الأقليــات غيـر المسلمـة
فـى العـالـم
الإسـلامى
الأستـاذ الدكتـور/ محمـد عمـارة
المفكـر الإسـلامى
مصــر
لأنى قد تناولت هذا الموضوع
فى عدد من الكتب والدراسات (1).. ومراعاة للمقام، الذى يقتضى وتكفى فيه المبادئ والخلاصات.. وحتى لا تكون هذه الصفحات تكرارا، أو إسهاما يخرجان بها عن المقاصد المبتغاة، سيكون التركيز على تناول
ومعالجة المحاور الآتية:
1- مصطلحات المبحث.. وإطاره..
2-
الموقف الإسلامى.. دينيا.. وتاريخيا..
من الأقليات.
3-
الواقع المعاصر للأقليات.. والتحديات المحيطة بها..
4-
نظرة إلى المستقبل..
1- مصطلحات المبحث.. وإطاره:
مصطلح "الأقلية" فى استخداماتنا الثقافية والاجتماعية الحديثة والمعاصرة، مصطلح وافد من المفاهيم الغربية التى وفدت إلى
واقعنا الثقافى والاجتماعى منذ الاحتكاك بين حضارتنا الإسلامية والحضارة الغربية
فى العصر الحديث، لذلك فهو مصطلح محمل بالمعانى والظلال "العنصرية- الإثنية- والعرقية" التى ارتبط
بها فى الثقافة الغربية، عندما استخدم للتعبير عن
"الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم، أو يعتبرهم الآخرون مشتركين فى بعض السمات
والخصائص التى تميزهم عن التجمعات الأخرى فى مجتمع يستطيعون فى إطاره تطوير سلوكهم
الثقافى الخاص " (2).
فالأقلية
"الإثنية" بهذا المفهوم الغربى ليست مجرد أقلية عددية، ولا هى بالأقلية
السياسية، وإنما هى أقلية لها "هوية ثقافية" مختلفة عن الهوية الثقافية
لأغلبية المجتمع الذى تعيش فيه، هويتها الثقافية هذه عادة ما تتطور فى اتجاه متميز أو مختلف عن الهوية الغالبة على أغلبية المجتمع الذى تعيش فيه.. ولذلك، ولهذا السبب، نفهم رفض أقباط مصر- وهم أقلية عددية- ورفضنا معهم، إطلاق مصطلح "الأقلية"
بهذا المفهوم الغربى عليهم.. فهويتهم الثقافية والقومية والحضارية- بل وحتى الأصول
العرقية- هى ذاتها هوية الأغلبية المسلمة أو أصولها.. ومن هنا كان الصدق وكانت
الإجابة لقول "الأنبا موسى" أسقف الشباب بالكنيسة الأرثوذكسية المصرية:
"نحن كأقباط لا نشعر أننا أقلية؛ لأنه ليس بيننا
وبين إخواننا المسلمين فرق عرقى
"إثتى" لأننا مصريون، يجرى
فينا دم واحد من أيام الفراعنة.. ومن جهة الهوية العربية فنحن
نحيا العربية لأنها هويتنا الثقافية.. والثقافة الإسلامية هى السائدة الآن.. وأى
قبطى يحمل فى الكثير من حديثه تعبيرات إسلامية، يتحدث بها ببساطة ودون شعور بأنها
دخيلة عليه بل هى جزء من مكوناته.. نحن أقلية عددية فقط، وهذا لا يجعلنا نشعر أن
هناك شرخا بيننا وبين إخواننا المسلمين، كما
أننا لا نشعر بشعور الأقلية البغيض الذى يعانى منه غيرنا.."(3).
هذا عن المفهوم
الوافد لمصطلح "الاقلية"..
