خصوصية الإسلام
دين رحمة وسلام
الأستاذ/ إبراهيم شعيب على
رئيس الجمعية النيجرية للدعوة إلى الوحدة
والتضامن الإسلامى بالنيجر
مقدمة:
الحمد
لله
الذى ارتضى لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الإسلام دينا، وجعل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة الشرائع وأكملها، وأرسل بها أفضل خلقه وخاتم أنبيائه محمدا صلى الله
عليه وسلم .
فإن
الإسلام منذ بزوغ فجره تعرض لطعنات متنوعة ومتفننة من القوى المعادية والمناوئة
له، ووقف صامدا أمام هذه القوى، حتى دخل فى معارك ضارية
فرضت عليه، وإن ما يواجهه الإسلام اليوم من القوى المناوئة له أشد ضراوة وأبلغ كيدا مما واجهه من قبل، سواء فى كثرة هذه القوى، أو فى فعالية الأدوات
التى تحارب الإسلام بها، ففى
العصر الحديث كثرت التيارات الفكرية بحكم التقدم العلمى
والمكتشفات التى غيرت وجه الحياة تغييرا ماديا ونفسيا ومعنويا.
فالآن
تقوم وسائل الإعلام الغربية- بشتى أنواعها
- بتلفيقات لا سند لها ولا
تمت إلى الحقيقة بصلة كقولهم: إن الإسلام يحرض أتباعه على العنف وإراقة الدماء، ويعلم أتباعه الإرهاب، وهذا هراء (كبرت كلمة تخرج من
أفواههم إن يقولون إلا كذبا)
، (سبحانك هذا بهتان عظيم ). فالإسلام بريء كل البراءة
من هذه التهم البالية الملصقة، إنما الغرض من هذه التهم تشويه صورته وتعاليمه،
فالإسلام ما ورث العنف منذ لحظته الأولى وحتى الآن
، وسيظل شامخا خافقا مهما كاد له الكائدون إلى
يوم القيامة.
لقد
انتشر الإسلام بتعاليمه الإنسانية السمحة، وليس بالسيف والعنف كما يدعى الغرب،
والدليل على ذلك من واقعنا الجغرافى، فقد انتشر فى السودان الغربى من تشاد، النيجر ، مالى، السنغال، إلخ ولم يأت لهذه البلاد جيش غاز أو قائد فرض بالسيف دين
الإسلام.
وإن شاء الله سأقوم بإلقاء الضوء
على بعض المواقف الدالة على أن الإسلام كله رحمة ودين سلام، وسيتم تقسيم هذا البحث
المتواضع إلى المقاصد الرئيسية الآتية:
المقصد الأول
(أ) دعوة الإسلام إلى التراحم:
فالتراحم
هو أن يتعامل الناس على أساس من العطف والشفقة والتواضع والإحسان، ويشعر كل فرد
فيهم بأنه عضو فى المجتمع الإسلامى
يعمل من أجل إسعاده وتقدمه، فهو لا يعيش لنفسه وإنما يعيش لأمته، وقد دعانا ديننا الإسلامى إلى التراحم وحثنا عليه لما فيه من توثيق الصلات
وتوكيد الروابط الأخوية بين المسلمين، وتطهير النفوس من القسوة والكبرياء والحقد
والبخل، حتى يعيش المسلمون إخوة متحابين متعاونين فى
السراء والضراء.
قال
تعالى فى الإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين:
(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى
القربى
واليتامى والمساكين والجار
ذى
القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا
فخورا ) (1).
وقال
فى الإحسان إلى اليتيم: (فأما اليتيم فلا تقهر* وأما
السائل فلا تنهر) (2).
وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم
مثلا أعلى للرحمة والشفقة والتواضع.
(ب) مجالسة الرسول صلى
الله عليه وسلم مع فقراء الصحابة:
فمن
رحمته وشفقته أنه كان يجالس الفقراء ويحسن إليهم ويعود
مريضهم ويشيع جنائزهم ويتطلف معهم فى
حديثه ومعاملاته، فمن أقواله صلى
الله عليه وسلم فى الحث على التراحم: " تمثل المؤمنين فى
توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". رواه
مسلم، وقوله صلى الله عليه
وسلم : "ما نقصت صدقة من
مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" . رواه مسلم،
ويقول الله سبحانه وتعالى (واصبر
نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة
والعشى يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة
الحياة الدنيا ) (3) .
وروى
عن النبى صلى الله عليه وسلم "أن رجلا زار
أخا له فى قرية أخرى،
فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا، فلما أتى إليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لى فى هذه القرية. قال: هل له عليك
من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير
أنى أحببته فى الله تعالى. قال: فإنى رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته ". رواه مسلم.
