تكـريم الإسـلام
للإنسـان
الأستاذ
الدكتور/ إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندى
وزارة الأوقاف والشئون الدينية
سلطنة
عمان
المقــدمــة
الحمد لله الغنى الكريم،
خلق الإنسان فى أحسن تقويم، وكرمه إذ نفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته
أيما تكريم، أحمده سبحانه وهو العلى العظيم، وأعترف بالعجز التام عن القيام بأقل شكر
على ما أسداه ويسديه من إحسان عميم وفضل عظيم، وأشهد
أنه الله الذى لا إله إلا هو القوى فى
سلطانه، اللطيف فى جبروته، لا مانع لما أعطى، ولا معطى
لما منع، ولا راد لما قضى، ولا ناقض لما أبرم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله
ورسوله المبعوث رحمة للعالمين بأجمل شريعة وأيسر ملة وأكمل دين، اللهم صل وسلم
عليه، وعلى آله هداة الخلق والدعاة إلى الحق، وعلى صحبه أولى العزيمة والصدق،
الذين بذلوا أرواحهم وأموالهم فى سبيل إعزاز هذا الدين
وإعلاء كلمته، وعلى كل من اهتدى بهديهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنه من كرم الله
سبحانه علىّ وتوفيقه لى ولطفه بى
أن تتهيأ لى فرصة المشاركة فى
هذا المؤتمر المبارك (المؤتمر العام الرابع عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية)
بورقة عمل تحت عنوان (تكريم الإسلام للإنسان)، وإنى إذ
أشارك بهذا البحث الذى أرجو من الله أن يكون نافعاً
لأسأل المولى القدير أن يخص هذا المؤتمر بتوفيقه وتسديده وعنايته وتأييده، وأن
تكون سائر أعمال كل من بذل جهداً فيه مكللة بالنجاح متقبلة عند الله، وأن يكون
خطوة موفقة لبلورة الإسلام فى هذا العالم المتغير، إنه
ولى ذلك والقادر عليه.
تكريم الإسلام
للإنسان:
إنه لمن فضل الله على
عباده ورحمته بهم وتكريمه إياهم، أن أرسل إليهم رسلا من أنفسهم يوضحون لهم المحجة ويقيمون بينهم الحجة بشرائع منيرة جوهرها واحد وطريقها
قاصد تعددت مناهجها وتظاهرت روافدها، بعضهم يقفو آثار
بعض، يجدد الآخر برسالته ما انطمس من معالم رسالة من قبله، ويتحف الجيل الذى هو فيه بما يفتقر إليه حسب ما تتطلبه أطوار البشرية
المختلفة المتعاقبة، وهكذا دواليك رسل تترا وكتب تتلى دعوةً
إلى دار السلام وابانةً للطريقة المثلى، كل ذلك والبشرية تتدرج من حسن إلى أحسن فى مراحلها المتطورة، فى عمرانها
وحضاراتها وتفكيرها وثقافاتها، حتى إذا ما بلغت مرحلة النضج الفكرى
وعهد الرشد التام أرسل إليها كافة رسولاً كريماً رءوفاً رحيماً من أوسطها نسباً
وأشرفها حسباً وأكملها عقلاً وأوفاها حلماً وأعظمها خلقاً، بشريعة غراء، حنيفية سمحاء، هى
للإنسانية نعمة وتكريم وهى فى حقيقتها صراط مستقيم .
إنها شريعة الإسلام التى لا تعرف الانغلاق والجمود، ولكنها تواكب المتغيرات بسعة
أفق ويسر فى التشريع ،ونسق ونظام يكفلان للمتشرع بها
تحقيق كل ما يصبو إليه من سعادة ورخاء تكريماً للإنسانية وارتقاء بها إلى أوج الكمال
المقدر لها.
وسوف يتناول هذا
البحث النقاط التالية:
. للإسلام.
. كيف كرم الإسلام الإنسان؟.
. قمة تكريم الإسلام للإنسان (الخلافة).
. خروج الإنسانية عن مظهر التكريم بالخلافة.
الإســـلام
إننا حينما نتحدث عن
الإسلام الذى كرم الإنسان وارتقى به عقلاً وروحاً وجسداً
إلى أعلى عليين، إنما نعنى به ذلك الإسلام الذى رضيه
الله ديناً لعباده، فأكمله لهم وأتم به عليهم نعمته، ذلك الإسلام الذى أراده الله أن يكون للبشرية نظام حياة، ومنهج تريية، ودستور حكم، وشعائر تعبد، وقيماً سامية، ومعارف ناصعة
لا غبش فيها ولا غموض، نعنى به تلك الشريعة التى هى كل لا يتجزأ، كل متكامل،
سواء فيه ما يختص بالتصور والاعتقاد، وما يختص بالشعائر والعبادات، وما يختص
بالحلال والحرام، وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية، هذا هو الإسلام، لا ما
فهمه المتشددون الغالون،ولا ما فهمه المنحرفون الغاوون من تصورات ومبادئ ومظاهر
وقشور توهموها حقيقة الدين وروح التشريع.
والإسلام بذلك المعنى
صار حقيقة عرفية للشريعة المحمدية، ولقد ترسخت هذه
الحقيقة فأصبح هذا الإطلاق لهذه الكلمة معنياً به الشريعة التى
جاء بها محمد رسول الله r لدى كل الأمم، تلك الشريعة التى لا
تقتصر على جنس أو قوم ولكن إلى الناس كافة بل إلى الثقلين، إنها الشريعة العالمية
الكاملة التى أراد الله أن يتشرع
بها الثقلان لتكون لهم منهج حياة، ونبراساً فى عالم
الوجود، وبهذا نطقت نصوص القرآن الذى لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى:(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا)(1)، وقال سبحانه: (ومن
يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)(2)، والذى
يدل على أن الإسلام فى هذه الآية مراد به شريعة محمد r السياق، فإنها فى
معرض الاحتجاج على أهل الكتاب ورد شبههم، كما أنها فى
معرض الرد على المعاندين والمرتدين بدليل أن بعد هذه الآية قوله سبحانه: (كيف يهدى
الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدى
القوم الظالمين)(3).
ومن السنة المطهرة
قوله صلى الله عليه وسلم: "بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله، وإقام الصلاة،وإيتاء الزكاة، وصوم
رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" متفق عليه(4).
وحتى لو تمشينا مع
الإطلاق العام الشامل للإسلام الذى هو مطلق الاستسلام والخضوع والانقياد لله، فإن هذا وذاك هو مصدر التكريم
للإنسان.
إننا نجد الإسلام فى التشريعات الإلهية كلها على ألسنة رسله جميعاً بدءاً من
رسالة آدم عليه السلام، وخاتمة بمسك ختام الشرائع شريعة محمد r يعنى به : مطلق الاستسلام والانقياد للخالق جل وعلا، فهو اسم
للدين الذى جاء به جميع الأنبياء والمرسلين من عند رب
العالمين، ذلك الانقياد الذى يبلوره أداء كل ما افترضه
الله حسب الاستطاعة واجتناب كل ما حرمه ابتغاء وجهه والتحلى
بالفضائل والبعد عن الرذائل، انقياداً ناشئاً عن رضاً مطلق وتسليم كامل، ولقد
أوضحت ذلك الإطلاق الشامل الآيات البينات فى القرآن
الكريم، فنبى الله نوح عليه السلام يقول: (وأمرت أن
أكون من المسلمين )(5) ، ونبى الله يعقوب
عليه السلام يوصى أولاده:( يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم
مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا
نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً ونحن له مسلمون)(6)،وقد
قال الله لخليله: (أسلم) فقال: (أسلمت لرب العالمين)(7) كما أن نبى الله موسى عليه السلام يقول لقومه: "يا قوم إن كنتم
آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين"(8)،وفى الحديث الشريف:(وأسلمت
نفسى إليك)(9). ثم إنه بعد مبعث النبى محمد r أصبح الإسلام يطلق حقيقة عرفية على هذه الشريعة الغراء كما
أشرت آنفاً.
كيف كرم الإسلام
الإنسان:
إن التكريم تفعيل من
الكرم الذى هو: إذا وصف الله - تعالى- به فهو اسم لإحسانه
وإنعامه المتظاهر نحو قوله: (فإن ربى غنى كريم)(10) وإذا وصف به الإنسان
فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التى تظهر
منه ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه(11)، يقول الزمخشرى
فى تفسير الكريم: (كريم بالإنعام على من يكفر نعمته)(12).
وواضح من هذا أن الكريم ليس هو الذى إذا سئل أعطى، وإنما
الكريم هو الذى يتفضل قبل السؤال حتى على من يكفر نعمه
وينكر إحسانه جهلاً أو تجاهلاً.
إن تكريم الإسلام للإنسان فيض من تكريم
الله له، ذلك أن الإسلام الذى بوء الإنسانية كلها مبوء
العزة والرفعة وأظلها بظلال الرحمة هو نعمة الله السابغة، وبيان تكريم الإسلام
للإنسانية كلها يقتضى منا وقفات ووقفات، فلنبين ذلك على وجه الإجمال قبل أن نجول فى شىء من التفصيل فنقول:
أولاً: إن الإنسان حينما يقف
وقفة منصفة حيال إنعام الله- تعالى- بهذا الدين وهى النعمة التامة الضخمة الهائلة،
يدرك مدى ضخامة هذه النعمة التى تمثل مولد الإنسان فى الحقيقة كما تمثل نشأته واكتماله، فالإنسان لا وجود له قبل
أن يعرف إلهه كما يعرفه هذا الدين له، وقبل أن يعرف الوجود الذى
يعيش فيه كما يعرفه له هذا الدين، وقبل يعرف نفسه ودوره فى
هذا الوجود وكرامته على ربه كما يعرف ذلك كله من دينه الذى رضيه له ربه- اللهم إلا
وجوداً يشبه وجود البهائم-، والإنسان لا وجود له قبل أن يتحرر من عبادة العبيد بعبادة الله وحده،
وقبل أن ينال المساواة
الحقيقية بأن تكون شريعته من صنع الله وبسلطانه لا من صنع أحد ولا بسلطان أحد من الخلق، إن
معرفة الإنسان بهذه الحقائق الكبرى كما صورها هذا الدين هى
بدء مولد الإنسان، إنه بدون هذه المعرفة على هذا المستوى يمكن أن يكون حيواناً
أو أن يكون مشروع إنسان فى طريقه إلى التكوين والإكتمال،
ولكنه لا يكون الإنسان فى أكمل صورة للإنسان وأحسن تقويم إلا بمعرفة
هذه الحقائق الكبيرة كما
صورها
القرآن(13) ثم تمليها والعيش بها بعد ذلك، قال تعالى: (اليوم أكملت لكم
دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا)(14) ،
إن هذا الخطاب بهذه الصراحة وهذا الامتنان ليس موجها إلى جيل خاص فى
زمن خاص أو مكان خاص أو بيئة خاصة، كما يتصور المغرورون أن ذلك خطاب لأهل المدينة فى العصر الذهبى للرسالة، كلا كلا،
إنه خطاب لكل الأمة المحمدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فى
كل أطوارها وأزمنتها وأمكنتها، وفى كل ظروفها وبيئاتها بل وكل نواحى
حياتها، فمن رضى بذلك فله الرضى،
ومن سخط فليبوء نفسه أى مبوء
شاء، (لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى)(15).
كيف لا يكون هذا الدين الإسلامى تكريماً للإنسان وقد التقطه من سفوح كان يتردى فيها فاقدا
لإنسانيته.
ثانياً : إن إتمام نعمة الله على
الإنسانية يتجلى فى تكريم الله للإنسان الذى أثبته له الإسلام بأن يكون قيما على نفسه، محتملا تبعة
اتجاهه وعمله، فهذه هى الصفة التى
بها كان الإنسان إنسانا، حرية الاتجاه وفردية التبعة، وبها استخلف فى دار العمل، فمن العدل أن يلقى جزاء اتجاهه وثمرة عمله وجهده فى دار الحساب، يقول الله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.
وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى)(16)، وشتان بين نظرة
الإسلام إلى الإنسان فى هذا الجانب المهم، حيث اعتبر خطيئته وتبعتها
والتخلص منها أمرا فرديا وبين نظرة الكنيسة له حيث أثبتت تلك النظرة له الخطيئة
قبل أن يولد، وحيث أثبتت أن عيسى عليه
السلام كان صلبه باختيار منه ليكفر خطيئة بنى آدم، (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا
اتباع الظن وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما)(17)
، أما الإسلام فيقول (أم لم ينبأ
بما فى صحف موسى. وإبراهيم الذى
وفى. ألا تزر وازرة وزر أخرى)(18) ، ويقول كذلك: (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير) (19).
ثالثاً
: إن المنهج الذى
جاء مع محمدr منهج يسعد البشرية كلها ويقودها إلى
الكمال المقدر لها فى هذه الحياة ،
ولقد جاءت هذه الرسالة للبشرية حينما
بلغت سن الرشد العقلى : جاءت كتاباً
مفتوحاً للعقول لكل الأجيال، شاملاً لأصول الحياة البشرية
التى لا تتبدل، مستعداً لتلبية الحاجات
المتجددة التى يعلمها خالق البشر، وهو أعلم بمن خلق،
وهو اللطيف الخبير. ولقد وضعت هذه الشريعة أصول المنهج الدائم لحياة إنسانية
متجددة، وأجازت للبشرية بل وقد أوجبت فى بعض الأحيان أن
تستنبط الأحكام الجزئية التى تحتاج إليها فى ارتباطات حياتها النامية المتجددة وظروفها المتغيرة،
واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة وملابساتها، دون اصطدام بأصول المنهج الدائم،
وكفلت للعقل البشرى حرية
العمل، بكفالة الحق فى التفكير، وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير، ثم تركت له
الحرية فى دائرة الأصول المنهجية التى
وضعت لحياة البشر كيما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر لحياة الناس فى
هذه الأرض(20).
رابعاً
:
إن المنهج الذى جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين فى الشعائر والتشريعات والسلوك والعلاقات والقيم والمبادئ وفى
مناحى الحياة كافة، إنه حيال تلبيته رغبات البشرية وفى النمو والتقدم
لا يكبت طاقاتها فى صورة من
صور
الكبت الفردى أو الجماعى،
ولا يحرمها الاستمتاع بثمرات جهدها وطيبات الحياة التى
تحققها، قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم
أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)(21)، ذلك أن قيمة هذا المنهج تكمن فى أنه
متوازن
متناسق، لا يعذب الجسد ليسمو بالروح ، ولا يهمل الروح
ليستمتع الجسد، ولا يقيد طاقات الفرد ورغائبه الفطرية السليمة ليحقق مصلحة الجماعة
أو الدولة، ولا يطلق للفرد نزواته وشهواته الطاغية المنحرفة لتؤذى حياة الجماعة، أو تسخرها لإمتاع
فرد أو أفراد. وتلك الحياة
الطيبة
حقا، كما أن هذه الشريعة السمحة أباحت للإنسان أن يستمتع بالطيبات من رزق الله،
ومما سخره له دون إفراط أو تفريط، قال تعالى :(قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون )(22).
خامساً:
لقد جاء الإسلام لينادى بإنسانية واحدة
تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافية، لتلتقي فى عقيدة
واحدة وحقوق يشترك فيها الجميع على أساس العدل والمساواة، وتبعات وجزاءات كل فرد فيها حسب ما قدمه
ويقدمه، يقول الرسول r فى حجة الوداع: " كلكم لآدم
وآدم من تراب، لا فضل لعربى على عجمى ولا لأبيض على أحمر
إلا بالتقوى"(23).
سادساً: إن الإنسانية قد كانت فى
الفترة التى سبقت هذه الرسالة متردية فى سفوح الجاهليات المتعددة، فى
تصوراتها الاعتقادية، وفى أوضاعها الاجتماعية، وفى أخلاقها الفردية والجماعية، وفى
علاقاتها وارتباطاتها، وفى مجال التحليل والتحريم، وفى ممارسة الشعائر، فجاء
الإسلام ليلتقط الإنسانية جمعاء منذ بزوغ فجر الرسالة إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها من تلك السفوح كلها، فقد التقطها من سفح الجاهلية وسار بها فى الطريق الصاعد إلى القمة السامقة، فإذا هى على القمة تنظر إلى تلك الوهاد والسفوح من علٍِ ، والى من شاء
باختياره أن يبقى مترديا فى زواياها.
كذلك
جاء الإسلام ليلتقطها من سفح الجاهلية فى التصورات
الاعتقادية حول ربوبية الأصنام والملائكة والجن والكواكب وطواغيت البشر، ومن سائر
الأساطير الساذجة والخرافات السخيفة، لينقلها إلى أفق التوحيد إلى أفق الإيمان
بإله واحد قادر قاهر رحيم ودود سميع بصير عليم خبير عادل قريب مجيب ،
لا واسطة بينه وبين أحد والكل له عباد والكل له عبيد، ومن ثم حررها من سلطان
الكهانة ومن سلطان الرياسة الظالمة، كما حررها من سلطان الوهم والخرافة.
وكذلك جاء الإسلام ليلتقطها من سفح الجاهلية فى الأوضاع الاجتماعية من الفوارق الطبقية ومن العادات الزرية ومن الاستبداد الذى كان
يزاوله كل من تهيأ له قدر من السلطة ولا أدل على ذلك من الأوضاع العربية
السائدة قبيل بزوغ فجر هذه الرسالة وظهور نورها، فقد كانت آنذاك القدرة على الظلم
قرينة بمعنى العزة والجاه فى عرف السيد والمسود من
أمراء الجزيرة من أقصاها فى الجنوب إلى أقصاها فى الشمال، وقل مثل ذلك فى العالم الرومانى والعالم الفارسى قطبى العالم فى تلك الفترة، أما
الأوضاع العربية فحدث عنها ولا حرج، فما كان الشاعر النجاشى
إلا قادحاً مبالغاً فى القدح
حين استضعف مهجوه لأن قبيلته لا يغدرون بذمة ولا يظلمون
الناس حبة خردل، كما فى قوله:
قبيلـة لايغـدرون بذمـة
ولا يظلمـون النـاس حبـة خـردل
وما كان حجر بن الحارث
إلا ملكاً عربياً حين سام بنى أسد أن يستعبدهم بالعصا
وتوسل إليه شاعرهم عبيد بن الأبرص حيث يقول:
أنت المملك فيهم وهم
العبيد إلى القيامة ذلـوا لسوطـك مثلما
ذل الأشيقـر ذو الخزامة
وكان عمرو بن هند ملكاً
عربياً حين عود الناس أن يخاطبهم من وراء ستار، وحين استكثر على سادة
القبائل أن تأنف أمهاتهم من خدمته فى داره، وكان
النعمان بن المنذر ملكاً عربياً بلغ به العسف أن يتخذ لنفسه يوماً للرضى
يغدق فيه النعم على كل قادم إليه خبط عشواء؛ ويوماً للغضب يقتل فيه كل
طالع عليه من الصباح إلى المساء، وقد قيل عن عزة كليب وائل إنه سمى بذلك لأنه كان
يرمى الكليب حيث يعجبه الصيد فلا يجسر أحد على الدنو من مكان يسمع فيه نباحه، وقد
قيل فيما يضرب من أمثال: (لا حر بوادى عوف) ؛ لأنه من
عزته كان لا يأوى بواديه من يملك حرية فى جواره فكلهم
أحرار فى حكم العبيد، وخذ من الشواهد على ذلك ما شئت من
تاريخ العرب قبل الإسلام(24)، وكذلك جاء الإسلام ليلتقط البشرية من سفح
الجاهلية فى التقاليد والعادات والأخلاق والصلات
الاجتماعية، ألم تكن عند العرب البنت الموءودة والمرأة المنكودة وعندهم وعند غيرهم
الخمر والقمار والعلاقات الجنسية الفوضوية والتبرج والاختلاط مع احتقار المرأة
ومهانتها والثارات والغارات والنهب والسلب؟ إن الإسلام قد أنشأ أولاً
من العرب أمة تطل من القمة السامقة على البشرية كلها فى
السفح فى كل جانب من جوانب الحياة فى
جيل واحد عرف السفح وعرف القمة عرف الجاهلية وعرف الإسلام، لا ليكون هذا الدين لهم
وحدهم بل ليكونوا قادة للأمم إلى الصراط المستقيم رواداً للنهضة
والعمران والحضارة الإنسانية جمعاء، وأوجب على هذه الأمة أن تسير فى هذا المشروع فى نهج الوسطية
والاعتدال كما أراد الإسلام، قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء
على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)(25).
سابعاً: إن المسلم حينما
ينطلق فى دعوة غيره إلى الدخول فى
الإسلام يجب عليه أن يضع نصب عينيه أنه لا يدعو غيره للدخول فى
هذا الدين ليكون له السلطان
والهيمنة عليه، بل ليشركه فى الأخذ بأوفر نصيب من هذا الخير المتدفق الذى أفاضه الإسلام، وليقتبس من نوره المتألق مشعلاً به يجوب آفاق
الحياة، أما السيادة والقيادة فإنما تكون بالمؤهلات التى
اعتبرها الإسلام معياراً ومقياساً.
هذا إيضاح تكريم
الإنسان على جهة الإجمال، وخلاصة القول أن الإسلام كغيره من التشريعات الإلهية التى جاءت على ألسنة الرسل واحداً
تلو الآخر، تلك الشرائع التى لم يشبها التحريف ولم تطوع
لهوى مخلوق، جاءت كلها بإرساء مبدأ تقرير حقوق الإنسان من حيث هو إنسان، كما
تضافرت كلها على ذلك- وفى ذروة تلك الشرائع شريعة الإسلام التى
هى خاتمة الشرائع- تضافرت على إيجاب صون هذه الحقوق
وحفظها، وإحاطة هذه الحقوق بالرعاية وشمولها بالعناية بدءا من أولى الأمر
وانتهاء مع الأشخاص العاديين، على أن الإسلام وهو دين الله ورسالته الخاتمة إلى
البشرية، أقام المنهج المتكامل للحياة الإنسانية، على قواعد ثابتة وجعل له أصولا
راسخة ومبادئ خالدة، بل إن الإسلام اعتبر التفريط فى حق
من حقوق الإنسان، تفريطاً فى جنب الله،
وتعديا على حدوده، وخروجاً على سنة الله فى
خلقه.
ومن أجل ذلك، كان حق
الفرد والمجتمع فى الشريعة الإسلامية حقاً لله تعالى،
إنما كان ذلك كذلك لشمول نفعه وعظيم خطره وبالغ تأثيره على الحياة الإنسانية كلها
بل وعلى الكون أجمع.
والحق فى الشريعة الإسلامية يمثل القاعدة الأساس للتشريع كله، وتأسيساً
على هذه القاعدة، فإن حقوق الإنسان فى المنظور
الإسلامى، هى حقوق الله يترتب على الوفاء بها وأدائها
على خير الوجوه، خلوص العبودية لله، والطاعة له سبحانه، والقيام بتكاليف شرعه
الحنيف. والجزاء العاجل والآجل، وبذلك يرتقى المفهوم الإسلامى لحقوق الإنسان إلى
مقام العبادة الرفيع، باعتبار أن تلك الحقوق هى فى الشريعة الإسلامية واجبات دينية، ومن الفروض الشرعية، وهذه
درجة من التكليف تطوق الإنسان بمسؤولية كبرى، أمام ربه سبحانه وتعالى، ثم أمام
نفسه ومجتمعه والإنسانية جمعاء، (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال
فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً
جهولاً.
ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات
ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً
رحيماً)(26).
إن هذا البحث لا يتسع
لتفصيل حقوق الإنسان التى كفلها الإسلام له إعزازاً
وتكريماً
وألزم كل فرد من معتنقيه بتحقيقها والذود عنها مهما كان الثمن ومهما كانت التضحية بدءاً
من حقه إذ كان جنينا وانتهاء بحقه حين يوارى فى مثواه
الأخير، ولكنى أطل إطلالة على قمة ذلك التكريم الذى
أثبته الإسلام للإنسان ألا وهو استخلافه فى الأرض.
قمة تكريم الإسلام للإنسان
(الخلافة)
إن الخلافة فى مصطلحها اللغوى تعنى أحد مفهومين:
1- النيابة عن الغير من أجل تتفيذ
إرادته.
2- القيام بدوره الذى يؤديه هو أصالة.
ومن
هذا المنطلق فإن وصف الإنسان بكونه خليفة يعنى: النائب
والقائم بالدور الموكول إليه نيابة عن غيره، وعلى هذا الأساس فنيابته إما أن تكون
لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما
لعجزه. واما لتشريفه (المستخلف)(27). فماذا يعنى وصف الإنسان بكونه
خليفة الله على هذه الأرض كما فى قوله تعالى: (وإذ قال
ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض
خليفة)(28)، وكما فى قوله تعالى: (وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فى ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم)(29).
مما لا ريب فيه أن
المراد باستخلاف الإنسان على الأرض تشريفه وتكريمه ليضطلع بالمهام التى أوكلها إليه من استخلفه على أكمل وجه وأحسنه بالشروط التى أرادها المستخلف وبالخطة التى
رسمها له ، لا لعجز المستخلف، ولا لإشراك هذا الخليفة فى
خصائص المستخلف وكمالاته ، لأن
هذا الاستخلاف فى حقيقته إنما هو اختبار لقدراته ومدى
استجابته لتحمل هذه الأمانة وهو فى أساسه تشريف وتكريم،
ذلك أن القرآن الرسالة الإلهية المعبرة عن إرادة الله، والوثيقة الربانية الناطقة
بلسان الحقيقة، والصيغة التعبيرية الكاشفة عن ضمير الوجود الكونى
لهذا الإنسان، وهو وعاء الفكر والشريعة. ومنبع القيم ومقياس الحكم والتقويم للإنسانية
فى هذه الحياة. والقرآن بصيغته العلمية، ودقته التعبيرية
هو الذى أطلق على الإنسان اسم الخليفة، وهو الذى
وضعه فى موضع الخلافة - خلافة الله فى
الأرض- . فما حقيقة هذا الاستخلاف؟ وما الغاية منه؟،
وما الهدف الأسمى من هذا الاستخلاف؟ وما الشرط الذى
يتأهل باستيفائه هذا الإنسان ليكون خليفة؟، وما آثار ذلك فى
دنيا الوجود؟ وهل جعل الإنسان خليفة فى الأرض يعنى حصره
فيها وعدم كفاءته لخلافة أخرى على غير الأرض؟ وبم تتحقق تلك الخلافة؟
فى استطاعتنا أن نجيب
باختصار على هذه التساؤلات فى الومضات التالية:
أولاً
:
حقيقة الاستخلاف:إن الاستخلاف فى الأرض ليس مجرد الملك
والقهر والغلبة والحكم إنما هو ذلك كله على شرط استخدامه فى
الإصلاح والتعمير والبناء، وتحقيق المنهج الذى رسمه
الله للبشرية كى تسير عليه، وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها فى الأرض، اللائق
بخليقة أكرمها الله. إن الاستخلاف فى الأرض فى نظر الإسلام يعنى: القدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد،
والقدرة على تحقيق العدل
والطمأنينة، لا على الظلم والقهر، والقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام
البشرى، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارك الحيوان!(30).
ثانياً:الغاية من
الاستخلاف: إن الغاية من استخلاف الله لهذا الكائن الذى
هو الإنسان على هذا الكوكب تجليه غاية التجلية هذه الآية:(وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك
الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا
تعلمون)(31)، لقد فهمت الملائكة تلك الغاية من خلال علمها بمراد الله من إيجاد
الخلق كما قررت ذلك الآية وذلك هو
تسبيح الله وتقديسه بدلالة قولهم النافى للحاجة إلى خليفة فى الأرض مادام التسبيح والتقديس قائماً ،
وأحقية المسبحين والمقدسين بالخلافة دون غيرهم، وهذه الغاية- أعنى التقديس
والتسبيح- هى رسالة الإنسان فى هذا الوجود بأكملها
وهى مسؤوليته على هذه الأرض، وهى
منهج سعادته، ومحتوى عهده وميثاقه مع الله، فالتسبيح هو التنزيه الذى هو لب التوحيد
المقتضى لنفى الشرك، والمقتضى للاستهانة بكل طاغوت وصنم ومقدس غير الله مما لم يأمر بتقديسه.
فبالتسبيح تسقط الإنسانية شوائب النقص
ومظاهر الفساد من حياتها بعد أن تنزه معبودها عنها وتنفيها عنه، وبالتسبيح تنمو فى الإنسانية روح الاتجاه إلى الكمال المطلق، وتشعر بالاتجاه
نحوه والسعى إليه، وبالتسبيح لله وحده يعلن الإنسان تحرره من عبوديات الأرض
وطواغيت البشر.
وبالتقديس تعظم
الإنسانية الكمال الإلهى، وتراه غاية قصوى تسعى نحوه على هذه الأرض لتصوغ من
إنسانيتها صيغة تتشرف وتسمو بعبادة هذا المعبود المقدس، وتتفيأ ظلا يحاكى ذلك
الملكوت فى البعد المقدس، وظلا يحاكى ذلك الملكوت فى البعد عن الشر والفساد، لتقيم فى
أعماقها موازنة الحساب بين غايتها العليا التى تشدها
إليها ودوافع التقديس والتسبيح، وتوافه الحياة ونوازع الفساد التى
تلح عليها بالخروج على هدف الاستخلاف ومسؤولية الخلافة الموكلة للإنسان.
ثالثاً: الهدف الأسمى
من الاستخلاف: قال تعالى: (يا داود إنا
جعلناك خليفة فى الارض فاحكم
بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله )(32)، إن القرآن
بخطابه هذا ربط ربطاً موضوعياً عميقا بين خلافة
الإنسان فى الأرض وقيام الحكم والسياسة على أساس مبادئ الحق والعدل، فجعل الحكم
بالحق هدفاً أسمى من أهداف الخلافة الإنسانية فى
الأرض وجانباً مهماً من جوانب تحققها، لأن الحكم فى
نظر القرآن هو إحقاق لمبادئ الحق والعدل، وتطبيق لإرادة الخير فى كل
المبادئ والأهداف.
والإنسان حينما يمارس
مسؤولية الحكم والسياسة هذه ويتصدى لمهمة التوجيه والقيادة إتما
يريد أن يحقق إرادة الله العادلة الخيرة فى هذه الأرض،
فيكون هو النائب والوكيل والمستخلف لتنفيذ هذه المهمة وفق هذه المبادئ وعلى هدى
هذا المنهج. قال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً
لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا
تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعةً
ومنهاجاً
ولو
شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فى ما آتاكم
فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه
تختلفون. وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض
ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وان كثيراً
من الناس لفاسقون. إفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من
الله حكماً لقوم يوقنون)(33). ففى
هذه الآيات نقرأ تكرار كلمة (الحكم)، ونرى تأكيد القرآن على ضرورة الالتزام بمبادئ
الحق، والعمل بمنهج القرآن فى مجالات الحكم والسياسة والتوجيه
الإنسانى العام.
وإذا عدنا إلى الآية
السابقة التى حكت لنا الخطاب الإلهى الموجه إلى داود-
عليه السلام- والتى ربطت بين الخلافة والحكم- إذا عدنا
إليها- وربطنا بينها وبين هذه الآيات التى تخاطب رسول
البشرية محمد r وتطالبه ومتبعيه بتطبيق المنهج الإلهى فى
الحكم والسياسة ، نستنتج منها ما يعزز فكرة الربط بين
خلافة الإنسان فى الأرض وبين الحكم والعمل بمنهج العدل الإلهى،
لنصل إلى اكتشاف الضرورة الحتمية ضرورة الربط بين خلافة الإنسان فى الأرض وحملها لمعانى الحق
والعدل، وإظهار آثار العدل الإلهى فى ربوعها بين البشر
عن طريق الحكم والسياسة، لترى مظاهر الخلافة الإنسانية واضحة جلية، بعيدة عن الظلم
ولبس الحق بالباطل، وليرى الإنسان، وفيا مخلصا لمبادئ الاستخلاف وأهداف الخلافة.
رابعاً:شرط تأهل الإنسان
للاستخلاف: إن أهم الشروط التى يتأهل بها الإنسان لأن
يكون خليفة الله فى أرضه: الإيمان، ذلك الإيمان الذى يستغرق النشاط الإنسانى كله. بخواطر نفسه، وخلجات قلبه،
وأشواق روحه، وميول فطرته،
حركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه،ذلك الإيمان الذى
يملك على الإنسان حركاته وسكناته المثمر لوجل القلب عند استحضار ربه المؤمن به وذكره إياه،
وعند تلاوته لآياته يزداد
ويزداد،
ذلك الإيمان الذى يتبلور فى
العبادة التى هى كمال المحبة
وغاية الخضوع للرب الذى يؤمن به. كما قال سبحانه: (وعد
الله الذين آمنوا منكم وعملوا
الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من
قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى
ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا
يشركون بى شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)(34).
إن
الإيمان الذى يؤهل الإنسان لتلك الخلافة هو ذلك الإيمان
المتمثل فى منهج حياة كامل، يتضمن كل ما أمر الله به،
ويدخل فيما أمر الله به: توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ
لحمل الأمانة الكبرى فى الأرض.. أمانة الاستخلاف، وهذا
هو لب العمل الصالح وجوهره المعنى صراحة بقول الحق سبحانه: (من عمل صالحا من ذكر أو
أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)(35).
والعمل الصالح هو الذى يكون منطلقه قاعدة الإيمان،
فبدون الإيمان لا يعد العمل شيئا حتى ولو كان صالحا، كما أن الإيمان لا يتبلور فى الواقع المنظور وفى ساحة الوجود إلا إذا أبرزه العمل
الصالح، فهما جناحان متوازيان لا يحلق الإنسان إلى مستوى المسئولية - مسئولية
الاستخلاف فى الأرض- بدونهما معا، وهما تياران متعادلان
كالموجب والسالب يحولان إرادة الإنسان والتى هى من أخص خصائص الإنسانية إلى أفعالٍ نبيلة يسعد بها عالم
المخلوقات، وفى مقدمة من يسعد بها هذا الإنسان الذى هو
ميدان المعركة بين الخير والشر فى هذا الوجود، وهو وحده
الخاسر أو الرابح.
خامساً:أثر الاستخلاف
فى دنيا الوجود: إن من أثر الاستخلاف حفظ الحياة
والإصلاح فى الأرض واعمارها وملؤها بالعمل والعمران
وشتى مظاهر المدنية والحضارة بدلالة اعتراض الملائكة على إيجاد الإنسان الذى لا يحترم الحياة ولا
يصلح فى الأرض، وتصريحهم بعدم صلاحيته للخلافة فى الأرض مادام يفسد فيها ويسفك الدماء، لأن كلا من الفساد وسفك الدماء عمل معاكس لمنطق الوجود الذى ألفته الملائكة واعتادت