الحوارمع الغرب
الأستاذ
الدكتور/ محمد على الجوزو
مفتى
جبل لبنان
منذ بدء الدعوة
الإسلامية، والإسلام يقيم حوارا مع غير المسلمين، لأنه جاء يدعو الناس إلى الإيمان
بالله واليوم الآخر، ويهديهم إلى
الصراط المستقيم.
نشأت الدعوة فى بيئة مشركة تعبد الأصنام والأوثان، وكان الخطاب موجهاً إلى هؤلاء، ورغم المواجهة الشرسة من قبلهم، ورغم محاربتهم للنبىr واضطهادهم له وللقلة التى آمنت معه، فقد خاطبه المولى عز وجل بقوله: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن
الجاهلين).
ثم أثنى عليه وعلى سعة صدره،
وسماحة أخلاقه، وصبره على الناس، فقال جل وعلا: (فبما رحمة من
الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (1).
وكان r يحض أصحابه على الصبر، وتحمل
الأذى، واحتساب ما يواجهونه من اضطهاد فى سبيل الله ، إخلاصاً له.. وإيماناً به.
"صبراً آل ياسر، فإن موعدكم
الجنة".
تعالوا إلى كلمة سواء
وكان الحوار مفتوحا مع
النصارى واليهود، وكانت الدعوة
الصريحة المعلنة وهى الاتفاق على التخلص من كل مظاهر الشرك والتوجه إلى عبادة الله وحده..
(قل يا أهل الكتاب
تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد
إلا الله ولا نشرك
به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا
فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)(2) .
هذا
النداء حمل تعبيرا جميلا فيه تكريم المخاطب وهو(أهل الكتاب)
مما يعطى مثالا يحتذى به فيما يجب أن يكون عليه الخطاب الإسلامى مع
الآخر؛ فلا يستخدم تعبير يشعر المخاطب بأنه لا ينظر إليه نظرة احترام ومساواة (يا
أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء).
والكلمة
السواء هى التوحيد.
والتوحيد
تحرير لعقل الإنسان من التركيب والتعقيد، وتأليه البشر، أو الحجر،
أو
المادة.
لقد
أكد الإسلام على أن الرسول r بشر، وأنه جاء يدعو إلى
تنزيه الله من أن يكون بشرا أو حجرا أو صنما، ولما كانت الرسالات
السماوية الثلاث جاءت فى الأصل بدعوة التوحيد فإن الشرك
الذى طرأ على الرسالتين السابقتين إنما هو خطأ بشرى
وتصور بشرى ولا يمت بصلة إلى العقيدتين اللتين جاء بهما
موسى وعيسى، فكان الإسلام دعوة لتصحيح هاتين العقيدتين والعودة بهما إلى الفطرة وإلى التوحيد.
فالإسلام
يعترف بجميع الأنبياء والرسل ولا ينكر رسالة عيسى وموسى بل
يعترف بهما ويقر لهما بالأسبقية يقول الله
عز وجل: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق
ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد
منهم ونحن له مسلمون) (3).
ويقول
الله عز وجل: (يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على
الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح
منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد
سبحانه أن يكون له ولد له ما فى السماوات وما فى الأرض وكفى بالله وكيلا)(4) .
ثم
يبين المولى- عز وجل- فى كتابه العزيز أن الرسل جميعا
من البشر، وأنهم جاءوا بدعوة واحدة هى توحيد الله،
وعبادة الله وحده. فقد أكد أن الرسول r
بشر.. وهو بشر مثلنا.. وكل رسول بشر، يقول الله عز وجل: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه
واستغفروه وويل للمشركين)(5).
ومع ذلك فإن
الإسلام حض المسلمين على الحوار
الهادئ والجدل الرصين مع
أهل الكتاب، واستخدام الوسائل العقلية التى تتسم بالحكمة والاتزان والموضوعية، يقول
الله عز وجل: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم
بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )(6)
أسلوب الدعوة والحوار
إذا أردنا أن نتعرف إلى
الأسلوب الأمثل فى الدعوة إلى الله والحوار مع الآخر، فعلينا أن نتخذ من الرسول r القدوة الحسنة، والهدى
الصحيح، والنهج الأرقى؛ لأن الرسول r هو الداعية الأول الذى
علمنا كيف ندعو إلى الله.
يقول الله عز وجل:
(يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا
منيرا)(7).
هذا الداعية العظيم، وهذا
الرسول الكريم، سبق وقدمنا أن المولى عز
وجل وصفه وصفا رائعا عندما بين أن ما يمتاز به هذا النبى هو " لين الجانب" و "دماثة الخلق" وأنه كان بعيدا عن "الغلظه " و "التشدد" و "القسوة" و"الانغلاق "
و"الفظاظة". (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى
الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن
الله يحب المتوكلين)(8).
إنها رحمة الله التى أضفت على النبى
r هذه الصفات، وهذا ما هيأ للدعوة أسباب النجاح، والانتشار
السريع، والتفوق، والوصول إلى قلوب الملايين من البشر.
ومن هنا فإن الرسولr
دعا إلى دين الله بالحكمة
والموعظة الحسنة. (يؤتى الحكمة من
يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب)(9) .
والحكمة ضالة المؤمن.. ولا
بد للداعية أن يكون حكيما.. وأن يخاطب الناس خطابا يتسم
بالإقناع الفكرى، وبالموعظة الحسنة، تأسيا برسول الله r ، وتتفيذاً للأوامر الربانية، والمنهج القرآنى، فى
دعوة الناس إلى معرفة الإسلام، دون إكراه ولا غصب ولا استخدام للعنف والقوة. (لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن
بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم)(10).
هذه الدعوة العظيمة لم تصل
إلى قلوب المؤمنين بها- بالخشونة والرعونة والحماقة والتنفير والتكفير- بل وصلت
بالرحمة بالحب بالسماحة باللين بالأسلوب الحسن، ونريدها أن تصل أيضاً إلى عقول الناس بنفس الأسلوب، وخاصة أولئك الذين يعادون الإسلام عن جهل
به، وعن إعلام سىء يحاول تشويه صورته، وذلك عملا بقوله
تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا
منهم وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون )(11).
صفات الداعية
هذه الصفات التى ذكرناها آنفاً، والتى أخذناها عن رسول الله r، يجب أن يلتزم بها دعاة هذا العصر، إضافة إلى صفات
أخرى يجب أن يلتزم بها هؤلاء الدعاة، تتفق ومقتضيات هذا العصر.
أولها: إتقان اللغة الأجنبية التى يعمل الداعية فى مجتمعاتها
ويدعو أهلها
إلى معرفة الإسلام.
ثانيها: دراسة البيئة والعادات التى اشتهر بها القوم الذين نرغب فى
تعريفهم بالإسلام، ومعرفة طريقة التفكير التى يعتمدها
هؤلاء، وأسلوب التأثير بهم؛ لإقناعهم بوجهة النظر التى
نؤمن بها.
ثالثها: أن نستخدم الوسائل
العلمية الحديثة فى الأوساط العلمية، وأن يكون الداعية
ملماً إلى حد ما بالجوانب العلمية
التى تخدم الدعوة، خاصة ما يتفق مع المنهج القرآنى فى دراسة ملكوت السموات
والأرض ومعجزة خلق الإنسان.
رابعها: استخدام
الوسائل الحديثة فى الإيضاح والشرح، ومخاطبة الشعوب التى لا تدين بالإسلام بطريقة منهجية علمية ومحاولة إظهار
الجوانب الإيجابية التى يدعو إليها الإسلام.
خامسها: إبراز الجوانب الإنسانية
العالمية فى الإسلام، والدعوة إلى وحدة الشعوب
والقبائل، والتعارف بينها، والتفاعل بين الحضارات الإنسانية.
سادسها: عرض القصص القرآنى، وسير الأمم السابقة والعظات والصور، التى يقدمها القرآن للبشرية للاستفادة منها فى الحاضر وفى المستقبل.
سابعها: الاطلاع بدقة على كتب اليهود والنصارى،
والموجودة بين أيديهما اليوم، ومعرفة ما طرأ عليها من تغيير وتبديل تاريخيا،
والمقارنة بينها وبين الإسلام فى كشف الحقائق الكونية،
ومعرفة الرسالات السماوية. مما يسعف الداعية فى طرح
أفكاره أمام الآخرين بأسلوب يقنع المستمع بقوة الحجة عند الداعية.
