الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
الاقليات الإسلاميض

الأقليات الإســـلاميـــــة

فى الدول غيرالإسلامية

الاستــاذ الدكتور /  حلمى محمد نصر

أستاذ الدراسات العريية بجامعة ساو باولو

البرازيل

تمهيد:

إن الأقليات الإسلامية فى الدول غير المسلمة منبثة فى كثير من دول العالم الذى يدين بالمسيحية، ومن الواضح لكل دارس أن نشاط أفراد هذه الأقليات يمتد إلى كل نواحى الحياة فى المجتمع الذى يعيشون فيه، نجدهم بين طلبة المدارس والجامعات وبين العمال وأصحاب الحرف، وبين المهنيين من أطباء ومهندسين وأساتذة، بل بين رجال الحكم وأقطاب السياسة، وفى مجال الزراعة والتجارة وصفوف الملاك، ومن هنا يمكن القول بأن هذه الأقليّات يمكن أن تقوم بدور فعّال فى التعريف بالإسلام والدفاع عنه، وخاصة فى مثل الظروف التى نعيشها اليوم بعد حوادث (سبتمبر)، حيث اشتد الهجوم على الإسلام، وألصق به الحاقدون كل ما هو منه براء من عنف وعدوان وإرهاب.

غير أن هذه الأقليّات- كلها أو أكثرها- فى أشد الحاجة إلى رعاية وعناية، حتى تقوم بهذا الدور البنّاء للذود عن الإسلام. إذ أنه بدون هذه الرعاية سوف تذوب الأقليّات فى مجتمعات الأكثرية، وتتلاشى فى خضمها الجارف.

 ولا ننسى أنه إذا كانت الأجيال الأولى من تلك الأقليّات ظلت فترة من الزمن متمسكة بتقاليدها، محافظة على عقيدتها؛ فإن الأجيال الجديدة التى نشأت فى أجواء تلك المجتمعات توشك أن تكون غريبة بالنسبة لتعاليم الدين الحنيف.

لهذا نعود فنقول: إن من واجب العالم الإسلامى كله أن يحاول رتق الفتق قبل أن يتسع الخرق على الراقع، وأن يوجّه من الجهد ما يضمن الحفاظ على بقاء تلك الأقليات فى ساحة الإسلام، وعلى المسلمين جميعًا أن يتضافروا لإنقاذ الأجيال الجديدة من براثن الإلحاد، وعوامل الضياع.

وسنحاول فى بحثنا هذا إعطاء فكرة عن إحدى هذه الأقليات، ونعنى الأقلية المسلمة فى "البرازيل " حيث شاءت إرادة الله أن نعيش بين أحضانها عشرات السنين، تمكنا فيها من مراقبة أحوالها، و إدراك كفاحها، والإحساس باحتياجاتها، بل والاشتراك فى نشاطها، وها نحن نقدّم دراستنا عن هذه الأقلية، تلك الدراسة التى يمكن أن تنطبق على أقليّات أخرى، تتشابه ظروف معيشتها مع معيشة أقليّة البرازيل.

وسنقسّم الموضوع إلى ثلاثة أقسام:

( ا ) نتكلم فى الأول منها عن تاريخ الأقلية المسلمة فى البرازيل.

(ب) وفى الثانى سنعطى صورة مفصّـلة عن الوضع الحالى لهذه الأقلية موضحين النواحى الإيجابية والسلبية فى صراعها للمحافظة على كيانها الدينى.

       (جـ) وفى القسم الثالث سنقـّدم مشروع خطّة للوسائل اللازمة لتحقيق الهدف المنشود، وهو حماية المبادئ الإسلامية، ثم إمكان استغلال هذه الأقليات لتكون منابر دفاع، ومراكز دعاية للإسلام والمسلمين.

أ- الجانب التاريخى:

  إن الأقلية المسلمة التى جاءت إلى البرازيل بحثا عن فرص جديدة لتحقيق حياة أفضل، تركت الوطن الأصلى بسبب ظروف غير ملائمة من ناحية المعيشة والعمل، كان معظم الجيل الأول من المهاجرين يتمثل فى أشخاص يملؤهم الطموح، وإن كان أكثرهم لم يندرج فى سلك التعليم.

