الأقليات الإسلامية فى الدول غير الإسلامية
الأستاذ
الدكتور/ محيى الدين عبد الحليم
أستاذ الصحافة
والإعلام بجامعة الأزهر
مصر
مقدمة:
تواجه الأقليات المسلمة فى العالم مشكلات سياسية واقتصادية وثقافية متعددة تحاول القضاء على هويتها، وتسعى إلى تمزيق
وحدتها، وإن كان ثمة جهود مخلصة للاهتمام بهذه الأقليات
من خلال المؤتمرات واللقاءات، إلا أنها لا تزال جهوداً متواضعة لا ترقى
إلى مستوى التحدى الذى
تحتاجه الأمة فى صراعها الحضاري، وذلك على الرغم من أن
هذه الأقليات تقف على ثغر من ثغور الإسلام فى
مواجهة الهجمات الشرسة التى تستهدف الإساءة إلى هذا
الدين وأهله.
وهذا يعنى أننا فى حاجة إلى خطة جادة يتم فيها جمع شتات هذه الأقليات، ودعمها
وترسيخ وجودها، وإذابة الخلافات المذهبية والعرقية والسياسية بينها من
خلال استراتيجية واحدة بدلاً من التشتت والتشرذم ؛ لتتحول هذه
الأقليات إلى جماعات قوية وضاغطة تستطيع التأثير على صانع القرار فى دول العالم بصفة عامة، والعالم الغربى
بصفة خاصة.
وقد زادت التحديات التى
تواجه الأقليات المسلمة فى الآونة الأخيرة بعد سقوط
الشيوعية وبروز الإسلام كعقيدة بديلة تواجه الأيديولوجيات الأخرى، مما أدى إلى
ملاحقة المسلمين ومحاربتهم فى أرزاقهم ، وعدم اعتراف العديد من دول العالم بحقوقهم، وفرض القيود على تمثيلهم فى المجالس النيابية والشعبية، إضافة إلى ما تقوم به وسائل
الإعلام الأجنبية من التركيزعلى الجوانب السلبية التى تسخرمن دينهم، وتقلل من شأنهم
مستهدفة من وراء ذلك تشويه صورتهم، وحتى هؤلاء الذين حققوا إنجازات علمية
أو اقتصادية أو ثقافية بارزة قد انكبوا على أنفسهم، وألهتهم أعمالهم، كما استغرقتهم الأوضاع الجديدة التى
فرضت نفسهاعليهم.
وفى واقع الأمر فإن
المسلمين الذين يعيشون فى دول المهجر، والذين تشدهم
العقيدة والوطن، يجاهدون وحدهم للحفاظ على صورتهم دون عون أو مساعدة، فعالمهم
الإسلامى لا يكاد يهتم بقضاياهم، والمنظمات الإسلامية لا تحفل بهم أو تعيرهم أهمية
تليق بمكانتهم، وكأنهم عناصر غير مرغوب فيها، وكثيراً ما تشير أصابع
الاتهام إلى أنهم إرهابيون تارة، أو مارقون تارة أخرى مما أدى إلى إضعاف هذه الأقليات، وتوجيه الضربات
القاتلة لهم، وتقاعس الدول والمنظمات الإسلامية عن دعمهم، وهذا هو ما تحفل به هذه
الدراسة التى تتضمن:
1- مفهوم الأقلية المسلمة والتوزيع البشرى والجغرافى
لها.
2- الأقليات
المسلمة والجماعات الضاغطة فى الخارج.
3- الأقليات
المسلمة وصورة المسلمين فى الثقافة الغربية.
4- المشكلات التى تواجه النشاط الدعوى فى
العالم.
5- الخاتمة والتوصيات.
1- مفهوم الأقلية
المسلمة والتوزيع البشرى والجغرافى لها:
يشير مفهوم الأقلية
إلى جماعة معينة تشترك فى عدد من المقومات الثقافية أو
الطبيعية أو المصالح المشتركة، وينشأ لدى أفرادها وعى بتميزهم فى
مواجهة الآخرين ويقصد بالأقليات المسلمة كل تجمع بشرى يعتنق الإسلام،
ويعيش فى غير ديار الإسلام كأقلية عددية، تقل عن 50٪ من مجموع سكان الدولة التى لا يعتنق غالبيتها
الدين الإسلامي والأقلية المسلمة تعيش كجماعة محكومة بأنظمة وقوانين غير إسلامية.
وعلى الرغم من
أنه لا يكاد يوجد إحصاء دقيق لأعداد الأقليات الإسلامية فى
العالم إلا أن الدراسات التى أجريت فى
هذا الصدد تشير إلى أن أعدادهم فى قارات العالم تبلغ392.809 مليون وذلك بنسبة 6.1٪ من سكان العالم،
وتعد الأقلية المسلمة فى آسيا أكبر تجمع إسلامى قارى، وأقلها فى الأمريكتين لا سيما أمريكا
الوسطى التى تبلغ نسبة الأقليات المسلمة فيها إلى 0.2٪ ويقدر عدد الأقليات المسلمة
فى الأمريكتين 7.784.440مليون نسمة موزعة على
إحدى وثلاثين دولة بنسبة 1.2٪ من إجمالى السكان (1).
وتتوزع الأقليات على قارات
العالم الخمس على النحو التالي:
أولا- إفريقيا: يقدر عدد الأقليات المسلمة فى اثنتين وثلاثين
دولة إفريقية
بـ 87.436 مليون، موزعة على 32 دولة إفريقية بنسبة 30.3٪ من إجمالى
عدد السكان، إضافة إلى بعض الجزر التى تتناثر وسط
المحيطين الهندى والهادى
قبالة اليابس الإفريقي، من أبرزها جزر سيشيل، وكناري، والرأس الأخضر، وماديرا، وسانت هيلانة، وساوتمي(2).
ثانيا- آسيا: يبلغ عدد
الأقليات المسلمة فى القارة الأسيوية 885. 297 مليون
موزعة على 21 دولة، بنسبة 10.3٪ من عدد السكان (3).
ثالثا- أوروبا
والأمريكتين: تشير حقائق التاريخ إلى أن الدعوة الإسلامية قد عرفت طريقها إلى أوروبا فى وقت مبكر من عام 711 م، وأصبحت الأندلس قاعدة انطلقت منها
تلك الدعوة إلى عمق هذه القارة، ثم تحول البحر المتوسط إلى معبر ينتقل
من خلاله الإسلام إلى دول العالم الغربى، ثم دخل
المسلمون البلقان عام 1355م، وانتشرت دعوته فى جميع أراضى أوروبا الشرقية حتى وصل إلى أسوار فيينا عام 1620م، واستمر فى أوروبا قروناً طويلة تاركاً آثاراً ثقافية وحضارية وديمجرافية خالدة، وقد خاض المسلمون معارك شرسة للدفاع عن
الدعوة الإسلامية، على الرغم من موقف الكنيسة الصارم والعنيد لمقاومة الوجود
الإسلامى فى الغرب الأوروبى،
وفى أعقاب الحرب العالمية الثانية شهدت الدول الأوروبية تدفقاً كبيراً للمسلمين نظرا لحاجتها الشديدة إليهم فى بناء ما دمرته الحرب، وتتشابه الظروف التى
تعيش فيها الأقليات المسلمة سواء فى
الدول الغربية أو فى الولايات المتحدة إلى حد كبير،
ويبلغ عدد المسلمين فى القارة الأوروبية 18.704 مليون موزعة على 27 دولة بنسبة 3.58٪ من إجمالى عدد السكان، ويمثل مسلمو أوروبا1.5٪ من مسلمى
العالم، ونحو 6.3٪ من الأقليات
المسلمة فى القارات الست (4).
2- الأقليات
المسلمة والجماعات الضاغطة فى الخارح:
تؤكد حقائق
التاريخ أن الإسلام قد أحدث آثاراً حضارية وبصمات ثقافية
بارزة، على جميع أنحاء العالم بصفة عامة وفى أوروبا بصفة خاصة، وخاض المسلمون
معارك شرسة للدفاع عن الدعوة الإسلامية وتثبيت أقدامها فى
مواجهة هؤلاء الذين حاولوا محاصرتها والنيل منها، ورغم صعوبة التحدى
وجسامة الصراع، إلا أن القرون الطويلة من الجهاد والدعوة أسفرت عن دخول دول بأسرها
فى الدين الإسلامى مثل مقدونيا وألبانيا والبوسنة
والهرسك والجبل الأسود، كما أسفرت عن وجود جاليات إسلامية قوية فى بعض الدول كبلغاريا ورومانيا وغيرها.
ولم تنته علاقة
الإسلام بخروجه منها، بل ظل المسلمون يشكلون جسورا للدعوة الإسلامية هناك، وعرفت
أوروبا الغربية الإسلام أثناء الحروب الصليبية وما تلاها من صراعات انتهت بسقوط
العديد من الدول الإسلامية تحت السيطرة الاستعمارية، ثم استقدمت هذه الدول العديد
من الأيدى العاملة للقيام ببعض المهن والأعمال
المتواضعة، ونتج عن ذلك تزايد أعداد المسلمين واستقرارهم فى البلاد التى
وجدوا فيها فرصا ميسرة للعيش، وعلى إثر ذلك تشكلت
العديد من التجمعات الإسلامية فى هذه الدول.
وشهد العصر
الحديث هجرة العديد من المسلمين إلى الدول الغربية مع بداية الحرب العالمية الأولى
حيث هاجرت أعداد ضخمة من مسلمى الجزائر صوب فرنسا، وعند
نشوب الحرب نقلت فرنسا ما يزيد على270.000 جزائرى ما بين جنود فى جيش الاحتلال أو عمال فى
المصانع أو مزارعين فى الأراضي، وقامت وزارة الحرب
الفرنسية بالإشراف على هجرة هؤلاء الجزائريين وتوزيعهم داخليا (5).
وشهدت الفترة التى أعقبت الحرب العالمية الثانية تدفقا كبيرا للمسلمين إلى
دول أوروبا الغربية حين كانت هذه الدول فى أمس الحاجة للأيدى العاملة الرخيصة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، ففتحت
أبوابها لاستقبال العمالة الحرفية من دول العالم الثالث، واستقر المقام بالكثير
منهم فى هذه الدول، كما أن الازدهار الاقتصادي الذى شهدته أوروبا منذ الخمسينات أوجد
عوامل جذب قوية للعمالة المسلمة لا سيما من بلدان
المغرب العربي، ومعظمهم من العمال غير المهرة وأنصاف المهرة، فقد تجاوز عدد
المهاجرين المغاربة إلى فرنسا عام 1982م مليون ونصف المليون
منهم (805.355) من الجزائر، (492.669) من المغرب
(مراكش)، (212.909) من تونس وشكل هؤلاء نسبة 42٪ من المجموع
الكلى للمهاجرين المقيمين فى فرنسا (6)
لذلك نجد أن
الغالبية العظمى من مسلمى فرنسا هم من أبناء المغرب العربى
والدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية، وفى بريطانيا نجد السواد الأعظم من المسلمين
من أبناء شبه القارة الهندية إلى جانب الدول الإفريقية وجزر الهند الغربية التى وقعت تحت السيطرة البريطانية كما يشكل الأندونيسيون أكبر الجاليات الإسلامية فى
هولندا والتى سبق لها أن استعمرت أندونيسيا
(7).
وخلال العشرين عاما
الماضية حدثت تغيرات جذرية فى نوع الهجرة الدولية
وكثافة تدفقها وسياسات الدول والحكومات تجاهها، وأصبح يغلب على المظهر الجديد
للهجرة ارتفاع نسبة المهاجرين المتخصصين مقابل انخفاض هجرة العمال غير المهرة نظرا
لأن دول المهجر أصبحت تقنن عمليات الهجرة طبقا
لمصالحها القومية (8).
وإذا أردنا التعرف على تركيبة الأقليات الإسلامية فى
الدول الغربية نجد أنها تتكون من الفئات التالية:
1- أبناء الدول الأوروبية الأصليون الذين دخلوا فى الإسلام منذ قرون طويلة، وحافظوا على إسلامهم رغم كل ما
واجهوه من تحديات ومحاولات لمحو هويتهم.
2- المهاجرون من العمال المسلمين الذين سافروا إلى أوروبا بغرض العمل
واستقر بهم المقام هناك.
3- الطلاب الذين ابتعثوا لاستكمال دراساتهم العليا فى
أوروبا ولكنهم آثروا البقاء والإقامة هناك؛ لأسباب عديدة من
أهمها الحصول على فرص عمل جيدة فى البلدان المضيفة، أو بسبب زواجهم من أجنبيات.
4- العمال والمتخصصون وأساتذة الجامعات الذين
اجتذبتهم الدول الأوروبية للعمل أو لإكمال دراستهم العلمية، فخلال عقد السبعينيات
تراوح عدد أصحاب الكفاءات العلمية العرب الذين اجتذبتهم فرنسا-
وحدها- ما بين25- 30 ألفا (9). واستقبلت ألمانيا الغربية(2200) طبيباً من دول الشرق الأوسط فى عام 1971 فقط (10).
5- الشباب المسلم الذين دخلوا أوروبا تحت غطاء السياحة والزيارة مع نية الإقامة، ومعظمهم يقيم اليوم بطرق
غير قانونية مما يعرضهم لمطاردة الشرطة الأوروبية.
6- اللاجئون السياسيون الذين فروا من بلادهم لأسباب سياسية نتيجة تقييد
حرياتهم ومطاردة أنظمة الحكم لهم، فاختاروا البقاء فى بعض الدول الأوروبية التى أتاحت
لهم حق اللجوء السياسى (11).
3- الاقليات المسلمة وصورة المسلمين فى
الثقافة الغربية:
فى الحقيقة أن الأقليات المسلمة فى العالم محاصرة
بكم هائل من قنوات الفكر ووسائل الاتصال التى كثيراً ما تقدم لها ما يتنافى مع أصول هذا الدين ومثله العليا، مثل القنوات
الفضائية والشبكات الإذاعية والصحافة العالمية التى توزع
على نطاق دولى، إضافة إلى ما تبثه شبكة الإنترنت من
معلومات غريبة عن الإسلام والمسلمين مما يسهم فى تشكيل
صورة سلبية عن هذا الدين فى الثقافة الشعبية الغربية
بصفة عامة، والثقافة الأمريكية بصفة خاصة.
وقد أدى ذلك إلى
ترسيخ كراهية العرب والمسلمين فى النفسية الأمريكية
بحيث أصبح من المعتاد إدانتهم جميعا على أية جرائم أو عمليات إرهابية تحدث فى أى منطقة من العالم، فما أن
تحدث حادثة حتى تتجه أصابع الاتهام إلى المسلمين والعرب على اعتبار أن الإسلام
يشجع الإرهابيين والمتطرفين على ارتكاب الجرائم، وفى الحقيقة أن صورة الإسلام فى الوجدان الغريى ليست وليدة
اليوم وليست جديدة، ولكنها متجذرة منذ الحروب الصليبية.
وقد ظهرت دراسات
إسلامية من جانب علماء الغرب مبنية على معلومات خاطئة ومضللة فيها العديد من
الافتراءات على الإسلام والمسلمين، فقد اتهمهم البعض بأنهم عبدة
الأوثان، واتهمهم البعض الآخر بأنهم يعبدون القمر، فإذا أضفنا دراسات بعض
المستشرقين الذين ينظرون إلى الإسلام على أنه حركة إصلاح اجتماعى
اتخذت طابعاً دينياً.
ويكفى أن ننوه
بنتائج الدراسة التى أجراها الأستاذ جاك شاهين عام 1997م على ثلاثة آلاف مبعوث من الأمريكيين وهى الدراسة التى
كشفت عن أن 43٪ من هؤلاء
المبعوثين يرون أن المسلمين أتباع دين يؤازر الإرهاب، وأن 47٪ منهم يرى أن المسلمين معادون للغرب، وأن كل مسلم فى
العالم هو صورة طبق الأصل من آية الله الخومينى أو صدام حسين وأن كثيراً من الأمريكيين يعتقدون أن كل المسلمين عرب، وأن الإيرانيين عرب، إلى غير
ذلك من النتائج الكثيرة والمفاهيم الخاطئة التى أسفرت
عنها هذه الدراسة.
وللأسف فإن هناك خلطاً للأوراق يسهم فى ترسيخ الصورة السلبية للإسلام
والمسلمين فهم عندما يتحدثون عن الإنسان المسلم يقرنونه بالشخص الذى يركب حصانه وبيده سيفه والعربى
الذى يحمل كيسا من الدولارات يعيش به هنا وهناك، حتى
أصبح العربى
والمسلم موضوعاً للنكات وكلمات السخرية فى
الصحف الغربية (12).
وتعمل وسائل
الإعلام الغربية على إبراز الجوانب السلبية التى تسخر
من الإسلام، وتقلل من شأنه، وتشوه صورته أمام الرأى
العام العالمى مما يسهم فى
إيجاد بيئة عدائية ضد الأقليات والجاليات المسلمة المقيمة فى
دول العالم (13).
ولا تزال منابر
الفكر وقنوات الاتصال الدولية بصفة عامة وفى الولايات المتحدة بصفة خاصة تشن حرباً ثقافية ضد العرب والمسلمين، ابتداءً من الكتب
الدراسية والسينما والمسرح ومروراً بالشخوصات
الكاريكاتورية المروعة التى تتهم المسلمين جميعا بأنهم
إرهابيون أو شيوخ نفط، وأن بلادهم هى بمثابة صحراء
قاحلة وخربة، ووصولا إلى الكتب التافهة التى كتبها
صحفيون مغرضون، وهى الكتب التى أشاعت نماذج إسلامية
غريبة تصف المسلمين جميعا بأنهم قتلة وسفاحين.
هذا فى الوقت الذى تتجاهل فيه الصحافة
الغربية الإيجابيات الموجودة فى العالم الإسلامي، وتشير
الدراسات الإحصائية إلى أن أخبار العالم الإسلامى لاتكاد
تذكر فى الصحافة الأمريكية على الرغم من كثرة الصحف،
وكثرة الصفحات، وتشير الدراسات العلمية التى أجريت فى هذا الصدد أنه لم ينشر فى هذه
الصحف إلا بعض الأحداث التى تتعلق بالإرهاب والتعصب المذهبى والتطرف الديني، وأحداث العنف وعدم الاستقرار السياسى والأمني وانتهاكات حقوق الإنسان، وتدهور الأحوال
الاقتصادية فى العالم الإسلامي، كما أفادت الدراسة أن صورة
الإسلام لدى الشباب الأمريكى تعكس ملامح البداوة
والتخلف والقسوة، ولا تكشف الملامح الحديثة للمجتمع الإسلامى والحضارة الإسلامية.
وإذا كان المواطن فى
العالم الغربى يحوز أعلى المعدلات فى
امتلاك أجهزة الاستقبال الإذاعية والتليفزيونية فى
العالم، كما أن نصيبه من عدد الصحف والكتب والمواد المطبوعة يعد أعلى نسبة يحظى
بها أمثاله فى بقية مناطق العالم، فإن هذه الوفرة
الإعلامية فى ظل هذا الموقف المعادى للإسلام تسهم
بفاعلية فى الإساءة لهذا الدين مما يزيد من حالة التغريب
التى يعيشها المواطن المسلم فى
المجتمعات الغربية، لاسيما أن القوى المضادة للعمل الإسلامى هناك تملك من
الإمكانيات المادية والقدرات النفسية والكوادر البشرية ما يمكنها من التأثير
الفاعل على الرأى العام العالمي، ومن أبرز هذه القوى المنظمات الصهيونية، والأنشطة التنصيرية، إضافة إلى الفرق الضالة التى تدعى الإسلام ظاهرا، وتبطن العداء الشديد له، ومن ثم فإن
الحضور الإسلامى فى تلك المجتمعات ذات الوفرة والسيطرة
الإعلامية يعد أمرا بالغ الأهمية والخطورة.
وتتحمل وسائل
الإعلام الإسلامية العبء الأكبر فى
تصحيح الصورة، ونحن فى عصر الفضاء نستطيع أن نصل إلى كل
مكان فى الدنيا، وليس هناك بديل عن الأسلوب العلمى الصحيح، فنحن فى زمن لا
يحترم فيه إلا العلم (14).
4 المشكلات التى تواجه الأقليات
المسلمة فى العالم:
إذا كانت
الأقليات المسلمة فى العالم تعمل جاهدة للحفاظ على هويتها
الدينية وتتمسك بمرجعيتها العقدية، كما تحاول أن تتأقلم مع الثقافات الأخرى
المسيطرة، إلا أنها تواجه العديد من المشكلات والمصاعب مما يدفعها إلى الانعزال
والتقوقع، كما يضطر كثير منهم إلى الالتحاق بمهن متواضعة أو مهينة، وقد أدى ذلك
إلى التأثير فى مكانتهم والنيل من صلابتهم وتمزيق
وحدتهم.
ولما كان وضع
استراتيجية علمية لدعم الأقليات المسلمة والإفادة من وجودها فى
الخارج يحتل أهمية بالغة على صعيد الدعوة الإسلامية؛ فإنه يصبح من
الأهمية بمكان التعرف على واقع هذه الأقليات الإسلامية باعتباره الخطوة الأولى لحل
مشكلاتهم، والتى تكمن فيما يلي(15):
1- ظهور النعرات القومية والشعوبية يؤدى إلى تفتيت وحدتها، ونشوب
الصراعات بينها، وتبعثر جهودها، والحد من فاعليتها، يساعد على ذلك عدم التجانس اللغوى والعرقى
بين السلالات الإسلامية دون وجود تنسيق بينها.
3- يفجر الزواج بين المسلمين وغيرهم من ذوى الثقافات الأخرى مشكلات
اجتماعية تنعكس على الأسرة والأبناء، لاسيما أن الهدف الرئيسى
من تلك الزيجات هو الحصول على تصريح للعمل والإقامة فى
دول المهجر.
3- أسفر انحراف بعض أبناء الأقليات الإسلامية، ومسايرتهم
لأنماط الحياة الأجنبية وذوبانهم فيها عن ضياع هويتهم الإسلامية بفعل المغريات
الكثيرة التى تعمل على
تذويبهم والقضاء على هويتهم.
4- أدى استبعاد الأقليات المسلمة من المشاركة السياسية فى
أنظمة الحكم وعدم اعتراف العديد من الدول بحقوقها إلى فرض القيود على تمثيلها فى المجالس النيابية والشعبية، وقد نجم عن ذلك تفجر الصراعات
السياسية والحركات الاستقلالية كما هو الحال فى الفلبين والهند والصين.
5- يؤدى ضعف الاهتمام بتعليم اللغة العربية بين أبناء الجيل الثانى من تلك الأقليات إلى زيادة هوة الانفصال بينهم وبين
دينهم، فالجهل باللغة العربية يشيع بين85.80٪ من المسلمين فى مختلف أنحاء العالم، كما تسبب عدم توافر قنوات التعليم
والثقافة الإسلامية فى انخفاض المستويات
الثقافية والتعليمية لأبناء المسلمين فى المهجر، مما
ينعكس سلبا على أبناء الجيل الثانى من المسلمين (16).
6- يؤدى انخفاض المستويات الاقتصادية لأبناء الأقليات الإسلامية إلى
انعزالها وتقوقعها داخل أحياء فقيرة، وعدم مشاركتها فى
الأنشطة الاجتماعية،ففى دراسة أجريت على عينة من
المهاجرين المسلمين فى أمريكا حول مدى مشاركتهم فى الأنشطة الاجتماعية على أرض المهجر وجد أن الذين لم
يشاركوا مطلقا فى تلك الأنشطة قد بلغت نسبتهم 13.5٪، بينما
الذين كانت مشاركتهم محدودة 69.2٪، أى أن مجموعهم بلغ 82.17٪ (17).
7- يؤدى الاختلال السكانى لأبناء الأقليات إلى
تشتتهم، وتدنى مستويات معيشتهم، وارتفاع معدلات اللاجئين منهم حتى بلغت 82٪
من مجموع لاجئى العالم.
8- تلقى الصورة النمطية السلبية عن الإسلام والمسلمين
بظلالها السيئة على أسلوب التعامل مع الأقليات المسلمة، فالإسلام كما تروج له
العناصر المغرضة هو دين الإكراه والعنف وتعدد الزوجات وسفك الدماء... إلخ.
9- أدى انتشار الحركات اليمينية المتطرفة فى
أوروبا والتى تدعو إلى طرد كل الأجانب منها إلى ملاحقة
المسلمين ومحاربتهم فى أرزاقهم مثل الأقلية التركية فى ألمانيا، والأقلية المغربية فى
فرنسا إلى غير ذلك من الحركات المماثلة، وقد
انتقلت عدوى تلك الحركات العنصرية إلى بقية أنحاء العالم الغربي.
10- ضعف الإمكانات المالية والبشرية والفنية للمراكز
الإسلامية فى العالم يجعل تأثيرها متواضعا إذا ما قورنت
بما يناط بها من مهام، وينعكس هذا الضعف على النشاط الدعوى الذى
تضطلع به الأقليات المسلمة المحاصرة بكم هائل من
وسائل الإعلام الحديثة التى تقدم كل ما هو مناف لأخلاق هذا الدين وتعاليمه.
11- ارتباط معظم أنشطة وجهود الدعوة خارج ديار
الإسلام بالحكومات التى تمولها، والتى
تصبغ تلك الأنشطة بصبغة سياسية تعكس الخلافات بين الدول الإسلامية،
مما يفرغ العمل الإسلامى من مضمونه، كما أن اعتماد تلك الجهود على تمويل هذه الحكومات يجعلها عرضة للتوقف- فى أى وقت- إذا ما رأت تلك الحكومات
تناقضها مع سياستها.
12- اعتماد الجهود الدعوية التى
تضطلع بها الأقليات المسلمة فى الخارج على أساليب
ووسائل تقليدية، لا تحقق طموحات الدعوة لا سيما فى ظل ما تزخر به
المجتمعات المتقدمة من وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة، إضافة إلى نقص الدعاة
القادرين على التعامل مع وسائل الإعلام وجماعات الضغط وصناع القرار فى العالم.
13- اعتماد كثير من الهيئات ومنظمات الدعوة الإسلامية على العمل العشوائى دون تخطيط علمى مسبق،
ودون استقراء لطبيعة المشكلات التى يتعين عليها
مواجهتها وترتيب أولوياتها، وفى معظم الأحيان يغلب على العمل الإسلامى الحماس
للدعوة دون أن يستند هذا الحماس على دراسات جادة وتخطيط دقيق.
14- إن ثمة أخطاء أو سلوكيات مشينة يقع فيها بعض أبناء الأقليات الإسلامية فى الخارج تسىء إلى الإسلام وتشوه
صورته، مما يتطلب إقامة جسور قوية مع هذه الأقليات لتقويم سلوكها وتوعيتها بالدورالمنوط بها.
15- إنه فى الوقت الذى
يشتد فيه الخلاف ويحتدم فيه الشقاق بين الأقليات المسلمة فى
العالم، فإننا نجد فيه الأقليات اليهودية تعمل ضمن استراتيجية واحدة جمعت بينها
أهدافا مشتركة وترتبط ارتباطا عضويا بالدولة العبرية ؛ حتى أصبحت هذه
الأقليات قوة ضغط هائلة على صانع القرار فى الدول التى يعيشون فيها، وسيطرت على أسواق المال وأجهزة الإعلام
وصناعة السينما وغيرها من المرافق الحيوية، فإننا كثيرا ما نجد الشقاق والخلاف
والصراع يحتدم بين الأقليات المسلمة فى العالم.
الخاتمة والتوصيات:
فى الحقيقة فإن الأقليات المسلمة يمكن أن تشكل قوة ضغط كبيرة على صانع القرار
إذا ما أحسن تنظيم جهودها واستثمار إمكاناتها،لا سيما
أن كثيرا من النظم السياسية فى العالم تتيح للأفراد
والجماعات حرية التعبير وحرية التفكير، والمسلمون- شأنهم شأن غيرهم- يتمتعون بهذه
الحقوق، إلا أننا لم نحسن الاستفادة من هذا الواقع.
وهذا يعنى أنه
لابد من التنسيق بين هذه الأقليات وتتظيم عملها وفق خطة
موحدة تستثمر كافة الإمكانات المتاحة، وتؤدى نشاطها على أسس علمية، من خلال جهاز إسلامى واحد يجمع شتاتها، ويوحد بينها، ويذيب الخلافات
العرقية أو السياسية أو المذهبية بينها، بدلا من التشتت والتباعد والتفرق.
إن الأمر يحتاج
إلى وقفة أمينة لمساعدة هذه الأقليات فى الحفاظ على
هويتها والدفاع عن دينها، واستثمار قدراتها، لتشكل جسورا تعبر من خلالها الدعوة
الإسلامية إلى المتلقى الغربى لاسيما أن
الإسلام ينتشر بقوته الذاتية فى العالم بسرعة وقوة تذهل
خبراء السياسة والعلاقات الدولية، أى أن هذا الدين لو
وجد من يقدمه إلى الرأى العام العالمى
بصورته الصحيحة لأحدث انقلابا كاملا وغير شكل الحياة فى هذه المجتمعات.
وإن الحكومات والمنظمات الإسلامية مطالبة بالتحرك لتحقيق هذا الأمل، ومن هنا
فإن الأمر يحتاج إلى عملية استنفار إسلامى
لدعم الأقليات المسلمة والحفاظ على هويتها.
وهنا يصبح من
الأهمية بمكان تزويد هذه الأقليات بمجريات الأحداث فى
ديار الإسلام وربطهم بالوطن الأم، واستثمار إمكاناتهم لفهم آليات النظام السياسى والوضع الاقتصادى والاجتماعى السائد فى الدول التى يعيشون فيها، والرد على المزاعم والافتراءات التى تستهدف الوطن والعقيدة والتراث، والاتصال بجماعات الضغط
المؤثرة والشخصيات العالمية البارزة التى تتعاطف معنا
حتى نتمكن من إبراز المبادئ النبيلة والقيم الرفيعة التى
يعمل الإسلام على إرسائها، وتوضيح المعانى السامية التى يتضمنها هذا الدين.
ولن يتأتى ذلك
إلا من خلال التنسيق مع المؤسسات والمراكز الإسلامية فى
الخارج من خلال خطة علمية محكمة تستثمر المعطيات الدولية المعاصرة، والقضاء على
المعوقات الإدارية والمالية والفنية التى تعوق انسيابية
الرسالة التى تبثها قنوات الاتصال الإسلامى، حتى تستطيع
تحقيق التأثير المستهدف، وتصحيح الصورة الخاطئة، والرد على الافتراءات الظالمة
والمزاعم الكاذبة، والتعامل مع المتغيرات الدولية بفاعلية واقتدار.
وهذا يعنى أننا فى حاجة إلى عقليات جديدة تعيد صياغة العقل المسلم، وتتعامل
بفكر مفتوح مع المستجدات التى تفرض نفسها على الساحة
الدولية، وتمسك بيدها زمام المبادرة فتأخذ بكل ما هو جديد ومفيد من معطيات العولمة
فى الفكر والثقافة والعلم والتكنولوجيا وتتجاوز السلبيات
التى يحملها هذا التيارالذى
سوف يجرف فى طريقه كل من يقف على أرض هشة، مع الحفاظ
على ثوابت الأمة وتراثها الوطنى.
وهنا يصبح من
الأهمية بمكان إنشاء مؤسسة إسلامية دولية لشئون الأقليات، تجمع
شتات الأجهزة والمؤسسات الرسمية والشعبية العاملة فى
هذا المجال لتنسق جهودها، والقضاء على التضارب والخلافات بينها،
وذلك لكى تأخذ على عاتقها تحقيق المهام التالية:
1- إقامة الندوات والمؤتمرات التى
توضح حقيقة الحضارة الإسلامية وصحيح الدين ؛ لدرء الشبهات،
ولتصحيح الصورة المغلوطة التى تروجها المنظمات
الصهيونية والتنصيرية والإلحادية والفرق الضالة، وذلك من خلال تجسيد
النموذج الإسلامى فى القول والعمل.
2- إقامة المعارض وتشجيع التبادل الثقافى
بين المنظمات والجامعات ومراكز البحوث فى الدول
الإسلامية ودول العالم الأخرى، وتشجيع الزيارات المتبادلة بين الأدباء والمفكرين
المسلمين ونظرائهم فى دول العالم المختلفة، لشرح
الحقائق وتوضيح المفاهيم، وإجهاض الحملات المغرضة التى تشعل نار العداوة
والبغضاء وسوء الفهم بين الطرفين.
3- تشجيع النشاط الإعلامى الإسلامى فى دول الغرب من خلال الإصدارات الصحفية والقنوات الفضائية، والإذا عات الموجهة من دول العالم الإسلامى إلى الرأى العام العالمي شريطة إعطاء اهتمام
أكبر لتنشئة الجيل الثانى من
المسلمين فى الغرب تنشئة إسلامية صحيحة، وتزويدهم
بالمعارف الإسلامية لحمايتهم من الانخراط فى مفاسد
المجتمعات غير المسلمة بهدف الحفاظ على هويتهم والتمسك بدينهم قولاً وفعلاً،
وتشجيعهم على تعلم اللغة العربية والعلوم الإسلامية، والقضاء على الخلافات العرقية
والمذهبية بينهم، وذلك لتحقيق الهدف الأسمى وهو الدفاع عن الإسلام وتصحيح صورته فى العالم.
4- الإسهام والمشاركة فى الجهود الدعوية التى تقوم بها المراكز الإسلامية فى العواصم الغربية ودعم أنشطتها، والإسهام فى
إقامة المساجد والمدارس والمراكز الإسلامية بالجهود الذاتية، والإفادة من المؤسسات
الاجتماعية التى أسسها أبناء
المسلمين، وتفعيل دور هذه المؤسسات لخدمة العمل الإسلامى.
5- التقليل من ظاهرة زواج غير المسلمين والمسلمات من أبناء وبنات المجتمعات
الغربية التى يقيمون فيها تجنبا للآثار السلبية لتلك
الظاهرة.
المراجع
(1) رضا عكاشة- المعالجة الصحفية لشئون الأقليات
المسلمة فى الصحافة العربية: رسالة دكتوراه غير منشورة. قسم
الصحافة والإعلام. جامعة
الأزهر. ص 52.
(3) سيد عبد المجيد: الأقليات المسلمة فى إفريقيا. مكة المكرمة. رابطة العالم الإسلامى. 1985. ص 338.
(3) (المرجح السابق).
(4)Brinley Thomas Modren Migration the Brain Drain (ed) Walter Adms , N.Y.Macmillan Company
p.29.1968
(5) زوزو عبد الحميد:
دور المهاجرين بفرنسا فى الحركة الوطنية الجزائرية فيما
بين الحربين العالميتين. الجزائر. بدون ناشر. ص 56.
(6) محمد إبراهيم الجيوشى:
الأقليات الإسلامية فى المجتمع الغربى. لندن. المجلس الإسلامى العالمى.
ص 2-4.
(7) مصطفى الخروبى: المغاربيون فى فرنسا، هجرة شقية ومحاولات الاندماج فى المجتمع الفرنسي. القاهرة.
الجهاز المركزى
للتعبئة العامة والإحصاء. 1990. ص 1.
(8) المرجع السابق.
(9) أنطونى زحلان: السكان والتنمية فى الشرق الأوسط. بغداد 0 اللجنة الاقتصادية لغربى آسيا. قسم التنمية
الاجتماعية والسكان 0 1984. ص 333.
(10) مركز دراسات الوحدة العربية. هجرة الكفاءات العربية،
بحوث ومناقشات الندوة التى نظمتها اللجنة الاقتصادية
لغربى آسيا. بيروت: 1981. ص 298.
(11) سامى الشريف: التحديات الإعلامية التى تواجه العالم
الإسلامى فى القرن الواحد والعشرين. بورسعيد.
رابطة
الجامعات
الإسلامية بالاشتراك مع جامعة قناة السويس. 1997. ص 12.
(12) عبد القادر طاش: الصورة
النمطية للإسلام والعرب فى مرآة الإعلام الغربي. الرياض:
شركة الدائرة للإعلام
المحدود 1989. ص (112)-(113).
(13) مرسى سعد الدين: الدعوة
الإسلامية والإعلام الغربي. القاهرة. المجلس الأعلى
للشئون الإسلامية.
(14) محمود حمدى زقزوق: الدعوة الإسلامية
والإعلام الغربى، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
1999.
(15) سامى الشريف: المرجع السابق. ص 16.
(16) المرجع السابق: ص 17.
(17) محمد عبد العليم مرسى: نزيف
العقول البشرية. الرياض.
عالم الكتب. (1982). ص 93.