وكان صلى
الله عليه وسلم فى صلاته بالناس يخفف ؛ لأنه يقدر حالة السقيم، والشيخ الكبير، وذى الحاجة.
(جـ) عطف الرسول صلى الله عليه وسلم على خدمه:
كان
قيل شديد العطف على الخدم، كثير الشفقة عليهم، يداعبهم ويبش فى
وجوههم ويهش للقائهم، قال أنس بن مالك: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عند أمى فرأى أخى أبا عمير حزينا. فسألها النبى: ما بال أبى عمير حزينا؟ فقالت يا رسول الله، مات نغيره (وهو طائر كان يتسلى به) فقال صلى الله عليه وسلم مداعبا
له: أبا عمير ما فعل النغير؟ وكان
كلما رآه قال له هذا،. وقد شملت رحمته صلى الله عليه
وسلم كافة الأحياء فهو
القائل: "دخلت امرأة النار
فى
هرة حبستها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ". ووصف الله تعالى نبيه بالرحمة
فقال. ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه
ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) (4).
(د) فضائل التراحم:
إن
المجتمع الذى يسوده التراحم وينتشر بين أفراده، لاشك
أنه مجتمع صالح جدير بالحياة الآمنة المطمئنة البعيدة عن الصخب والتآمر والتحاسد.
ومن فضائله ما يلى:
1-
أنه يقضى على كثير من الأمراض الاجتماعية التى تفتك
بالمجتمع وتشل حركته فى التقدم والرقى، مثل: السرقة
والغش والقتل.
2- بالتراحم يتماسك أفراد المجتمع ويكون قوة واحدة، فيختفى شبح البؤس والفاقة، ويعيش الناس إخوة متحابين فى الله.
3- أن التراحم يطهر النفوس من الحقد والحسد والضغينة
والرياء والكبر، وغير ذلك من الصفات القبيحة التى إن انتشر داؤها العضال؛ كانت وبالا على الأمه (5).
(هـ)
تتآلف القلوب بالتراحم:
إن
التراحم بين أفراد المجتمع يفضى إلى تآلف القلوب وتقارب النفوس، فما يدرك بحسن
المعاملة واللين لا يدرك بالقوة والشدة، وقد مدح القرآن الكريم أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم فى
تأليف قلوب أصحابه والتفافهم حوله حيث يقول الله سبحانه وتعالى: (فبما
رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر
فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) (6).
المقصد
الثانى
(1) رحمة الإسلام تعدت إلى البهائم والطيور :
عن
أبى هريرة رضى الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل
يمشى فى الطريق وقد اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل
بها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث وهو يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل: لقد بلغ
هذا الكلب من العطش مثل الذى بلغ منى، فنزل البئر فملأ
خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله تعالى فغفر له. قالوا: يا رسول الله
أ إن لنا فى البهائم لأجرا؟ قال: فى كل ذات كبد
رطبة أجر". وقال: "دخلت امرأة النار فى هرة، لا هى أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ".
وعن
أبى الدرداء رضى الله عنه "أنه كان يتبع الصبيان فيشترى منهم
العصافير فيرسلها ويقول لها: اذهبى فعيشى
حيث شئت ".
(ب) من مظاهر رحمة الإسلام على أهل الأديان:
تعاطف
سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه مع أهل الذمة: وروى
عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عنه "أنه رأى رجلا من
أهل الذمة يسأل على أبواب الناس وهو شيخ كبير، فقال له عمر رضى
الله عنه: ما أنصفناك، أخذنا منك الجزية
شابا ثم ضيعناك اليوم. وأمر بأن يجرى عليه قوته وأمثاله من بيت مال المسلمين
".
يقول
الحق سبحانه وتعالى: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين
ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) (7).
(جـ) الحكمة فى رعى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم:
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبى إلا وقد رعى، قالوا: يا رسول الله وأنت قد رعيت؟ قال:
نعم كنت أرعى الأغنام على قراريط فى مكة
". فالحكمة هنا فى رعى الأغنام تتجلى فى ابتلائهم على البهائم أولا، حتى
تظهر
شفقتهم على خلقه وهو أعلم بهم، وإذا وجدهم مشفقين على البهائم جعلهم أنبياء،
وجعلهم مسلطين على ابن آدم فى أمر دينهم.
(د) اتخاذ الله موسى صفيا لرحمته بخلق
الله:
وروى
أن موسى- عليه- الصلاة والسلام- قال: "يا رب بأى شيء
اتخذتنى صفيا؟ قال: برحمتك على خلقى،
فإنك كنت ترعى لشعيب عليه السلام، فندت شاة من غنمك فاتبعتها فأصابك الجهد فى طلبها حتى أدركتها، فلما أخذتها ضممتها إلى حجرك وقلت لها:
يا مسكينة أتعبتنى، فبرحمتك على خلقى
اصطفيتك وأكرمتك بالنبوة. (إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى).
(هـ)
من أقوال الصحابة رضى الله عنهم حول التراحم:
كان
الصديق أبو بكر رضى الله عنه يميل دائما إلى الرفق
والتراحم، ويبدى اهتماما كبيرا بأمر الضعفاء، وعندما شيع جيش أسامة بن زيد وهو خارج
للجهاد قال لرجاله: "لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا
تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا
نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا
لمآكله.
وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم فى الصوامع فدعوهم
وما فرغوا أنفسهم له ".
إنها
وصية تنطوى على الرفق والرحمة وحقوق الإنسان، وأترك
التعليق أسفا لما نراه اليوم على أيدى السفاحين
الديمقراطيين الذين يدعون زورا وكذبا التشدق بحماية حقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب،
وهم فى الواقع الإرهاب نفسه.
(و)
الرسول الكريم يستثير عاطفة التراحم فى الجماعة المسلمة:
يقول
الرسول صلى الله عليه وسلم :
"تراحموا ترحموا. فقالوا: يا رسول الله كلنا
رحماء. فقال: ليس ذلك، ليس الرحيم الذى يرحم أهله
وأولاده. ولكن الرحيم الذى
يرحم عامة المسلمين، فتراحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم". وروى عن جرير بن عبد
الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : "من لا يرحم
الناس لا يرحمه الله ". وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تنزع الرحمة
إلا من شقى".
ما
أروع الإسلام وهو يصور الذين يقبضون أيديهم عن الإحسان إلى الفقراء بأنهم يقبضونها
عن رحمة الله- جل جلاله- بهم، فقد ورد فى الحديث القدسى "
يا ابن آدم مرضت فلم تعدنى، واستطعمتك فلم تطعمنى، واستسقيتك فلم تسقنى، قال:
يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: مرض فلان فلم تعده، أما إنك لو عدته لوجدت
ذلك عندى. واستطعمك عبدى فلان فلم تطعمه، أما إنك لو
أطعمته لوجدت ذلك عندى. واستسقاك عبدى
فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندى "0 (8).
المقصد الثالث
(أ) الإسلام دعوة
إلى الحياة الكريمة:
قال
تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا
أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون * واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب * واذكروا
إذ أنتم قليل مستضعفون فى الأرض تخافون أن يتخطفكم
الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ) (9).
يوجه
الله-
تعالى- عباده المؤمنين إلى المحافظة على تعاليم الإيمان، والتمسك بما جاء به نبى
الإسلام صلى الله عليه
وسلم ففى ذلك الحياة الطيبة فى الدنيا والآخرة، حيث
تشتمل دعوة الإسلام على الأخلاق الكريمة والفضائل الإنسانية التى
إن تعامل الناس بها عاشوا سعداء فى الدنيا والآخرة وينبهنا
ربنا- جل وعلا - إلى أنه- سبحانه- يعلم ما فى نفوسنا، وقادر علينا فى جميع شئوننا، وسنرجع إليه يوم القيامة للحساب، ويحذرنا من
مخالفة أوامره، ومن ترك المخالفين يفسدون فى الأرض فيجب علينا أن نطيعه
ونمنع المفسدين من المخالفة وإلا نزل العقاب بالجميع.
روى
الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال:" والذى
نفسى بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم
شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم ". ويذكرنا الله- سبحانه وتعالى- بما
أنعم به على المؤمنين الأولين من أهل مكة فقد كانوا فى
قلة وضعف، وخوف من أعدائهم المشركين والمجوس والروم أن يخطفوهم من ديارهم، فهيأ الله لهم الهجرة إلى
المدينة وقواهم ونصرهم ووسع أرزاقهم، وأصبحوا سادة لما تمسكوا بدينهم وحافظوا على
إسلامهم (10).
(ب) متفرقات:
نظرة
إلى واقع البشرية المؤسف:
1-
يكثر الحديث فى الآونة الأخيرة عن ظاهرة التطرف والعنف،
ولا يكاد يمر يوم إلا ونسمع فى وسائل الإعلام عن متطرفين،
يهاجمون أو عن أجهزة الأمن تحاصر أو تقتل متطرفين، والظاهرة عامة تكاد تمتد على
مساحة الكرة الأرضية وإن كان العنف الأصولى هو الأبرز
على الساحة، وفى حالة وجود عنف فى مكان
ما
"مجهول الهوية" فمن الأسهل أن يقال: إنه عنف أصولى،
بل إن كثيرا من عتاة المجرمين ينفذون جرائمهم، وعندما يعوزهم المبرر يقولون: إنهم
يحاربون الإرهاب الأصولى.
2- تجاوزات إسرائيلية: وإذا أرادت إسرائيل ابتلاع
أرض فلسطين، وتقتيل شعبها وملاحقته فى كل مكان بمختلف
الوسائل الإرهابية، وافتتحت سجون أنصار 1-2-3-4 ؛ لاستيعاب الآلاف من
الأحرار المطالبين بالحرية لشعبهم وأرضهم، وإذا فعلت إسرائيل ذلك
فإنما تفعله لحماية العالم من شرور الأصولية وإرهاب الأصوليين، وهذا كذب وتلبيس
للحق بالباطل، إن طلب الاستقلال والدفاع عن المال والأرض والعرض حق يكفله القانون الدولى وشرع الله.
3- أوروبا وأمريكا هما وكرا الإرهاب: وإذا تآمرت أوروبا
وأمريكا والمنظمات الدولية جميعا وتفاهمت على غض البصر عن المذابح التى يندى لها جبين كل شريف فى
الدول الإسلامية بل وكل إنسان حر على وجه الأرض. فإذا طلعت علينا الصحف لتبرير هذه
المذابح التى يتخذونها تكئة
لأفكارهم وأفعالهم الشريرة فهذا قلب الحقائق، وكما يكون الإرهاب بالسلاح يكون بالكلمة التى تهدد أمن الآخرين. إننا نريد أن يحل الحوار والنقاش محل
القنبلة والمسدس حتى لا تطغى القوة على الحق كما تفعله إسرائيل حاليا، فهى تتخذ من الإرهاب جريمة تصادر الدولة وإرادة الأمة باسم
المصلحة وتهدد بالقوة الباطشة حقوق الشعب الفلسطينى
ومصادرة إرادته الحرة واستقلاله باسم محاربة الإرهاب، والذى
تمارسه إسرائيل هو الإرهاب بعينه وهو مرفوض دينيا وإنسانيا، ومهما افتعلوا
له من أسباب وهمية ومبررات فهو ادعاء واغتصاب، وتوسع، وأخذ حق الغير بالقوة. 4- تهمة
إسرائيلية لا أساس لها من الصحة: فليس من التطرف أن يحاول صاحب الحق التمسك برأيه، ويدافع عنه ويبذل الغالى
والنفيس فى سبيل أن ينتشر ويسود، بشرط أن يحدث ذلك
بالحكمة والموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، والموقف الفكرى
المناسب، وليس من التطرف بحال أن يحمل شعب سلاحا ليدافع عن نفسه وأهله وأرضه
وعرضه، بل هو حق مشروع أقرت به جميع قوانين الأرض والسماء. إن التطرف قد يكون
بالكلمة عندما تصادر آراء الآخرين فلا ترى إلا رأيك، ولا تسمح بحال بالرأى الآخر
كما يفعل رئيس الوزراء الإسرائيلى
حاليا، وإن سمح فلا يأخذه بعين الاعتبار. والتطرف قد يكون بالموقف أو بالقوة
الغاشمة ليسكت صاحب الرأى الآخر، وهو تطرف مرفوض سواء
قامت به الدولة أو قامت به جماعة أو قام به فرد من الأفراد، والعالم اليوم يكيل بأكثر
من مكيال، وعنده أكثر من ميزان، ويصنف الأفعال حسب ألوان القائمين بها والمصالح
الشخصية، وليس على أساس المبادئ والقيم.
والسؤال
الذى يفرض نفسه هنا: هل الإرهاب صناعة إسلامية ومواقف
شرقية، أم أن الغرب بؤرة من بؤر
الإرهاب؟
إن النازية والفاشية،
ومعسكرات الاعتقال، والتمييز العنصرى، والحرق فى أفران الغاز والصراعات الدينية بين الأجنحة الكنسية
المختلفة، كلها صناعة إرهابية استأثر بها الغرب، والاستعمار الذى أناخ بثقله على شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية واستراليا فقتل
شعوبها: فى الجزائر قتل أكثر من مليون إنسان، وفى
أفغانستان كذلك، وفى روسيا، وسكان أستراليا القدامى (الأبروجينيز) على وشك الانقراض،
والهنود الحمر أوشكت شمسهم على الأفول، والتمييز العنصرى فى جنوب أفريقيا قتل مئات الألوف، ولم يكتفوا
بقتل الشـعوب فقط بل دمروا الحضارات وسرقوا الآثار ونهبوا الثروات حتى قيل:
إنه لا توجد لبنة بنيت منها لندن إلا ومعجونة بدماء الشعوب التى
استعمروها ، هذا الاستعمار
هو صناعة إرهابية استأثر بها الغرب (11).
الخاتمة:
نستنتج من هذا البحث
المتواضع أن الإسلام الحنيف دين العدالة والمساواة يدعو إلى الأخوة الإنسانية،
لأنه يؤمن أن البشر جميعا مهما تباعدت أوطانهم وديارهم ينتمون إلى أب واحد وأم
واحدة، وقد قال تعالى فى كتابه الكريم: (يا أيها الناس
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (12).
كما
أن الإسلام دين العقيدة الصحيحة الذى ارتضاه الله للبشرية جمعاء لتحقيق
السمو الإنسانى والتعاون بين جميع أفراد البشر حتى
يعيشوا حياة كريمة فيحب بعضهم بعضا، لذلك أباح الإسلام حرية العقيدة الدينية لأهل
الديانات الأخرى فلا يرغم غير المسلم على ترك دينه واعتناقه الإسلام، امتثالا
لقوله تعالى: ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى
) (13) وأباح الإسلام أيضا حرية المناقشات الدينية مع
أهل الديانات الأخرى حتى يكون الإقناع عن طريق دفع الحجة بالحجة والدليل بالدليل،
قال الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن
ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )
(14).
وقد
طبق رسولنا محمد صلى الله عليه
وسلم المبادئ الإنسانية التى دعا إليها الإسلام مع غير المسلمين منذ أن بعثه الله رحمة للعالمين وأمره
بتبليغ الرسالة الخالدة، رسالة الحق والخير والسلام- فعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وأراد أن يجمع طوائف المدينة من المسلمين وغيرهم
عقد معاهدة بين فيها الدعائم التى تقوم بينهم فى المجتمع الجديد، وأقر فيها اليهود على دينهم وأموالهم،
وعاهدهم على الرعاية والنصرة ما داموا على العهد- كما عقد الرسول صلى الله عليه وسلم معاهدة مع قبيلة تغلب
النصرانية أقرهم فيها على دينهم ونصرتهم إذا التزموا بالعهد.
وقد
حذر الرسول
صلى الله عليه وسلم من الاعتداء على غير المسلمين أو ظلمهم فقال:
"من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو
أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة ". وقد سار المسلمون مع أهل
الديانات الأخرى سيرة نبيهم، فها هو ذا عمر بن الخطاب يطبق مبدأ
التكافل الاجتماعى مع المسلمين وغيرهم، فقد مر فى طريقه إلى الشام بقوم مرضى من النصارى، فأمر أن ينفق عليهم من بيت
مال المسلمين، وبأن يجعل لكل واحد منهم من يخدمه ويقوم على شئونه. وعندما فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس
كتب للنصارى عهدا وأمانا على أنفسهم وأولادهم وكنائسهم وصلبانهم: لا تهدم، ولا
ينتقص شيء منها، ومن خرج منهم فهو
آمن على نفسه وماله حتى يبلغ مأمنه، ومن أقام منهم
فهو فى ذمة المسلمين.
ولما
حان
وقت الصلاة وهو جالس فى صحن كنيسة القيامة، خرج وصلى
خارج الكنيسة على درجة السلم التى على بابها بمفرده، ثم
كتب كتابا يوصى فيه المسلمين ألا يصلى أحد منهم على الدرجة، إلا واحدا، واحدا غير مجتمعين للصلاة، ولا
مؤذنين لها، وما شكا إلى عمر
بن الخطاب مظلوم من أهل الذمة-
اليهود والنصارى- إلا أنصفه. حتى ولو كان المشكو فى حقه
واليا أو أميرا. هذا وقد ترك غير المسلمين على دينهم فى البلاد العربية والإسلامية منذ ظهور الإسلام، ولم يجبر أحد منهم على الدخول فى الإسلام. فالإسلام لا يمنع غير المسلم من حقه فى الحياة الحرة الكريمة فى ظل
العدالة والمساواة، كما يجد فى ظله الطمأنينة
والاستقرار والأمان ما لا يعرف فى أرقى الدول المعاصرة (15).