 وقد وصلوا إلى البرازيل فى أواخر القرن التاسع عشر، ومن العسير تحديد الوقت الذى وصل فيه أول مهاجر مسلم إلى هذه البلاد، وكانت غالبيتهم من سوريا ولبنان أيام الحكم العثمانى، وقد ظل عددهم يزداد يومًا بعد يوم حتى أوائل القرن العشرين، ثم انضم إليهم فى السنوات الأخيرة عدد لا بأس به من أبناء فلسطين ومصر وبلاد إسلامية أخرى، والجميع اليوم يمثل الطائفة الإسلامية فى البرازيل.

ومن المناسب أن نعرف أن أراضى البرازيل التى تعيش عليها هذه الأقلية المسلمة، أراضٍ شاسعة تبلغ مساحتها أكثر من ثمانية ملايين ونصف من الكيلو مترات المربعة، أى أن مساحتها تبلغ مساحة أربعة أضعاف مساحة شبه الجزيرة العربية كلها. كما أن سكان البرازيل يبلغ تعدادهم الآن مائة وسبعين مليونًا، ودين البرازيل هو الدين المسيحى، وإن كان سكانها تتمثل فيهم الديانات المتعددة والمذاهب المختلفة.

جاء المسلمون إلى البرازيل وبدءوا يواجهون صعاب المحافظة على التقاليد الموروثة؛ فبُعد المسافات بين المدن التى تفرقوا فيها، والعمل الدائب المرهق لكسب العيش، وعدم توفر البيئة الإسلامية فى الوطن الجديد، كل ذلك كان من العوامل المسئولة عن نقص العناية بتنشئة أولادهم نشأة دينية عقيدةً وسلوكاً. ومن ناحية أخرى أخذت البيئة الجديدة تؤثر بعض الشىء على أولاد المسلمين وتصوغهم فى قالبها الاجتماعى، ومن هنا بدأت الخطوة الأولى فى البعد عن التربية الإسلامية.

يتبين من ذلك أن الجيل الأول من المسلمين كان له من ناحية الدين والعقيدة أسس أقوى وأمتن مما كان للأجيال التى أتت بعد ذلك، ولم يقتصر هذا الفرق على الدين فحسب وإنما امتد إلى اللغة العربية كذلك؛ فبينما كان الأوائل يستخدمون اللغة العربية فى لغة الحديث فيما بينهم، أصبحت الأجيال التالية لهم والتى نشأت فى الأرض الجديدة يتحدثون فيما بينهم باللغة البرتغالية، وأحيانًا كان الأب يتكلم إلى ابنه بالعربية فيرد عليه الابن باللغة البرتغالية، بمعنىأنه كان يفهم العربية ولا يستطيع التحدث بها، وأخيرًا انتهى الأمر إلى جيل لا يتكلم العربية ولا يفهمها.

هذا التباعد المتدرج شيئاً فشيئاً بين الآباء والأبناء، أدى إلى خلق فروق فى التفكير والسلوك وأحيانأ أدت هذه الفروق إلى حدوث صراع بين القديم والحديث. ولا شك أن هذا ناتج من تأثير المجتمع الكبير على المجتمع الصغير، فالأقلية غالبًا تخضع طوعًا أو كرهًا للظواهر الاجتماعية فى مجتمع الأكثرية.

وقد مارس المغتربون كل أنواع العمل لكسب العيش، ومع ذلك فالنشاط الأساسى لهؤلاء المهاجرين تركز تقريباً فى التجارة، وخاصة فى صورة البائع المتجول الذى كان يطلق عليه "ماسكاتى"، كانوا يسيحون فى الأرض، يحملون بضائعهم على ظهورهم، ويقطعون الأميال أحيانا سائرين على الأقدام، ومع مرور الزمن تحسنت أحوالهم، وبدءوا يستقرون فى أماكن ثابتة فى كل ولايات البرازيل لممارسة أعمالهم. وقد سكن عدد كبير منهم ولاية ساو باولو، بعضهم فى الضواحى والبعض الآخر فى العاصمة.