ومن الأمور الهامة، والجديرة
بالملاحظة والاعتبار أن تراثتا الإسلامى،
الدينى منه والحضارى والتاريخى، وكذلك اللغوى، لم يعرف
استخدام مصطلح "الأقلية" بهذا المفهوم الوافد، وإنما عرفه فقط بمعناه اللغوى أى الأقلية العددية، فى مقابل الأكثرية العددية، دونما أى مفاضلة أو تمييز بسبب هذه الكثرة أو
القلة فى الأعداد.. بل لقد كثر الحديث فى القرآن الكريم عن ارتباط الكثرة بقلة
العلم وبقلة الإيمان (ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم
وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون)(1) (ولكن أكثر الناس
لا يؤمنون)(2) (ولكن أكثر الناس لا يشكرون)(3) (وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله)(4) (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)(5) ( لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون)(6) (منهم المؤمنون
وأكثرهم الفاسقون)(7) (يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون)(8) (ولكن أكثرهم
يجهلون)(9).
فلم تكن الكثرة
ميزة دائما، بل لقد ارتبط مصطلحها فى الكثير من الاستخدامات
بالصفات السلبية.. وعلى العكس من ذلك ارتبط مصطلح القلة والأقلية- غالبا فى
التعبيرات القرآنية بالصفات الإيجابية (وقليل من عبادى
الشكور)(10) (إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وقليل ما هم)(11) (كم من فئة
قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)(12) (وما آمن معه إلا قليل)(13).
فالأكثرية
والأقلية يستخدمان بمعنى الكثرة العددية والقلة العددية، فقط لا غير، دونما أية
ظلال مفهومية لصيقة بالكثرة أو القلة، وإنما العبرة
بالمعايير التى تجتمع عليها وتؤمن بها وتنتمى إليها الاكثريات والأقليات.. فالمدح والذم، والإيجاب والسلب، والقبول والرفض إنما هو للمعايير والمكونات والهويات
والمواقف، ولا أثر فى ذلك للكثرة أو القلة فى الأعداد.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة رأينا الإسلام، وتراثه الفكرى والحضارى ؛ قد تميز
عن الأنساق
الفكرية والحضارية التى مايزت بين الأعراق والأجناس، وأقامت علاقات "النفى للآخر". الدينى واللغوى (القومى).. فلقد
نظر الإسلام، أولا وبالدرجة الأولى إلى "الجوامع " الجامعة وذلك دون أن
يهمل"التمايزات" "المميزة"، وإنما سلك التمايزات
والاختلافات فى إطار الجوامع الموحدة، على نحو من الوسطية الجامعة، التى لا تجور
على "الجوامع " فتؤدى إلى التشرذم "والتشظى.. والتفرقة"، ولا
تجور على "التمايزات والاختلافات " فتفضى إلى "قهر هذه التمايزات
" ونفى الاختلافات. فالإنسانية كلها قد خلقها الله- سبحانه وتعالى- من نفس
واحدة، ثم شاء لها التنوع والاختلاف.. إلى ذكران وإناث،
وشعوب وقبائل، وألسنة ولغات وقوميات، وألوان وأجناس، وملل ونحل وشرائع وأديان،
ومناهج وثقافات وحضارات، وأعراف وتقاليد وعادات. وفى إطار "جامع الإنسانية
الواحدة).
ونفس المنهاج، قد حكم الرؤية
الإسلامية فى النظر إلى "الأمة.. ورعية الدولة" فجامع الأمة هو الرابط
الذى يظلل التنوع والاختلاف فى العقائد والشرائع الدينية، وفى الشعوب والقبائل،
وفى الألسنة واللغات والقوميات، وفى الطبقات الاجتماعية، وفى الأقاليم والأوطان،
وفى العادات والتقاليد والأعراف، أى
الثقافات الفرعية. كل هذا التنوع- الذى هو سنة من سنن الله التى لا تبديل لها ولا تحويل- يعيش ويزدهر فى ظلال جوامع الأمة
الواحدة، والحضارة الواحدة وفى إطار "دار السلام " (يا أيها الناس اتقوا
ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة
وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء )(14).
(لكل
جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة )(15) (أى ملة واحدة) (ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)(16) (ومن آياته خلق
السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذلك لآيات للعالمين)(17).
