حقوق الإنسان فى الإسلام
مقارنة بالإعلان العالمى لحقوق الإنسان
الاستاذة الدكتورة/ فوزية العشماوى
قسم الدراسات العربية والإسلامية
كلية الآداب بجامعة جنيف
سويسرا
مقدمة:
اخترت
أن يكون موضوع مداخلتى عن حقوق الإنسان فى المنظور الإسلامى مقارنة بالإعلان العالمى لحقوق الإنسان وذلك لسببين، السبب الاول: أن قضية حقوق الإنسان أصبحت من أهم القضايا التى تستحوذ على اهتمام المجتمع الدولى
، لسبب الثانى: أن حقوق الإنسان أصبحت وسيلة من وسائل
تشويه صورة الإسلام فى الغرب والادعاء بأن
المجتمعات الإسلامية مجتمعات يسود فيها التعصب الدينى
وعدم احترام الحريات وعدم المساواة بين الرجال والنساء. لذا وجب دحض هذه
الافتراءات بالرد المنطقى العقلانى
وبالمقارنة بين حقوق الإنسان فى المنظور الإسلامى وبين الإعلان العالمى لحقوق الإنسان.
إذا
رجعنا إلى أصل مصطلح حقوق الإنسان لوجدنا أنه غير متداول فى الخطاب القرآنى، ولا فى السنة النبوية
الشريفة، ولا فى الفكر الإسلامى
الكلاسيكى القديم، إنما نجد بدلا من الجمع "حقوق
"المفرد "حق "، وبدلا من مصطلح "الإنسان " نجد مصطلح " المرء" أى الجنس البشرى ذكرا كان أم أنثى، إلى جانب مصطلح "
الناس " جمع " إنسان " مثلما جاء فى
كثير من الآيات التى يتوجه فيها الخطاب القرآنى إلى البشرية جمعاء والتى
غالبا ما تبدأ ب "يا أيها الناس ". كذلك ذكر القرآن الكريم مصطلح " بنى
آدم " لتعميم الخطاب إلى جميع البشر، كما جاء فى
بعض الآيات الكريمة. كما نجد أن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم
قد استخدم مصطلحى" حق " و" ناس " فى كثير من أحاديثه، ونذكر هنا هذا الحديث الشريف الذى يكرر فيه عدة مرات كلمة، "حقا" تأكيدا على
أهمية الحقوق: " إن لنفسك عليك حقا، ولبدنك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا، فأعط لكل ذى حق حقه "، وفى الشطر الثانى
من الحديث "أعط لكل ذى حق حقه
" يؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم على مبدأ هام من مبادئ حقوق
الإنسان فى الإسلام؛ وهو إعطاء الحقوق
لأصحابها ولمن يستحقها بدون قيد أو شرط. وبالرغم من أن تعبير "حقوق الإنسان
" غير موجود لفظا فى الخطاب القرآنى ولا فى
الأحاديث النبوية الشريفة إلا أن أغلبية مبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا
اليوم، والمذكورة فى الإعلان العالمى
لحقوق الإنسان موجودة وثابتة فى النصوص الإسلامية
(القرآن الكريم والأحاديث) وفى الفكر الإسلامى، بل إن
بعض المصطلحات المذكورة فى هذه النصوص الإسلامية
الثابتة موجودة حرفيا. وأود أن أؤكد هنا أن الهدف من وراء عقد هذه المقارنة ليس
الدفاع عن الإسلام، فالإسلام غنى عن الدفاع عنه، وإنما الهدف هو مسايرة العالم
المتغير الذى نعيش فيه فى
بداية القرن الواحد والعشرين، لأن المجتمع الدولى يسير
بخطى متسارعة نحو العولمة، ويسعى إلى جمع العناصر
المشتركة فى جميع الثقافات لدمجها فى
نظام أخلاقيات عالمية يصلح لمجتمع العولمة (Global
ethics for a global society)
لذا يجب على المسلمين أن يشتركوا فى وضع صيغة للتعايش السلمى (Modus vivendi) فى مجتمع العولمة، هذا، مع ضرورة التركيز على
الخصوصية الثقافية الإسلامية، والثبات على الأسس الجوهرية لديننا الإسلامى الحنيف، مع التطلع إلى التطور والتجديد بما يتناسب مع المتغيرات
الاقتصادية والاكتشافات العلمية الحديثة المتطورة. إن الغربيين يجهلون حقائق
الإسلام؛لأننا نحن المسلمون عندما نتحاور معهم لا نجيد لغة الحوار معهم، ولا نخاطبهم
بأسلوبهم العلمانى، بل نخاطبهم وكأنهم مؤمنون بالله
ووحدانيته، وننسى تماما أن الغربيين قد فصلوا الدين والإيمان عن العقل والفكر،
وأنهم لم يعودوا يعترفون بقدسية النصوص الدينية ولا بشرعيتها، سواء أكانت النصوص
اليهودية أو المسيحية أو الإسلامية، بل إنهم يتناولون تلك النصوص المقدسة بشىء من الاستخفاف إن لم يكن بالاستهزاء. لذا وجب التعامل
معهم بأسلوبهم، وعقد المقارنات العقلانية، بالرغم من إيماننا العميق بأن نصوص
الإسلام الثابتة، القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، فوق كل مقارنة،
لاختلاف طبيعتها السامية الميتافيزيقية عن طبيعة نصوص المواثيق الدولية الوضعية.