فهــم الآخــر
من الضرورى
بمكان أن نفهم الإنسان الذى نريد إجراء الحوار معه،
والاستماع إلى آرائه، ومعرفة وجهة نظره، وتركه يتحدث إلينا، ويفضى بمكنونات نفسه؛ لأن ذلك يساعد الداعية على دراسة أفكار هذا الإنسان، والرد عليها بالمنطق الذى يناسبه، لأن البلاغة كما يعرفها أربابها هى مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
ولما كانت حياة الشعوب وعاداتها وأساليب التفكير عندها، تختلف من بلد إلى بلد،
ومن مجتمع إلى مجتمع، فإن معرفة هذه الأمور، تساعد الداعية على فهم الآخر، وعدم
التصادم معه فى طريقة عرضه لأفكاره.
فالغرب على سبيل المثال ليس واحدا
فى طريقة تفكيره، بل يختلف كل شعب من شعوبه عن الشعب
الآخر، بل ربما اختلف جنوبه عن شماله وشرقه عن غربه، وكذلك بالنسبة للأمريكيتين
الشمالية والجنوبية.
ومن هنا فإن الداعية المسلم
أو الإنسان المسلم الذى يريد الذهاب إلى أى بلد، عليه أن يدرس أحوال
الشعب الذى يتوجه إليه، ويود أن يعيش معه.
وهناك إجراء يقوم به بعض
كبار الموظفين فى
الدولة يقتضى معرفة السيرة الذاتية لأى ضيف يريد أن يستقبله هؤلاء المسئولون الكبار، حتى يعرف الموظف كيف
يتعامل مع الضيف، فمن باب أولى ونحن نود أن نمارس دورا هاما كالدعوة إلى الله، أو التعريف بالإسلام فى بيئة ما، أن نفهم هذه
البيئة فهما جيدا، وأن نهيئ لها المنهج الذى يناسبها
قبل الدخول فى حوار معها ، فنحن نريد أن نتحاور مع أى شعب على طريقته هو،
وليس على طريقتنا التى اعتدنا عليها فيما بيننا. لأن
طباع الشعوب تختلف كثيرا، وعلينا أن نلحظ هذا الجانب فى
حوارنا مع الآخر.
أسس الحكـم فـى الإسـلام
ولا بد أن نبين لهذا الآخر
أسس الحكم فى الإسلام، وقيام هذا الحكم على الشورى
والعدل وأداء الأمانات فى تحقيق الإنصاف والمساواة بين
الناس، والحفاظ على الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل.
أما فى
الشورى، فإن الإسلام قد سبق فى تطبيق مبادئ التشاور
وتبادل الرأى والأخذ بما يحقق مصلحة الجماعة المسلمة،
يقول المولى عز وجل: (فبما رحمة من الله
لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى
الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن
الله يحب المتوكلين)(12) ، ويقول جل من
قائل: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)(13)
وكان الرسول r يعلم أصحابه كيف يكون التطبيق العملى فى مجال الشورى، فلجأ إليها فى السلم وفى الحرب، والتزم بها،
وكانت منهاجا له ولخلفائه من بعده.
أما العدل، فإن الله عز وجل أمر المسلمين بتحقيق مبدأ العدل، واعتبره
أمانة فى
رقاب المسؤولين فى الحكم،
قال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا) (14).
ويقول الرسول
r: "لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه
من القوى غير متعتع " (1).
وعن أبى هريرة y قال: قال رسول الله r:
"يا أبا هريرة، عدل ساعة أفضل من
عبادة ستين سنة، قيام ليلها وصيام نهارها، ويا أبا هريرة، جور ساعة فى
حكم أشد وأعظم عند الله- عز وجل- من معاصى ستين سنة "(2).
التحذير من الظلم
وقد شدد الإسلام على الظلمة والمستبدين، وأنذرهم بأشد العواقب، وها هو
ذا يعطينا مثلاً عن رمز من رموز الاستبداد والظلم وهو فرعون...
يقول الله عز وجل: (هل آتاك حديث
موسى (15) إذ. ناداه ربه بالواد المقدس
طوى (16) اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك
فتخشى (19) فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر
فنادى (23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن فى
ذلك لعبرة لمن يخشى)(15).
ويقول الرسول r: "إن الله يملى للظالم
فإذا أخذه لم يفلته " ثم تلا قوله تعالى:(وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد)(16).
ويقول عليه الصلاة
والسلام: "من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام ".
المحافظة على الضروريات
الخمس
فقد جاء فى
كتاب "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبى" ما
نصه: "أما حفظ الدين وتصحيح الإيمان وتثبيته فى
القرآن المكى، فمسألته أشهر وأوضح من أن تحتاج إلى دليل
أو مثال، حتى لقد شاع- خطأ- أن القرآن المكى لا يحتوى
إلا على هذا، وهى الفكرة التى يصححها الإمام الشاطبى من خلال بيان ما اشتمل عليه القرآن المكى من قواعد وكليات تشريعية من قبيل ما يلى:
حفظ النفس، فقد نص عليه فى كثير من الآيات المكية كقوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق)(17) وقوله: (وإذا
الموءودة سئلت (8) بأى
ذنب قتلت) (9) (18).
وحفظ النفس يتضمن حفظ العقل.
وأما "تكميل " حفظ العقل، فقد جاء فى المدينة
بتحريم المسكرات، وإقامة الحد عليها، فالحفظ الأول أساس الحفظ الثانى،
وهذا هو المراد بيانه فى هذا السياق (3).
والذى يؤكد هذا المنهج
فى حفظ هذه الكليات قول الرسولr فى حجة الوداع: "فإن
دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، فى
شهركم هذا، فى بلدكم هذا.. ".
فجعل حرمة الدماء والأموال
والأعراض كحرمة يوم عرفة وحرمة شهر ذى الحجة، وحرمة
البيت الحرام فى مكة المكرمة.
أى أن للنفس
الإنسانية قدسيتها، قدسية هذه الأيام والأماكن المقدسة، فلا يجوز إزهاق النفس المؤمنة بغير حق أيا تكن الأسباب.
وكل هذه الأمور توضع فى قانون حماية حقوق الإنسان.
حقوق الإنسان فى الإسلام
ولما كانت حملات التشهير التى تشن ضد الإسلام تحاول الادعاء بأن الإسلام لا يحافظ على
حقوق الإنسان فى الحرية والعدالة والتعبير عن الرأى، وإنصاف المرأة وغير
ذلك من الاتهامات، فإننا نحيل القائلين بذلك إلى سيرة النبىr مع أصحابه، وعلى سيرة
أصحابه، فقد استطاع هذا الرسول العظيم أن يجمع حوله مجموعة كبيرة من القبائل
المتفرقة المتصارعة، وأن ينشئ من هؤلاء منظومة جديدة من البشر، أقامت حضارة شامخة
من أعظم الحضارات، ونشرت ثقافتها على مساحة كبيرة من الأرض امتدت من الجزيرة
العربية إلى بلاد الشام وبلاد فارس، والترك ومصر وشمال
إفريقيا.
هذه الدولة قال الخليفة
الأول أبو بكر الصديق فيها فى خطبته عند تولى الحكم:
"لقد وليت عليكم ولست بخيركم فإن
أحسنت فأعينونى، وان أخطأت فقومونى".
أما الخليفة الثانى عمر بن الخطاب فقد كان عهده عهد الحرية والعدالة، فكانت
صيحته التاريخية فى وجه حاكم مصر عندما ضرب ابنه ذلك المصرى القبطى عندما سابقه فسبقه..
فقال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ".
والتاريخ الذى يروى قصة مقتل الخليفة عثمان ظلماً بحجة أنه ولى أقاربه فى حكم الناس، تؤكد إلى أى مدى بلغت الحرية فى عهده، وهو الذى كان بإمكانه كحاكم أن يقتل خصومه وأن يزج بهم فى السجون كما يفعل
حكام هذا العصر، ولكنه أبى ذلك، حتى وصل خصومه إليه فى
بيته، وقتلوه وهو يقرأ القرآن.
وكذلك قتل الخليفة الثانى عمر t وهو يصلى فى المحراب، وهو
الفاتح العظيم، والذى كان يقف إماما فى الصلاة دون حراسة ولا جند مدجج بالسلاح من حوله ولا
مخابرات. حتى تمكن القاتل من الوصول إليه بسهولة ليرتكب جريمته.
ولذلك كانت كلمات الفارسى عندما جاءه فرآه نائما تحت شجرة دون حراسة، فقال له
كلمته المشهورة: "عدلت فأمنت فنمت يا عمر".
أما الخليفة الرابع على بن
أبى طالب t،
فقد قتل أيضا وهو فى طريقه إلى المسجد ليؤدى صلاة الفجر، مما يؤكد أن هؤلاء
الناس لم يغر بهم صولجان الملك. ولا بهرجة السلطة، أن يقيموا من حولهم تلك المظاهر
التى تدل على القوة والعظمة، بل كانوا يتصرفون ببساطة
مطلقة، ويعيشون حياة الناس دون الظهور بمظاهر أبهة
الحكم، فكان مصيرهم الغدر والقتل.
صور من التاريخ المشرف
الرائع تؤكد أن الإسلام كان لا يفرق بين حاكم ومحكوم، وكان الناس يعيشون فيه على قدم المساواة، وكان الحب هو الذى يرسى قواعد
الأمن والأمان فى المجتمع.
الحوار مع الغرب
كثيرا ما نتحدث عن الحوار مع
الآخر، ثم نجد أنفسنا نتحدث مع أنفسنا، وندور فى حلقة
مفرغة، ولا يصل رأينا إلى الآخر، لأننا لم نستخدم وسائل الاتصال الحديثة استخداماً عمليا. ولم نحاول
إيجاد قنوات تخاطب الآخرين بلغتهم وثقافتهم
وأسلوبهم الذى يفهمونه.
الحوار مع الغرب على سبيل
المثال، يظل حوارا داخل المجتمع العربى والإسلامى، ولا يصل إلى أصحابه، فى
العواصم الغربية عامة والأمريكية خاصة.. وما أكثر البحوث التى
كانت تتحدث عن الحوار مع الغرب، دون أن يسمع الغرب أو يعرف شيئا
عنها.
ودفاعنا عن
الإسلام ضد التشويه والتزوير الذى تقوم به أجهزة الإعلام
الغربى يظل دفاعا قاصرا على
أنديتنا ومؤتمراتنا ولا يتعدى حدودها.
كيف العمل إذا؟ وما هى
الطريقة التى يمكن لنا أن نخاطب بها هذا الغرب الذى لا يكاد يسمع لنا صوتا أو يقرأ لنا بحثا أو دراسة؟ !
هل لدينا قنوات
بقوة قناة (CNN)
الأمريكية؟
أم بقوة القناة (5)
الفرنسية؟
وهل استفدنا من
وجود الهيئات والمراكز الإسلامية فى الغرب لنمكنها من إنشاء قنوات تلفزيونية، تبث برامجها من
داخل أمريكا، أو أوروبا... وهذه المؤسسات تضم كفاءات كبرى تصلح للقيام بدور إعلامى يحسن مخاطبة القوم بلغاتهم.؟!
نحن حتى الآن لم
نفكر بالقيام بهذا الأمر، وما تزال أدواتنا التى
نستخدمها محلية، لا تتجاوز حدود بلادنا، من هنا فإن الحوار مع الآخر.. يتطلب
استخدام وسائل الاتصالات الحديثة... ويتطلب الاستفادة من طاقات الشباب المسلم الذى يعيش فى بلاد الغرب وأصبح
يعرف أبعاد التجربة الغربية. ويستطيع أن يحدث
القوم بالطريقة التى يتقنونها ويتأثرون
بها.
من هنا فإن
الخطاب مع الآخر، يقتضى العمل بأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا من وسائل الحوار،
وعرض الأفكار، والرد على الإشاعات وعلى التشهير، والتزوير، وايضاح
الصورة الحقيقية للإسلام وأبعاده العقائدية والأخلاقية والإنسانية حتى نواجه
الحملات الصهيونية والأمريكية المسمومة وحتى نتمكن من الدفاع عن ديننا دفاعاً يتناسب ولغة العصر؛ اللغة العلمية التى تقوم على العقلانية والمنطق والتى
يجيدها كثير من الشباب المسلم اليوم.
المراجع
(1) (آل عمران:159).
(2) (آل
عمران:64).
(3)