تكريم الإسلام للإنسان
سماحة الشيخ/
يوسف جمعة سلامة
القائم بأعمال وزير
الأوقاف والشئون الدينية
خطيب المسجد الأقصى
المبارك- فلسطين
مقدمة:
الإنسان سيد الكون، خلقه الله بيده،
ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فكل ما فى هذا الكون مسخر لخدمة الإنسان، وقد
ميز الله سبحانه وتعالى الإنسان عن غيره من المخلوقات وفضله، حيث يقول تعالى: (ولقد
كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن
خلقنا تفضيلا)(1). والإسلام يعتبر الناس كلهم أمة واحدة، ويساوى بينهم
جميعاً، لأن رسالته موجهة إليهم قال تعالى: ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم
فاعبدون)(2)، وقال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أتقاكم)(3).
والأسرة الإنسانية على اختلاف ألسنتها
وألوانها انبثقت من أصل واحد: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى
خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً
كثيراً
ونساءً واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام
إن الله كان عليكم رقيباً)(4).
واختلافها فى
الألسنة والألوان آية من آيات الله جل علاه: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم
إن فى ذلك لآيات للعالمين)(5). وهذا الاختلاف أدعى إلى التعارف والتآلف
والمحبة، لا إلى التناكر والتناحر والشحناء والبغضاء: (يا أيها الناس إنا خلقناكم
من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(6).
وأعلن هذا رسول الله r
فى
خطبة الوداع حيث قال: (أيها الناس إن ربكم واحد، وان أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم
من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربى فضل على
عجمى إلا بالتقوى... ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فاشهد).
لا فضل لعربى على أعجمى، ولا لأبيض
على أسود إلا بالتقوى
إن الإسلام لا يميز بين إنسان وآخر، لا
فى العرق ولا فى الجنس ولا فى النسب ولا فى المال، امتثالا لقول النبى r : "لا فضل لعربى
على عجمى، ولا لأبيض على أسود إلا
بالتقوى"(7)، وقوله r: " النساء شقائق الرجال"(8).
كما ألغى الإسلام الاعتداد بالحسب
والنسب، واعتبر العمل هو القيمة والأساس فى التفاضل بين الناس، فالرسول r
يقول: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم
من الله شيئاً، يا بنى عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب
لا أغنى عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك
من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سلينى ما شئت من مالى
لا أغنى عنك من الله شيئاً"(9).
وبهذا الفهم الصحيح، والوعى الكامل لرسالة الإسلام خرج المسلمون من الجزيرة
العربية يحملون هذه الدعوة التى وضعت الأمور فى نصابها،
وأعلنت حقوق الإنسان منذ أن هبط الوحى على صاحب الرسالة r ، يحملونها إلى الناس وقد اختلطت
بمشاعرهم وأحاسيسهم، وطبقوها على أنفسهم، فأثمرت وأينعت، وربت جيلا قرآنيا على مر
الأيام.
(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)(10).
إن رسالة الإسلام، رسالة العدل
والمساواة حيث أشرقت الأرض بنور ربها، وارتفعت كلمات رسول الله r يوم حجة الوداع "إن دماءكم
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا"(11).
ومن قبل ذلك كله كان
المثل الرائع على عهد النبوة لتطبيق العدل والمساواة دون أن يميل مع القربى، أو
يحيف مع الشنآن، ونضرب لذلك مثالين:
أولاً: عندما جاء أسامة بن زيد يشفع
لمخزومية سرقت.. فكانت كلمات رسول الله r نوراً يهدى من بعده: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا
سرق فيهم الشريف تركوه، واذا سرق الضعيف أقاموا عليه
الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"(12).
ثانياً: كان ذلك عندما تواطأ بعض
المنافقين على إتهام يهودى ظلماً
بسرقة وقعت بالمدينة من رجل من المنافقين يقال له "طعمة
بن أبيرق"، فنزلت الآيات من السماء تنتصف لليهودى،
وتتهم أولئك المتآمرين- وهم جيرانه وأقاربه- بالخيانة، وذلك ما نزل من قوله تعالى:
(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين
خصيما. واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً.
ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً)... إلى آخر الآيات(13).
