيقة يمكن الوصول إليها عن طريقين:
1- عن طريق التأمل والنظر
(الفلسفة).
2- عن طريق الوحى
(النبوة).
الطريق الأول لا
يتسنى إلا لمن لهم القدرة على التأمل والنظر وهم قلة
بين الناس وهم الفلاسفة ومن هم فى
مستواهم العقلى، فهؤلاء فقط من بين جميع الناس يمكنهم الوصول
إلى الحقيقة بالاعتماد على العقل وحده.
أما العامة فإنهم
محتاجون إلى الوحى الذى ينزل على نبى يتحدث لهم بلغة
وأدلة تتناسب مع مستواهم العقلى الذى
يعجزون به عن الوصول وحدهم إلى الحقيقة، ومن هنا جاءت ضرورة نزول الوحى وظهور الأنبياء. هذا الرأى
هو الذى ذهب إليه وعرضه الفارابى
فى كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة" (25) الذى كان يحاكى فيه "جمهورية أفلاطون
" إلا إنها عند الفارابى تختلف وتتميز عنهـا
بأشياء أساسية ترجع إلى إدخال الفارابى التصور الدينى الإسلامى فى بناء مدينته والذى تخلو جمهورية أفلاطون منه تماماً.
ويتضح الفرق الأساسى بين الفلاسفة والمتكلمين فى
انطلاق المتكلمين من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مع بعض التأويل
الذى كان يتجاوز الحدود أحيانا كثيرة،
ومحاولتهم إثبات صحة ما جاء به الوحى الكريم بالعقل وعن
طريق الطرق المنطقية التى
وجدوها فى الفلسفة الإغريقية والهيلينية
حتى يصلوا فى النهاية الى
نفى التعارض بين