أولا:
أهداف الإعلان العالمى لحقوق الإنسان:
إذا
بحثنا عن الأهداف الرئيسية من وراء الإعلان العالمى
لحقوق الإنسان، لوجدناه فى الديباجة التى تسبق مواد هذه الوثيقة حيث جاء فيها: " لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة فى جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية
الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام فى العالم...
فإن الجمعية العامة تنادى بهذا الإعلان العالمى لحقوق
الإنسان على أنه المستوى المشترك الذى ينبغى أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم، حتى يسعى كل فرد وهيئة
فى المجتمع إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن
طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها،
ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها... "
ويتضح لنا من هذه الديباجة
أن الأهداف الرئيسية التى يسعى إليها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان هى:
1-
الاعتراف بالكرامة المتأصلة فى جميع أعضاء الأسرة
البشرية.
2- احترام حقوق الإنسان وتحقيقها عن طريق التربية
والتعليم.
3- المساواة فى الحقوق
أساس الحرية والعدل والسلام فى العالم.
1- كرامة الإنسان: من مبادئ حقوق
الإنسان الراسخة فى الفكر الإسلامى
مبدأ كرامة الإنسان وتكريمه من الله- عز وجل- فقد كرم الله الإنسان وفضله على كثير
من مخلوقاته، وأن هذا التكريم عم البشر جميعا لأنهم من أصل واحد. فالخطاب القرآنى يركز على أن الناس جميعا خلقوا من نفس واحدة، أى أنهم مشتركون فى الأصل الواحد:
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة ) (النساء: 1) كذلك أكد الرسول
الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فى
الحديث الشريف " كلكم لآدم
وآدم من تراب
" على أن كل بنى آدم يتساوون فى التراب الذى أتوا منه، وسيعودون إليه حتما بلا تفرقة، وقد استخدم
الخطاب القرآنى تعبير "بنى آدم " فى آية تكريم
الإنسان: ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات
وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا
) (الإسراء:70) ولم يقل "كرمنا الناس " أو " كرمنا
المؤمنين أو المسلمين " لا بل بنى آدم للتركيز على
أن التكريم شمل الإنسان منذ بدء الخليقة، ومنذ أول إنسان خلقه الله سبحانه وتعالى؛ وهو آدم عليه السلام، أى أن التكريم مرتبط بإنسانية الإنسان فقط، وليس بانتمائه إلى
دين أو عرق أو لون أو جنس دون آخر. وهذه الآية من أهم المصادر المرجعية التى يرتكز عليها لتحديد تكريم الإسلام للإنسان مهما كانت
ديانته، لأن التكريم والتفضيل اقترنا بأبى البشرية آدم-
عليه السلام- قبل نزول الأديان والأنبياء جميعا.