وسار الصحابة على هدى نبيهم محمد- r-
فى ذلك:
-
فكان عدل عمر t فيما يفعله مع الأمير الغسانى الذى لطم مسلماً فهشم أنفه حيث قال
عمر: إما أن ترضيه وإلا أقدته منك، قال جبلة: تقيده منى وأنا ملك
وهو سوقة، قال عمر: إن الإسلام سوى بينكما، قال جبلة: إنى
رجوت أن أكون فى الإسلام أعز منى فى الجاهلية، فردد عمر ما قاله، قال جبلة: إذن أتنصر،
فقال عمر: إذن أضرب عنقك.. (14).
-
وكان عدل على إذ وقف أمام عمر مع يهودى فلما كناه عمر غضب على، وكانت كتابة عمر إلى قاضيه يعلمه
العدل بين الناس، والمساواة بينهم.
كرامة
الإنسان
بين
القوانين الشرعية والعادات الاجتماعية
إن الإسلام عقيدة وشريعة ودستور ونظام
حياة، والإسلام جاء ليقود الإنسانية لحياة كريمة فى الدارين الدنيا والآخرة،
والإسلام منذ أن أشرقت شمسه وعم نوره الكون والبشرية تعيش حياة كريمة طيبة آمنة.
وقد أكرم الإسلام الإنسان وجعله سيد هذا
الكون تنفيذاً لأوامر الله - عز وجل- إذ خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له
ملائكته الكرام:(وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى
الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
قال إنى أعلم ما لا تعلمون)
(15).
وقد أولى الإسلام الإنسان اهتماماً منذ بدء
تكوينه ومراحل نشأته الأولى، فقد
حرم الإسلام الإجهاض، كما أنه لم يجز توزيع تركة المتوفى إذا كانت زوجته حاملاً
حتى تضع، وجعل دية الجنين غرة، فقد روى أبو داود فى سننه: "أن امرأتين كانتا
تحت رجل من هذيل، فضربت إحداهما الاخرى بعمود فقتلتها
وجنينها، فاختصموا إلى النبىr فقال أحد الرجلين: كيف ندى من لا صاح ولا استهل،
ولا شرب ولا أكل؟ فقال r: "أسجع كسجع الأعراب"؟! وقضى فى الجنين بغرة، وجعل دية
المرأة على عاقلتها"(16).
فهذا الحديث يدل على أن الإسلام يحترم
الإنسان منذ النشأة الأولى، وأكرم الإسلام الإنسان بعد مولده، وذلك بأن يسمى اسماً
حسناً، كما جعل الإسلام للمولود عقيقة فقال عليه
السلام:" كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه"(17)، كما دعا
الإسلام إلى ضرورة الاهتمام بتريية النشء التربية
الصحيحة فقال عليه السلام: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضريوهم
عليها لعشر وفرقوا بينهم فى المضاجع"(18).
وهناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تبين
مدى اهتمام الإسلام بالإنسان، فقد حذر الرسول الكريم من الاعتداء على الإنسان فقال:" إن
دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا من عامكم هذا، إلى يوم
القيامة، وإن حرمة المؤمن عند الله أشد من حرمة الكعبة"(19)،
ويقول عليه السلام أيضاً "لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله تعالى من قتل
مؤمن، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا فى دم مؤمن لأدخلهم الله النار"(20).
كما بين الله- عز وجل- الغضب الشديد الذى يلحق بالقاتل جزاء فعلته الشنيعة، (ومن يقتل مؤمناً متعمداً
فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً)(21)،
وقد رسم الإسلام الخطوط العريضة لسلامة الإنسان وكرامته، وعدم الاعتداء عليه
وقتله، فقال عليه السلام: "لا يحل دم امرىء مسلم
إلا بإحدى ثلاث خصال: الثيب الزانى، والنفس بالنفس،
والتارك لدينه المفارق للجماعة"(22).
ومن الأمور المؤسفة فى هذه الأيام أن
كرامة الإنسان قد ديست، وأن الاعتداء على حياته أصبح
سهلاً وهيناً، فهذا يقتل ذلك من أجل الاختلاف على شبر أرض وهاتان العائلتان يقتل
بعضهم بعضا من أجل أولاد صغار يلعبون، وهذا يعتدى على
حياة جاره من أجل الاختلاف على مجرى ماء، والناس يتنازعون ويقتل بعضهم بعضا بدون
سبب إلا لأن الشيطان قد سيطر على عقولهم، وقادهم إلى الهاوية، هذا كله
يخالف تعاليم الإسلام التى تنص على
الحلم والعفو والصبر وعلى حقوق الجار وحرمة الإنسان المسلم، فتسمع عن حوادث القتل
بين المسلمين أبناء الشعب الواحد على أمور تافهة، ويقتل الرجال، وييتم الأطفال،
وترمل النساء، وتخرب البيوت، وتحرق المتاجر والمساكن، ويترك أهل القاتل أماكن
سكناهم، وتصاب الأمة بحالة من الذعر.
فالإسلام وضع أساسا هاما لسلامة المجتمع
وحمايته من نار الفتتة والفرقة وهو أن الجانى هو الذى يعاقب وحده.. ما
ذنب أبيه وأهله؟! ما ذنب شقيق القاتل حتى تقتلوه! وما ذنب عمه حتى تعدموه؟!
وما جريمة والده أو قريبه تزهقون أرواحهم البريئة لغير
ذنب ارتكبوه؟!.
إن القصاص يكون من المجرم القاتل فقط إن
كان القتل عمدا، وهذا هو أحد الخيارات الشرعية فى تلك الحالة لقوله عليه السلام:
"من أصابه دم أو خبل فهو بالخيار فى إحدى ثلاث: إما
القصاص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فمن أراد رابعاً فاضربوا على يديه"(23).
فلنترك
أيها الإخوة الكرام العادات الجاهلية، ولنتمسك بتعاليم السماء التى
تكفل لنا حياة كريمة، ولنتعقل الأمور دائما ، فالإنسان الحليم والكريم لا يعد
ضعيفا، بل هذا خلق طيب، حيث بشر الله العافين عن الناس بجنة عرضها السماوات والأرض
(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. الذين
ينفقون فى السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)(24).
وعلينا أن نبتعد عن طريق الشيطان، وأن
نتحلى بالصبر والحكمة، وألا نفرق فى
معاملاتنا بين قوى وضعيف، وغنى وفقير، فقد جاء فى الحديث: "كلكم لآدم وآدم من
تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(25)، وفى حديث ثان:
"
الناس سواسية كأسنان المشط"(26) ، وفى حديث ثالث: "
ألا لا فضل لعربى على عجمى
إلا بالتقوى"(27)، وفى حديث رابع: " إنما أهلك الذين من
قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف
أقاموا عليه الحد، وايم الله لو
أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"(28).
إن الإنسان لا يشعر بالطمأنينة ؛ ولم
ولن يعرف معنى الكرامة إلا إذا تفيأ بظلال الإسلام، وابتعد عن التمرد على الله
والإسلام ودستوره.
هذا الإسلام الذى
قرر أن العبودية لله وحده، ولا عبودية لسواه، وأن الإنسان مرتبط بربه ارتباطاً
مباشراً لقوله تعالى:(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)(29)،
ولقد بعث الله سبحانه وتعالى محمداًr رسولاً لأمته ليخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة
رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
فنظر الإسلام للإنسان بأنه حر وليس عبداً،
فقد قال عمر بن الخطاب t:
"متى
استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، تلك المقولة التى أطلقها فى وجه عمرو بن العاص والى مصر وقتئذ، لأن ابناً
لعمرو بن العاص اعتدى على أحد المواطنين الأقباط فى مصر دون وجه حق فى سباق للخيل.
فعلى المسلمين أن يلتزموا بشرع الله، وأن يحتكموا لهذا المصدر العظيم، وأن يتركوا
العادات الباطلة البعيدة عن طريق الحق والصواب، وأن يستجيبوا لشرع الله عز وجل
لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) (30).
كرامة
الإنسان.. إلى أين؟
يقول الله تعالى: (ولقد كرمنا بنى آدم
وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً)(31). قرأت هذه الآية الكريمة والتى
تبين عظمة الإسلام، ومدى اهتمامه بالإنسان، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بيده،
ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته وجعله سيداً لهذا الكون.
وقد لفت نظرى
ما نشاهده ونقرأه يومياً من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ، وعن العدد الكبير فى
العالم ممن أصابتهم المجاعة فى أفريقيا، وآسيا، والشرق الأوسط، والعالم الثالث،
الذين يتضورون جوعاً ويحتاجون إلى مواد غذائية، وأدوية، وملابس فى ظل هذه الظروف
الاقتصادية الصعبة.
إننا نسمع ونشاهد عبر أجهزة التلفاز،
ونقرأ فى الصحف أخباراً عن مجاعات فى العالم، وعن انتشار الأوبئة والأمراض، بينما
الخيرات الكثيرة تعم العالم، إن هذا يدل على أن هناك دولاً كأمريكا وغرب أوروبا
تعيش حياة متخمة، بينما نرى دولا كثيرة فى أفريقيا وآسيا وغيرها من الدول النامية
تعيش حياة البؤس والشقاء، حتى إن السكان لا يجدون قوتهم الأساسى،
وهذا يذكرنى بما قاله الفيلسوف برنارد شو عندما انتقد سوء التوزيع فى العالم،
فبرنارد شو كان أصلع الرأس كثيف اللحية، فقال: الرأسمالية كرأسى
ولحيتى، كثرة فى الإنتاج وسوء فى التوزيع.
أما الإسلام فقد كرم الإنسان مهما كانت
عقيدته، كما أن الله- عز وجل- جعل الإنسان سيد هذا الكون وأسجد له ملائكته، ونحن
نرى يوم طبق الإسلام فى دولة الإسلام، يوم أن عم نوره الكون، وانتشر العدل على وجه
الأرض، نرى أن عامل الزكاة كان يجمع الزكاة فلا يجد فقراء يستحقونها، هذا يدل على
حالة المسلمين الطيبة وقتئذ، حتى إن عمر بن عبد العزيز كان يأمر عامله أن ينادى
أين الغارمون؟ أين الذين يريدون الزواج؟ وقد يتوهم متوهم بأن الحالة الطيبة، والمعاملة الحسنة من
المسلمين كانت مقصورة عليهم، فنقول: إنها ليست مقصورة على المسلمين بل شملت غيرهم
من أهل الكتاب والبلاد المفتوحة.
فقد روى أبو يوسف فى كتاب الخراج: أن
عمر بن الخطاب t مر بباب قوم وعليه سائل يسأل، وكان شيخاً ضرير البصر ،
فضرب عمر عضده وقال له: من أى أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودى.
قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة
والسن، فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله وأعطاه مما وجده ! ثم أرسل به إلى خازن
بيت المال، وقال له: انظر هذا ، فوالله ما أنصفناه إذ أكلنا شبيبته ثم
نخذله عند الهرم (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)(32) والفقراء هم الفقراء المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل
الكتاب، ثم وضع عنه الجزية.
والعاطفة التى
جاشت بالرحمة فى نفس عمر نحو هذا اليهودى البائس نبعت من قلب متحمس للإسلام، متمسك
بمبادئه، وقد كان عمر شديداً فى دين الله،
ولكن الشدة التى عرف بها لا تعنى التعصب الأعمى،
والضغينة القاسية على المخالفين للدين من أهل الكتاب الأولين.
هذا مثال واحد من أمثلة عديدة ومواقف
مشرفة من مواقف الإسلام العظيمة تجاه الإنسان ، فهل نطبق هذه الأمثلة فى عالم
اليوم، عصر التفرقة العنصرية، وعصر الظلم والاستعباد، وعصر الحضارة الزائفة حيث
يعامل الإنسان أخاه الإنسان بكل بطش وقسوة.
كما أن الإسلام وضع نظاماً اقتصادياً
متكاملاً لو سار عليه البشر لعاشوا حياة سعيدة، ولما رأينا جائعاً واحداً، فقد حث
المسلمين على جمع المال من طريق الحلال، ونهى عن كنز المال، وأعد العذاب الشديد
للذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله، وأمر بالإنفاق فى مجال
الاستهلاك بدون إسراف ولا تبذير، وحث على الإنفاق فى سبيل الله، وعلى الفقراء
والمساكين ، وإقراض المحتاجين وتفريج كروبهم والتيسير عليهم، وحرم الربا (يمحق
الله الربا ويربى الصدقات)(33)، ووضع الكفارات والنذور مساعدة للفقراء، ووضع الزكاة كحق للفقراء فى
مال الأغنياء، وحث أتباعه على إقامة المشاريع، ووضع قاعدة لتوزيع الإرث بحيث يأخذ
كل إنسان حقه، ودعا أتباعه إلى البذل والإيثار وترك الشح والبخل والأنانية وحب
الذات، وبين أن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء
بالحمى والسهر.
تلك هى طبيعة
المجتمع المسلم، فهذا ديننا وتلك تعاليمه، وهذه أمتتا وذلك ماضيها، وهذا هو العالم
وحاضره الذى يعيش فيه، (وما يستوى
البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج)(34).
أما آن للبشرية
التائهة أن تعود إلى الأصل، إلى الحق، إلى سفينة النجاة التى
تقودها إلى حياة كريمة سعيدة، إلى كتاب الله وسنة رسوله فهما مصدر الخير والحق.
حرية الإنسان فى عقيدته
لقد أنعم الله سبحانه
وتعالى على البشرية جمعاء برسالة سيدنا محمد r، هذه الرسالة التى ختم الله بها
الرسالات، وجاءت كاملة شاملة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً) (35).
هذه الرسالة السماوية
نزلت على سيدنا محمد r فى بطحاء مكة، وفى خلال فترة وجيزة، وبفضل الله وعونه إذ بهذه
الرسالة تنتشر انتشاراً سريعاً فى أرجاء المعمورة.
هناك من يقول: إن الإسلام انتشر
بالسيف...
هذا قول خاطىء ،
فالإسلام لم ينتشر بالسيف، ولا بالقوة، ولا بالعنف، لأنه لو انتشر الإسلام بالسيف
لزال الإسلام يوم أن زال السيف.
فهذه بريطانيا كانت الشمس
لا تغيب عن ملكها بفعل السيف ، فلما زال السيف زالت، لكن سيف
الإسلام- على حد قول هؤلاء- زال، ولكن بفضل الله ورحمته نرى وجوهاً جديدة تدخل كل
يوم فى دين الله أفواجاً.
إن الإسلام قد انتشر
بالأخلاق، بالقدوة الصالحة، بالحكمة والموعظة الحسنة، هذا ما تحلى به التجار
المسلمون يوم طافوا البلاد بأخلاقهم الكريمة وصفاتهم الطيبة، فدخل الناس فى دين الله
أفواجاً.
إن الحرية الدينية شئ
شرعه وابتكره ديننا الإسلامى الحنيف..
إن صيحة: (لى عملى
ولكم عملكم أنتما بريئون مما أعمل وأنا برىء مما تعملون)(36) ، هذه الصيحة لم تعرف إلا فى كتابنا العظيم، وإن صيحة: (لكم
دينكم ولى دين)(37) ، هذه الصيحة لم
تعرف إطلاقاً فى ملة أخرى.
كانت أوروبا قبل القرآن وبعده، وكان
العالم كله يعيش فى برك من الدم، وصراع آثم حول إكراه الناس على العقائد، حتى جاء
القرآن الكريم يقول للناس: (لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى) (38).
عندما نتصفح كتب التاريخ فإننا نجد
صفحات مشرقة عن التسامح الإسلامى مع أهل الديانات
الأخرى، وعن الأسلوب الطيب فى احترام الآخرين.
نجد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t
يرفض أن يصلى فى الكنيسة التى عرض عليه أسقف بيت المقدس
أن يصلى فيها، لماذا؟ حرصاً من عمر على بقاء الكنيسة
لأصحابها، فقد قال للأسقف: لو صليت هنا لوثب المسلمون على المكان وقالوا: هنا صلى
عمر، وجعلوه مسجداً !!
كما نلاحظ المعاملة الطيبة من المسلمين
تجاه أهل الكتاب، وهذا ما دفع الكثير من أهل الكتاب للدخول فى هذا الدين الجديد،
لأنهم وجدوا فيه ضالتهم من السماحة واليسر والمحبة والأخوة.
فهذا رسول الله r وقد مرت عليه جنازة يهودى فقام النبى r
لها، فقيل له: إنها جنازة يهودى فقال: "أليست نفساً"(39) .
وهذا أمير المؤمنين- عمر بن
الخطاب- t، يرى شيخاً متوكئاً على عصاه وهو يسأل
الناس، فسأل عنه فقيل: إنه كتابى، وفى رواية- نصرانى- فقال: "خذوا هذا وضرباءه
إلى بيت المال، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته وتركناه عند شيبه"(40).
وروى أن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- ذبحت فى بيته شاة فقال: أهديتم لجارنا
اليهودى منها؟ قالوا: لا، قال: أهدوا إليه، فإنى سمعت
رسول الله: r يقول:" مازال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه "(41) .
إن
صيحة: )فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر((42(.. تظهر عظمة هذا الدين، تظهر مدى
مخاطبته للعقول لتختار بين طريق الإيمان وطريق الكفر، طريق الخير وطريق الشر، طريق الحق وطريق الباطل.
فالإسلام لم يفرض على النصرانى أن يترك نصرانيته، أو على اليهودى أن يترك يهوديته،
بل طالب كليهما- ما دام يؤثر دينه القديم- أن يدع الإسلام وشأنه، يعتتقه من يعتتقه، دون تهجم مر، أو جدل سيئ .
إن التسامح الذى
عامل به الإسلام غيره، لم يعرف له نظير فى القارات الخمس، ولم يحدث أن انفرد دين
بالسلطة، ومنح مخالفيه فى الاعتقاد كل أسباب البقاء والازدهار مثل ما صنع الإسلام،
وفى مجتمع يضم أناساً مختلفى الدين، قد يثور نقاش بين
هؤلاء وأولئك من الأتباع المتحمسين، وهنا نرى تعاليم الإسلام صريحة فى التزام
الأدب والهدوء،(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن)(43).
فالأخوة الإنسانية هى الأساس الذى تقوم عليه علاقات
الناس، حيث إن القرآن الكريم وضع دستوراً للعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين أياً
كانت ديانتهم كما فى قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين
ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين . إنما
ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن
تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)(44)، والعهدة العمرية التى أرسى قواعدها أمير المؤمنين عمر بن الخطابt مع بطريرك الروم صفرونيوس
فى السنة الخامسة عشر للهجرة تمثل لوحة فنية فى التسامح الإسلامى
الذى لا نظير له فى التاريخ، التسامح بين المسلمين
والمسيحيين فى فلسطين الحبيبة، هذه العلاقة الطيبة التى
ما زالت وستبقى إن شاء الله نلاحظها أيضاً. فى بلاد عديدة كأرض الكنانة وغيرها.
والمؤسف أن جهل شريحة واسعة من أهل
الغرب المسيحى بحقيقة الدين الإسلامى،
جعل أفراد هذه الشريحة يعادون المسلمين، ويكونون أكثر قرباً من اليهود الذين يكنون
عداءً تاريخياً لكل من المسيحيين والمسلمين على حد سواء، فى حين أن الإسلام يميز
تماماً بين اليهود والمسيحيين، فيعتبر "اليهود والذين أشركوا أشد عداوة للذين
آمنوا "(45)، فى حين يصف القرآن الكريم النصارى بالقول: (ولتجدن أقربهم
مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا
يستكبرون )(46).
واليهود يصفون السيدة مريم العذراء-
عليها السلام- بأوصاف سيئة، فى حين أن القرآن الكريم يصفها بأجمل وأطهر العبارات
فى مواضع عديدة، ويعتبرها أفضل نساء العالمين قاطبة فى عصرها، حيث يقول الله- عز وجل-
فى محكم آياته: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك اصطفاك على نساء
العالمين)(47).
وبالإضافة إلى ذلك أقول: إنه فى أول عهد
الإسلام قبل الهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة المنورة جرت معركة طاحنة بين
الروم المسيحيين والفرس المجوس، كان النصر فيها للمجوس المشركين.
وفرح المشركون فى مكة بذلك النصر وشمتوا
بالروم، فيما ابتأس المسلمون بسبب هزيمة المسيحيين من أهل الكتاب.
ولما نزلت الآيات الكريمة التى تقول: (الم.. غلبت الروم. فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم
سيغلبون. فى بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح
المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد
الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون)(48)، فقد ابتهج المسلمون بهذا النصر.
كرامة الإنسان فى فلسطين
وها هو الشعب الفلسطينى
مسلمين ومسيحيين يقف اليوم فى خندق واحد، حيث إن الإرهاب الإسرائيلى
لا يفرق بين مسيحى ومسلم، وأن قنابل الاحتلال
وطائراته موجهة ضد المسلمين والمسيحيين معاً،
فكما تضرب القدس والخليل، فهى تضرب بيت لحم، وكما تعتدى على رام الله والبيرة وجنين، فهى
تعتدى على بيت ساحور، وكما
تهاجم طولكرم ورفح وجبالياً، فهى
تهاجم بيت جالا.
إن الهجمة الشرسة التى
يتعرض لها الشعب الفلسطينى فى هذه الأيام قد يتمت
الأطفال، ورملت النساء، ودمرت البيوت والمصانع والمؤسسات، وجرفت المزارع والبيارات، وهاجمت مقرات السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث إن
قوات الاحتلال تتبع سياسة الأرض المحروقة التى لا تبقى
ولا تذر، حيث وصلت هذه الاعتداءات إلى المقدسات الإسلامية والمسيحية، حيث منعت
المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك والصلاة فيه، وإغلاق المسجد الإبراهيمى فى الخليل أمام المصلين، وقصف العديد من المساجد
فى نابلس، وجنين، وطولكرم، والخليل، وبيت لحم، ورفح،
وغزة، وخان يونس، وجباليا وغيرها من المحافظات، كما
امتدت هذه الاعتداءات إلى كنيسة القيامة حيث منعت سلطات الاحتلال المسيحيين من
الاحتفال بأعيادهم، كما أنها تحاصر كنيسة المهد فى بيت لحم، وتقتل وتعتدى على العلماء المسلمين، ورجال الدين المسيحى (مرفق تقرير عن الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات
الإسلامية والمسيحية)، وكما قال الشاعر:
ملكنا فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطح
فحسبكم هذا التفرق بيننا وكل إناء بالذى
فيه ينضح
ومع ذلك فإن القيادة الفلسطينية تسير
على خطى العهدة العمرية، وتتمسك بها، وتسير على هديها حيث إنها تعمل جاهدة على
تشكيل وفد إسلامى مسيحى
مشترك لتظهر للعالم العلاقة الوثيقة بين أفراد الشعب الواحد. ان
الأوضاع الراهنة فى فلسطين خطيرة جداً، ونحن بحاجة إلى دعم
الأشقاء فى الأمتين العريية والإسلامية ،
ليبقى هذا الشعب المرابط متمسكاً بحقوقه، مرابطاً على أرضه، مدافعاً عن عقيدته.
إننى أنتهز هذه المناسبة
ومن خلال علماء الأمة أن أنقل أصدق آيات الشكر والتقدير من الشعب الفلسطينى المرابط ومن القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الأخ
الرئيس/ ياسر عرفات رئيس دولة فلسطين إلى الشعوب العربية
والإسلامية على وقفتها المشرفة مع أشقائهم فى فلسطين، هذه الوقفة وهذه التبرعات
الكريمة التى تبين أننا إخوة فى السراء والضراء، وأننا
أمة واحدة هى الأمة العريية
والإسلامية، وأننا ننتظر مستقبلاً زاهرا بإذن الله،
أن شاء الله سنصلى معا وسوياً فى المسجد الأقصى المبارك وقد تحرر من أيدى المحتلين (ويقولون متى هو قل عسى أن
يكون قريباً)(49).
كلنا ثقة بالله، بأن الليل مهما طال
فلابد من بزوغ الفجر، فما بعد العسر إلا اليسر، وما بعد الضيق إلا الفرج، وان
الفرج آت بإذن الله ، رغم المشككين، رغم الحاقدين، رغم
أعداء الإسلام كلهم، وكما قال الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمنى
ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً