الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
النطرة الإلثكلامية إلى اكلة خر

النظرة الإسلامية إلى الآخر

الأستاذ الدكتور/ عكرمة سعيد صبرى

المفتى العام للقدس والديار الفلسطينية

خطيب المسجد الأقصى المبارك- فلسطين

هذا الموضوع عميق وعريض ويشمل محاور كثيرة، أتناول فى هذه العجالة بعضا منها، وآمل من خلالها أن أعطى صورة واضحة حول الموضوع:

1- كرامة الإنسان:

لقد تولى الله- سبحانه وتعالى- تكريم الإنسان بقوله: (ولقد كرمنا بنى آدم) (1) فهذه الآية الكريمة تشمل الناس جميعا الذين تناسلوا من آدم- عليه السلام- والتكريم لفظ عام لا يحيط به نطاق الحصر، كما يقول علماء التفسير.

فالمسلم ينظر إلى غير المسلم نظرة إنسانية، لأن المسلم وغير المسلم متساويان ؛ فى الإنسانية، ولأن الله- عز وجل- قرر تكريمهما.

2- حرية الإنسان:

دعا الإسلام لأن يكون الإنسان حرا لا عبدا، وعالج الإسلام الرق نفسيا وعمليا، فقد جاء الإسلام وكان الرق منتشرا لدى العرب ولدى الشعوب الأخرى كالهنود واليونان والرومان والفرس، ودعا إلى تحرير الأرقاء بطرق شتى، وجفف منابع الرق حتى لا تتكون طبقة جديدة من الأرقاء فى المجتمع، حتى استطاع القضاء عليه بعد أن تفهم العبيد معنى الحرية، وكانوا قادرين لأن يعيشوا بكرامة واستقلالية واعتماد على النفس.

 وتاكيدا لمعنى الحرية وتنفيرا من العبودية قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" وفى رواية" لم استعبدتم.. " قال أمير المؤمنين هذه العبارة التاريخية لوالى مصر عمرو بن العاص ولابنه الذى اعتدى على القبطى فى مصر.

3- العدل فى الإسلام:

يدعو الإسلام إلى العدل فى مجالات الحكم والقضاء والشهادة والفصل بين الناس والتعامل فيما بينهم، وعلى المسلم أن يكون بعيدا عن الحيف والظلم والتجنى على الآخرين فيقول الله سبحانه وتعالى: ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (2).

ويقول عز وجل أيضا: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى) (3) فلابد من تحقيق العدل بين الناس جميعا سواء كان الطرف الآخر قريبا أو كان بعيدا وسواء كان صديقا أو كان عدوا، وسواء كان مسلما أو غير مسلم. وان كتب تاريخ الحضارة الإسلامية زاخرة بالأمثلة التطبيقية العملية على ذلك.

4- العلم والمجتمع:

لقد كرم الله- سبحانه وتعالى- الإنسان بالتعليم قراءة وكتابة، ولبيان مدى اهتمام الإسلام بالتعليم كانت أول الآيات نزولا فى القرآن الكريم بشأن الحث على القراءة والخط والكتابة فيقول عز وجل:( اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) (4) وبالرغم من أن التوحيد هو أصل فى الإسلام إلا أن الله- سبحانه وتعالى- طالب الإنسان بالقراءة والخط والكتابة قبل مطالبته بالتوحيد والعقيدة والعبادة، وذلك لبيان أهمية التعليم، وأن التوحيد لا يكون صحيحا ولا سليما دون التعليم، لأن التعليم هو الذى يقود الإنسان إلى الحق و الحقيقة وإلى اليقين والثبات وإلى المعرفة والعرفان. ويحسن فى هذا المقام أن أورد تعقيبا للإمام الزمخشرى فى تفسيره (الكشاف) حول هذه الآيات الكريمة بقوله: "... فدل على كمال كرم الله- سبحانه وتعالى- للإنسان بأن علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التى لا يحيط بها إلا هو. وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هى لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره دليل إلا أمر بالقلم والخط لكفى به "(5).

وما من شك أن الكتابة ساهمت مساهمة كبيرة فى حفظ القرآن الكريم، كما حفظت كتب التوحيد والتفسير والفقه وسائر علوم الشريعة واللغة، فلولا التدوين والتوثيق لذهب بها الإعصار وصارت نسيا منسيا؛لأن ما كان يحفظ بالصدور قد ذهب بوفاة الحفاظ ؛ وبهذا ظهرت الحكمة الإلهية فى الأمر بالكتابة بنص القرآن الكريم (6).

وترشد هذه الآيات الكريمة إلى ما يأتى:

1- وجوب تعلم القراءة، ومن المعلوم بداهة أن القراءة هى بداية المعرفة بالنسبة لكل إنسان.

2- وجوب تعلم الخط والكتابة، ومن المعلوم بداهة- أيضا- أن الكتابة هى لنشر المعرفة بين الناس، وأن القلم الأداة الفاعلة الفعالة فى التوثيق وحفظ المعرفة ونقلها للآخرين، ولولا القلم لتعرضت أمور كثيرة إلى الضياع، ومن المعلوم - أيضا- أن الطباعة انبثقت عن فكرة الكتابة بالقلم.

3- الحث على البحث والتقصى، وذلك للتوسع فى المعرفة، وللوصول إلى أفكار جديدة، ومكتشفات علمية حديثة متطورة( 7).

بالإضافة إلى عشرات الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة فى الحث على طلب العلم بشكل عام.

5- الضرورات الخمس:

لقد تكفل الإسلام توفير الضرورات الخمس لكل مواطن حتى يستطيع أن يعيش فى مجتمع مستقر آمن، وهذه الضرورات هى: العقل، الدين، النفس، العرض

(النسل)، المال.

فالدول الإسلامية ملزمة فى الحفاظ على هذه الضرورات للمواطنين جميعهم مسلمين وغير مسلمين، وعليه فإن غير المسلم يشعر بالطمأنينة حين تتوفر له هذه الضرورات بما فيها النفس والدين.

6- لا إكراه فى الدين:

لم يضق الإسلام ذرعا بالأديان السابقة بل احتواها، ووضع قواعد ومبادئ ثابتة لكيفية العلاقات والمعاملات مع غير المسلمين، ودعا أول ما دعا إلى التعامل مع أتباع هذه الديانات بالتسامح والمحبة بعيدا عن التعصب والمعاداة، فمن مبادئ الإسلام فى التسامح الدينى:

(أ) أن الأنبياء والمرسلين إخوة لا تفاضل بينهم فى النبوة والوحى، والله- سبحانه وتعالى- يقول: (لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) (8) ويقول فى آية أخرى: (لا نفرق بين أحد من رسله) (9) ويقول فى آية ثالثة: ( والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما)(10) فالمسلم مطالب بالإيمان والاعتقاد بالأنبياء والمرسلين جميعهم، وأنهم جميعا موحى إليهم من الله- سبحانه وتعالى- مع الإشارة إلى أن الرسول محمدr يتميز عنهم لكونه آخر الأنبياء والمرسلين، وأن رسالته رسالة شاملة لجميع مناحى الحياة كلها.

(ب) لا يجوز الإكراه على العقيدة بل لابد من الاقتناع والرضا، والله- عز وجل- يقول: ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى) (11) ويقول- سبحانه وتعالى- فى آية أخرى: ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )(12) وجاء الاستفهام هنا للإنكار.

(ج) أن تكون المناقشة مع أصحاب الديانات بالحسنى، فيقول عز وجل: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن )(13) ويقول سبحانه وتعالى فى آية أخرى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (14).