فكل هذه الأنواع من
التمايزات هى القاعدة، والإعمال لسنة الله- سبحانه وتعالى- فى كل عوالم الخلق، ومن
ثم فلا شبهة لوجود أية ظلال سلبية تنشأ بسبب أى تنوع أو اختلاف من هذه التمايزات،
وبصرف النظر عن الأعداد التى ترتبط بأى لون من ألوان هذه الاختلافات، فهذه
التمايزات إما أنها مؤسسة على صفات لصيقة، هى من صنع الله، أو على خيارات إنسانية،
التعددية فيها سنة من سنن الله.
هذا عن المفهوم الإسلامى
لمصطلحات هذا المبحث- الأقليات والأكثريات- وهو مفهوم
لا علاقة له بالظلال التى ارتبطت بهذه المصطلحات فى السياق الحضارى الغربى، تلك التى ميزت بين الأغلبيات وبين الإثنيات العرقية
والألوان والديانات فى المجتمعات الغربية.
أما إطار هذه
الدراسة فهو: الأقليات غير المسلمة- النصرانية واليهودية والأرواحية }
الوثنية {
فى العالم الإسلامى، مع التركيز على مصر والوطن العربى كنموذج تطبيقى للمنهاج الإسلامى فى النظر لهذا الموضوع.
2- الموقف
الإسلامى من الأقليات:
لقد مثل الإسلام
منذ ظهوره (ثورة إصلاحية وإصلاحا ثورياً) على المفاهيم السائدة التى حكمت علاقات الشعوب والأجناس والأديان فى ذلك
التاريخ..
- فالرومان: كانوا
يحتكرون (السيادة والشرف) للجنس الرومانى !، ويرون فى كل الآخرين
والأغيار "برابرة" لا يستحقون حتى أن يطبق عليهم القانون الرومانى، ولا
حق لهم فى التدين بغير دين السادة الرومان، وثنياً كان هذا الدين
أو نصرانيا ملكانيا، ولقد صبوا جام اضطهادهم فى حقبة الوثنية على اليهود
وعلى النصارى، وفى حقبة تنصرهم الملكانى، على النصرانية الشرقية اليعقوبية- فى مصر
والشام.
- واليهودية التلمودية: قد تحولت إلى (إثنية - عنصرية) بل و (وثنية) جعلت الله-
سبحانه وتعالى- إله بنى إسرائيل وحدهم، وللشعوب الأخرى آلهتها، وذلك بدلا من
الإيمان بأنه سبحانه وتعالى هو إله
العالمين. ولقد صبوا جام اضطهادهم على المسيح عيسى بن مريم- عليه السلام- وعلى
حوارييه والذين آمنوا به واتبعوه.
- والنصرانية: هى الأخرى- بادلت الآخرين إنكارا
بإنكار، واضطهادا باضطهاد، فبمجرد
أن أفاقت- مصر مثلا- من الاضطهاد الوثنى الرومانى، وفور
تدين الدولة الرومانية بالنصرانية، على عهد الإمبراطور "قسطنطين " (337:274م) صبت هذه النصرانية جام اضطهادها على الوثنية المصرية، فدمرت معابدها، وأحرقت مكتباتها، وسحلت وقتلت ومزقت وأحرقت
فلاسفتها، وسجل التاريخ كيف قاد بطريرك
الكنيسة المصرية (تيوفيلوس)(385- 412م) (حملة اضطهاد عنيفة ضد الوثنيين، واتجه للقضاء على مدرسة الإسكندرية،
وتدمير مكتبتها وإشعال النار فيها، وطالت هذه الإبادة مكتبات المعابد، وتم السحل
والتمزيق والحرق لفيلسوفة الأفلاطونية الحديثة وعالمة الفلك والرياضيات (إناتية)(370- 415م) وذلك فضلا عن
تحطيم التماثيل، والعبث بالآثار)(4).
ثم عادت النصرانية اليعقوبية إلى موقع الضحية
والمضطهدة من النصرانية الملكانية الرومانية، بعد الاختلافات حول طبيعة المسيح
عليه السلام.