ومن الملاحظ أن الجيل الثانى توصل إلى إحداث تغييرات كبيرة فى أسلوب الحياة التجارية، فبينما كان الجيل الأول ينتقل من مكان إلى آخر لتسويق بضاعته، جاء الجيل الثانى ليمارس التجارة عن طريق المحلات والمستودعات، بل إن بعضهم أنشأ مصانع الغزل والنسيج واشتغل باستغلال الأراضى وبيع الغلال، وبذلك ازدهرت حياتهم وبدءوا يعيشون عيشة تضمن لهم التنعم بحياة رغدة.

أما الجيل الثالث، وقد انخرط معظمه فى سلك التعليم، فقد انتهى إلى تخريج طبقة من المتعلمين الجامعيين، اندرج بعضهم فى وظائف حكومية، وكوّن البعض الآخر الطلائع الأولى من أصحاب المهن الحرّة، من مهندسين ومحامين وأطباء ومعلمين.

ولا يفوتنا أن نقول: إن ولاية ساو باولو اليوم، وعلى الأخص مدينة ساو باولو، تمثل أكبر تجمّع للمسلمين، ولا نعلم عددهم بالدقة لعدم وجود إحصاء لهم إلى الآن ولكن يمكن أن يقدر عددهم على وجه التخمين بما يقارب المليون، وهم يعملون الآن فى كل المجالات ويعاونون معاونة صادقة فى ازدهار البلد الذى يعيشون على أرضه والذى استقبلهم بكل ترحاب.

نعود إلى الكلام عن الجيل الأول والثانى فنقول: إن التغير الذى حدث بين الجيلين والذى أدّى إلى خلق عقليتين مختلفتين، ثم إلى صراع بين القديم والحديث، هذا التغيير جعل الآباء يساورهم القلق من ناحية مستقبل أولادهم الثقافى، ويدركون أن السلوك الجديد سببه نقص التوجيه الدينى والتربية الإسلامية. ولتصحيح الأوضاع رأوا من اللازم إقامة مساجد لتكون منطلق الدعوة الدينية، وتكوين جمعيات إسلامية للعناية بشئون الطائفة، وبناء مدارس لتعليم الدين واللغة العربية، كانت هذه الأفكار هى الخطوة الأولى فى محاولة الحفاظ على ثقافة تلك الأقلية، وقد لاقت هذه البادرة ترحيبًا من سكان ولاية" ساو باولو" ثم انتقل صداها إلى ولايات أخرى فيها تجمعات للمسلمين وخاصة ولاية "باراناه " ومع ذلك بقيت للأسف بعض التجمعات الإسلامية، وخاصة فى شمال البرازيل، بعيدة عن تحقيق هذه الأفكار.

لم يدّخر الجيلان الأول والثانى وسعّاً فى صيانة عقيدتـهم، فبدءوا فى تنفيذ ما عزموا عليه وهو إقامة أول مسجد فى البرازيــل ؛ ليكون مركز الإشعاع الدينى للطائفة وفعلا بدأ بناء المسجد فى ساو باولو بعد كفاح مريروتعاون مشكور، لقد بدأ بناء المسجد فى الثلاثينات من القرن الماضى: اشتُريت أرضه فى سنة (1935)، ووضع حجر أساسه فى سنة( 1948)، وأكمل بناؤه حوالى سنة(1960). وقد كانت هناك مصاعب جمة فى جمع تكاليف البناء من هنا وهناك، وعندما تم بناء المسجد ومن الله على الطائفة بحضور شخصية دينية فذة من القاهرة، ظهر كيان الأقلية المسلمة واتسع نشاطها، فأخذوا فى بناء مدرسة إسلامية، ثم حصلت الجمعية الخيرية الإسلامية على أرض من الحكومة لتكوين مقبرة للمسلمين، ثم انتقل هذا النشاط إلى ولايات أخرى من البرازيل، فتعددت المساجد وكثرت الجمعيات الإسلامية، وبُنيت مساجد فى كوريتيبا وبارانجواه وكوياباه ولندرينا، وفى السنوات الأخيرة بُنيت مساجد فى برازيليا وسان ميغيل وجونديائى وبرّيتوس وغوروليرس وسنتوس وريو دى جانيرو وسان برناردو و كامبو.

هذا من ناحية المساجد، أما من ناحية المدارس ففى أوائل الستينات من القرن الماضى بُنيت أول مدرسة إسلامية فى"فيلا كارون " حيث كان هناك جمع كبير من الأسر المسلمة، وقد بدأت المدرسة بنجاح نسبى كبير ولكن لم تستطع مدرسة واحدة أن تسد احتياجات كثير من أبناء المسلمين، ثم اقيمت مدرسة فى كوريتيبا وفصول عدة فى أماكن أخرى؛ لتعليم اللغة والدين على أن النتيجة دائما كانت أقل مما يرجى.

ولا ننسى فى هذا الصدد ما قامت به بعض البلاد الإسلامية- وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية- من مساعدة للمسلمين فى البرازيل، تتمثل فى إرسال مشايخ ودعاة وكتب ومساعدات مالية ضخمة، ومنح دراسية لأولاد المسلمين.

أما الجمعيات الإسلامية فقد تكون منها الكثير، بل إنه قد يوجد فى بعض المدن أكثر من جمعية.

2 - تحليل الوضع الحالى:

التعليم: حالة التعليم الدينى واللغة العربية لا تبعث على التفاؤل وليس هذا عن تقصير من ناحية الطائفة، ولكن الظروف كلها غير ملائمة لتحقيق الهدف، فباستثناء المدرسة الأولى فى "فيلا كارون " لا توجد مدارس بالمعنى الكامل لتعليم الدين واللغة العربية، وإنما هى فصول محدودة تقوم بهذا العمل بإمكانيات ضيقة، ثم إن هذه الفصول ليس الالتحاق بها سهلاًً على كل أبناء المسلمين بسبب البعد الشاسع وبسبب المواصلات الصعبة وخاصة على الأطفال، ومن هنا اقتصرت هذه الفصول على أولاد المسلمين الذين يسكنون قريبًا منها. وتكون النتيجة على العموم غير مرضية، فلو فرضنا أن فى "ساو باولو" عدة آلاف من الأطفال وأحصينا من يتردد منهم على فصول اللغة العربية والدين لوجدناهم لا يجاوزون بضع مئات.

فإذا أضفنا لذلك النقص فى عدد المدرسين المتخصصين، وعدم وجود الطرق الحديثة لتعليم اللغات من وسائل سمعية وبصرية، وعدم وجود الكتاب المشوق للأطفال أدركنا مقدار الصعوبات التى تواجه الجالية الإسلامية فى تعليم الأولاد، وأدركنا مدى الضياع الذى تتعرض له الأجيال الجديدة من ناحية الدين واللغة.

 الزواج: زواج الأبناء والبنات أصبح الآن مشكلة عويصة بالنسبة للأسرة المسلمة، فالآباء- حسب التقاليد الموروثة- يحبون أن يزوجوا أبناءهم من أسر مسلمة، وقد ظل الجيل الأول محافظاً على هذه الناحية فكانوا يذهبون إلى الوطن الأم للبحث عن زوجة مسلمة للابن أو زوج مسلم للبنت، أما الآن فقد تغير الوضع وأصبح الجيل الجديد الناشئ فى أرض البرازيل أقرب إلى العقلية البرازيلية منه إلى العقلية المسلمة، بمعنى أن الشاب يريد أن يختار زوجته، لا أن أبويه يقومان له بهذا العمل، وكثيرا ما يختار زوجته من فتيات الوطن الجديد. والمشكلة الكبرى هنا هى عندما تتزوج الفتاة المسلمة من شاب غير مسلم.

 وسائل الإعلام: للأسف لا يوجد للطائفة الإسلامية إلى الآن أى نوع من الإعلام، فليس لنا جريدة تنقل أخبار الطائفة وتوثق الصلات بين أفرادها المنبثين فى طول البلاد وعرضها، وبذلك فلا يعلم المسلم ما يحدث بين أبناء دينه من ميلاد أو زواج أو موت أو قدوم أو سفر، كما لا يعلم المسلم ماذا يجرى فى بلاده إلا ما يقرؤه من أخبار عن وكالات الأنباء وكثيرا ما تصل محرفة.

ليس لنا مجلة تنشر المقالات عن الإسلام وعظمته، وترد على الافتراءات التى ينشرها المغرضون، وترفع صوت المسلمين بين طبقات الشعب البرازيلى، فأكثر البرازيليين لا يعلم شيئا عن الإسلام إلا ما يصله من مصادر مضللة وما يسمعه من أخبار مشوهة.

ليس لنا إذاعة مسموعة ترشد الأم فى بيتها والفتاة فى خدرها والأب فى متجره، إن الجميع فى حاجة إلى هداية وإرشاد، والراديو اليوم من أنجع الوسائل فى توصيل المعلومات.

ليس لنا إذاعة مرئية توضح العبادات وتشرح العقيدة وتوصل إلى الأطفال ما عجزوا عن فهمه عن طريق القراءة، وتعرض على الشباب والشابات بالصورة الحية والطريقة المنتقاة هدى القرآن الذى يهدى للتى هى أقوم.

3- خطة عملية لحماية الاقلية:

نعتقد اعتقاداً جازماً بأن الوسائل الآتية يمكن أن تؤدى إلى حماية المبادئ السامية الأساسية للأقلية المسلمة دون أن يؤئر ذلك فى انسجامها مع مجتمع الأكثرية.

أ- ضرورة القيام بإحصاء شامل:

حيث أنه لا توجد دراسات منهجية و إحصائية عن الأقلية المسلمة فى أمريكا الجنوبية على العموم وفى البرازيل على الخصوص- وهذا مما يزيد صعوبة النظرة الشاملة للموضوع- فلا بد من القيام بإحصاء كامل لأفراد التجمعات الإسلامية المنبثين فى كل أنحاء البرازيل ؛ حتى يمكن دراسة كيانهم، وإعداد منهج لمعاونتهم وتقويتهم فى الوسط الذى يعيشون فيه، وهذه هى أول خطوة ضرورية بدونها لا ينتج أى عمل جدى. ومن خلال الإحصاء يمكن أن نعرف أمكنة تجمعاتهم على وجه الدقة ومقدار كثافتهم ويمكن بهذا أن نقرب البعيد ونوجه المعزول، كما يمكن أن نعرف من بين المتعلمين العناصر التى يمكن أن ينتفع بها مهنياً فى الوطن.

ب- بناء مدارس حسب توزيع السكان:

مع معرفة الشكل الكامل لهذه الأقلية (من هى، وأين يسكن أفرادها، وماذا يعملون، وما هى متطلباتهم، ونسبة توزيعهم فى الأماكن التى يسكنونها) يمكن أن نخصص لهم أماكن للتعليم لتزويدهم بما يحتاجون من التكوين الثقافى والدينى؛ بهذا لا يمكن أن توجد فئة مهملة مهما صغرت من محيط الأقلية. ولا بد أن يعد برنامج إجباري للتعليم والإرشاد منفذ عن طريق مسئولين متخصصين.

جـ- ا لدعــاة:

لابد أن ُتقام فى البلاد الإسلامية معاهد خاصة لتخريج الدعاة للبلاد الأجنبية، ولابد لهم من إتقان لغة البلاد التى يرسلون إليها ؛ ليتمكنوا من الحديث المباشر مع أبناء الطائفة التى يبعثون إليها. كما ينبغى أن ( يلموا) بدراسات الأديان المقارنة حتى يمكنهم- عن عمق- دحض الآراء الباطلة التى تظهر من وقت لآخر ضد الإسلام ومبادئه.

وطلبة هذه المعاهد يمكن أن يختاروا من بين شبان الأقلية المسلمة، ومع معرفتهم الكاملة بلغة وطنهم الثانى يمكن أن يتفرغوا للدراسات الدينية ويعودوا إلى طائفتهم للقيام بمهمة الدعوة الإسلامية.

   د- وسائل الإعـــلام:

يلزم أن تستخدم وسائل الإعلام لنشر الثقافة والدين، فمن المهم جداً أن يتخصص مكان فى وسائل الإعلام الموجودة، أو حتى تنشأ قنوات فضائية خاصه ؛ لنشر تقاليد الشعوب الإسلامية والإلمام بمراسم أعيادها وحفلاتها، ويمكن كذلك أن تنشأ برامج تربوية للتسلية؛ لجذب انتباه المجموعات الإسلامية إلى أهمية ثقافتها، أفلام خاصة عن كيفية الوضوء والصلاة وعن الحج ويمكن بالطرق الحديثة أن تضمن للجميع سهولة التعرف على قواعد الدين التى قد يصعب الإلمام بها عن طريق قراءة الكتب، وخاصة بالنسبة لمن ليس عندهم وقت للقراءة، كما ينبغى أن يكون للأقلية المسلمة صحف تنقل أخبارها، وتحقق وحدتها، وتترجم عواطفها وشعورها الدينى، ومجلات ونشرات لتفصيل أحكام الدين، وتوضيح مبادئ الإسلام، والرد على الأعداء الذين يتربصون بالإسلام ، ويشوهون جماله، ويحرفون منهاجه.

ولا بد أن يكون بجانب التعليم الأساسى توجيه دينى لكل أفراد الطائفة عقيدةً وسلوكاً، ولا شك أن هذا التوجيه الدينى سيربط بين أفراد الطائفة، ويقوى وحدتهم، ويجعلهم يحتلون فى المجموعة الكبيرة مكانا أكثر امتيازاً وأرفع درجة.

 هـ- الكتب والمكتبات:

من الضرورى أن نضمن للأجيال التى فقدت الاتصال بالعالم الإسلامى الكتب التى تحوى مبادئ الإسلام من عقائد وعبادات ومعاملات، وأن تنشأ مكتبات مزودة بكل ما يحتاج إليه أفراد الطائفة من كتب دينية متخصصة، وأن يلحق بهذه المكتبات قاعات لإلقاء المحاضرات وعقد الندوات لا للرجال فقط ولكن للسيدات اللواتى يعشن فى عزلة عن تعاليم الدين، وللشبان الذين انقطعت صلتهم بثقافة إسلامهم، ولا ننسى أن هذه الوسائل ستعود بالنفع- عن طريق غير مباشر- على الشعب البرازيلى الذى سيعرف بصورة حقيقية الحضارة الإسلامية ومكانة الأقلية التى يتعايش معها.

و- الترجمات الإسلامية:

مجالات الترجمة محدودة جداً، وفى حاجة ماسة إلى العناية، ففى السنوات الأخيرة ترجمت بعض الكتب المتعلقة بأركان الإسلام من صلاة وصيام وحج، قام بها مركز الدعوة الإسلامية فى ساو باولو. أما الكتب التى تتكلم عن الإسلام وعصوره الزاهرة فلم يترجم منها شىء، مع أن الوسط البرازيلى وخاصة الوسط الجامعى فى أشد الحاجة لمعرفة تاريخ الإسلام وحضارته، ولو عرفنا أن فى البرازيل ما يقرب من مائة وثلاث وخمسين جامعة، وأن هذه الجامعات كلها- باستثناء جامعة ساو بولو- ليس فيها دراسات عربية ولا إسلامية، أمكننا أن نتصور ضخامة الآلاف المؤلفة من الجامعيين البرازيليين الذين ليس عندهم فرصة للتعرف على الثقافة الإسلامية.

وهنا ينبغى ألا ننسى موضوعا فى غاية الأهمية، وهو ترجمة معانى القرآن الكريم إلى اللغة البرتغالية.

لقد تبين أنه يوجد فى البرازيل والبرتغال مع مستعمراتها القديمة ثمان تراجم لمعانى القرآن الكريم، قام بها مترجمون معظمهم أجانب، ومن كان منهم عربيا كان ينقصه الإلمام بالثقافة الإسلامية، وبفحص هذه التراجم لاحظنا أن فيها كثيراً من التحريف والحذف وعدم الدقة فى فهم النص، ونظراً إلى أنه ليس هناك رقابة علمية، فإن هذه التراجم هى التى توجد فى متناول أبناء المسلمين وغيرالمسلمين.

وعلاوة على التحريف وعدم الدقة يوجد فى بعض هذه الترجمات شىء من الدس والتشكيك، ويكفى أن نعطى فكرة موجزة عن بعض هذه المغالطات:

1- أحد المترجمين- وهو من موزمبيق- عند ترجمة الآية رقم 83 من سورة المائدة)    لتــجــدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذ ين أشركوا( يترجمها هكذا: لتجدن أشد الناس نزاهة للذين آمنوا اليهود إلخ..

2- مترجم آخر من البرتغال يدس سمومه فى التعليق على بعض السور، فعند الكلام     على سورة "آل عمران " يقول: "إن أسلوبها ردىء،" وعند الكلام على سوة "المائدة" يقول: "إن هذه السورة تنقصها الوحدة الأساسية".

والأدهى من ذلك كله أنه يشكك فى المعلومات القرآنية، فمثلا عندما يتكلم عن النبى "هود" يقول: "إن هذا النبى لم يأت ذكره فى التوارة، وعلى ذلك فوجوده غير مؤكد"، ثم يقول فى التعليق على الآية رقم 65 فى سورة الأعراف )وإلى عاد أخاهم هودا(: يقول ما نصه: " والواقع أن قوم" عاد" تكرر ذكرهم فى القرآن، وأنهم كانوا موجودين بعد قوم "نوح "، وعندما جاء الإسلام قال عنهم: إنهم أهلكوا لعدم تصديقهم بنبوة "هود". والمرجح أن قوم "عاد" مشكوك فى وجودهم، ولا يعرف فى أى مكان سكنوا، وإن كان بعض المؤرخين يقولون: إنهم سكنوا الجنوب".

ثم يدس سمومه فيقول: " وأشد تعقيدا من هذا هو وجود النبى"هود" حيث إن اسمه يأتى فى القرآن ويراد به اليهود بصيغة الجمع، كما فى الآية رقم 111 من سورة البقرة ) وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى( وكذلك فى الآية رقم 135 )وقالوا كونوا هودا أونصارى تهتدوا(. وفى الآية رقم 140)أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل إسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى(

ز- توثيق الإتصال بالعالم الإسلامى:

حتى نضمن حماية الجيل الجديد من الذوبان، لابد أن نوثق الصلة بينه وبين العالم الإسلامى، ويكون ذلك بزيادة البعثات العلمية للتلاميذ للدراسة فى المدارس والجامعات الإسلامية. هذا بالنسبة لمن هم فى مرحلة التعليم، أما بالنسبة للكبار فلا بأس من تكوين زيارات دورية منتظمة إلى البلاد الإسلامية، ويا حبذا لو عقدت الحكومات الإسلامية اتفاقات ثقافية مع البرازيل تنص على إنشاء كراس للدراسات الإسلامية فى الجامعات البرازيلية. وغالب ظننا أن البرازيل سوف ترحب بهذه الفكرة، وتؤيد هذه المبادرة.

خاتمة:

هذه صورة موجزة للأقلية المسلمة فى البرازيل. ومن الجائز أن تتكرر هذه الصورة بشكل أو بآخر فى أقليات إسلامية أخرى.

ونعود فنقول: إن واجب العالم الإسلامى أن يوجه العناية إلى هذه الاقليات، فيدرس مشاكلها التى تتلاحق، واحتياجاتها التى تتجدد، ويمد لها يد العون ؛ حتى يمكن أن تتخذ منها ركيزة إسلامية، ترفع علم الإسلام فى سماء المجتمعات غيرالمسلمة، وتنبه أفراد هذه المجتمعات إلى أن الإسلام امتداد لأديان إبراهيم وموسى وعيسى، وأنه يقوم على العدالة والإنصاف، ويحرر الناس من العبودية والذل، ويعلن المساواة بين البشرأجمعين، وأنه أولاً وقبل كل شىء يعنى السلام، والسلام نقيض الحرب، ونقيض العدوان، ونقيض الإرهاب.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع