الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
الديق الإسلامى نطام للسلام

الدين الإسلامى نظام للسلام

الأستاذ الدكتور/ جاسم على سالم الشامسى

أستاذ القانون المدنى- وكيل كلية الشريعة والقانون

المستشار القانونى لجامعة الإمارات العربية المتحدة

إن كلمة الإسلام مشتقة من كلمات السلم والسلام، أو فى مفهومها معنى الاستسلام لنواميس الكون ولسنن الله التى قدرها، وهو ذات معنى المسالمة فى معاملة الناس(1).

والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، قال تعالى: (هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام) (2).

وهو ما أوضحه رسول الله   صلى الله عليه وسلم  بقوله: "إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضع فى الأرض فأفشوا السلام بينكم، ثم كرر هذا الاسم فى الدعاء النبوى "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، (3).

 وعبارة " السلام عليكم- وعليكم السلام ورحمة الله " هى التحية اليومية المتداولة بين المسلمين والعرب حتى فى حاضرهم، وهى من أفضل تحيات الأمم "لتضمنها السلامة التى لا حياة ولا فلاح إلا بها، فهى الأصل المقدم على كل شىء... فتضمنت السلامة نجاة العبد من الشر، وفوزه بالخير مع اشتقاقها من اسم الله " (4).

وإن أكثر الناس أجرا أحسنهم تحية، لما جاء فى الحديث النبوى "وخيرهما الذى يبدأ صاحبه بالسلام " (5) وإن رد التحية واجب دينى وأخلاقى، عملا بقوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شئ حسيبا ) (6) فالذى تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال: وعليك السلام، لمن قال: السلام عليكم- من أهل الكتاب، فإن هذا من باب العدل (7).

وعندما وجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم كتبه إلى الملوك ليدعوهم إلى الإسلام خاطبهم بقوله: "سلام على من اتبع الهدى".

وإذا ماذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أو أى نبى آخر تبعت اسمه دوما عبارة (عليه السلام) فهى عبارة تدل على أفضل الدعوات والتحيات.

ولقد سميت الجنة دار السلام فى أكثر من آية من آيات القرآن الكريم: (والله يدعوا إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) (8)، ( لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ) (9).

وقد ورد فى تسمية الجنة بدار السلام أنه قيل : السلام هو الله والجنة داره، وقيل: السلام هو السلامة والجنة دار السلامة من كل آفة وعيب ونقص، وقيل: دار السلام ؛ لأن تحيتهم فيها سلام، لقول الله تعالى فى الآية العاشرة من سورة يونس (وتحيتهم فيها سلام )، ولا تنافى بين هذه المعانى جميعا (10).

وإن كلمة السلام ومشتقاتها قد وردت فى كثير من آيات القرآن الكريم تجاوزت نحو المائة، وذلك خلاف كلمة الحرب ومشتقاتها التى لم تذكر إلا فى ست آيات فقط من القرآن الكريم (11).

ويقول سيد قطب- رحمه الله: "إن التناسق فى طبيعة الكون وفى ناموس الحياة وفى أصل الإنسان- مستمد من طبيعة السلام فى الإسلام، فتستند إلى أصل أصيل عميق، ويصبح السلام هو القاعدة الدائمة، والحرب هى الاستثناء الذى يقتضيه الخروج عن هذا التناسق فى دين الله الواحد" (12).

ويقول سيد قطب: "إن النظرة الكلية للإسلام عن الحياة تهدينا إلى أنه يعد الحياة الإنسانية وحدة. وحدة من ناحية الزمن، متماسكة الحلقات، متدرجة الخطوات، متضامنة الأجيال، متعاقبة الأطوار (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون )  (13).

ووحدة من ناحية الفطرة، متماسكة النوازع والأشواق، ممتزجة المادة والروح قابلة للارتفاع إذا حسن توجيهها وتزكيتها، مستعدة للهبوط إذا ساء التوجيه والعبادة (ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها ).... " (14).

المطلب الأول

السلام والمساواة والحرية من خصائص الإسلام

يعد الإسلام مبدأ المساواة من المعايير الكلية، فجميع الناس متساوون شرعا-

- فى الإسلام- فى الحقوق والواجبات، دون تمييز من حيث العرق أو الجنس أو اللون أو النسب أو العقيدة، فالتقوى وحدها مقياس الكرامة فى الإسلام.

فهذا المبدأ ظاهر فى النصوص القرآنية، قال الله سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (15)، وقال سبحانه: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء )   (16)، وقوله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير)  (17).

فجميع هذه الآيات الكريمة دليل واضح كوضوح الشمس على أن المساواة مبدأ أساسى فيها، وخاصية فى غاية الأهمية فى الدين الإسلامى.

ولذلك فقد طبق هذا المبدأ تطبيقا دقيقا فى عز الدولة الإسلامية، فالواجبات الدينية يلزم بها جميع المسلمين دون تفرقة بين مواطن و أجنبى، أو بين رجل وامرأة، أو بين أبيض وأسود ؛ فهم جميعا صف واحد فى الصلاة وهم جميعا فى حجهم وعمرتهم، وإذا زدنا فى البيان فنورد التالى:

1- لا يفرق الإسلام بين الناس بسبب الدين:

حيث إن قاعدة المساواة تطبق على المسلمين فى جميع أرجاء الدولة الإسلامية، وكذلك يمتد تطبيقها إلى غير المسلمين المقيمين فى دار الإسلام سواء بعقد الذمة أم بعهد الأمان، فهم يتمتعون بالمساواة القانونية والقضائية وتستثنى أحكام الأسرة ؛ رعاية لحرمة العقيدة والوجدان.

ومن ذلك ما ذكر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن حسن معاملته لأهل الذمة عندما أعفى اليهودى المسن الضرير من ضريبة الجزية، وأمر له بالعطاء من بيت المال.

2- ولا يفرق الإسلام بين الناس بسبب النسب والطبقات الاجتماعية:

قضى الإسلام على التفاخر الجاهلى بالنسب والطبقات الاجتماعية فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : "كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم " (18)، وقال  صلى الله عليه وسلم : "أنا أخو كل تقى ولو كان عبدا حبشيا، وبرىء من كل شقى ولو كان شريفا قرشيا " (19).

وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  كيف أنه لا تمايز فى الوظائف بسبب النسب لما طلب منه عمه العباس أن يوليه إحدى الولايات، إذ قال له صلى الله عليه وسلم: "لا يا عم إنها أمانة، وإنها لخزى وندامة يوم القيامة، إلا من أخذ بحقها ووفى الذى عليه فيها " (20)، وجاء بعبارة أخرى: "إن شئتم أنبأتكم عن الأمانة ما هى: أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل ".

ولقد ساوى الإسلام فى العقوبة بين جميع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

" أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف فيهم تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الحق لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (21).

3- لا يفرق الإسلام بين الناس بسبب الجنس أو اللون أو الموطن:

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : " ليس لعربى على أعجمى، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى". وقد تم تطبيق هذا المبدأ فى الواقع أيام النبى صلى الله عليه وسلم   وصحبه فلم يمنع اللون أو العرق من تقدم الصحابة فى المجتمع كصهيب بن سنان الرومى وسليمان الفارسى وبلال بن رباح.

فلا مجال لأن يفخر إنسان بحسبه ونسبه، ولا أن يحتقر إنسان بسبب نسبه،

أو قلة ذات يده، حيث يقول الشاعر:

الناس من جهة التمثيل أكفاء             أبوهم آدم والأم حواء

فإن يكن لهم فى أصلهم شرف            يفاخرون به فالطين والماء

ومن أجل ذلك نجد أن الإسلام قد نجح فى توثيق الروابط بين الذين آمنوا

به. وقد كانت تلك الروابط أقوى على مواجهة المحن، وأقدر على حل مشكلات المجتمع، حتى شاهدت الدنيا- ولأول مرة فى تاريخها الطويل- أن الإسلام قد أقام مجتمعا ظل فترة طويلة لم يحتج إلى قضاء يرجع إليه فى فصل خصوماته، ولا إلى شرطة تحفظ أمنه، وترعى حقوقه، وتسهر على حراسة مقوماته (22).

4- لا يفرق الإسلام بين الناس بسبب العداوة والبغضاء:

تتطلب المساواة العدالة بين الناس دون تحيز، قال تعالى: ( ولا يجرمنكم  شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (23).

تكتمل المساواة بصيانة الحريات بأنواعها، وأكثرها وضوحا الحرية الشخصية وحرية التملك، وهما اللتان أكدهما الرسول صلى الله عليه وسلم    : "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا.... إنما المؤمنون إخوة، فلا يحل لامرئ مال أخيه إلا من طيب نفسه" (24).

ومن آثار هذه الحريات تحريم الاعتداء على حقوق الغير والإضرار بهم " لا ضرر ولا ضرار" (25) وتحريم أخذ مال الغير بلا سبب شرعى، قال تعالى: ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) (26).

وأيضا من الحريات حرية الفكر والعقيدة.

المطلب الثانى

السلام ومبدأ الأخوة بين الناس

لقد مر التعاون بين الأديان والملل بمراحل مختلفة، إذ كان التعصب الدينى والمذهبى بدايتها، وهو ما كان يقود إلى التعنت والتصلب فى العلاقات بين معتنقى الأديان وأتباع المذاهب، وهو ما كان يقود فى أحيان إلى الحروب.

وإن تبدل الموقف فى العصور الحاضرة إلى نبذ هذا التعصب والتطرف، وتبنى الحرية الدينية والتسامح والتساهل فى الاعتناق، وكان هناك من يؤيد فكرة التقارب بين الأديان وطرح الحوار المشترك.

وبالنظر إلى ما قرره الدين الإسلامى حيث إن الناس جميعهم من أب واحد وأم واحدة وهم إخوة، وفى ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : " أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة " (27)، وأن المؤمنين برجوعهم إلى رب واحد ومنهج واحد إخوة فى الدين (إنما المؤمنون إخوة) (28)، وبين الإسلام أن هذه الأخوة لها حقوق وواجبات تعود فى جملتها إلى ما يحقق التعاون والتآزر، وقد ذكر القرآن الكريم ذلك فى قوله سبحانه وتعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..، إلى قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن  أكرمكم عند الله أتقاكم  إن الله عليم خبير ) (29)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تنابزوا، وكونوا عباد الله إخوانا) (30)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه " (31).

ولقد فقه المسلمون معانى الأخوة التى يتطلبها ديننا الإسلامى ؛ فهذا موقف عثمان بن عفان  رضى الله عنه  من تجارته التى جلبت إلى المدينة المنورة عام قحط وقلة الخيرات، فهو أرجح شاهد على نماء الشعور بالأخوة وتأصله لديهم فى علاقتهم ببعض، حضرت هذه التجارة العظيمة والمسلمون فى حاجة ماسة إلى الطعام والغذاء حيث كان عام جدب ومجاعة، وحضر التجار يساومون عثمان بن عفان رضى الله عنه  فى ثمنها، حتى بلغوا بها أضعاف قيمتها، وعثمان  رضى الله عنه يرفض ويصر على الرفض، لما سئل قال: لقد بعتها إلى من زادنى عما أعطيتمونى، بعتها إلى من اشتراها بعشر أمثالها، وتصدق بها على المسلمين.

وأيضا موقف عمر بن الخطاب  رضى الله عنه فى عام الرمادة، وقد أجدب المسلمون وأجهدهم الجوع حتى إنهم لم يجدوا ورق الشجر ليأكلوه، فأرسل عمر رضى الله عنه إلى ولاته يبعثون له بالأرزاق، فلما أحضرت، أخذ يعد الطعام بنفسه للمسلمين، ولما قرقرت بطنه من الجوع، ضرب عليها بيده، وقال: " قرقرى أو لا تقرقرى، فوالله لا تذوقين سمنا ولا عسلا حتى يشبع المسلمون ".

وهذه المعانى السامية تربى عليها المسلمون فى عهد الرسالة ونقلوا هذه المبادئ لمن يليهم وهكذا.

ودائما الإسلام يحث  المسلمين على التسامح والعفو، فقوله سبحانه وتعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم  والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) (32).

فهذه المبادئ السامية قد طبقها الفقهاء فيما بعد، وجاهر بها رواد النهضة الفقهية الحديثة أمثال جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده وغيرهما.

فجمال الدين الأفغانى نفر من قول سنى وشيعى وقال بأنه لا يحب هذه التفرقة التى أحدثتها مطامع الملوك لجهل الأمة (33)، وهو قول موافق للآية الكريمة (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء ) (34). وكذلك قال الأفغانى بأن الأديان الثلاثة: المسيحية والإسلام واليهودية متفقة فى المقصد والغاية، وأن كتبها متفقة بالتعاليم الجوهرية، وأما اختلاف أهل الأديان "فليس هو من تعاليمها ولا أثر له فى كتبها، وإنما هو صنع بعض رؤساء أولئك الأديان الذين يتجرون بالدين، ويشترون بآياته ثمنا قليلا، ساء ما يفعلون " (35).

وبنفس الروح الإنسانية، قاوم الشيخ محمد عبده التعصب الأعمى، ودعا إلى المودة والتعاون بين أبناء الجمعية البشرية، فقال: " ما هو النازل الذى حل بالإنسان، فغير معالمه الطبيعية، وبدل أخلاقه السليمة، وحل رابطته النوعية.. الإنسان جرثومة واحدة، نشأ عنها عائلة واحدة، حواها بسيط واحد، وربطتها عادات وأخلاق متحدة الصفة- ولقد أثرت هذه الحال تأثيرا فنيا فى الحجم الغفير من عقلاء الناس، فمالوا إلى خدمة الإنسانية من غير أن يتعصبوا لجنس ولا دين ولا مذهب، فإذا رجع الإنسان إلى مركزه الطبيعى، لا نرى الجمعية البشرية بعد إلا كساكنى منزل واحد، يرتفقون بمنافعه على السواء، ويجدون من بركات الأرض ما يكفيهم مؤونة التعصب ويكفهم عن الشقاق والعناد"(36).

المجادلة بالتى هى أحسن:

والتعامل بين المسلمين وغيرهم من الأديان أوضحها القرآن الكريم بأن تكون بالحوار والتعاون فيما بينهم لإيصال حقيقة ديننا الإسلامى، قال تعالى: ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا  خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (37).

وأوصى القرآن الكريم بمعاملة أهل الكتاب بالحسنى، وبمحاورتهم بالرفق والحكمة، حيث قال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم.... ) (38) وقال تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ويينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (39) وقال تعالى: (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى  لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد) (40).

ولقد أوصى القرآن الكريم بالمسيحيين خاصة، ونوه بما فى قلوبهم من رحمة، وبما لرجال الدين منهم من منزلة ؛ لتواضعهم وعدم استكبارهم، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ( ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ) (41)، وقال تعالى أيضا: ( ولتجدن أقريهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين  ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق )(42).

المطلب الثالث

تحقيق التوازن فى الإسلام بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة

إن المصلحة فى حقيقتها قد تكون مصلحة خاصة للفرد، وقد تكون مصلحة عامة للمجتمع، وقد عنى الإسلام بهذه المصالح بحيث ضمن الحق للفرد والجماعة بشكل راق لم يسبقه إليه أى مذهب وضعى، ونحاول أن نستعرض ذلك فى الآتى:

 أولا: عناية الإسلام بالفرد وحقوقه:

عنيت الشريعة الإسلامية بالفرد ؛ مقررة بذلك إنسانيته، حافظة لآدميته، وصائنة لكرامته وحقوقه العامة والخاصة   (43 ).

ونعرض ملامح هذه العناية فى الآتى:

1- أكد الإسلام على أن مصلحة الفرد مقصد من مقاصده، سواء كانت ضرورية، أم حاجية، أم تحسينية، مما يعنى كفالة الحياة الكريمة للفرد وتيسير سبلها المشروعة، وعنى من ثم بوضع القواعد التى تضمن حفظ الحياة للفرد وصيانة عقله وحماية عرضه وماله.

2- أكد الإسلام على مبدأ المساواة الحقيقية بين الأفراد فى الحقوق والواجبات، دون تمييز بين الأصل أو الجنس أو الدين أو العقيدة أو المركز

الاجتماعى أو الاقتصادى، يقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم : "الناس أمام الحق سواء " وقال: "الناس سواسية كأسنان المشط  " (44).

3- اهتم الإسلام بتكريم الإنسان واحترام شخصه، فاعتبره أكرم مخلوق على الأرض، وهو يستحق الكرامة باعتباره إنسانا، دون نظر إلى دينه أو لونه أو نسبه أو جاهه، يقول الله تعالى: (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (45)، وهو بهذا أكد على الحرية الشخصية وصيانة حرمتها.

4- أباح الإسلام حرية العقيدة الدينية وحرية الفكر وحرية القول، يقول سبحانه وتعالى: ( لا إكراه فى الدين ) (46)، ويقول تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) (47).

5- حرص الإسلام على تربية الفرد وصلاحه باعتباره محور المجتمع، فإذا صلح الفرد صلح المجتمع، وعلى اعتبار أن الإنسان دائم التفضيل لذاته بما طبع عليه من حب الذات، مما قد ينتج عنه من تعطيل لمصلحة المجتمع ؛ لذا جاء الإسلام بقواعد لتقوم الفرد وتحسن من خلقه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم  : "خياركم أحاسنكم أخلاقا  " ( 48).