العلاقة بالآخر
الأقليات الإسلامية فى الدول
غير الإسلامية
المهندس/ محمد يوسف هاجر
الأمين العام للمنظمة
الإسلامية أمريكا اللاتينية
يسعدنى أن أرفع باسم: المنظمات،
والاتحادات، والجمعيات، والمراكز الإسلامية فى أمريكا اللاتينية، وباسم الجالية المسلمة
- أصدق عبارات الشكر
والتقدير لصاحب السيادة الرئيس/ محمد حسنى مبارك؛ على رعايته لهذا المؤتمر، وعلى
كل ما تقدمه جمهورية مصر العربية من جهود مخلصة لحماية الهوية الحضارية للأقليات
المسلمة فى العالم، والاهتمام بها،
والاستجابة لطلباتها بتعيين الشيوخ
والدعاة طوال السنة وإرسال الوعاظ والمقرئين فى شهر
رمضان المبارك عن طريق وزارة الأوقاف والأزهر الشريف، وطرح المنح الدراسية فى منابع العلم وروافده بمصر الكنانة، كما نوجه تحية تقدير
للدكتور/ محمود حمدى زقزوق
وزير الأوقاف، والإمام الأكبر الدكتور/ محمد سيد طنطاوى
شيخ الأزهر الشريف، وأحيى جميع الإخوة المشاركين.
الإنسان المسلم تربطه بالآخرين عدة
أسس من أهمها: عقيدة الإيمان، فأغلب البشر يؤمنون بالله تعالى رب العالمين خالق كل
شىء ومالكه، كما يربطه بهم الإيمان بالرسل، فالمسلم
يؤمن أن الله تعالى قد أرسل الرسل مبشرين ومنذرين
إلى سائر الأمم فى كل زمان ومكان؛ يدعونهم إلى عبادة الله وطاعته (ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)(1) فالأنبياء حسب التعاليم الإسلامية جميعاً إخوة، ورسالتهم الأساسية
واحدة، ومصدر هذه الرسالة واحد وهو الله تعالى، ومن صفات المؤمن
الإيمان بهم جميعا دون تفريق حيث يقول الله تعالى فى كتابه: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله
وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا
سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)(2)، وتربطه أيضا الأخوة فى البشرية وهذا يؤكده القرآن الكريم.
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى
تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً)(3).
أيها السادة/ فى
ما يخص الأقليات المسلمة فى العالم فإنها قد أصبحت جزءاً هاما من الشعوب الإسلامية حيث
عددها يوازى ثلث عدد المسلمين فى العالم، كما أصبح
دورها ملموسا فى بعض البلدان التى
قدموا إليها أو التى ولدوا وعاشوا فيها، وذلك بانخراطهم
فى الحياة الاجتماعية واختلاطهم وتفاعلهم فى تلك المجتمعات الغربية.
فيجب على المنظمات والمؤسسات
الإسلامية العالمية الحكومية وغير الحكومية الاهتمام بهذه الأقليات، وتأصيل سبل
التعاون معها، واعتبارها وسيطا أو جسرا لترسيخ القيم الإسلامية، فعن طريقها تتهيأ
الأرضية المناسبة لحوار هادف بناء، مبنى على الاحترام المتبادل، والكلمة الطيبة،
وبأسلوب حضارى يخدم الإنسانية، ويشجع على التفاهم الفكرى والثقافى فى العالم؛ لأن الأديان والثقافات
الحضارية تدعو إلى المحبة والإخاء والسلام والتفاهم والتسامح، وإن الحوار المبنى على هذه
الأسس حتما سيؤدى إلى تقريب الإنسان من أخيه
الإنسان، ويقضى على العنصرية، ويحترم الثقافات المتعددة، والهوية الحضارية لكل
الشعوب، ويحقق النتائج المرجوة. فالإسلام ينظر إلى وجود الأديان الأخرى والثقافات
والحضارات المتعددة بأنها حكمة الله فى
خلقه، وهو أمر ليس بوسع مخلوق تبديله أو تغييره، يقول الله تعالى فى كتابه الكريم: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة
ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)
(4)
فهذه إرادته، كما أن اختلاف اللغات والأجناس والألوان من آيات الله تعالى الدالة على حكمته
وقدرته.
(ومن
آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى
ذلك لآيات للعالمين)(5).
ويجب أن يكون هناك اتصال دائم بين
العالم الإسلامى ومنظماته والمراكز والمؤسسات الإسلامية
فى الغرب ؛ للدفاع عن حقوق الجالية
المسلمة، خاصة حرية الاعتقاد وممارسة العبادات، وحقها فى
الحياة كبشر، والمساواة أمام القانون، والتنسيق معها لتفعيل دورها فى تغيير الصورة الخاطئة عن الإسلام لدى الغرب، ومحو هذه الصورة، وإبراز محاسن الإسلام
وسماحته، واستثمار خبرات هذه الأقليات وطاقاتها البشرية، ووضع خطة كفيلة بجعلهم حلقة وصل،
وتحويلهم إلى قوة أو خط أمامى للدفاع عن القضايا
الإسلامية، و(لوبى) يساهم فى النهوض بالعلاقات الطيبة، وربط جسور التعاون والتقارب الثقافى والفكرى مع الساسة
والمفكرين الغربيين باستضافتهم للمشاركة فى اللقاءات
والندوات والمناسبات الإسلامية، وعقد اتفاقيات مع الجامعات والأكاديميات ودور
العلم والثقافة المختلفة، خاصة التى
تهتم بالدراسات الإسلامية، وتبادل الزيارات والتجارب والخبرات معها، وإقامة
المعارض المشتركة للمخطوطات والآثار الإسلامية (يا أيها الناس إنا خلقناكم
من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)(6).
ومشاركة علماء المسلمين فى المؤتمرات الدولية التى تعقد فى الغرب والتى تهتم بالقضايا
المعاصرة، لطرح رأى الإسلام فى هذه القضايا مثل:
الاستنساخ، والإجهاض، والبيئة، وحقوق الإنسان، والإرهاب، وغيرها ، وذلك لإزالة الشوائب.
إن لغة الحوار والتبادل الفكرى والثقافى أقوى من أى تبادل آخر؛ لأنه مبنى على القيم والاحترام؛ لهذا يجب أن نتسلح
بالحوار السليم المنطقى المبنى على أسس، وأن ننبذ كل
غلو وتطرف حتى يعم السلام والعدل والإخاء.
إخوتى الكرام/ إن الأقليات
المسلمة فى العالم أجمع تراقب ما يجرى من أحداث راهنة
بعين من الحذر والقلق، خاصة الحملة الإعلامية المسعورة والهجمة الشرسة التى تتهم الإسلام بأنه يأوى
الإرهاب والإرهابيين، هذه الحملة الإعلامية أدت إلى ردود فعل وحملات ضد العرب
والمسلمين المقيمين فى المجتمعات الغربية إلى أبشع
أنواع الاعتداءات: على أشخاصهم، وعلى مساجدهم، ومراكزهم الثقافية، وأماكن
تجمعاتهم، والمساس بحقوقهم وحريتهم المدنية، والتعرض إلى كل أنواع التفرقة
العنصرية والكراهية.
فيجب علينا- نحن مسلمى
أمريكا اللاتينية الذين يعيشون فى هذه القارة والتى يزيد فيها عددنا على ثلاثة ملايين نسمة- توحيد الجهود
وتضافرها، لأننا جزء من هذا المجتمع الأمريكى اللاتينى، وأغلبنا ممن
ولدوا وعاشوا فى هذه الديار، فلدينا حقوق وعلينا واجبات
مثل أى مواطن آخر، بالدرجة الأولى تجمعنا عقيدة الإسلام، ثم
اللغة الأسبانية (ثانى لغة فى
العالم) والتى يتحدث بها 90%
من سكان أمريكا اللاتينية، فيجب أن نعمق ونوسع نطاق الاتصال والتشاور المتواجد فى الوقت الحالى عن طريق المنظمة
الإسلامية لأمريكا اللاتينية، حتى يشمل دول القارة غير الأعضاء فى هذه المنظمة، ودعوتهم إلى الانضمام إليها، والمساهمة فى أعمالها؛ لتتكامل الجهود فى إطار التنسيق والتعاون لما فيه خير
الإسلام، وبجهود الجميع نستطيع تحقيق الكثير من الإنجازات والنشاطات الهامة، وإحلال التعايش السلمى فى المنطقة، وتحقيق الخير
والنفع الشامل من خلال تعليمات القرآن الكريم والسنة النبوية، فهذا يعتبر واجبا وطنيا فى
الدولة التى نعيش فيها، ويتربى فيها أبناؤنا، ونحترم
قوانينها، ونحترم تعدد الثقافات، ونعيش فيها بسلام وحرية، ونرفض الجور والظلم بحجة
إحلال السلام والأمن، كما نرفض وندين الشعارات التى ينادى بها البعض مثل: (صراع
الحضارات) و(حرب الأديان) وما هى إلا قناع زائف لتغطية
مطامع أيديولوجية، وضرب استبدادى ضد الضعفاء، ولكن
علينا بالحوار لحل المشكلة من جذورها، وكشف المغالطات وتصحيح المفاهيم.
وحتى نكون على اتصال دائم بالعالم الإسلامى نطلب من جميع المنظمات المعنية إنشاء محطة فضائية
للثقافة الإسلامية، تبث للعالم أجمع وبعدة لغات حية؛ لخدمة القضايا الإسلامية،
ولتصل إلى المتعطشين لمعرفة الإسلام ومحاسنه، وما ينص
عليه القرآن والسنة المحمدية الشريفة، دون تحريف أو تزييف حيث هناك ظاهرة حساسة
وخسيسة تعتمدها وسائل الإعلام والصحافة العالمية باستعمال لغة التحريف، فمثلا تعلق على صورة المسلمين حجاج
مكة بأنه (اجتماع للتعصب الدينى) ثم تعلق على صور لتجمع
أتباع ديانة أخرى بأنهم (مجموعة المؤمنين) ومع تكرار هذا المشهد تترسخ الصورة فى أذهان الغربيين وإيهام الرأى
العام بذلك.
وبما أن هذا المؤتمر يجمع عددا كبيرا من وزراء الأوقاف
وعلماء المسلمين والمسئولين عن مسيرة الدعوة الإسلامية فى
العالم الإسلامى ؛ فإننا نرفع طلبنا إليهم
جميعا بالاهتمام بالأقليات المسلمة، وتهيئة أجيالها الجديدة بجميع وسائل الاتصالات
المتعددة والتكنولوجية الحديثة، وتزويدها بالمعلومات وبالقيم الإسلامية؛ لتحصين هويتها، وحمايتها
من الانحراف والذوبان.
فإن الرجوع إلى التعاليم الإلهية
واحترام العدالة والمعتقدات الدينية والأديان السماوية من شأنه القضاء على جميع
الأمراض الفتاكة التى بليت بها
البشرية.
وأخيرا أشكركم باسم المنظمة الإسلامية
لأمريكا اللاتينية على منحى هذه الفرصة لأتحدث أمامكم وأعرض رأى إخوانكم المسلمين فى هذه القارة، معاهدين الله تعالى وإياكم على المضى قدما فى
خدمة هذا الدين الحنيف الذى شرفنا الله بأن نكون من أتباعه.
وتبقى مشيئة الله الخالق سبحانه وتعالى
فهو المرشد والموجه والهادى.
المراجع
1-
النحل: 36.
2-
البقرة:
285.
3-
النساء: 1.
4-
هود:118: 119.
5-
الروم:
22.
6-
الحجرات: 13.