أحداث 11 سبتمبر
والجاليات الإسلامية فى الغرب
سماحة/ عبد
المجيد الخوئى
أمين عام مؤسسة
الإمام الخوئى الخيرية
لندن-
المملكة المتحدة
بحثى هذا يندرج تحت العنوان الثالث (الأقليات الإسلامية فى الدول غير الإسلامية) من المحور الثانى
(العلاقة بالآخر) ضمن بحوث المؤتمر العام الرابع عشر للمجلس الأعلى للشئون
الإسلامية، المنعقد فى جمهورية مصر العربية فى الفترة 20-23 /5/2002 بمشيئة الله تعالى، بعنوان (حقيقة الإسلام فى
عالم متغير) تحت رعاية السيد الرئيس محمد حسنى مبارك رعاه الله، واستجابة لدعوة
مشكورة من معالى الأستاذ الدكتور محمود حمدى زقزوق المحترم، وزير الأوقاف
ورئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
مــدخل البحــث:
بعد هجمات 11
سبتمبر/ أيلول مباشرة، سارعت جماعات عديدة إلى القول أن العالم لن يكون أبداً مثلما كان، ولا ريب فى أن حجم الاعتداء الإرهابي ودراميته
كانا يختلفان عن أى عمل من أعمال العنف التى شهدتها الولايات المتحدة والغرب فى
زمن السلم، وكذلك كان وقع الحدث لا يقل أهمية بالنسبة للجاليات الإسلامية فى الغرب، وقد عكست الأجواء اللاحقة التى
عاشتها هذه الجاليات بعد الحدث أهميتها من نواحى عديدة،
فحال المجتمع بصفة عامة، خوف متزايد وانعدام الأمن بدرجة كبيرة. ولكن يضاف إلى ذلك أن المسلمين كان عليهم أن يتعاملوا مع إحساس شديد بالاستقطاب
والتمييز كأقليات فى الغرب، أنظار متوجسة ملؤها الشك
والريبة والاتهام، بل ثبوت الجرم حتى قبل التحقيق
فى الأمر.
ولكن إذ نعود
بأنظارنا إلى الأشهر القليلة الماضية، فنرى أن العديد من نواحىالحياة
لم تتغير عند هؤلاء المسلمين، وأن أمانيهم- المحلية والعالمية- بقيت غير متحققة.
ولعل أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وما تلاها، تكون سببا فى تغيير- ولو على المدى البعيد- الخريطة السياسية العالمية ككل. ولكن بالنسبة
للمسلمين الذين يعيشون فى الغرب، لم تفعل هذه الفترة
سوى تأكيد القضايا والمشاكل التى كانوا أصلاً يواجهونها، من دون تغيير جوهرى فى محنتهم أو مواقفهم أو حل لقضاياهم.
ولفهم رد فعل المسلمين على 11 سبتمبر/ أيلول وما بعده، يتعين أولا وقبل كل شىء فهم موقعهم فى
المجتمع حتى تلك اللحظة؛ ولذا سأبدأ بنظرة سريعة إلى
موضوع تطورهم الاجتماعي والمؤسسي فى الآونة الأخيرة،
مركزا على ثلاثة مضامير ذات علاقة بصفة خاصة هى:
(أ) مسألة الاعتراف بالهوية الدينية فى المجال العام.
(ب) نشوء جيل ثان وثالث من الشباب المسلمين، مع الأخذ
بنظر الاعتبار
مسألة الاندماج فى المجتمع الغريى والنزعة
الراديكالية.
(ت) تطور البنية المؤسسية
التحتية للجماعة الإسلامية.
وسينصب اهتمامى بالأساس على خبرة المسلمين البريطانيين ووضعهم الداخلى، ليس لاطلاعى عليها وارتباطى بها فحسب؛ بل ولأنها أيضا
المثال الأوضح الذى ينبغى التوجه
إليه فى ضوء الدور البارز الذى
تقوم به بريطانيا فى الأحد اث
الجارية.
وبعد تحديد هذا
السياق لوضع المسلمين فى بريطانيا، إزاء الدولة
والمجتمع وقت وقوع الاعتداءات، سأتناول تأثيرها المباشر على المسلمين البريطانيين. وكما سيتضح لاحقا، فإن ردود أفعال المسلمين البريطانيين
بل والجماعة الأوسع من المسلمين على
الاعتداءات يمكن أن تفهم- إلى حد ما- بالرجوع إلى دينامية
تطورهم حتى تلك اللحظة. ولكن قد يكون من المفيد النظر إلى ردود الأفعال هذه أيضا
بمفردات رد الفعل على الاعتداءات نفسها، ثم فى ضوء ردود
الأفعال على خوض ما يسمى "الحرب على الإرهاب " بعدما بدأت القنابل تنهمر
على أفغانستان. وهذان الجانبان لا يعكسان مدى تتوع
الآراء بين المسلمين فحسب، بل ويشيران أيضا إلى تعقد القضايا الأخلاقية والسياسية
والاجتماعية وازدواجية المعايير التى تقدمت إلى مركز
الصدارة فى عالم متغير.
