العلاقة بالآخر
الأستاذ الدكتور/ إبراهيم أبو محمد
رئيس مجلس
إدارة
المؤسسة
الأسترالية للثقافة الإسلامية
أستراليا
تمـهيــد:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فى ختام الألفية الثانية يلفت نظر الباحثين ظهور صحوة إسلامية
جذورها عميقة وجذوتها متألقة، لكن أبالسة العالم تآمروا عليها، وحاولوا ولا زالوا
يحاولون أن يدفعوها لترتد على نفسها فتأكل بعضها بالانقسام المر والتقاتل المهلك، وما تبقى منها فأجهزة إعلامهم كفيلة بتشويه سمعته ووصفه
بأبشع الأوصاف لتفض الناس عنها وتصرفهم عن مبادئها وأفكارها، وبدأت تطفو على الساحة الإعلامية والثقافية عينات من
المصطلحات الجديدة كالأصولية والتطرف
والعنف والإرهاب، وراحت دوائر معينة- نفترض
فيها سوء الفهم على أقل تقدير أو سوء النية، أوهما
معا- راحت تلك الدوائر فى الغرب تطنطن بترديد تلك المصطلحات وتحاول إشاعتها-
خصوصا- حول الإسلام والمسلمين لتصنع منها غبارا يحجب الرؤية،
ودخانا يزكم الأنوف.
ولم يتوقف الأمر عند هذا
الحد، وإنما بدأت نظرية جديدة فى الظهور تتبنى التفسير الأصولى لأحداث التاريخ والجغرافيا، ومشكلة الاحتباس الحرارى، وما يستجد من كوارث الزلازل والفيضانات والبراكين،
وراح رواد هذه النظرية وتلامذتهم يشكلون مدرسة فى
الخطاب والتفكير والتوجيه، يحملون الإسلام والإسلاميين مسؤولية كل الأخطار التى يعانيها كوكبنا فى بره وبحره،
وأرضه وسمائه، فهم المسئولون عن كل الكوارث بجملة همومها وجميع شرورها ما ظهر منها
وما بطن، ما وقع منها وما لم يقع بعد، يقول الكاتب والمفكر فهمى هويدى:
"المنهج ليس جديدا، لكن تأسيس المدرسة
وتجميع رموزها، ونشر فروعها فى الداخل والخارج هو
الإنجاز الذى تم بوضوح، يتصل بذلك أيضا أن كفاءة العمل
قد تحسنت كثيرا بحيث بات الحدث يقع فى الجزائر مثلا فى الصباح فتسمع تفسيره الأصولى بعد الظهر فى إذاعتى مونت كارلو ولندن، وتقرأ تحليلا موسعا فى القاهرة على ذات الموجة خلال أيام قليلة، ازاء تعدد
الممارسات وتسارعها فقد بات المرء يتصور أن هناك تحليلات وتفاصيل جاهزة فى استمارات معدة سلفا تسارع الأطراف المعنية إلى تعبئتها
بالأسماء المرشحة كلما وقع حدث أو تصاعدت أزمة، أعنى أن البيانات التى تقطع بمسؤولية الإسلاميين عن كل فتنة موجودة بالفعل،
وأنها مصاغة فى عدة صور مختلفة حسب الأحوال: تعصب،
تطرف، فتنة، إرهاب، إلى آخر القائمة التى نقرأ عنها كل
حين، وما إن تحدث أزمة أو مشكلة حتى يستخرج البيان المناسب وتضاف إليه الأسماء
والعناوين، ثم يتواصل الإرسال عبر مختلف قنوات ومنابر الخطاب العام "(1).
ومعروف أن الثقافة الفاسدة
تحدث فى العقول ما يحدثه الطعام المسموم فى الجسم الإنسانى، فإذا أضفت إلى
فساد الثقافة فساد الضمائر والخلق، وفساد النوايا الخبيثة والصدور التى لا تنطوى إلا على شر،
فلك أن تتصور كيف تشوه الحقائق وتنقلب معايير العدالة، حتى يصبح المظلوم ظالما،
والضحية مجرما، وذلك بالضبط ما تحاول دوائر الاستشراق
والتنصير أن تثيره حول الإسلام
ونبيهr من قديم الزمان، وإن وجدت فرصتها فى الفترة الأخيرة لإخراج كل ما فى
الصدور من أحقاد وكراهية.
وبعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 فى
الولايات المتحدة، يلحظ الباحث مجموعة من الوقائع والأحداث أثرت بالطبع على تضاريس الواقع. بعضها يتصل بنا كمسلمين وبشكل مباشر، وبعضها صنعته مطابخ السياسة فى عالم السادة الكبار، حين راحوا يمارسون دورهم مع قضايا
العالم- ونحن منه بالطبع- كعمل مسرحى لهم وحدهم فيه دور
البطولة، والآخرون مجرد كومبارس، يرددون كلمات البطل، ويعزفون النغم الذى يرضيه، ووقف المتفرجون من أهل الشمال مخدرين بإحساس أن
أبطال المسرحية قد سيطروا تماما على زمام
الأمور، بينما وقف أهل الجنوب ينظرون إلى المشهد فى
انبهار وذهول، ولكى يستمر البطل فى
ممارسة دور البطولة كان لابد من وجود عدو- ولو وهمى-
ليكتمل المشهد، وليلهب به البطل مشاعر المشاهدين، خاصة عندما سقط منافسه تحت وطأة
الجينز والحرية والهامبورجر، وخلت أرض المسرح لبطل واحد
ووحيد، وراحت دوائر الشر فى مراكز القرار وصياغة الرأى العام تعمل على تجهيز المسرح لاستقبال العدو الموهوم؛
ليقوم بدور المنافس للبطل الوحيد حتى يكتمل المشهد الدرامى،
وتظل عواطف المشاهدين ملتهبة، ولسوء حظ العدو الموهوم، كان عليه أن يتحمل مسؤولية
كم هائل من الضغائن والأحقاد القديمة حملتها صدور غيره، ولم يكن هو سبب فى وجودها يوما ما، هذه الضغائن والأحقاد عبرت عنها رئيسة
الوزراء البريطانية مرجريت تاتشر حين قالت عقب سقوط الكتلة الشرقية: (الآن انتهى
الغرب من العدو التاريخى وبقى العدو الأزلى) وحين سئلت إبان حرب الخليج فى
بداية التسعينات عن العدو الأزلى لم تكن فى حاجة لهز الكتف وهى تردد: (الإسلام طبعا)(2).
لذلك لم تكن الكلمات التى عبر بها الرئيس الأمريكى جورج
دبليو. بوش عقب أحداث الحادى
عشر من سبتمبر عن الحرب الصليبية مجرد فلتة لسان، وإنما كانت تعبيرا
صادقا عن النوايا سلفا، كل ما هنالك أنه كانت هناك حاجة لصنع حدث ضخم يهز الوجدان،
ويحرك العقل الجمعى، ويملأ صدور الناس فى الشارع بالكراهية، ويثير الرعب والفزع- من هذا الغول
الموهوم- الذى يريد أن يطفئ أنوار الحضارة، ويصادر
الحريات، ويعود بالناس والحياة إلى عصور سحيقة من التخلف والبدائية، وهكذا تفعل الآلة الإعلامية عملها فى تهيئة المناخ وتجهيز النفوس وشحن الرأى
العام بطاقة من الغضب، تجعله يؤمن بضرورة التخلص من هؤلاء الأشرار البرابرة الذين
يسمون بالمسلمين ويعتقدون فى إله الخراب الذى يعبدونه، وعندئذ يكون للانتقام ما يبرره، ويصبح سحق ما
تبقى من تلك الصحوة ضرورة لحماية السلام، وبذلك يتخلص الغرب من المنافس الاقتصادى والبديل الحضارى، وينتهى من هذا العدو الأزلى لتخلو
له الساحة مرة أخرى بعدما خلت من قبل بسقوط الشيوعية، ويتمكن من بسط نفوذه وسيطرته
على كل منابع الثروة بغير منازع، وفى نفس الوقت تكون عصاه جاهزة لأى شاة شاردة، والوسائل إلى ذلك: تشويه الصورة، ومسخ
الشخصية، وغسيل الأدمغة، وتذويب الهوية.
وأشهد أن الإصابة
حتى الآن بالغة، وأن التشويه شديد، وأن أدمغة كثيرة قد غسلت، وأن المستقبل يحمل فى طياته الشىء الكثير، وأننا سنفاجأ بكثيرمن
المغامرات المثيرة والمحيرة، والتى تشبه دائرة متصلة
الحلقات فى قطع الليل المظلم لا يدرى أين طرفاها، ثم هى تدع الحليم حيران، لكن
عزاؤنا أن المعركة لم تنته بعد، وأن الإصابة ستكون فى
المسلمين وليست فى الإسلام، وأن سنة الله جارية فى خلقه بالتمحيص والابتلاء، وأنه
سبحانه (غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (3)، وقد اقتضت
سنته أن يكون الصراع هكذا كر وفر، وهزيمة ونصر، لكن العاقبة لأهل الحق دائما مهما
علا صوت الباطل، أو أسكرته نشوة النصر المؤقت، أو تعدى وتجاوز به غرور القوة
الممزوج بالطغيان والفساد والعدوان والظلم، يقول الله تعالى: (إن الذين كفروا
ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله
فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله فى جهنم أولئك هم الخاسرون) (4).
وبدأت تلك
الدوائر تطفح أحقاد السنين على الإسلام وأهله، وتصفهم
بالشراسة والعنف والإرهاب، لأن دينهم جاء بشريعة تعتمد القتل والعنف بديلا
عن الإقناع بالحجة والبرهان،
فهو دين لا يعترف بالآخر، ومن ثم لا يمنحه حق الحياة، وعندما تنطوى النوايا على شر، وتشحن الصدور بالكراهية، يصبح سوء الظن هو القاعدة،
ويكون من السهل تصيد الأخطاء، وإلحاق التهم بالأبرياء والشرفاء، وتفاديا للوقوع فى هذا الشرك المفخخ والملغم نتساءل ونحن نعرف الإجابة،
واللبيب من الإشارة يفهم، نتساءل: هل يمكن أن نصف المسيح والمسيحية بالإرهاب
والعنف لمجرد أن المسيح- عليه السلام- قال: "ما جئت لألقى سلاما بل
سيفا"؟ ونحن نسارع فى الإجابة بالنفى
طبعا، غير أن الجانب الآخر يصر على اتهامنا واتهام ديننا وشريعتنا بما ليس فينا، ومتابعة بسيطة لما يبث فى وسائل
إعلامه تظهر حجم التعصب وضخامة الافتراء، ومع أننا لا نعبأ كثيرا لهذا الهجوم
لكثرة ما فيه من أباطيل وخلوه من الحقائق، إلا أن ناسا كثيرين ممن لا يعرفون الإسلام ولم
تتح لهم فرصة التعرف عليه وقعوا ضحايا لتلك الحملات المغرضة، فكانت إصابتهم شديدة
وجراحهم غائرة، حتى أضحى من الواجب على كل مسلم عموما، وعلى المثقفين الشرفاء بوجه خاص، وعلى العلماء الجامعيين والمجمعيين على وجه أخص أن ينصفوا
الحقيقة، وأن يشرحوا الملابسات، وأن يعملوا جاهدين على تحصين القارئ " ليكون فى مأمن من الخيانة الثقافية والاغتيال العقلى
الذى كثيرا ما يمارس من قبل هؤلاء؛ لذا فقد آثرت أن استجيب
للرغبة الكريمة وأن أشارك بالكتابة والحديث فى هذا
المحور إنصافا للحقيقة أولا، وأداء لواجب الإسلام على ثانيا، وحماية لحق القارئ فى أن يرى الصورة بغير رتوش ثالثا.
وإليك بيان
الحقيقة فى اختصار تفرضه ظروف البحث ونرجو ألا يكون مخلاً:
1- اعتراف الإسلام
بالديانات السماوية السابقة عليه عنصر أساسى فى عقيدة المسلم:
فى معاجم لغتتا
تدور كلمة الإسلام حول معنى
الخضوع والانقياد فقد ذكر الفيروز آبادى أن: كلمة أسلم تعنى انقاد وصار مسلما (5)، ودارت
المادة فى المعجم الوسيط
حول: إظهار الخضوع والقبول لما أتى به محمد r، وذكر العلامة الراغب الأصفهانى: أن مادة السلم والسلامة
تعنى التعرى
من الآفات الظاهرة والباطنة، والإسلام فى الشرع دون الإيمان وهو الاعتراف
باللسان، وبه يحقن الدم، حصل به الاعتقاد أو لم يحصل(7). وإياه قصد بقوله: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) (8).
ومن استقراء نصوص القرآن
الكريم يتبين لنا: أن للإسلام ثلاثة معان: معنى عام ومعنى خاص ومعنى أخص، فالمعنى
العام هو الإذعان والانقياد طوعا أو كرها بحيث لا يملك المخلوق أن يتأخر أو يتقدم
عن هذا الإذعان وهذا الانقياد، أى لا اختيار له فى ذلك، وهذا المعنى يتصف به جميع المخلوقات، فهى منقادة لله مذعنة له، يتصرف فيها كما يشاء، فالسموات
والأرض ومن فيهن وما بينهن مسلمة له، أى منقادة لأمره
قال تعالى:(ثم استوى إلى السماء وهى دخان
فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها) (9)، وقال تعالى:
(أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السماوات والأرض طوعا وكرها) (10)، فهذا خضوع
بلا عقل ولا إرادة ولا اختيار، ويسميه العلماء خضوع العبودية، أى
أنه خضوع بإرادة التكوين لا بإرادة التكليف، فلا يشذ عنه فى
الكون شىء، قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن
يقول له كن فيكون) (11)، هذا هو
المعنى الأول.
أما المعنى الثانى وهو المعنى الخاص فهو: الانقياد والطاعة له- سبحانه-
اختيارا، أى بالعقل والإرادة والاختيار، ويعبر عنه
العلماء بخضوع العبادة عن طريق التكليف الشرعى الذى بلغه رسل الله: إلى خلقه وإليه دعوا الناس كلهم، قال ابن تيمية - رحمه الله - : ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والسلامة التى
هى الخلاص، وقد علم أن الرسل جميعهم بعثوا بالإسلام
العام المتضمن لذلك كما قال تعالى: (يحكم بها النبيون الذين أسلموا) (12)، وقال تعالى: (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن
كنتم مسلمين) (13)، وقال الخليل لما قال له ربه أسلم قال: (أسلمت لرب العالمين) (14).
أما المعنى الأخص فهو: دين
الله الخاتم الذى بعث به محمدا r إلى الناس كافة بجميع تفاصيله التى
تضمنها كتاب الله وسنة رسوله r، والإسلام بهذا المعنى هو الدين الذى أوجب الله على البشر
جميعا أن يؤمنوا به، بما فى ذلك رسل الله السابقين، قال
تعالى: (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به
ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا
معكم من الشاهدين) (15).
إذا فالجميع يشتركون معنا فى أصل الشجرة إذا جاز
التعبير، أى فى المعنى العام
للإسلام، وهو مطلق الخضوع والانقياد لله تعالى وإن
اختلفنا بعد ذلك فى الفروع والتفاصيل، وهذا بعد جديد فى توسيع الدائرة الإيمانية ينفرد به
الإسلام ويمتاز، ولقد شكل هذا البعد قفزة نوعية فتحت الأبواب والنوافذ لأفق أوسع
وأرحب فى عالم العلاقات الإنسانية، يقول العلامة
الدكتور محمد عبد الله دراز(16): (إذا
أخذنا كلمة الإسلام بمعناها القرآنى نجدها لا تدع مجالا
للسؤال عن العلاقة بين الإسلام وبين غيره من الأديان السماوية، فالإسلام فى لغة القرآن ليس اسما لدين خاص، وإنما اسم للدين الذى هتف به كل الأنبياء وانتسب إليه
كل أتباع الأنبياء، هكذا نرى نوحا يقول لقومه: (وأمرت أن أكون من
المسلمين)(17)، يعقوب يوصى أبناءه: (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (18)، وأبناء
يعقوب يجيبون أباهم: (نعبد إلهك وإله
آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) (19)، وموسى يقول لقومه: (يا قوم
إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) (20)، والحواريون يقولون لعيسى: (آمنا بالله واشهد
بأنا مسلمون) (21) بل إن قوما من أهل الكتاب
حين سمعوا القرآن: (قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) (22).
وبالجملة نرى الإسلام شعارا
عاما يدور على ألسنة الأنبياء جميعا وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية وإلى عصر
النبوة الخاتمة، ثم نرى القرآن يجمع هذه القضايا كلها فى
قضية واحدة، يوجهها إلى قوم محمدr ويبين لهم فيها أنه لم يشرع لهم دينا جديدا، إنما هو
دين الأنبياء من قبلهم، ثم نراه بعد أن يسرد سيرة الأنبياء وأتباعهم ينظمهم فى سلك واحد ويجعل منهم جميعا أمة واحدة، لها إله واحد كما لها شريعة واحدة: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (23)، ما هذا الدين
المشترك الذى اسمه الإسلام، والذى
هو دين كل الأنبياء والمرسلين؟ إن الذى يقرأ القرآن
يعرف كنه هذا الدين: إنه هو التوجه إلى الله رب العالمين فى خضوع خالص لا يشوبه شرك، وفى إيمان واثق مطمئن بكل ما جاء
من عنده على أى لسان وفى أى
زمان أو مكان، دون تمرد على حكمه، ودون تمييز شخصى أو طائفى أو عنصرى بين كتاب وكتاب من
كتبه، أو بين رسول ورسول من رسله هكذا يقول القرآن: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى
موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين
أحد منهم ونحن له مسلمون) (24)، فهذه
الآيات تؤكد وحدة المصدر الذى تلقى عنه أنبياء الله
جميعا، كما تؤكد وحدة الإرادة فى الخلق والإيجاد ومقصود
تلك الإرادة من كل العقائد والتشريعات التى أمروا بها،
قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله
مخلصين له الدين) (25)، وتشير إلى الروابط والغايات التى يجب أن تسود
بين البشر جميعا، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا
خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (26)، كما تلتقى مع مبادئ الدين الحنيف فى مدلوله ومعناه الأخص باعتباره الدين الخاتم، فهو الوعاء والمحتوى لكل حقائق الوحى
فى الرسالات السابقة والتى
تلقاها وبعث بها كل رسل الله السابقين لمحمد r،
ومن هنا فإن الإسلام هو المنهج الوحيد الذى يطوى على
مستوى التاريخ أبعاد الزمان، فيجمع الناس فى عقد واحد
ويرسى قواعد الأخوة بين أبناء البشر جميعا، ويطالب أتباعه والمؤمنين به بضرورة
الإيمان بكل النبوات السابقة كشرط للإيمان بمحمدr، يقول الله تعالى:( آمن الرسول بما
أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل
آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا
غفرانك ربنا وإليك المصير)(27)، كما أنه على مستوى القيم الفاعلة والمؤثرة فى
دفع حركة المجتمع إلى الأمام والضابطة لسلوكيات الأفراد فيه، وهى قيم ثابتة لم
يطرأ عليها تغيير أو تبديل، يعتبر شرع من سبقنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، يقول تعالى:(شرع لكم من الدين
ما وصى به نوحا والذى
أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم
وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا
تتفرقوا فيه) (28)، وهنا تلتقى وتتعانق فى انسجام تام ثوابت
القيم فى كل النبوات والرسالات السابقة مع منظومة ثوابت
القيم فى منهج الإسلام، فهو مصدق لما بين يديه من الكتب
التى لم يطرأ عليها تبديل أو تحريف ومهيمن عليها أيضا، أى حارسا أمينا عليها، ومن قضية الحراسة ألا يكتفى الحارس بتأييد ما خلده التاريخ فيها من حق وخير، بل
عليه فوق ذلك أن يحميها من الدخيل الذى عساه أن ينضاف إليها بغير حق، وأن يبرز ما تمس إليه الحاجة من الحقائق
التى عساها أن تكون قد أخفيت منها، وهكذا كان من مهمة القرآن
أن ينفى عنها الزوائد، وأن يتحدى من يدعى وجودها فى تلك
الكتب: (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) (29)، كما كان من مهمته أن يبين ما ينبغى تبيينه
مما كتموه منها: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من
الكتاب) (30)، ونموذج لذلك نراه ينفى عن نبى الله عيسى وأمه ما لاكته ألسنة البعض من
تهم باطلة حاول اليهود بها تلويث سيرتهما، فقالوا عن المسيح وأمه مقالة السوء
والبهتان والزور: (يسوع الناصرى موجود فى لجات الجحيم بين القار والنار،
وأمه مريم أتت به من العسكرى باندار
سفاحا، والكنائس النصرانية بمثابة قاذورات، وأساقفها
أشبه بالكلاب النابحة، وقتل المسيحى من الأمور المأمور
بها.... ومن الواجب دينا أن يلعن اليهودى ثلاث مرات رؤساء المذهب النصرانى) (31) فرد القرآن تلك الفرية على أصحابها وأنصف
المسيح وأمه واعتبره وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين،
وأن أمه صديقة مطهرة اصطفاها الله على نساء
العالمين، قال تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (42)، يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين (43) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما
كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك
بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين (45(
ويكلم الناس فى المهد وكهلا ومن الصالحين) (32)، هذا هو رأى
الإسلام من خلال القرآن وليس من خلال وجهة نظر أخرى فى
مريم والمسيح.
وبهذا كان القرآن هو الوعاء الذى له وحده دون سواه ميزة الإحاطة والاحتواء قال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) (33)، فهو دين
يوجب على أتباعه عدم التمييز والمفاضلة بين نبى وآخر
على اعتبار أنهم جميعا أخوة، فمنطوق الإيمان ومفهومه عندنا: (لا نفرق بين أحد من رسله) (34)، إذاً
فالإسلام بمعناه القرآنى الذى
وصفناه لا يصلح أن يكون محلا للسؤال عن علاقة بينه وبين سائر الأديان السماوية، إذ
لا يسأل عن العلاقة بين الشىء ونفسه، فها هنا وحدة لا انقسام فيها ولا، إثنية.
هكذا كانت الشرائع السماوية
خطوات متصاعدة ولبنات متراكمة فى بنيان الدين والأخلاق
وسياسة المجتمع، وكانت مهمة اللبنة الأخيرة منها أنها أكملت البنيان وملأت ما بقى
فيه من فراغ، وأنه فى الوقت نفسه كانت بمثابة حجر
الزاوية الذى يمسك أركان البناء، وصدق الله حين وصف خاتم أنبيائهr بأنه: (جاء بالحق وصدق المرسلين) (35).
2- كل البشر سواسية فى التصور الإسلامى :
وكما يطوى الإسلام على مستوى
التاريخ أبعاد الزمان، فهو كذلك على مستوى الجغرافيا
يطوى أبعاد المكان، ولا يعترف بالحدود المصطنعة ولا
بنقاط التفتيش، بل يوجه دعوة الرسول الخاتم الى كل
الناس فى كل مكان، ونلاحظ هنا فى
رسالة الإسلام بالذات أن المكان قد تمدد واتسع، وأن الزمان كذلك قد تمدد واتسع، فليست بعثة الرسول r قاصرة على مكان محدد، كما أن الرسالة ليست قاصرة على
زمن محدد، فهى تتجاوز بتوجيهاتها عصبية اللون والجنس
والأعراق والأرض قال تعالى: (قل يا أيها الناس
إنى رسول الله إليكم جميعا الذى
له ملك السماوات والأرض لا إله الا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته
واتبعوه لعلكم تهتدون) (36)، وقال
تعالى: (إن فى
هذا لبلاغا لقوم عابدين * وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(37)، وإذا كان الإسلام قد نظر إلى العرب على أنهم عقل الإسلام ولسانه، إلا
أنه قد رفض أن تكون الرسالة قاصرة على الجنس العربى
وحده، ومن ثم رفض أيضا أن يكون الذكاء الإنسانى قاصرا
على جنس مخصوص، ورأى أن هناك عطاء لكل جيل، وأن التراكمات الثقافية والفكرية وحرية
العقل لها فى التكوين الحضارى
إسهام كبير، وتشارك فيها الأجيال والشعوب والأمم، لذلك اعتمد الإسلام التجارب
الإنسانية ضمن روافد التكوين الحضارى للأمم والشعوب،
ونظر إليها كرصيد ومؤسس فى بناء الحضارات، كما اعتبر
الإضافة العلمية حقا لكل جيل، وهى تدخل ضمن الروافد الهامة التى لا يجوز أن يحرم منها المجتمع لأى
سبب كان، وعلم أتباعه والمؤمنين به أن يبحثوا عن الحكمة حيثما كانت، وألا ينغلقوا
على أنفسهم أو يتمركزوا حول ذواتهم فقط ، وقبل ذلك وبعده اعترف برسالات السماء كإطار مرجعى
لحماية قيم الحق والرشد فى الأمم والشعوب، بالإضافة إلى
قبوله لفكرة الإبداع الإنسانى فى إثراء الحضارات.
وتأسيسا على هذه القاعدة من الوعى بالتفاعلات المهمة فى كل
أقطار الأرض توجه خطاب الوحى المعصوم، ليقيم العلاقات
بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول على أساس من الكرامة وعزة الإنسان، وهى
علاقات تتفاعل مع الآخرين أخذا وعطاء،
وتأثيرا وتأثرا، تدعم جوانب الخير وتقيم العدالة، وتنضبط
بضوابط الأخلاق لا بضوابط المصلحة المادية، فالمسلم فى
حياته يعز بدينه، ويفاخر بالانتماء لأمة الإسلام، ولكن هذا الاعتزاز وهذا التفاخر
لا ينطلقان من عصبية عمياء ولكنهما محكومان بضوابط العدل والإنصاف فى التعامل مع الآخرين ولو كانوا مختلفين معنا فى العقيدة والدين، فكتاب المنهج كإطار أخلاقى وكمصدر مرجعى لتوجيهات المسلم
وتصوراته وسلوكياته يرفض الظلم ويأباه فى كل صوره، مع
الشقيق المسلم أو مع العدو اللدود، كما
يرفض المحاباة على حساب الحق لقريب أو صديق، أو حسيب أو نسيب، أو حتى مع الوالدين والأقربين قال تعالى: (قل يا أيها الناس إنى
رسول الله إليكم جميعا الذى له ملك السماوات والأرض لا
إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى
يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (38)، وهكذا
يتحدد فى المنهج بحزم وصرامة أن الحق فوق القوة، وأن
العدل فوق الخصومة، وأن إنسانية الإنسان فوق كل اعتبار، كما يتحدد من خلال المنهج
أن حماية البيئة وكل مفردات الطبيعة ومنظومة الكون الكبير، وتأمين السلام للجميع هو الأصل انطلاقا من القاعدة
القرآنية المعروفة: (ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها) (39)، وأن هذا
السلام بموجب هذه القاعدة حق مكفول فى منهج الإسلام، لا
يجوز العدوان عليه أو تهديده فى أية صورة من الصور ولو
بمجرد حبس حيوان أعجم، وقصة المرأة التى دخلت النار فى هرة حبستها، قصة معروفة للجميع، فهل يوصف هذا الدين بعد
ذلك بأنه مصدر للإرهاب والعنف؟ وأنه لا يعترف بالآخر ولا يقبل بوجوده فى الحياة كما تشيع آلة الإعلام فى
الغرب دوما وفى كل مناسبة وأحيانا بغير مناسبة؟ أم أن التهمة ترتد إليهم بحكم
شهادة التاريخ واستقراء الواقع المفجع فى طول الدنيا
وعرضها(40).
الطبقيات المعترف بها فى الإسلام:
الطبقية الأولى:
وإذا كان الإسلام كما أشرنا
لا يعترف فى تقويم (41) البشر بالطبقيات
الممقوتة ويرفض أن يتميز الإنسان لمجرد أنه من جنس معين أو أنه يملك المال فقط،
فهو فى الوقت نفسه ينصب الموازين الحق فى تقدير الناس على أساس من اعتبارات ثلاثة:.
الاعتبار الأول: أن البشر يتساوون جميعا فى أصل الخلقة والتكوين، فلا
ميزة لدم على دم، ولا لجنس على جنس، ولا لعرق على عرق، ولا للون على لون آخر، وإذا حدث واختلفت الشعوب والأجناس، أو اختلطت المفاهيم والتصورات، أو تضاربت
المصالح والغايات- وهذا وارد جدا- إلا أن القرآن
كتاب الوجود والخلود يرسم لأتباعه إطارا أخلاقياً
يتربى عليه المسلم منذ نعومة أظفاره بحيث يشب وقد علم أن المطامع والمطامح
لابد لها- على الأقل- من سقف أخلاقى لا تتعداه ولا
تتحداه؛ كى
يعيش الناس فى سلام وانسجام، وإذا بدت بعض التناقضات فى المصالح والغايات، وتطورت أحيانا إلى صراع محموم، فعلى
الأطراف أن يتذكروا دوما أنهم خلقوا ليعمروا لا ليدمروا، وليضيفوا إلى كل جميل
جمالا جديدا فى هذا الوجود، وأنهم فى
الوقت نفسه أبناء أب واحد وأم واحدة، فكل الناس لآدم وآدم من تراب، وبالتالى وجب
عليهم أن يتعاونوا ويتراحموا ويتواصلوا، وإذا لم يفعلوا ذلك دينا، لوجب عليهم أن
يتواصلوا ويتراحموا نسبا وصهرا، قال تعالى: (يا أيها الناس
اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) (42)، هكذا تتحدد
علاقة المسلم تجاه الآخرين- الإنسان والبيئة وعناصر الكون ومفردات الوجود أرضا
وسماء- فالمسلم ينطلق فى مشاعره مسالما، يبادر الآخرين
بالحب لا بالكره، وبالعدل لا بالظلم، وبالسلام لا بالصراع، لأن السلام فى عقيدته شعيرة، وفى حسه شعور، وفى حياته شعار، ودينه لا
يمنح شرف الانتساب إليه إلا لمن سلم الناس من لسانه ويده كما أنه يجعل من تحقيق
الأمن وإشاعة الطمأنينة غاية من
غاياته، يتربى المسلمون عليها، ويتعبدون ربهم بها، ويتبادلونها تحية فيما بينهم،
ويحيون دعاة لها، وحماة لمبادئها من بطش الآخرين وعدوان الذين يقتاتون دماء الشعوب
واستلاب حرياتهم، ويعيشون على القضم والهضم.
الاعتبار الثانى: أن مجال المنافسة يجب أن
يكون فى إطار من الفضيلة والشرف، وأن خير الناس فى الدنيا هو من يلتزم بالتقوى والعمل الصالح، وذلك مجال متاح
لمن أراد أن يزكى نفسه ويطهر قلبه ويعلى فى الأولين
والآخرين قدره ومكانته.
الاعتبار الثالث: أن أساس التميز متاح للجميع
وليس حكرا على جنس معين، وهو أساس
يعتمد الخير العام والعمل الصالح كمحور للتفاضل، ويجعل الغاية من تعدد الشعوب
والأجناس هى التعارف والتواصل وتبادل المنافع والمصالح وإقامة السلام، وليس الحرب والتباغض وإثارة الكراهية
والعدوان، ويناديهم بقوله تعالى: (يا أيها الناس
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم
شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم
عند الله أتقاكم) (43).
تلك هى
الطبقية الأولى التى يقرها الإسلام ويدعو الجميع اليها،
وهى طبقية
لا تعتمد فى تميزها لون البشرة أو العصبيات أو الجنس، كما
لا تعتمد العرض الفانى فى تقويم
الرجال، وإنما تعتمد صلاح النفس ونظافة الضمائر، والإحسان إلى الناس كمعيار فى التقويم، وكأساس فى التمايز،
ذلك هو المفهوم من مصطلح (التقوى) فى النص الكريم :( إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (44).
ولما كان المجتمع قبل
الإسلام مجتمعا طبقيا ينقسم الناس فيه إلى سادة يملكون كل شىء،
وبيدهم وحدهم مقاليد الأمور، وإلى عبيد لا يملكون حتى من أمر أنفسهم شيئا، فإن
الإسلام قد جاء ليعدل الموازين
ويشكل بصياغة جديدة قيم المجتمع، فيستبقى منها ما يفيد ويحافظ عليه وينميه، ويستبدل منها ما يضر، ويغير من نظرة البشر بعضهم لبعض، ويضع معيارا- ثابتا بثبات قيمه - فى تقدير البشر، ويرفض النظر السطحى
الذى يقف عند حدود الظاهر من الأشياء ولا يغوص إلى عمق
الإنسان ؛ ليجلى أجمل ما فيه من
الفضائل والقيم، عن أبى العباس سهل بن سعد الساعدى- رضى الله عنه- قال:
"مر رجل على النبى r فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك فى
هذا؟ فقال رجل من أشراف الناس: هذا والله حرى إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، فسكت رسول الله r، ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله: ما رأيك فى هذا؟ فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حرى
إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله r: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" (45)، فالرجل الثانى- رغم فقره وقلة ذات اليد لديه- خير من ملء الأرض رجالا
من أمثال الرجل الأول، والرجل الأول- وإن كان من أشراف الناس بمعيار الجاهلية له
بين أبناء المجتمع مكانة تجعله
مسموع الكلمة إن تكلم، مجاب الطلب إن سأل، مقبول الشفاعة إن شفع ؛ إلا أنه بمعيار الإسلام هذا لا
بمعيار الجاهلية- لا يمكن أن يتساوى مع الثانى ، وإن ملك كل خزائن الأرض،
لماذا؟ لأن التقويم هنا لا يخضع للقيم المادية فى تقدير
الرجال، ولم يقف عند حدود المظاهر المرئية أو عند القشور الخارجية فى التعامل مع الناس، وإنما يخضع التقويم هنا لمعايير جوهرية
جديدة لم يعرفها مجتمع الجاهلية من قبل تتصل بنظافة الخلق ونظافة الضمائر والقلوب،
ورجاحة العقل وطهارة النفس، وتلك قفزة نوعية فى التقدير
والتقويم، أراد الرسول r أن يرسى قواعدها، وأن يغرس بذورها فى مجتمع كانت الكلمة والسيادة والتصدير فيه لمن يملك المال
وإن خبثت نفسه ودنست فطرته، فأراد r أن يجعلها لمن يملك طهارة النفس ورجاحة العقل وشرف
الضمير، وأن الثراء والفقر والجنس واللون لا دخل لهما فى
تقدير الرجال، هذا هو موقف الإسلام من قضية المساواة بين البشر، بينما إذا أخذنا
عينة عشوائية من بعض النصوص التى توصف بأنها مقدسة لدى
الآخرين، فإن القارئ يصدم لحجم الكراهية والحقد والعنصرية التى
تكرسها هذه النصوص فى عقيدة أصحابها، ولك أن تتصفح ما
عند الآخرين لتعرف نفاسة ما لديك، وحتى لا تغلى الدماء فى عروقك ويرتفع ضغط
دمك، نكتفى بأن نقدم إليك نموذجا واحدا من نماذج كثيرة
تكرس العنصرية، وتسخر من الآخرين، بل وتستبيح دماءهم وأعراضهم،
وتدعوا الأتباع لحرق الأخضر واليابس، وتلويث الطاهر، وهدم الديار، واقرأ إن شئت
هذا النص فى سفر المكابيين:
(سأل إسرائيل إلهه: ولماذا خلقت خلقا سوى شعبك المختار؟ فقال له: لتركبوا ظهورهم وتمتصوا دماءهم
وتحرقوا أخضرهم وتلوثوا طاهرهم وتهدموا عامرهم)(46).
الطبقية الثانية:
أما الطبقية
الثانية التى يعترف بها الإسلام فى
تمايز الناس وتقديرهم فهى الطبقية العلمية التى ترفع أهل
العلم إلى مستوى مرموق فى التقدير والتبجيل والتوقير، وتربط بين المعرفة والتطبيق من ناحية وبين الغايات التى يسعى العالم بعلمه لتحقيقها من ناحية أخرى، قال تعالى:(