(د) إن أماكن العبادة لأصحاب الديانات الأخرى محترمة ومصانة ولا يجوز الاعتداء عليها والله- سبحانه وتعالى- يقول: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) (15). وعندما تسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t مفاتيح مدينة القدس من صفرونيوس بطريرك الروم سنة 15هـ/636 م، رفض أن يصلى فى كنيسة القيامة، وصلى خارجها، حتى لا يأتى المسلمون بعده ويدعون أحقيتهم بها، وبنى مسجد عمر مقابل كنيسة القيامة رمزا للتسامح والمحبة والعدالة. وعندما فتح المسلمون مدينة دمشق سنة 14هـ/635 م، تعهدوا لمواطنيها النصارى بإبقاء خمس عشرة كنيسة مع الحرية التامة فى ممارسة عباداتهم (16).

7- التعــدديــة:

بما أن الإسلام آخر الديانات السماوية، وأن الرسول محمدا r هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فإنه يعترف بوجودها، لذا يقر بمبدأ التعددية فى المجتمع، ويتعامل معها منذ بدء نزول القرآن الكريم إلى أن اكتمل التشريع، وأوضح الإسلام حقوق غير المسلمين، وأن التعامل استمر إلى يومنا هذا إلى يوم الدين. فليس الأمر غريبا أو مستهجنا أن يتعايش المسلمون مع غير المسلمين؛ لأن المسلمين مهيأون أصلا لذلك، وأن صورة التعامل معهم واضحة وجلية وصريحة من خلال نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

8- التسامــح:

المسامحة هى المساهلة من التسهيل، وسمح بمعنى: أعطى ويقال: فى الحق مسمح أى متسع، ولا مجال للباطل.

ويعتبر التسامح من القيم الرفيعة، والعناصر الإنسانية الإيجابية التى تقوى الروابط بين الناس، وتشيع فيهم الألفة والمودة والمحبة، ومن أبسط صور المسامحة: أن يسقط الشخص حقه تجاه غيره، أو أن يطلب المعتدى المسامحة من المعتدى عليه، فيستجيب الأخير لطلبه، فالمسامح بعمله هذا قد بدل الكراهة إلى المحبة، والعداوة إلى الألفة.

ويدعو ديننا الإسلامى إلى القيم الخلقية الرفيعة جميعها، والتى منها العفو والمسامحة، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفوررحيم) (17) ويقول- عز وجل- فى آية أخرى: ( فاصفح الصفح الجميل) (18).

وقد يتوهم البعض أن التسامح يأتى عن ضعف واستكانة، وهذا توهم خاطئ فالتسامح ينبع من القوة والمقدرة، وكما هو معلوم ومعروف أن العفو يكون عند المقدرة، والله- سبحانه وتعالى- يقول: ( وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) (19)، ويقول- عزوجل- فى آية أخرى: ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) (20) فالذى يصبر ويعفو ويصفح يكون قوى العزيمة ضابط الأعصاب كاظم الغيظ، ويقول- سبحانه وتعالى- فى صفات المتقين: ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) (21) فالقرآن الكريم يشجع على العفو والصفح والتسامح فيما بين الناس، وما من عقوبة تذكر فى القرآن الكريم وتتعلق بحقوق العباد إلا ويرافقها مطلب ربانى بالصلح والعفو والمسامحة ، فيقول سبحانه وتعالى: ( وليعفوا وليصفحوا ) (22) ويقول- عز وجل- فى آية أخرى:(و إن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ) (23) وبهذا العفو والصفح والمغفرة تزداد الألفة بين الأفراد، ويعم الاستقرار فى المجتمع، وتهدأ الفتن، وتطفأ الأحقاد وينزع فتيل الانتقام.

ليس هذا فحسب بل يشجع الإسلام الناس على الإحسان لمن أساء إليهم، ففى ذلك خطوتان:

الخطوة الأولى: أن الإنسان المعتدى عليه لا يقابل الإساءة بالإساءة- أى لا يعتدى على من اعتدى عليه.

والخطوة الثانية: أن الإنسان يحسن لمن أساء إليه، فيقول سبحانه وتعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحآ وقال إننى من المسلمين ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك ويينه عداوة

كأنه ولى حميم وما يلقاها إلا الذين صبرواوما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) (24) وترشد هذه الآيات الكريمة إلى قمة التسامح والمحبة، ولا يصل إلى هذه القمة إلا الصابرون وأصحاب الثواب العظيم والإيمان المتين.

9- عـقـد الذمـة:

يحسن فى هذه العجالة أن أتناول عقد الذمة بإيجاز لبيان الهدف منه، ولأزيل الغشاوة التى تحيط هذا العقد لدى البعض:

جرى العرف الإسلامى على إطلاق اسم (أهل الذمة) على المواطنين من غير المسلمين فى الدولة الإسلامية، وأن عقد الذمة يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم وتمتعهم بأداء شعائر دينهم، وتعهد الدولة بالمحافظة على أرواحهم وأموالهم، مقابل أخذ الجزية منهم والتزامهم أحكام الإسلام فى غير ما يتصل بعقائدهم، وأن الذمة تعنى الأمان والعهد والضمان والكفالة.

ولقد نعم أهل الذمة فى ظل الدولة الإسلامية بحقوق يعجز أى نظام بشرى- مهما بلغ من الرقى والحضارة والتمدن- أن يكفلها للرعايا المخالفين له فى دينه برعاية الأصليين، وقد رفع الإسلام شعار (لهم ما لنا، وعليهم ما علينا) وهذا، الشعار يمثل القاعدة الاستراتيجية فى التعامل مع غير المسلمين.

وقد توالت وصايا الرسول e بأهل الذمة، وتكررت أوامره بالإحسان إليهم والبر بهم، كما تكررت نواهيه عن إيذائهم وسلب حقوقهم، فيقول عليه الصلاة والسلام: (ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة) (25).

 

وأوصى النبى r بأقباط مصر خيراً فقال: ( إذا فتحتــم مـــصرفاستــــوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما) (26).

وفى ظل هذه المعانى الإسلامية الكريمة، والهدى النبوى الشريف، سار الخلفاء الراشدون وولاة الأمور وقادة الفتوح الإسلامية، فعاملوا أهل الذمة معاملة حسنة، وأحاطوهم بالرعاية والعناية، ففى عهد الخليفة أبى بكر الصديق  tكتب خالد بن الوليد t كتاب الصلح لأهل الحيرة فى العراق جاء فيه:

(... وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام) (27).

وها هو عمر بن الخطاب t رغم أنه أصيب بضربة رجل من أهل الذمة-

ألا وهو أبو لؤلؤة المجوسى- إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يوصى الخليفة من بعده وهو على فراش الموت فيقول: (أوصى الخليفة من بعدى بذمة رسول الله e أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفون فوق طاقتهم) (28) وحصل أثناء خلافته أنه شاهد شيخا كبيرا ضريرا يسأل الناس، فاستوضح منه فإذا هو يهودى، فقال له عمر: (فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال له: انظر هذا وضربائه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين... ) (29) والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه) (30).

وتابع الأمويون سياسة حسن معاملة أهل الذمة، فتولى أهل الذمةكثيراً من المناصب الإدارية فى الدولة، فقد اعتمد الأمويون عليهم فى شؤون الدواوين حيث عهد الخليفة معاوية بن أبى سفيان بالإدارة المالية إلى أسرة مسيحية ظلت تتوارث فيما بينها تلك الإدارة، وهى أسرة سرجون بن منصور الرومى (31) واستمر تعيين الأكفاء من أهل الذمة فى وظائف الدولة رغم تعريب الدواوين فى عهد عبد الملك بن مروان الذى بنيت فى عهده كنيسة جميلة فى مدينة الرها (32)، كذلك فى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك فإن الوالى خالد بن عبدالله القسرى- والى الكوفة- قد أكثر من الاستعانة بالنصارى، واستخدمهم فى الوظائف وبنى لهم البيع والكنائس (33).

ويصف المستشرق (وول ديورانت) حال أهل الذمة فى العصر الأموى فيقول: (لقد كان أهل الذمة المسيحيون واليهود يتمتعون فى عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا فى البلاد المسيحية فى هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارا فى ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم) (34).

وهكذا عاش غير المسلمين مع المسلمين فى جو من المحبة والتعاون والاحترام المتبادل عبر التاريخ، ولابد من التنويه إلى أن المسيحيين فى فلسطين بخاصة وفى البلاد العربية بعامة قد وقفوا إلى جانب المسلمين ضد المحتلين الفرنجة الذين أعلنوها حربا صليبية تسترا بالدين.

إن النظام الإسلامى هو نظام شامل وضح العلاقات بين الناس وخالقهم، والعلاقات بين الناس فيما بينهم: بين المسلمين والمسلمين، وكذلك بين المسلمين

 وغير المسلمين. وهذا الدين العظيم هو الذى أعطى الحقوق لغير المسلمين، فى حين لا يوجد أى نظام آخر يعطى الحقوق لمن يختلف معهم فى الديانة، بل إن الاضطهاد الدينى سابقا ولاحقا فى الدول غير الإسلامية عنيف ودموى ضد المسلمين؛ ومع ذلك فإن موقفنا ثابت لا يتغير، وينطلق من أحكام الشريعة الإسلامية السمحة، ولا يكون موقفنا رد فعل لتصرفات الآخرين فى الشرق أو فى الغرب.

فالإســلام عـــادل ورحيــم ومتسامح، كان ولا يزال، وعلى أتباعه أن يكونوا أمناء فى تنفيذ أحكامه وترجمتها على أرض الواقع.

  وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المراجع

ا- سورة الإسراء الآية 70.

2- سورة المائدة الآية 8.

3- سورة الأنعام الآية 152.

4- سورة العلق الآيات ا-5.

5- تفسير الكشاف للزمخشرى جـ 2 ص 552، وتفسير النسفى جـ 4 ص 368.

6- اليمين فى القضاء الإسلامى للشيخ الدكتور عكرمة صبرى ص 52.

7- التربية فى الإسلام للشيخ عكرمة صبرى ص 2. والعلم طريق الإيمان للشيخ عكرمة صبرى ص5، وبحث حول (حق التعليم فى الإسلام) للشيخ عكرمة صبرى ص 4.

8- سورة البقرة الآية 136 ، وسورة آل عمران الآية 84.

9- سورة البقرة الآية 285.

10- سورة النساء الآية 152.

11- سورة البقرة الآية 256.

12- سورة يونس الآية99.

13- سورة العنكبوت الآية 46.

14- سورة آل عمران الآية 64.

15- سورة الحج الآية 40.

16- كتاب (تاريخ دمشق الكبير) لابن عساكر- القاسم على بن الحسن جـ 1ص 241.

17- سورة التغابن الآية 14.

18- سورة الحجر الآية 85.

19- سورة الشورى الآية 40.

20- سورة الشورى الآية 43.

21- سورة آل عمران الآية 134.

22- سورة النور الآية 22 .

23- سورة التغابن الآية 14.

24- سورة فصلت الآيات 33-35.

25- رواه أبو داود عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم (سنن أبى داود جـ 3 ص 171 رقم 3052 باب الخراج والإما رة).

26- مسند الإمام أحمد جـ 5 ص 174.

27- كتاب الخراج لأبى يوسف ص 155، 156.

28- كتاب إرشاد السارى لشرح صحيح البخارى للقسطلانى جـ 5 ص 162.

29- سورة التوبة الآية 60.

30- كتاب الخراج لأبى يوسف ص 136.

31- كتاب تاريخ خليفة بن خياط جـ 1ص 276.

32- كتاب الدعوة إلى الإسلام للمستشرق توماس أرنولد ص 85.

33- كتاب تارلخ الطبري جـ 8 ص 243.

34- كتاب (قصة الحضارة) تأليف المستشرق: وول ديورانت جـ 2 ص 130.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع