الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
الإنساق كما لخدث عنه القزاق

الإنسان كما تحدث عنه القرآن

الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق عبد الرحمن السعدى

رئيس جمعية الآداب الإسلامية

عميد كلية المعارف الجامعة- بغداد- العراق

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد النبى الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الهداة المهتدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فهذا البحث بعنوان: "الإنسان كما تحدث عنه القرآن " مقدم إلى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فى مؤتمره الرابع عشر المنعقد بالقاهرة فى المدة   20-23/5/2002 م.

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد: "إن القرن العشرين سينتهى بما استحدث من مبادئ ومذاهب وأيدولوجيات، ولا ينتهى ما تعلمه أهل القرآن من القرآن... الإنسان فى عقيدة القرآن هو الخليفة المسئول بين جميع ما خلق الله... يدين بعقله فيما رأى وسمع  ويدين بوجدانه فيما طواه الغيب فلا تدركه الأبصار والأسماع، والإنسانية من أسلافها إلى أعقابها أسرة واحدة لها نسب واحد وإله واحد؟ أفضلها من عمل حسنا واتقى سيئا وصدق النية فيما أحسنه واتقاه 000،) (1).

لم يذكر القرآن الكريم صنفا من المخلوقات كما ذكر الإنسان، فقد ذكره فى مواضع عديدة وفصل القول فيه ابتداءا من قبل أن يرى نور الدنيا وإلى أن يستقر فى مكان الخلود الأخروى، وذكر الإنسان بغاية الحمد وغاية الذم فى آيات متعددات أو فى آية واحدة. فالإنسان يحمد فى حال كماله، ويذم فى حال نقصانه؛ لأنه مخلوق للخير وللشر بما أوتى من إرادة وعقل وتفكير؛ لذلك كان المخلوق الوحيد الذى حمل الأمانة بكل ما تحمله من معنى بعد أن أشفق منها كل مخلوق، وخاف من حملها وتبعاتها كل سماء وأرض وجبل، فأصبح الإنسان بهذا الحمل من أعظم مخلوقات الله، لكنه لم يدرك عظمته ومسئوليته فكأنه جاهل بمكانته ظالم لقدر نفسه، قال تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) (سورة الأحزاب: 72).

وقد حاول أعداء الإسلام أن يشوشوا صفاء التشريع الإسلامى، ويخلطوا السم بالدسم، ويقلبوا الحق باطلا والباطل حقا، فقالوا فى الإسلام زورا وكذبا تجاه الإنسان، فتصدى طائفة من علماء المسلمين لمواجهة هذا الزحف الحاقد، فأثبتوا بالدليل القاطع والبرهان الساطع نزاهة الإسلام ونصاعته فى إعلاء شأن الإنسان.

وبما أن القرآن الكريم هو الأساس الأول للتشريع الإسلامى، وهو الكتاب الإلهى الذى مجد الإنسان وكرمه؛ انعقدت الرغبة فى بحث الإنسان من خلال آيات القرآن الكريم فكان هذا البحث.

ولا أدعى أنه أول بحث فى موضوعه بل هو مسبوق بعديد من البحوث والمؤلفات مع فارق الأسلوب والمنهج.

سائلا الله تعالى التوفيق والسداد فيما نقول ونفعل.

تعريف الإنسان

1- فى اللغة: أصله: إنسيان على وزن إفعلان ثم حذفت الياء لكثرة الاستعمال فقيل: إنسان، فإذا صغروا الكلمة ردوا الياء فقالوا: أنيسيان ؛ لأن التصغير يرد الأسماء إلى أصولها (2).

ويرى الجوهرى: أن وزن إنسان فعلان وإنما زيد فى تصغيره ياء فقيل أنيسيان كما زيد فى تصغير رجل فقيل رويجل وهو تصغير شاذ على غير قياس لأن القياس أنيسان (3).

والإنسان يكون للواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، قال تعالى: (إن الإنسان لفى خسر) (4)، فيقال: هذا إنسان وهذه إنسان، ولا يقال: إنسانة إلا على لغة العامة، وقالوا فى جمعه: أناسين، مثل: بستان وبساتين.

وقد روى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أنه قال: "إنما سمى الإنسان إنسانا ؛ لأنه عهد إليه فنسى" (5).

قال أبو منصور: "إذا كان الإنسان فى الأصل إنسيان فهو إفعلان من النسيان " (6) لأن فعله نسى ينسى.

والناس جمع وأصله الأناس والواحد إنسى، وقيل: الأناس لغة فى الناس.

وقالوا فى لغة: النات بإبدال السين تاء.

وقالوا فى لغة: الإيسان بإبدال النون الأولى ياء وهى لغة طائية.

والإنس: جماعة الناس.

والأنس: بفتح الهمزة والنون- مصدر خلاف الوحشة يقال: أنست به- بكسر النون- أنسا وأنسة، ويجوز فتح النون فى الفعل فيقال: أنس.

ويقال: استأنس الوحشى إذا أحس إنسيا.

وقيل: كل عضوين من الإنسان إذا كانا مقبلين على الإنسان فهو إنسى، وإذا كانا مدبرين فهو وحشى، مثل: الساعدين والزندين والقدمين (7).

ويجمع إنسى على أناسى مثل: كراسى، ويجوز تخفيف الياء، قال تعالى:

(وأناسى كثيرا )(8).

والإنس: البشر، والواحد: إنسى وأنسى بفتح النون وهم بنو آدم.

2- الإنسان فى المنطق:

قال علماء المنطق: (الإنسان حيوان ناطق) (9)، ويعنون بالحيوان: الحياة القائمة فيه، وبالناطق: المفكر والعاقل الذى يدرك الأشياء على حقيقتها.

3- الإنسان فى القرآن والسنة:

لم يرد فى القرآن والسنة النبوية تعريف للإنسان بالمعنى العلمى المقرر للتعاريف، لكنهما تحدثا عن حقيقة الإنسان، وأصل تكوينه، ومراحل تخليقه، وأطوار حياته، منذ الولادة وإلى الانتقال إلى العالم الآخر بالموت، وتحدثا عما عليه الإنسان بعد موته إلى أن يستقر فيما قدر له من نعيم أو عذاب.

القرآن وأصل خلق الإنسان

ذكر القرآن الكريم حقيقة خلق الإنسان وأصل تكوينه فى أكثر من آية قرآنية بأساليب متنوعة: اختصارا وإطنابا وتصريحا وتلميحا بأن أصله من تراب انتماء إلى أبى البشر آدم- عليه الصلاة والسلام- الذى بدأ الله- تعالى- خلقه من طين، ثم تحول بإرادته وقدرته سبحانه وتعالى إلى صورته الحسنة المتميزة عن غيرها من الكائنات الحية.

وفيما يلى طائفة من تلك الآيات القرآنية:

قال تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) (سورة آل عمران: 59) التشبيه واقع على أن عيسى خلق من غير أب كآدم الذى خلق من تراب (10) ولا أب له.

وقال سبحانه: (هو الذى خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى

عنده ثم أنتم تمترون ) (سورة الأنعام: 2) ومعنى تمترون: تجادلون فى قدرة الله تعالى على البعث واستحقاقه وحدة العبادة، وتشكون فى أنه إله واحد (11).

وقال تعالى: ( قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين ) (سورة الأعراف: 12).

قال إبليس ذلك معتقدا أن النار التى خلق منها أشرف من الطين الذى خلق منه آدم (13).

وقال تعالى: ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون* والجان خلقناه من قبل من نار السموم * وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون ) (سورة الحجر: 26،37، 38). الصلصال: الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف أى له صوت إذا نقرته كما يصوت الحديد، والحمأ: الطين الأسود، والمسنون: المتغير، فهو فى أول أمره تراب متفرق الأجزاء ثم بل فصار طينا ثم ترك حتى أنتن فصار حمأ مسنونا أى متغيرا ثم يبس فصار صلصالا نفاذا طبخ فى النار فهو الفخار (13). وقال سبحانه وتعالى: ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ءأسجد لمن خلقت طينا ) (سورة الإسراء: 61) أى لمن خلقته من طين.

وقال جل شأنه: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا "  (سورة الكهف: 37).

وقال تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ) (سورة طه: 55).

والضمير فى قوله: "منها" يعود على الأرض فى الآية السابقة وهى قوله تعالى: (الذى جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا.... ).

وقال تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب.. ) (سورة الحج: 5).

وقال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) (سورة المؤمنون: 12).

والسلالة: فعالة من السل وهو: استخراج الشىء، فآدم استل من الطين، وابن

آدم استل من طين ومنى، وقيل: سلالة الطين هو: الخالص الذى يخرج من بين أصابعك إذا عصرته (14).

وقال تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ) (سورة الروم: 20) أى خلق آباكم من تراب والفرع كالأصل (15). وتنتشرون: تتصرفون فى عبادتكم ومعاشكم.

وقال تعالى: (الذى أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ) (سورة السجدة:  7).

وقال تعالى: (والله خلقكم من تراب.... ) (سورة فاطر: 11).

وقال عز وجل: (إنا خلقناهم من طين لازب ) (سورة الصافات: 11).

واللازب: اللاصق واللازق الذى لصق بعضه ببعض ولزق بما أصابه لأنه طين

حر، وقيل: هو اللزج، وقيل: الخالص، وقيل: المنتن (16) .

وقال تعالى: ( إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين ) (سورة ص:71).

وقال تعالى: (قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين )(سورة ص: 76).

وقال سبحانه: (هو الذى خلقكم من تراب ) (سورة غافر:  (67 ).

وقال تعالى: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) (سورة الرحمن: 14). الصلصال: هو الطين اليابس الذى يسمع له صلصلة يشبه الفخار وهو الطين المشوى بالنار(17).

إن كل ما تحدث به القرآن الكريم عن هذا الكائن البشرى حق ثابت لا ريب فيه، وقد أثبت العلم الحديث أن الإنسان مخلوق من طين أو تراب؛ وبذلك يكون القرآن الكريم قد سبق العقل البشرى إلى ذكر هذه الحقيقة، وبينها بيانا شافيا لا يدع مجالا لتأويل أو تشكيك.

وقد ذهب العلماء الباحثون إلى أن تركيبة الإنسان الجسدية تشتمل على عناصر كلها من مركبات الأرض وهى:

الكربون- الأوكسجين- الهيدروجين- الفوسفور- الكبريت- الكلور- المغنيسيوم- الحد يد- المنجنيز- النحاس- اليود- الفلورين- الكوبالت- الزنك- السلكون- الألومنيوم (18).

يقول الدكتور/ السباعى حماد، الأخصائى فى التشريح والأنسجة والأجنة: (يشكل الماء نسبة 56% من وزن الإنسان العادى غير البدين ،وهذه النسبة تعود بكاملها إلى وزن عنصرى الهيدروجين والأوكسجين المكونين لذلك الماء، وإذا جف الجسد البشرى تماما بعد موته- كأن يكون فى صحراء رملية جافة مثلا ولفترة طويلة- فإنه يبقى من وزنه الأصلى 44% وهو الجزء الذى لو تم طحنه لتحول إلى تراب) (19).

وللعلماء بيان عن المقادير النسبية لبعض العناصر فى جسد الإنسان وهو على النحو الآتى: ماء يصل إلى 68%، بروتين يصل إلى 15%، رماد يصل إلى 5%، مواد نشوية 0.5 % دهن13%.

أما المقادير الكمية فيحتوى جسم الإنسان من الملح ما يعادل ست ملاعق صغيرة، ومن السكر ما يعادل ملء كوب متوسط، ومن الحديد ما يكفى لصنع أربعة مسامير من وزن الخمسة عشر جراما، ومن الفوسفات ما يكفى لملء بالون يحمل جسدا وزنه 67 كيلو جراما فوق الغيوم، أما الدهن الموجود فى جسد الإنسان فإنه يكفى لصنع 75 شمعة مع قطعة صابون من الحجم الكبير، وأما البروتين فإنه يعطى من الغذاء ما يعادل مائة دزينة من البيض، وأما الماء فإنه يعطى ما يعادل 39 لترا (20).

فسبحان من خلق من الطين بشرا سويا، وسبحان من أنزل على رسوله محمد  صلى الله عليه وسلم ،كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتعارض مع الحقائق العلمية التى اكتشفها العقل البشرى مؤخرا بعد أن جاءت فى كتاب الله المجيد مفصلة واضحة، وسبحان من كرم الإنسان بحسن الخلق وجمال المنظر وعدالة الهيئة .

القرآن وأطوار الإنسان الجنين

بعد أن علمنا ما مر من آيات قرآنية أثبتت أن أصل الإنسان من تراب وطين لازب ؛ نجد أنفسنا أمام آيات محكمات تفصل المراحل التى يمر بها الإنسان حين تخليقه وقد أطلق على ذلك حديثا (علم الأجنة).

قال تعالى: ( ما لكم لا ترجون لله وقارا* وقد خلقكم أطوارا ) (سورة

نوح: 13، 14)، وقد جاء ذكر الأطوار الجنينية مفصلة فى القرآن الكريم، وهى حقائق علمية اكتشفها الإنسان مؤخرا وبنى دراسته عليها.

الحقيقة الأولى- أن القرآن الكريم قرر بجلاء أن الإنسان هو نتاج الأبوين من ذكر وأنثى فى قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) (سورة الحجرات: 13).

والحقيقة الثانية- أن الإنسان نتاج نطفة أمشاج أى مزيج وخليط من نطفة الأب ونطفة الأم، قال تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ) (سورة الإنسان: 2).

والحقيقة الثالثة- أن الإنسان يكون من نطفة تمنى. ذلك السائل المنوى الدافق الذى يخرج من صلب الرجل وفقرات ظهره، ومن ترائب المرأة وأضلاعها، قال تعالى: ( فلينظر الإنسان مم  خلق. خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب ) (سورة الطارق: 5، 6، 7).

والحقيقة الرابعة- أن النطفة الممزوجة من ماء الذكر والأنثى تستقر فى قرار مكين وهو الرحم وجداره الداخلى الذى يتخلق فيه الجنين ويحافظ عليه حفاظا شديدا وقويا ؛ ليستقر الجنين وينمو على أحسن ما يرام، قال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ) (سورة المؤمنون:12، 13).

والحقيقة الخامسة- أن الجنين يستقر فى رحم الأم محميا بثلاثة حواجز وهى: الظلمات الثلاث الضرورية لنمو الجنين فى الرحم عكس النور، قال تعالى: (يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ) (سورة الزمر: 6).

وهى: 1- جدار البطن. 2- جدار الرحم. 3- أغشية الجنين.

والحقيقة السادسة- أن النطفة المنوية تنتقل إلى دور العلقة، ثم إلى دور المضغة، ثم تبدأ خلايا العظام وتمام الهيكل العظمى الغضروفى للجنين، ثم تكسى العظام لحما، فيتسارع الجنين فى النمو المطرد مع تعديل وتنسيق أجهزة الجسم بصورة أكمل، فيتغير الخلق خلقا بعد خلق بتنسيق ربانى لطيف، فتتميز الأطراف والأصابع، وينشأ الشعر فى الجلد، وتنزل الخصيتان تدريجيا وكذلك المبيضان فى الأنثى، ويبدأ الجنين بالحركة الذاتية، قال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين* ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين* ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) (سورة المؤمنون:12،13،-14).

والحقيقة السابعة- تيسير السبيل لولادة الجنين وخروجه من رحم أمه، وتعد ولادة الطفل عبر مضيق ضيق وممر ملتو معجزة ربانية وسعت الطريق ويسرت السبيل، قال تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره* من أى شىء خلقه*من نطفة خلقه فقدره* ثم السبيل يسره* ثم أماته فأقبره )  (سورة عبس:17،21).

إن هذه الحقائق القرآنية مطابقة لأدوار الجنين فى تسلسلها الطبيعى الذى اكتشفه علم الأجنة الحديث، وفى ذلك إثبات قاطع بأن القرآن من عند الله وأنه كرم الإنسان واعتنى به وهو جنين عناية فائقة بدأت من دور النطفة وحتى الولادة.

القرآن والإنسان الطفل الرضيع

ولد الإنسان مفارقا رحم أمه ليبصر نور الدنيا بعد أن مر فى مراحل وأطوار تحدث عنها القرآن الكريم بأساليب متنوعة سبق ذكرها.

لقد أصبح الإنسان فى مرحلة الطفولة يحتاج إلى رضاع يدر عليه لبنا يغذى جسمه الضعيف، وهى مرحلة هامة وأساسية تنعكس فيها صحة الإنسان سلبا أو إيجابا ؛ لذلك اهتم القرآن بها أيما اهتمام وأفرد للرضاع آيات عديدة تبين أهميته ووجوبه ونتائجه وحكمه.

فإرضاع الطفل واجب لا يقبل التساهل أو الزيغ؛ لأن فى إرضاعه حياة له،قال تعالى: ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) (سورة البقرة: 233) وإن نضب لبن الأم فقد وجب على الوالد أن يجد لطفله ظئرا (مرضعة) ترضعه وتغذيه بلبنها نيابة عن الأم الأصلية نظير مال يقدم إليها من حساب الوالد، قال تعالى: ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (سورة البقرة: 233)، وإذا نضب اللبن وانعدمت المراضع أمكن للوالد أن يهيىء للطفل غذاءه من أى مصدر صالح للغذاء بعيد عن التلوث.

وإذا وقع الطلاق بين الزوجين وكان لهما طفل رضيع فلا يعقل أن يضيع الطفل ويترك هملا بدون عناية وغذاء، فقد أوجب القرآن على الوالد أن يهيىء لولده الرضاع سواء من أمه أو مرضعة أخرى غير أمه بأجور مالية، يدفعها إلى الأم المطلقة أو المرضعة الأجنبية.

قال تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف

وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ) (سورة الطلاق: 6).

كما أوجب القرآن أن يتم التعامل فى موضوع الرضاع بالمعروف والمودة