ولقد سجل القرآن الكريم هذه
المواقف الرافضة لقبول الآخر، والتعايش معه، والتسامح مع تمايزاته واختلافاته،
عندما قال: (وقالت اليهود ليست النصارى
على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء)(18) (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل)(19).
جاء الإسلام، وهذا هو موقف
الحكام من المحكومين، وموقف الأغلبيات من الأقليات، وموقف كل صاحب دين وهوية من
الأغيار والآخرين. فمثل وأحدث- منذ ظهوره، ومنذ إقامة دولته وأمته وحضارته- (ثورة إصلاحية وإصلاحا ثوريا) فى هذه النظرات
والعلاقات، جاء الإسلام فسلك الاختلافات فى إطار الوحدة، وجعل التنوع هو السنة
والقاعدة والقانون، ووضع لبنات فى البناء الجامع، وقرر أن (الآخر) هو جزء من
(الذات)، وذلك لأول مرة فى تاريخ الشرائع والأمم والدول والحضارات.
-
فالله سبحانه وتعالى هو (رب العالمين)(20) وليس رب شعب دون
غيره من الشعوب.
- وكل الشرائع الدينية التى
توالت على امتداد علاقة السماء بالأرض هى تنوع فى إطار الدين الإلهى الواحد (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى
أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)(21) ، (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً)(22).
-
والإيمان الإسلامى شامل للإيمان بأصول الدين الإلهى الواحد، وبكل الرسل والأنبياء
(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله )(23). فجميع هؤلاء الرسل والأنبياء إنما يمثلون تنوع الشرائع الإلهية فى إطار
الدين الإلهى الواحد "الأئبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد".
رواه البخارى ومسلم وأبو داود.
-
والقرآن الكريم مصدق لما بين يديه من الكتب والصحف والألواح التى نزل بها وحى
السماء على سائر الرسل والأنبياء (وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه )(24).
-
ورغم التحريف الذى أصاب بعض هذه الكتب السابقة والنسيان الذى أصاب بعضها، ذهب
القرآن- فى الدقة والإنصاف- إلى تقرير أن هذا التحريف والنسيان لم يكونا عامين،
ففى هذه الكتب- وخاصة التوراة
والإنجيل- هدى ونور، ومطلوب من أهلها تحكيمها، والحكم بما صح فيها (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله)(25) ، (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه)(26).
-
وحتى فى الشرائع المتمايزة بتمايز الأمم والرسالات والحقب التاريخية، لم يعمم
الإسلام النسخ على جميع هذه الشرائع السابقة، وإنما قرر (أن الشريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم تنسخ) بتطور الواقع
الذى تجاوزها.
-
وكما لم يعمم الإسلام أحكام التحريف على كل الكتب، ولا أحكام النسخ على جميع أحكام
تلك الشرائع، لم يعمم الأحكام على سائر أهل هذه الكتب والشرائع، وإنما ميز بين الصادقين فى تدينهم بها وبين غير الصادقين، فهم (ليسوا سواء)(27).
-
نعم.. جاء الإسلام فأحدث هذه (الثورة الإصلاحية، والإصلاح الثورى) فى العلاقة
بالآخرين، وبلغ فى العمق والسمو
الحد الذى سلك فيه (الآخر) فى جامع (الذات)، وذلك عندما سلكت أمم الشرائع الأخرى
فى (ذات الدين الإلهى الواحد).
-
ولأن الإسلام دين ودولة، وشريعة ومجتمع، ودنيا وآخرة، وفرد وأسرة وجماعة وأمة،
وأغلب فرائضه وتكاليفه الاجتماعية لا تتحقق إلا فى إطار وطن ودولة ونظام واجتماع،
وحتى تكاليفه الفردية يزداد ثوابها، وتتعاظم تأثيراتها الاجتماعية عندما تؤدى فى
جماعة؛ فرهبانيته جهاد اجتماعى ،
وليست عزلة تدير الظهر للدنيا فى شعب من الشعاب، أو مغارة من المغارات؛ لأن للإسلام هذا التميز الذى تفردت به شريعته بين شرائع السماء، فإن مبادئ
"الإصلاح الثورى" التى جاء بها فى العلاقة (بالآخر)- لم تقف عند حدود }الوصايا- والفلسفات- والفكر النظرى {
وإنما وضعتها مواد فى دستور دولته الأولى- دولة النبوة والخلافة الراشدة- وصياغات
دستورية فى المواثيق والمعاهدات والعهود التى عقدتها الدولة الإسلامية مع
"الآخرين " الذين قامت بينهم وبين دولة الإسلام علاقات ومصالح
وارتباطات، ثم تجسد كل ذلك فى الواقع والحضارة
والتاريخ.
- ففى دستور دولة المدينة }الصحيفة- الكتاب{
الذى وضعه رسول الله r عند قيام هذه الدولة عقب الهجرة؛ لينظم الحقوق والواجبات بين مكونات الأمة فى الوطن ؛ نص هذا الدستور على أن القطاعات العربية المتهودة من قبائل المدينة، ومن
لحق بهم وعاهدوه، قد أصبحوا جزءا أصيلاً فى الأمة والرعية المتحدة لهذه الدولة الإسلامية، فنص هذا الدستور على أن:
"اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، ومن تبعنا من يهود فإن لهم النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن بطانة يهود
ومواليهم كأنفسهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، على اليهود
نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من
حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر المحصن من أهل هذه الصحيفة، دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه"(5).
-
وهكذا تجسد التحام (الآخر اليهودى) فى الأمة الواحدة والرعية المتحدة للدولة فى ظل
المرجعية الإسلامية، ومن خلال سعتها التى نص عليها هذا الدستور عندما قال:
".. وإنه ما كان من أهل هذه
الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله والى محمد رسول الله "(6).
-
كذلك تجسد هذا الالتحام "بالآخر" وتحققت هذه المساواة وإياه فى العلاقة
التى أدخلت النصارى- نصارى "نجران " وكل المتدينين بالنصرانية- فى صلب
الأمة الواحدة، وفى رعية الدولة المتحدة، فنص ميثاق العهد الذى كتبه رسول الله r، لنصارى "نجران " على
مجموعة من المبادئ الدستورية؛ التى وضعت مبادئ
وفلسفات علاقة الإسلام بالآخر فى الممارسة والتطبيق، فجاء فى هذا الميثاق:
".. ولنجران وحاشيتها، ولأهل ملتها،
ولجميع من ينتحل دعوة النصرانية جوار الله وذمة محمد
رسول الله على أموالهم وأنفسهم، وملتهم، وغائبهم
وشاهدهم، وعشيرتهم وتبعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير.. أن أحمى جانبهم،
وأذب عنهم وعن كنائسهم وبيعهم
وبيوت صلواتهم، ومواضع الرهبان، ومواطن
السماح، حيث كانوا من بر أو بحر شرقاً و غرباً، ولما أحفظ به نفسى وخاصتى
وأهل الإسلام ملتى".
-
ولم يقف هذا الميثاق فقط، عند ضمان حرية الاختلاف فى المعتقد الدينى، وحرية إقامة
هذا المعتقد المخالف للإسلام، وإنما نص على احترام "الوجود المؤسسى" لهذا التنوع والاختلاف.. " فلا يغير أسقف من
أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته.. ".
-
ولأن "الجزية".. هى "بدل جندية" لا تؤخذ إلا من القادرين مالياً، الذين يستطيعون حمل السلاح وأداء ضريبة
القتال دفاعاً عن الوطن، وليست "بدلاً من الإيمان بالإسلام "، وإلا لفرضت على الرهبان ورجال الدين، وبدليل
أن الذين اختاروا أداء ضريبة الجندية فى صفوف المسلمين ضد الفرس والروم، وهم على
دياناتهم غير الإسلامية فى "الشام، والعراق، ومصر" لم تفرض عليهم الجزية، وإنما اقتسموا مع المسلمين الغنائم على قدم
المساواة، لأن هذا هو موقع "الجزية" فى علاقة الدولة الإسلامية
بالآخرين، جاء فى ميثاق نصارى"نجران":
"ولا يحشرون r لا يكلفون التعبئة العامة
للقتال t،
ولا يكلف أحد من أهل الذمة منهم الخروج مع المسلمين إلى عدوهم ، لملاقاة الحروب ومكاشفة الأقران ، فإنه ليس على
أهل الذمة مباشرة القتال، وإنما أعطوا الذمة على أن لا يكلفوا ذلك، وأن يكون
المسلمون ذبابا عنهم وجوارا دونهم، ولا يكرهوا على تجهيز أحد من المسلمين إلى الحرب الذى يلقون فيه عدوهم، بقوة سلاح أو خيل، إلا أن
يتبرعوا من تلقاء أنفسهم، فيكون من فعل ذلك منهم وتبرع به حمد عليه، وغرف له، وكوفئ به".
-
كما نص هذا الميثاق على أن العدل فى القضاء والمساواة فى تحمل الأعباء المالية إنما هو فريضة إلهية شاملة لكل الأمة، على اختلاف
معتقداتها الدينية "فلا خراج ولا جزية إلا على من يكون فى يده ميراث من ميراث
الأرض ؛ ممن يجب عليه فيه للسلطان
حق، فيؤدى ذلك على ما يؤديه مثله لا يجار عليه، ولا يحمل منه إلا قدر طاقته وقوته على
عمل الأرض وعمارتها وإقبال ثمرتها، ولا
يكلف شططا ولا يتجاوز به حد أصحاب
الخراج من نظرائه، ولا يدخل من بنائهم فى شىء من أبنية المساجد، ولا منازل
المسلمين، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا
مظلومين".
-
أما الحرية الدينية، والحق فى المغايرة للإسلام، فلقد قدسها هذا الإسلام عندما نفى
وجود الدين والتدين مع وجود الإكراه (لا إكراه فى الدين)(28).. ولذلك نص هذا
الميثاق على أنه: " لا يجبر أحد ممن كان على ملة النصرانية كرهاً على الإسلام، ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن، فيخفض لهم جناح الرحمة، ويكف عنهم أذى
المكروه حيث كانوا وأين كانوا من البلاد"، وإمعانا من الإسلام فى توفير عوامل
التلاحم للأمة الواحدة، التى جعل الإسلام وحدتها فريضة نص عليها القرآن الكريم( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)(29).. فلقد حققت
التطبيقات الإسلامية فى الواقع الاجتماعى عدداً من الإنجازات التى سلكت الجميع فى الأمة الواحدة.. فالموالى الذين كانوا
أرقاء ثم حررهم الإسلام، دمجهم النظام الإسلامى فى قبائلهم التى كانوا أرقاء فيها،
ولحمهم فيها بلحمة "الولاء" الذى جعله
كالنسب سواء بسواء، يكسب هؤلاء الموالى شرف هذه القبائل وحسبها ونسبها، ونصت سنة
رسول اللهr
على أن "مولى القوم منهم" رواه البخارى- وعلى أن " الولاء لحمة
كلحمة النسب" رواه الدارمى وأبو داود،
حتى أصبح بلال الحبشى "سيدأً" يقول عنه عمر بن
الخطاب، وعن أبى بكر- الذى اشتراه وأعتقه: (سيدنا أعتق سيدنا).. وحتى لقد تمنى عمر أن يكون أحد الموالى "سالم مولى أبى حذيفة"
(12هـ،633 م) حيا ليجعله خليفة على
المسلمين!.
-
والقبائل والعشائر، التى اندمج فيها الموالى، قد تحولت إلى لبنات فى بناء الأمة
الواحدة.
-
كذلك سلكت التطبيقات الإسلامية باب المصاهرة والزواج بين المسلمين وبين الكتابيات
المحصنات ؛ لتحقيق أعلى درجات التلاحم
بين غير المسلمين وبين المسلمين فى بناء الأمة الواحدة.. فزواج المسلم من الكتابية
يدخل ذويها من غير المسلمين فى دائرة "أولى الأرحام
" عند المسلمين، وتلك قمة التلاحم والاندماج.. وعنها يقول الإمام محمد عبده(1265- 1323هـ، 1849- 1905م) "أباح الإسلام للمسلم أن يتزوج الكتابية- نصرانية أو يهودية- وجعل من
حقوق الزوجة الكتابية على زوجها المسلم أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها، والقيام
بفروض عبادتها، والذهاب إلى كنيستها أو بيعتها، وهى منه بمنزلة البعض من الكل،
وألزم له من الظل، وصاحبته فى العز والذل ،
والترحال، والحل، بهجة قلبه، وريحانة نفسه، وأميرة بيته، وأم بناته وبنيه،
تتصرف فيهم كما تتصرف فيه، ولم يفرق
الدين فى الحقوق الزوجية بين الزوجة المسلمة والزوجة الكتابية، ولم تخرج الزوجة
الكتابية- باختلافها فى العقيدة مع زوجها- من حكم قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق
لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها
وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون)(30). فلها حظها من المودة، ونصيبها من الرحمة، وهى كما هى. وهو يسكن إليها كما
تسكن إليه، وهو لباس لها كما أنها لباس له أين أنت من صلة المصاهرة التى تحدث بين
أقارب الزوج وأقارب الزوجة، وما يكون بين الفريقين من الموالاة والمناصرة على ما عهد
فى طبيعة البشر؟ وما أجلى ما يظهر من ذلك بين الأولاد وأخوالهم، وذوى القربى لوالدتهم،
يغيب عنك ما يستحكم من روابط الألفة بين المسلم وغير المسلم بأمثال هذا التسامح
الذى لم يعهد عنه فيمن سبق ؛ ولا فيمن لحق من
أهل الدينين السابقين عليه؟" (7).
-
لذلك وحتى يكون هذا الزواج سبيلا لهذا التلاحم، حرص عهد رسول الله r مع نصارى "نجران" على أن يتوفر لهذا الزواج عنصر الرضا والقبول، فالمرأة لابد فى زواجها من "ولى "
، وأولياء الكتابية كتابيون، فلابد أن يكون هذا الزواج عن محبة ورضا، وقبول
واختيار، وعن هذا المبدأ الإسلامى جاء فى هذا الميثاق: "ولا يحملوا من النكاح "الزواج" شططا لا يريدونه، ولا يكره أهل البنت على تزويج المسلمين، ولا يضاروا فى ذلك إن منعوا خاطبا وأبوا تزويجا ؛ لأن ذلك لا يكون إلا بطيبة قلوبهم، ومسامحة أهوائهم، إن أحبوا ورضوا به ".
-
ولأن هذا التلاحم، بواسطة المصاهرة، لا يتحقق إلا فى ظل الاعتراف الإسلامى"بالآخر الدينى"؛ وبحق هذا الآخر
فى المغايرة الدينية- وهو ما تميز به الإسلام عن
كل الآخرين، وبسببه جاز زواج المسلم من "الأخرى"؛ لأنه يعترف بدينها ومكلف باحترام عقيدتها وتدينها-
على عكس موقف الآخرين من الإسلام، ومن عقيدة المسلمة- لهذا التميز الإسلامى، كان
زواج المسلم من الكتابية باباً للتلاحم، ولإدخال غير
المسلمين فى دائرة "أولى الأرحام"، ولم يكن هذا الزواج سببا من أسباب
الشقاق الاجتماعى، فنص العهد مع
نصارى "نجران " على أنه "إذا صارت النصرانية عند المسلم "زوجة" فعليه أن يرضى بنصرانيتها، فمن خالف ذلك وأكرهها على
شىء من أمر دينها فقد خالف عهد الله،
وعصى ميثاق رسول الله، وهو عند الله من الكاذبين".
وإذا كانت تطبيقات الدولة
الإسلامية لهذه المبادئ الإسلامية، قد بلغت، وحققت قبل أربعة عشر قرنا الحد الذى يدهش له
الكثيرون فى عصرنا الحاضر .. من مثل تحرير جيش الفتح الإسلامى لمصر كنائس نصارى
مصر من الاحتلال والاغتصاب الرومانى، لا ليحولها إلى مساجد للمسلمين، وإنما ليردها
للنصارى اليعاقبة يتعبدون فيها.. فإن عهد رسول الله r مع نصارى (نجران) قد بلغ الذروة فى تعامل الدولة
الإسلامية مع دور العبادة هذه إلى الحد الذى نص فيه على أن مساعدة الدولة
الإسلامية لغير المسلمين فى بناء دور عبادتهم هو جزء من واجبات هذه الدولة.. فليست
الواجبات فقط هى السماح ببناء دور العبادة، وإنما هى أيضا الإعانة على بنائها، وأن
غير المسلمين هم جزء أصيل فى الأمة الواحدة، والرعية المتحدة لهذه الدولة، فإن
واجباتها حيال دور عبادتهم هى ذاتها الواجبات حيال مساجد المسلمين، فجاء فى هذا
الميثاق مع نصارى " نجران":
"... ولهم إن
احتاجوا فى مرمة بيعهم وصوامعهم، أو شىء من مصالح أمور دينهم إلى رفد
(مساعدة) من المسلمين وتقوية لهم على مرمتها، أن يرفدوا على ذلك ويعاونوا،
ولا يكون ذلك دينا عليهم، بل تقوية لهم على مصلحة دينهم، ووفاء بعهد رسول الله، وموهبة لهم، ومكرمة لله ورسوله عليهم ".
ثم يتوج هذا الميثاق بنود
هذه الحقوق بالنص على كامل المساواة بين المختلفين فى الدين ؛ والمتحدين فى الأمة الواحدة والملتحمين فى
الرغبة المتحدة للدولة الإسلامية بقول رسول الله r: "لأئى أعطيتهم عهد
الله أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وعلى المسلمين ما عليهم.. حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم" (8).
ولأن وحدة الأمة
لا تتحقق إلا بولاء كل أبنائها لها، وانتماء جميعهم لدولتها ولمقومات هويتها-
أمنها الوطنى والقومى والحضارى- اشترط هذا العهد على نصارى (نجران) أن يكون الولاء خالصا، والانتماء كاملاً لهذه الأمة الواحدة، ولهذه الدولة الإسلامية.. فالولاء- كل الولاء- لها
وحدها، والبراء- كل البراء - من جميع
أعدائها.. ولذلك جاء فى هذا الميثاق: "واشترط عليهم أمورا يجب عليهم فى دينهم التمسك بها والوفاء بما عاهدهم عليه منها: ألا يكون أحد منهم عينا
ولا رقيبا لأحد من أهل الحرب على أحد من المسلمين فى سره وعلانيته، ولا يأوى منازلهم عدو للمسلمين يريدون به أخذ الفرصة وانتهاز الوثبة، ولا ينزلوا أوطانهم ولا ضياعهم ولا فى شىء من مساكن عباداتهم ولا غيرهم من
أهل الملة، ولا يرفدوا- (يساعدوا)- أحذا من أهل الحرب على المسلمين بتقوية لهم
بسلاح ولا خيل ولا رجال ولا غيرهم، ولا يصانعوهم، وإن احتيج إلى إخفاء أحد من
المسلمين عندهم وعند منازلهم ومواطن عباداتهم ؛ أن يؤوهم
ويرفدوهم ويواسوهم فيما يعيشون به ما كانوا مجتمعين، وأن يكتموا عليهم، ولا يظهروا
العدو على عوراتهم، ولا يخلوا شيئا من الواجب عليهم"، ويزيد من سمو
هذا الإنجاز الإسلامى تعميم التطبيقات
الإسلامية لهذ