1- المناخ الذى كان سائدا قبل الأحداث:
ينبغى النظر إلى تأثير 11 سبتمبر/ أيلول وأصدائه بالنسبة لمليونى
مسلم بريطانى أو نحو ذلك، فى
سياق تطورهم الاجتماعى والمؤسسى
فى السنوات الأخيرة. وقد كانت عملية مختلطة: مثمرة
لتقدمهم الإيجابى فى بعض
الحالات ولكنها معطلة فى مضامير أخرى. وكانت التطورات
الإيجابية فى مجالات المتابعة الإعلامية والمشاورات
الحكومية نابعة أساسا نتيجة لضغوط متواصلة مارستها قطاعات من الجالية الإسلامية،
فضلا عن دور المسلمين فى انتخابات 1997 التى حملت إلى السلطة حكومة أقرت لأول مرة بأن (للمسلمين
البريطانيين حاجات محددة، وأنها مستعدة للاستماع إليها وتلبيتها
إلى حد ما).
(أ) الاعتراف بالهوية الدينية:
أثارت قضية
التمييز الدينى طيلة سنوات عديدة نقاشات عامة واسعة.
وترتبط اهتمامات المسلمين فى بريطانيا بشأن هذه القضية عموما بمسألة الاعتراف بالحاجات العريضة للجالية بصفة عامة وبتنوعها الثقافى الداخلى. وفى حين أن قضايا
الأقليات كانت تقليديا تعالج من خلال معالجة مسألة العرق والإثنية، فإن قضية الدين
لم تنل عموما الاهتمام اللازم من المخططين السياسيين. ورغم
أن الجالية الإسلامية فى بريطانيا تنتمى
إلى طائفة واسعة من الأصول الإثنية والعرقية، ولكن تبقى
الحقيقة ماثلة فى أن هذه الجالية بعمومها تشعر بالحرمان
من إمكانية ولوج المجال العام وبأنها تتعرض إلى التهميش.
وقد انخرط عدد من
الوزارات- بينها وزارة الداخلية ووزارة التعليم والتشغيل ووزارة الخارجية ووزارة
الزراعة والثروة السمكية ووزارة الصحة- فى مناقشات
عديدة حول القضايا ذات الاهتمام المشترك مع عدة منظمات إسلامية وممثلى الجالية الإسلامية بصورة منتظمة، وفى مناسبات مخصصة
تحديدا لهذه المسألة.
وكمثال لما يرتبط
بإحدى التطورات الهامة فى هذا المجال حول إدارة السجون فى مراجعة التشريع المتعلق بالتمييز الدينى
من ناحية حق السجين فى الاتصال برجل دين من مذهبه
ليتسنى له ممارسة شعائر دينه بلا معوقات. ولهذه الغاية عينت الحكومة مستشارا مسلما
متفرغا للتشاور مع إدارة السجون حول جميع القضايا التى
تهم السجناء المسلمين ورجال الدين الذين يزورونهم. كما كانت هناك التفاتات رمزية
أيضا ساعدت فى إشاعة أجواء من علاقات التسامح والود
بدلا من المعاداة وانعدام الثقة، وكان من أبرز هذه الالتفاتات حفلات الاستقبال التى تقام بمناسبة العيد، فى مجلس
العموم ومقر رئيس الوزراء فى ( داوننغ ستريت). ورغم طبيعتها الرمزية فإن هذه المبادرات
أرسلت إشارة اعتراف بالمسلمين بوصفهم جزءا متميزا لا ينفصل عن المجتمع البريطانى المعاصر. كما عقدت وزارة الخارجية سلسلة من
اللقاءات الخاصة بين وزراء كبار وممثلى المسلمين لبحث
آرائهم فى مبادرات السياسة الخارجية البريطانية تجاه
العالم الإسلامى. وبهذه الطريقة باتت الأقلية المسلمة تشعر بأنها جزء من عملية صنع
القرار فى مجال السياسة الخارجية، وإن كانت عديمة أو ضعيفة التأثير.
وفى جانب التعليم
فقد كانت مسألة المدارس الممولة حكوميا تستأثر بالنقاشات
على هذا الصعيد، وقد منحت مدرستان مسلمتان هذه
الصفة حتى الآن أسوة بالمدارس الأخرى لأصحاب الديانات المسيحية واليهودية. ولكن
هناك طائفة واسعة من القضايا التعليمية الأخرى التى
تتطلب إيلاءها مزيدا من الاهتمام والالتزام من جانب
الحكومة، ومنها المسائل المتعلقة بالمناهج الدراسية- العبادة والتربية الدينية
والتأهيل الأكاديمى-
والانخفاض النسبى لمستوى أداء التلاميذ المسلمين فى المدارس العامة مثلا، كما يتضح من التقارير الأخيرة. ومن الواضح أن المطلوب تحسين العمل فى المجالين
ليتمكن التلاميذ المسلمون من إثبات قدراتهم الحقيقية، وأن تمويل الحكومة لمدرستين
فقط لا يتناسب بحال مع نسبة وجود وتأثير المسلمين فى
البلاد.
(ب) الشباب المسلم: النزعة الراديكالية والاندماج:
من السمات
الأساسية للجالية الإسلامية فى بريطانيا الدور الهام-
والمتميز بصورة متزايدة- الذى يقوم به جيل الشباب، فإن
الكثير من المسلمين البريطانيين هم موظفون من الجيل الثانى
والثالث لعائلات مهاجرة من شبه القارة الهندية- بالدرجة الرئيسية- ومن العالم العربى
وإفريقيا، وغالبيتهم ولدوا فى
بريطانيا وعاشوا حياتهم فيها. وبالتالى فإنهم لا
يواجهون بعض المصاعب التى واجهها آباؤهم مثل حاجز اللغة
أو عدم التآلف مع الثقافة البريطانية، وهؤلاء الشباب يؤكدون ثقتهم المتنامية
بالنفس فى سائر مجالات الحياة فى
التعليم والمجالات المهنية والفنون والثقافة وغيرها، وأنهم فى
الغالب الأعم جزء حيوى لا ينفصل عن المجتمع البريطانى متعدد الثقافات.
ولكن يبدو أن
هناك اتجاها ثنائيا بين الكثير من المسلمين الشباب فى بريطانيا، الذين بدأوا يؤكدون
هويتهم الإسلامية: فمنهم الذين أصبحوا أكثر راديكالية فى
تأويلهم للإسلام، وبالتالى أكثر تسيسا
فى الممارسة من جهة، وهناك الذين احتفظوا بهويتهم
الإسلامية ودينهم، ولم يروا فى ذلك عائقا أمام مساهمتهم
فى عموم المجتمع البريطانى،
واندماجهم الإيجابى فيه. لذا فهناك- بالمعنى الحقيقى- معركة فى الغرب لكسب قلوب
وعقول الشباب المسلم، وستكون لها دلالات حاسمة لمستقبل المسلمين على المدى البعيد.
والأرجح فإنه
يمكن تتبع رد الفعل الأكثر راديكالية بين الشباب المسلم- فى
بريطانيا على أقل تقدير- حول الأحداث التى وقعت فى أواخر الثمانينات، بالارتباط مع قضية "سلمان رشدى" على الأخص، وانبعاث الإسلام السياسى
بصورة متزايدة عالميا بما تلقاه من دفعة أولية، وما وجده من تجسيد له فى الثورة الإسلامية التى قامت فى إيران قبل ذلك بعقد من الزمن. وبارتباط مع التهميش الاجتماعى والاقتصادى والسياسى للمسلمين، والوعى الفكرى المتعاظم والثقة المتنامية
بالنفس لدى الجيل الثانى والثالث من الشباب، مما أسفرت
هذه الأحداث عن بعض ردود الأفعال الراديكالية حول هذا الاستياء العام من نظم
الحكم.
كما أن ثورة
المعلومات التى تنامت
بمتوالية هندسية فى الفترة نفسها من خلال عولمة الإعلام
والاتصالات، سلطت الضوء على الحساسيات السياسية العالمية للشباب المسلم من الذين
يرون وينفعلون بالظلم الواقع على أشقائهم المسلمين فى
فلسطين والبوسنة والشيشان وكشمير على سبيل المثال. وتتبدى
مشاعر السخط العميق لدى هذا القطاع من الشباب بمفردات ما يعتبرونه بحثا عن شكل نقى
أو أصيل غائب للإسلام. مقابل إسلام ضعيف مستغل من الغرب وخاضع له بسبب ضعف حكامهم فى البلاد الأصلية.