2- تحقيق حقوق الإنسان
بالتربية والتعليم: لقد حث الرسول الكريم المسلمين على طلب العلم مهما كان صعب
المنال، كما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة " اطلبوا العلم ولوفي الصين " و "طلب العلم
فريضة على كل مسلم ومسلمة". ولقد بلغ من اهتمام الرسول الكريم بالعلم أنه وضع
شرطا أساسيا لإطلاق سراح الأسرى المشركين فى غزوة بدر،
وهو أن يعلم كل واحد منهم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة. ولقد رفع القرآن الكريم من شأن
العلم والعلماء، فجاءت الآية الكريمة: (هل يستوى الذين
يعلمون والذين لا يعلمون ) (الزمر: 9) بل إن الرسول الكريم قد فضل العلماء على سائر الناس بقوله: (العالم والمتعلم شريكان فى الخير ولا خيرفى سائرالناس ) وهذا ما أثار إعجاب المستشرق الفرنسى (جوستاف لوبون) الذى أخذ هذا الحديث الشريف
كمرجع ليشيد باهتمام الإسلام بالعلم والعلماء، فكتب يقول فى
كتابه (حضارة العرب): " إن العلم الذى قد استخفت به أديان أخرى قد رفع
المسلمون من شأنه عاليا، واليهم ترجع هذه الملاحظة الصائبة التى
تقول باسم الدين: إنما الناس هم الذين يتعلمون ويعلمون، واما ما عداهم فمضر ولا خير فيه ).
3- المساواة فى الحقوق
أساس الحرية والعدل والسلام فى العالم: لقد أقر الإسلام
المساواة بين الناس أجمعين كما جاء فى الآية الكريمة:
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكروأنثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات: 13) وهذه المساواة تنفى ادعاءات التفرقة بين الرجل والمرأة، فقد
أكدت الآيات على أن معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح: (من عمل صالحا من ذكرأو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة
طيبة)
(
النحل: 97). ولقد أكد الإسلام على أن المساواة بين الناس لا تسود إلا فى ظل الحرية والعدل والسلام لأنها المعايير الأساسية للحياة فى المجتمع.
فالإسلام
يدعو الناس جميعا للدخول فى السلم: (يا أيها الذين
آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان) (البقرة: 208) ولا
يستقر السلام إلا على أساس من العدل بين الناس جميعا، واعتبار الناس جميعا سواسية:
"الناس سواسية كأسنان المشط " (حديث شريف صحيح) وإعطاء الحقوق إلى أصحابها، أى
إقرار العدل بين الناس، كما جاء فى الحديث الشريف "أعط
كل ذى حق حقه ".
ثانيا:
مواد الإعلان العالمى لحقوق الإنسان مقارنة بالتعاليم الإسلامية: إن الإسلام
يقر معظم مبادئ حقوق الإنسان كما جاءت فى المواد
الثلاثين لوثيقة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، والتى يؤكد الغربيون أنهم اشتقوها من مبادئ الثورة الفرنسية
الكبرى التى أطاحت بالملكية والإقطاع فى فرنسا عام 789 1 وهى (الحرية، المساواة والإخاء liberte-egalite-fratermite) المشتقة من كتابات وأفكار فلاسفة عصر التنوير فى
فرنسا فى القرن الثامن عشر وأهمهم مونتسكيو،
وجان جاك روسو، وفولتير. وقد تجاهل الغربيون تماما أن أغلبية مفاهيم حقوق الإنسان كما
صاغوها موجودة فى التعاليم الإسلامية المشتقة من القرآن
الكريم والتى نادى بها الرسول الأمى
محمد صلى الله عليه وسلم منذ القرن السابع الميلادى، أى قبل 11 قرنا من عصر التنوير فى
فرنسا.
ولن
يتسع المجال هنا لمقارنة المواد الثلاثين لوثيقة الإعلان العالمى
لحقوق الإنسان بندا بندا بالتعاليم الإسلامية المؤيدة
بالآيات القرآنية والأحاديث التى تحتوى على نفس المبادئ
والمعايير الإنسانية ولكننا سنكتفى بالمواد التى استخدمت فيها نفس المصطلحات التى
جاء ذكرها فى الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة.
المادة
الاولى: ( يولد جميع الناس أحرارا متساوين فى الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلا وضميرا، وعليهم أن يعامل
بعضهم بعضا بروح الإخاء) إن هذه المادة الأولى تذكرنا بمقولة الصحابى الجليل صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضى
الله عنه-: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ".
المادة
الثانية: "لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا
الإعلان، دون أى تمييز كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو
اللغة أو الدين أو الرأى السياسى
أو أى رأى آخر أو الأصل الوطنى أو الاجتماعى أو الثروة أو الميلاد، أو أى وضع آخر
دون أية تفرقة بين الرجال والنساء". إن هذه
المادة تكاد تكون ترجمة أو نقلا عن الحديث الشريف الذى
يؤكد فيه الرسول الكريم صلى
الله عليه وسلم على
المساواة التامة بين الناس وعلى أن معيار التفضيل عند الله يرتكز على دعامة
التقوى: " يا أيها الناس إن ربكم واحد، وان أباكم واحد، ألا لا فضل
لعربي على أعجمى ولا لأعجمى
على عربي، ولا أبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم
". وهذا الحديث الشريف يعتبر ركيزة أساسية فى
إثبات أسبقية الإسلام فى إقرار مبادئ حقوق الإنسان وعدم
التمييز بين إنسان وآخر طالما أن الرسول يوجه الخطاب إلى الناس جميعا وليس
للمسلمين فقط بقوله أيها الناس.. ولا يميز بينهم بسبب العنصر (عربى/ عجمى)، أو اللون (أبيض/
أحمر/ أسود،، أو اللغة (عربى/ عجمى). كما أن بعض الآيات تؤكد على عدم
التفاضل بين الناس بسبب الجنس أو اللون أو العنصر مثل (ومن آياته خلق السماوات والأرض
واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذلك لآيات للعالمين)
(الروم:33) وهنا يؤكد الخطاب القرآنى على أن الاختلاف
من آيات الله، وليس أساسا للتفاضل بين الناس، أى أن
الاختلاف فى لون البشرة وفى اللغة من نعم الله على
الناس، وهذا ما يردده حاليا علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا
فى أوروبا وأمريكا من أن اختلاف الجنسيات والثقافات
واللغات
والأجناس إنما هو إثراء للمجتمعات، خاصة فى الدول التى تكثر
فيها نسبة المهاجرين، مثلما الحال فى سويسرا حيث ترفع شعار" الاختلاف ثراء ثقافى" وخاصة فى مدينة جنيف حيث المقر الأوروبى
للأمم المتحدة وحيث يتعايش أقوام من أكثر من 155 دولة هم أعضاء منظمة الأمم
المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، ويعتبر مجتمع مدينة جنيف من أكثر المجتمعات
الأوروبية تقدما ومدنية وارتقاء بفضل اختلاف الأديان والألوان والألسنة، لأن هذا
الاختلاف نعمة مثلما جاء فى الآية الكريمة.
وتجدر
الإشارة هنا إلى أن الفقرة الأخيرة من هذه المادة التى
تنص
على:
" دون أية تفرقة بين الرجال والنساء " قد أثارت جدلا كثيرا
بين الباحثين
المسلمين
والعاملين فى مجال حقوق الإنسان من المسلمين وغير
المسلمين حيث يجد المؤيدون أنها لا تتعارض مع التعاليم الإسلامية على ضوء بعض
الآية الكريمة: (ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف) والحديث الشريف: "النساء شقائق الرجال
"، وهذا إقرار بالمساواة وعدم التفرقة بين الرجال والنساء، بينما المعترضون
يجدون أن الإسلام أوجد تفرقة بين الرجال والنساء فيما يتعلق بالميراث والشهادة،
حيث إن ميراث المرأة نصف نصيب الرجل، وشهادة المرأة تعادل نصف شهادة الرجل. وليس
المجال متسعا هنا لتوضيح حكمة الإسلام فى إقرار تلك
التفرقة بين الرجال والنساء.
المادة
السابعة: " كل الناس سواسية أمام القانون، ولهم الحق فى
التمتع بحماية متكافئة منه دون أية تفرقة" نلفت الانتباه فى
هذه المادة إلى كلمة "سواسيه، " وهى نفس
الكلمة التى استخدمها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
فى حديثه الشريف "الناس سواسية كأسنان المشط
"، والحديث الشريف يركز على المساواة بتشبيه الناس بأسنان المشط التى وإن اختلفت فى الأطوال والسمك إلا أنها كلها سواسية،
أى من نفس الخامة، و تكمل بعضها بعضا، ولها نفس الحقوق
داخل المشط الذى يمثل المجتمع. وهذا
تأكيد
على المساواة المطلقة بين البشر بدون تفرقة أو عنصرية أو تمييز، بسبب الجنس أو
اللون أو العرقية أو اللغة أو حتى الدين، طالما أن المصطلح المستخدم هو
"الناس " وليس المسلمين أو " المؤمنين ".
المواد 12 و13 و 14 تنص على حرية تنقل
الأفراد، واختيار محل الإقامة ومغادرة أى بلد والعودة
إليه، وحق اللجوء إلى بلاد أخرى فى حالة الاضطهاد. ونجد
كل هذه الحريات مكفولة ومنصوص عليها فى بعض الآيات
الكريمة مثل: ( هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها
) (الملك: 15) والآية الكريمة التي تحث على الهجرة في
حالة الاضطهاد: (قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) ( النساء:97).
وهكذا نجد أن لكل مادة من مواد الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان مقابل لها
من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة تقرر نفس
المبادئ الأساسية بنفس المصطلحات بل أحيانا نفس اللفظ. هناك مادتان فقط في وثيقة
الإعلان بهما فقرة أو فقرتان تحتويان على بعض المعايير التى تتنافى مع المعايير الإسلامية وهما المادة 16 والمادة 18
من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، وقد تحفظت بعض الدول
الإسلامية عام 1948 على تلك الفقرات خلال المناقشات العامة في الجمعية العامة
للأمم المتحدة.
المادة
السادسة عشرة: الفقرة (1) "للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج
وتأسيس أسرة دون أى قيد بسبب الجنس أو الدين ". فالإسلام أقر
حق الرجل والمرأة فى الزواج، ولكنه وضع قيدا بسبب الدين
على زواج المرأة المسلمة من غير المسلم، بينما أقر زواج المسلم من امرأة كتابية.
المادة
الثامنة عشرة: "لكل شخص الحق فى حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته...
" فالإسلام لا يقر تغيير الدين ويعتبر ذلك ارتدادا عن دين الله (ومن يرتدد
منكم عن دينه فيمت وهو كافر
فأولئك حبطت أعمالهم فى
الدنيا والآخرة ) (البقرة:217).
ونحن
نؤكد هنا أنه فيما عدا الفقرات التى ذكرناها فى المواد الثانية والسادسة عشرة والثامنة عشرة! فإن جميع
المواد الأخرى للإعلان العالمى لحقوق الإنسان تتوافق مع
المبادئ والتعاليم الأساسية التى أقرها الإسلام للناس
أجمعين وليس فقط للمسلمين.
الخلاصة:
إن
الإعلان العالمى لحقوق الإنسان ليس إلا وثيقة دولية
صاغها بعض البشر عام 1948، وأغلبهم من غير المسلمين أرادوا بها أن يتفادوا جرائم
الحرب البشعة التي سجلها التاريخ أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية في النصف الأول من القرن العشرين، مثلما
ذكروا ذلك فى ديباجة الإعلان: "ولما كان تناسى حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضى
إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه
الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر
من الفزع والفاقة".
لقد أرادوا أن يضعوا لدول العالم مبادئ ومواثيق
ونظمأ عالمية يتم تطبيقها فى جميع الدول والبلدان فى حالة نشوب خلافات أو نزاعات أو حروب تجعل الإنسان ينسى أنه
إنسان، وأن العدو الذى يحاربه أو يتنازع معه هو أيضا إنسان مثله
له نفس الحقوق، ويجب عليه أن يحترمه ويحترم حقوقه، حتى وإن كان مهزوما أو أسيرا أو
معتقلا. كانت النية صادقة ولكن للأسف الشديد لم يتم تطبيق هذا الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى النزاعات
والحروب التى عصفت بالبشرية فى
النصف الثانى من القرن العشرين ولا فى
بداية القرن الواحد والعشرين والدليل على ذلك ما حدث من مجازر وخرق وانتهاك لجميع
حقوق الإنسان فى البوسنة والهرسك فى
التسعينيات من القرن العشرين، وما جرى فى أفغانستان من
فظائع باسم القضاء على الإرهاب والشر، وما تلا ذلك من انتهاكات لحقوق الإنسان فى
معتقلات جوانتانمو، وما يجرى حاليا فى
فلسطين المحتلة من أعمال همجية ووحشية وإبادة للشعب الفلسطينى
الأعزل تتنافى مع جميع المواثيق الدولية، وأولها الإعلان العالمى
لحقوق الإنسان.
ولكن
ذلك لا يمنع الباحثين وخاصة الباحثين المسلمين من أن يتعمقوا فى
الدراسة والبحث، آملين فى أن تستفيد الأجيال القادمة
بما يخلص إليه البحث المتعمق، وبنتائج المقارنة بين المواثيق الدولية فى مجال حقوق الإنسان وبين التعاليم الإسلامية التى تحدد حقوق الإنسان المسلم وغير المسلم أيضا.
وعلينا
أن نجدد فى أسلوب التحاور مع الغربيين ونخاطبهم بنفس
أسلوبهم العلمانى البراجماتى،
ولكن يجب أن نضع نصب أعيننا وأن نعلن للعالم أن الأسس و المبادئ والقيم التى أقرها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا من الزمان والمرتكزة على كرامة الفرد وإنسانيته، وعلى المساواة
بين الناس وعدم المفاضلة بينهم بسبب الجنس
أو اللون أو العرقية أو اللغة أو الدين وعلى إقرار العدل والسلم وعلى التعاون والتعارف بين الناس وعلى الالتزام بالعهود وعلى المجادلة مع أهل الكتاب بالتى هى أحسن بدون تعصب ، كل هذه
القيم الثابتة والراسخة فى الضمير المسلم يجب أن تستمر
راسخة فى عالمنا المتغير الذى
نعيشه فى القرن الواحد والعشرين لأن هذه الأسس
الإسلامية الراسخة تصلح لكل زمان ولكل مكان، لأن الله سبحانه وتعالى أنزلها
للبشرية جمعاء على يد خاتم الأنبياء محمد رسول الله صلى الله عليه
وسلم الذى بعثه مبشرا وهاديا للناس أجمعين ورحمة للعالمين، وهذه
الأسس الراسخة هى التى تحدد
معالم الأمة الإسلامية التى تسود فيها مبادئ حقوق
الإنسان والتى أراد الله- سبحانه وتعالى- أن تكون "خير أمة
أخرجت للناس ".
وأود
أن أختم مداخلتى بالإشارة إلى ما دار فى جلسات وأعمال الدورة الـ 58 للجنة حقوق
الإنسان التى عقدت فى جنيف فى الشهر الماضى والتى كنت أتابع أعمالها باهتمام وبإعجاب شديد بشجاعة المفوضة
العليا لحقوق الإنسان السيدة الفاضلة مارى روبنسون،
Mary robinson التى
أحييها من فوق هذا المنبر وأشكرها على الجهود التى
بذلتها طوال فترة رئاستها للمفوضية العليا لحقوق الإنسان فى
الدفاع عن حقوق الإنسان فى البلدان التى
تعانى فيها الشعوب من القهر ومن قمع الحريات، وأرجو أن تتضمن توصيات
مؤتمرنا هذا توصية بإرسال خطاب شكر إلى هذه السيدة الفاضلة ذات الفكر المتفتح التى نظمت فى جنيف فى نوفمبر عام 1998- ولأول مرة فى
تاريخ الأمم المتحدة -
مؤتمرا عالميا بعنوان " إثراء عالمية
حقوق الإنسان وجهة نظر الإسلام بشأن الإعلان العالمى
لحقوق الإنسان ". كذلك دافعت السيدة مارى روبنسون عن حقوق الإنسان الفلسطينى خلال الدورة الأخيرة للجنة حقوق الإنسان فى جنيف، ونددت بانتهاكات حقوق الإنسان فى
الأراضى المحتلة، وأصرت على الذهاب بنفسها إلى الأراضى الفلسطينية المحتلة بالرغم من ضراوة القصف المكثف على
الأراضى الفلسطينية فى تلك
الفترة لترصد بنفسها أحوال الشعب الفلسطينى، وتعد
تقريرا عن مدى تطبيق حقوق الإنسان فى الأراضى الفلسطينية المحتلة.
وفقنا
الله جميعا لما فيه الخير
للناس أجمعين
المراجع
-
وثيقة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، مطبوعات منظمة
الأمم المتحدة، الترجمة العربية طبعة 1988.
- الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان فى الإسلام، ندوة الرياض، دار الكتاب
اللبنانى، بيروت 1973.
- حقوق الإنسان ووحدة الأسرة البشرية فى الإسلام، ندوة المجلس الأوروبى،
دار الكتاب اللبنانى، 1974.
- حقوق الإنسان فى الوطن العربى،
تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان، القاهرة 1998.
- إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان فى الإسلام، مطبوعات المؤتمر الإسلامى
التاسع عشر لوزراء الخارجية، القاهرة 1990.
- إعلان روما حول حقوق الإنسان فى
الإسلام، ندوة حقوق الإنسان فى الإسلام، روما 2000.
- د. محمد سعيد الدقاق،
حقوق الإنسان، دار العلم للملايين، بيروت 1989.
- د. محمد عمارة، الإسلام والأمن الاجتماعى،
دار الشروق، القاهرة 1998.
- د. عبد العزيز التويجرى،
حقوق الإنسان فى التعاليم الإسلامية، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة،
الرباط 2001.