وفى حين أن
الكثير من المسلمين يتعاطفون عموما مع هذه المشاعر، فإن أقلية منهم فقط
ترجمت هذا التعاطف فى الممارسة إلى شكل متطرف من أشكال
"العداء للغرب "، وإظهار الصورة السائدة للشاب
المسلم المتزمت حتى بالنسبة إلى اللباس، فى المساجد
المحلية والشوارع والجامعات، تعود فى الأساس إلى تركيز
الإعلام تركيزا مغرضا على مثل هذه الجماعات المتطرفة وبرامجها الغوغائية والصارخة
بصورة متعمدة.
فى حين أن الفئة الأخرى من المسلمين الشباب، التى
يفوق عددها بكثير عن الفئة الأولى، تمكنت من مواجهة صعوبات جمة من دمج هويتها
المسلمة فى سياق المواطنة البريطانية. والكثير من أفراد
هذه الفئة هم شباب مهنيون، أطباء ومحامون وإعلاميون وفنانون. وهم يقبلون الطبيعة المهجنة للعيش فى بيئة تعددية، ويحاولون تفهم هذا
الواقع دون أن يتخلوا عن مبادئهم الإسلامية. وثمة اعتقاد
بأن الإسلام يمكن فى الواقع أن يزدهر بأشكال جديدة من
خلال ارتباط متبادل ذى اتجاهين يثرى أحدهما الآخر فى الغرب، على مستوى القيم والأخلاق والروحانية والتبادل الثقافى والعلمى على السواء.
وهؤلاء لا يضعون الغرب كله فى سلة واحدة من حيث الصداقة
أو العداء.
وهناك، بالطبع،
الكثير من المسلمين الشباب الذين يقفون بين هاتين الفئتين،وقد
يكون من المفيد النظر إلى ذلك من خلال مفردات اتجاهات سائدة بدلا من الحديث عن
فئات أو مجموعات. وعلى سبيل المثال وقعت قبل 11 سبتمبر/ أيلول اضطرابات أهلية
خطيرة بين مجموعات من الشباب الآسيويين (مسلمين فى الغالب) وبين
البيض (المسيحيين) فى شمال
انكلترا. ويبدو أن هذه الاضطرابات لا تمت بصلة مباشرة إلى
الاتجاهات السائدة فى البحث، وإنما تشكل انعكاسا لقضايا
أعمق تتعلق بمعاناة المسلمين الشباب؛ نتيجة العيش فى أحياء فقيرة داخل المدن، وانتمائهم إلى طبقة مهمشة مسحوقة.
(جـ) التطورالمؤسسى الداخلى:
ليست هناك هيئة
مركزية واحدة تمثل الجالية الإسلامية فى بريطانيا بصفة
عامة. وبمرور السنين ظهرت منظمات عديدة بعضها يعمل على المستوى العالمى إلى جانب المستوى الوطنى،
بهدف توفير درجة من التمثيل لقطاعات الجالية الإسلامية والعمل كحلقة وصل بين حاجات
الجالية وأجهزة هامة مثل الحكومة المركزية ووسائل الإعلام. وقد وفر هذا التطور
للمسلمين قنوات بدأوا يلفتون الانتباه من خلالها إلى حاجاتهم
المتنوعة بطريقة أكثر استدامة وتماسكا.
وتميل المنظمات الأكبر
إلى تغطية طائفة واسعة من النشاطات والوظائف،التى
اشتملت على التشاور مع الحكومة حول جملة قضايا كما سبق ذكرها. ومن المؤكد أن تنامى نشاط هذه المنظمات ونفوذها كان بمثابة تقدم للجالية الإسلامية بصفة عامة من حيث إثبات
وجودها فى الحياة العامة، وإيصال قضاياها إلى الحكومة والرأى العام الأوسع، ولكن ينبغى
عدم المغالاة فى حجم هذا التقدم. فإن الكثير
من المسلمين لا يعتبرون بالضرورة أن أيا من هذه المنظمات تمثل مصالحهم، بل إن
البعض سيضع طابعها التمثيلى الأساسى
موضع تساؤل؛ لذلك هناك الكثير مما ينبغى
عمله لضم مكونات مختلفة من الجالية الإسلامية فى
بريطانيا إلى عملية المشاركة الاجتماعية والسياسية. واللافت أن
مثل هذه
المجموعات الناشطة- ضمن الاتجاه العام بقدراتها المالية والتنظيمية المتوقع منها إحداث تغيير حقيقى- تعانى
قصورا مأساويا فى تمثيل جيل الشباب، الأمر الذى عمق الإحساس بالاغتراب والاستلاب بين الكثير من الشباب.
2- مناخ 11 سبتمر/ أيلول وما بعده:
المخطط الذى حددت معالمه أعلاه يعطى فكرة مقتضبة عن الوضع فيما يتعلق
بالمسلمين فى بريطانيا وقت وقوع هجمات 11 سبتمر/ أيلول، وهو ضرورى فى تسليط الضوء علىفهمنا لردود
أفعالهم ومحنتهم بعد الأحداث.
ففى أعقاب 11 سبتمبر/ أيلول سارعت الغالبية الساحقة من المسلمين والمنظمات
الإسلامية إلى إدانة الاعتداءات إدانة لا تقبل اللبس بوصفها أعمالا بعيدة كل البعد
عن أى قيم أو مبادئ حضارية أو دينية، ولكن فارقا واضحا
تماما كان ماثلا فى أذهان الكثيرين منهم فى الغرب، بين رفض الفعلة نفسها، وبين المظالم الحقيقية
للغاية التى ادعت التعبير عنها.
وهذه نقطة بالغة
الأهمية، لأن وسائل الإعلام بصفة خاصة جنحت فى حالات
عديدة إلى تمويه هذا الفارق. وكان هناك توجه إلى أن تعد انتقادات
المسلمين المشروعة لانحياز الغرب فى سياسته الخارجية فى الشرق الأوسط على سبيل المثال، بمثابة مؤشر لا يمكن تجاهله
وهو أن المسلمين يدعمون ضمنا ما أقدم عليه من قام بتلك الجريمة. والحق أنه كانت
هناك عناصر أشد راديكالية ممن ورد ذكرهم سابقا، كانت على النقيض من ذلك شديدة
الإبهام فى رد فعلها، فى حين
أن البعض أيدها تأييدا سافرا، ولكن هؤلاء كانوا أقلية صغيرة جدا معروفة أصلا
بترويج تطرفها ضيق الأفق بين المسلمين. ولكن للأسف الشديد فإن وسائل الإعلام أفردت
لهم حيزا واسعا للتعبير عن آرائهم، على حساب الآخرين الذين لم يكونوا يشاركونهم الرأى وهم الغالبية العظمى.
فكـــانت الحصيلـــة المبـــاشرة للاعتداءات
بالنسبـــة للمسلميـن حصيلــــة مزدوجة:
فمن جهة، رغم
إدانة الغالبية العظمى من المسلمين لهذه الاعتداءات إدانة صريحة، فإنهم مع ذلك
كانوا متهمين أمام ما يشبه بمحاكم التفتيش العامة بشأن ولائهم للدولة (مما ساهم لاحقا فى احتدام النقاش
حول الحقوق المدنية، التى سأعود إليها فيما
بعد)، ومن الجهة الثانية: فقد سعت مؤسسات عديدة بينها الحكومة والكنيسة وبعض وسائل
الإعلام، بدرجة معينة على الأقل، إلى تبرئة الدين الإسلامى من المسئولية عن
الأعمال الإرهابية.
لذا كان المسلمون
منذ البداية موضع ردود أفعال متناقضة ومتنافرة من المجتمع بصفة عامة، واقترن هذا
الموقف الملتبس بالخوف عندما تصاعد العداء للإسلام، مؤديا إلى تهديدات للمدارس،
وتجاوزات على المساجد، وحتى اعتداءات جسدية على نساء مسلمات لذا كان الوضع معقدا وقلقا، ولكنه قطعا لم يكن
سلبيا بالكامل.
وقد سارعت
الحكومة البريطانية إلى استثمار علاقة العمل التى
أقامتها مع المنظمات الإسلامية فى السنوات الأخيرة، كما
ورد ذكره أعلاه، واشتملت هذه على لقاءات عالية المستوى عقدها ممثلو
المسلمين مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية.
وبتأثير مبادرات مثل استقبال ياسر عرفات فى (10 داوننغ ستريت)
وتأييد الحكومة البريطانية بقوة لإقامة دولة فلسطينية، وزيارة رئيس الوزراء إلى
مؤسسة الإمام الخوئى الخيرية فى
لندن، وهى الأولى من نوعها بالنسبة إلى رئيس وزراء بريطانيا لمركز إسلامى، فقد انحسرت إلى حد ما مخاوف الكثير من المسلمين من
تجاهل قضاياهم، وتصاعد ردود الأفعال المعادية للمسلمين. وجاهر كبير أساقفة كانتربرى، وهو رئيس
كنيسة انكلترا، بدعمه للمسلمين فى ذلك الوقت.
وكان هذا المكسب
يعكس تطورات سابقة أحدها التخطيط لإطلاق مبادرة بريطانية عامة لإجراء حوار بين
المسلمين والمسيحيين برعاية كبير الأساقفة نفسه، ومن جهة أخرى كان بروز دور الأزهر
من خلال مؤتمر الحوار الإسلامى المسيحى الذى عقد بالإسكندرية، وكذلك زيارة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الشريف إلى لندن والتوقيع على اتفاقية التفاهم
والحوار والعمل المشترك بين الأزهر والكنيسة الانكليكانية مع كبير أساقفة كانتربرى.
كما تجدر الإشارة
إلى تنامى
النشاط بين أعضاء الديانات المختلفة على كل مستويات المجتمع، مساهمة فى تبرئة الإسلام والمسلمين من تهمة التواطؤ مع الاعتداءات.
وفيما كانت
النقاشات تحتدم فى الشوارع وعلى الصفحات الأولى للصحف
القومية (صحيفة ذى صن، أوسع الصحف الشعبية انتشارا فى بريطانيا، كتبت افتتاحية مفاجئة برصانتها غير المعهودة،
أكدت فيها أن الإسلام دين سلام) عاكسة تنوع ردود الأفعال
والآراء، بدأ المزاج يتغير عندما اندلعت فعلا "الحرب على الإرهاب " كما تسمى، وأخذت القنابل تسقط على أفغانستان.
3- رد الفعل على"الحرب على
الإرهاب" :
قبل حملة القصف،
كانت هناك درجة معينة من التضامن بين المسلمين وغير المسلمين فى
بريطانيا إزاء هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وحتى قدر من التفاؤل بأن قضايا المسلمين
العامة وفى مقدمتها قضية فلسطين، باتت أخيرا تلقى آذانا صاغية. وكان هذا رغم
التساؤلات المغرضة التى كانت تشكك فى
ولاء المسلمين والتصريحات الخطرة والجاهلة من أمثال سيلفيو بيرلسكونى
والبارونة ثاتشر، التى أججت
ما لدى البعض من توجسات بشأن وجود المسلمين فى الغرب.
ولكن ما إن بدأ القصف
حتى تبدد التفاؤل ودفعت قضايا جديدة إلى مركز الصدارة. ورغم أن الكثير من المسلمين
كانوا- حقا- مع تقديم مرتكبى اعتداءات 11 سبتمبر/ أيلول
إلى العدالة، فإنهم كانوا عموما ينظرون بعدم ارتياح إلى تطور الحملة العسكرية التى أخذ البعض يرى فيها اعتداء متواصلا وعشوائيا
على أشقاء لهم فى الدين. وتنامى هذا الإحساس مع
استمرار "الحرب " وكانت له بعض الآثار الضارة.
وهكذا فرضت الحرب
على الكثير من المسلمين فى الغرب إعادة تقييم أخلاقية
حتمية لموقعهم. ولم يكن هذا يرتبط بأهداف الحرب المعلنة فى
تدمير تنظيم "القاعدة" ومعاقبة الأنظمة التى
تؤويها (وهى أهداف مازال بعض المسلمين يقف ضدها من حيث المبدأ) بقدر ارتباطها
بالطريقة الفعلية فى شن الحرب لتحقيق هذه الأهداف. فهى أعادت إلى أذهان
الكثير من المسلمين الذكريات المرة لأيام حرب الخليج، وأنها بدت وكأنها تريد إطلاق
يد الغرب مرة أخرى - وخاصة الولايات المتحدة- لانتهاك ديار المسلمين وقتل
المسلمين الأبرياء عشوائيا من أجل مصلحة غربية خاصة. وكما فى
حرب الخليج، كانت هذه الحرب تشير إلى ما يعتبره كثير من المسلمين فى سائر أنحاء العالم- بما فى ذلك
الغرب- معايير مزدوجة تتجلى فى تقاعس الغرب إزاء
الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين. والمؤكد أن المسلمين فى الغرب لم يكونوا بمنأى عن تأثير هذه المشاعر الأوسع
فى تكوين آرائهم.
وكانت هذه المشاعر
قوية بصفة خاصة بين العناصر الأكثر راديكالية من المسلمين،
وعملت على تكريس راديكاليتهم- رغم الصعوبة المتزايدة التى أخذ يواجهها الكثير من المسلمين، بصرف النظر عن توجهاتهم
الأيديولوجية- فى تأييد الحرب بلا تحفظ. والأكثر أهمية أن قضية الولاء للدولة أصبحت الآن قضية مطروحة بصراحة متزايدة فى المجال العام،
متسببة فى ازدياد مشاعر القلق بين المسلمين الذين وجدوا
أنفسهم مضطرين إلى التوفيق بصورة عملية وآنية بين هويتهم كمسلمين وهويتهم كمواطنين
بريطانيين. وكما هى الحال مع ردود أفعال غالبية
المسلمين فى بريطانيا على الهجمات الأولى على الولايات
المتحدة، فقد كان هناك مرة أخرى تصور مشوش فى أذهان
أوساط من الرأى العام، عززته بشكل لا مسؤول بعض وسائل الإعلام، وبدا أن هذا التصور يجمع بين جانبين
متميزين من جوانب رد فعل المسلمين عموما على الحرب، كما لو أن انتقاد المسلمين
للحملة العسكرية انطلاقا من اعتبارات إنسانية يعكس على نحو ما عدم ولائهم
للدولة البريطانية، بل وحتى يعبر عن دعمهم الضمنى"لابن لادن" و" القاعدة" و" طالبان". وازداد هذا التصور تفاقما عندما أبرز
الإعلام الكشف عن وجود نفرمن المسلمين البريطانيين
الشباب يقاتلون فى صفوف طالبان، وقامت بإذكاء ردود
الأفعال على هذا النبأ حفنة من الجماعات المتطرفة فى
بريطانيا، أطلقت مزاعم مبالغا فيها، والمفارقة أن ذلك حدث بمساهمة عناصر معادية
للمسلمين، أرادت تصوير المسلمين على أنهم طابور
خامس. والظروف
الاستثنائية
تجمع بكل تأكيد عناصر تكون فى الأحوال
الاعتيادية على طرفى نقيض. وفى زمن أقرب مع قضية من
يسمى "صاحب الحذاء المتفجر" ريتشارد ريد، فقد عاد الاهتمام من جديد يتركز على المسلمين المتطرفين
الشباب فى بريطانيا.
وظهرت هذه
القضايا على نحو أبرز بالارتباط مع المناقشات التى فجرها إقرار الحكومة البريطانيه لقانون مكافحة
الإرهاب الذى لم يثر قلق الكثير مع المسلمين فحسب، بل
والناشطين من أجل الحريات المدنية أيضا وبما يتضمنه القانون من قسم
يشير الى التمييز الدينى،
وهذا التطور أيضا ينبغى أن يفهم فى ضوء تاريخه الأخير. فقد كان المسلمون يدعون إلى الإقرار
بوجود تمييز على أساس دينى منذ سنوات، ولكن الأمر يبدو
وكأنه تطلب حدوث هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، لطرح هذه القضية بثبات على الأجندة
السياسية بما قد يوحى بأنها لاقت ترحيب المسلمين. ولكن غياب التشاور مع المسلمين
حول القانون والاستياء من "إلحاق " القسم المتعلق بالتمييز الدينى بالنصوص التشريعية الأكثر جوهرية ضد
الإرهاب، كان بنظر الكثير من المسلمين تقصيرا وطريقة غير مناسبة فى صوغ القوانين. كما أبدى المسلمون مخاوفاً من أن تقييد الحريات
المدنية سيستفرد بهم، ويتعدى على حرياتهم اليومية. وكان القانون بنظرهم ردا سلطويا
متشنجا على مشكلة مزمنة أعمق بكثير.
4- خـــلاصــة:
حملت الآثار
الناجمة عن 11 سبتمبر/ أيلول للمسلمين فى بريطانيا
والغرب معها طائفة من القضايا المعقدة التى تواجههم
الآن، حول المواطنة والسياسة الخارجية والمشاركة فى
العملية السياسية ونمط حياتهم كأقلية ذات قاعدة مؤسسية ناقصة التطور. وطرحت هذه
القضايا ذاتها على جالية مسلمة متعددة المشارب ومتنوعة أيدلوجيا، تعيش أجواء عامة من الخوف وانعدام الأمن فى
المجتمع الأوسع، وهو وضع يمس المسلمين مباشرة.
وكان من التطورات
الإيجابية لهم الصعود التدريجى لرأى عام إسلامى يتسم بالاعتدال. وقد صدر بالفعل رد فعل أكثر تقدما من
بعض الأوساط الإسلامية التى ترفض مصادرة الأجندة بالكامل على يد فئة ضيقة من العناصر المتطرفة.
ولكن أكبر التداعيات وأشدها خطرا بنظر المسلمين
البريطانيين والتى قد تكون لها آثار أعمق على صعيد
ثقتهم بالحكومة، هو ما يرون أنه تخل عن الفلسطينيين فى
محنتهم الراهنة. وثمة إحساس عميق بين البعض وليس الراديكاليين وحدهم،
بأن القضية الفلسطينية استغلت لمجرد كسب تأييد
المسلمين البريطانيين للحرب ضد طالبان، وتوظيف هذا التأييد حتى الخلاص منهم.
ويرتبط هذا ارتباطا وثيقا بفهم رد فعل المسلمين على أحداث 11 سبتمبر/ أيلول فى الغرب، حيث غالبية المسلمين يعتزون بكونهم مواطنين غربيين
ويساهمون بقسط كبيرفى
مجتمعاتهم على كل المستويات. وهم يستنكرون الإرهاب عن إيمان دينى،
وليس من وجهة نظر القانون والوضع السياسى وحدها. ولكن
آصرتهم الروحية بأشقائهم المسلمين فى أنحاء العالم لا يمكن أبداً
أن تتآكل لصالح الدولة. ومن الضرورى إدراك القوة الثقافية الحميدة لهذه الوشيجة، وليس دلالاتها السلبية الخطيرة. فإنه لم يعد بالإمكان تجاهل الارتباطات الثقافية والدينية فى عالمنا المتعولم لدى رسم السياسة الخارجية.
والمطلوب مقاربة متكاملة للسياسة الخارجية البريطانية بحيث تستجيب لحاجات المواطنين فى الداخل بقدر ما تراعى أحكام التعامل مع الخارج.
والافتراض القائل بأن الآصرة فوق القومية التى يشترك بها المسلمون كافة، هى
آصرة غير سياسية، وبالتالى لا تمت بصلة إلى صنع
السياسة، إنما هو افتراض خاطئ وخطر. فالحقيقة الماثلة هى أن لمجتمعاتنا- ذات التعدد الثقافى
فى الغرب- تأثيرا مباشرا على العلاقات الخارجية لا
تتبدى بوضوح كما تتبدى فى حالة المسلمين فى الغرب. وهذا هو التحدى الحقيقى الذى يواجهه الغرب نتيجة
أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وما تلاها.
وفى الختام أود
التذكير ببعض النقاط التى نراها من الأهمية بمكان
التركيز عليها فى هذه المناسبات:
(أ) نؤمن بنظام عالمى متعدد الثقافات والأديان، يقوده العدل والإنصاف ويجب أن ينعم فيه الجميع بالمساواة والأمن والكرامة، و أن إدانة الإرهاب
منهج ثابت فى الإسلام كما هو فى
جميع الديانات، كما ينبغى معالجة وقوع الأحداث
الإرهابية برد مناسب ضد مرتكبيها فقط، مع ضرورة معالجة الأسباب كذلك، وليس تعميم
الحكم على الجميع.
(ب) الظلم هو
الظلم والإرهاب هو الإرهاب، سواء عند المسلمين أو المسيحيين أو اليهود أو غيرهم، واقع عليهم أو صادر من بعض من يدعون الانتماء إلى تلك
الديانات، ولا يجوز تقسيمها والفصل بين ما يسمى بالإرهاب الإسلامى أو المسيحى أو اليهودى، كما لا فرق
بين إرهاب الأشخاص والمنظمات وبين إرهاب الدولة المنظم وبخاصة ما يصدر عن إسرائيل
ضد أبناء الشعب الفلسطينى المضطهد.
(ت) التركيز
بوضوح على التفريق بين الإرهاب وبين الدفاع عن الحقوق والأوطان
وكرامة الإنسان.
(ث) ضرورة وقوف
الجميع وقفة موضوعية وعقلانية صريحة وواضحة أمام ظاهرة الإرهاب، وإلا فإن هذه
الظاهرة ستتنامى أكثر وأكثر وقد تتخذ أشكالا وأبعادا
لتؤسس ظواهر لن تكون أقل وطأة مما حدث فى 11 سبتمبر/
أيلول.
(جـ) علينا أن نكون دقيقين خلال
بحث موضوع العلاقة بين الإسلام والغرب، من عدم الوقوع فى مطب الخلط بين الجميع واعتبار الغرب أمة واحدة أو ذات اتجاه
موحد.
(حـ) مع اعتقادنا بأن لدى
الولايات المتحدة- والغرب عموماً وفى وسط دوائرهم الصهيونية
خاصة- مطامع فى بلادنا، وأنهم سبق وأن أجروا علينا
سياسات خاطئة وظالمة، عانينا ومازلنا نعانى الكثير منها، ولكن علينا أيضا أن نكون
موضوعيين ومنطقيين وصريحين مع أنفسنا قبل أن نكون كذلك مع
غيرنا، وأن لا نضع تمام المسؤولية تجاه ما يحدث ضد مصالحنا على عاتق الآخرين. كما
علينا الابتعاد عن الشعارات العاطفية الفضفاضة أو التلاعب بالألفاظ، وتحمل قدر أكبر من المسؤولية والتعاون والتنسيق بين الجماعات العاملة
لتحقيق المصالح العامة.