حقوق الإنسان فى الإسلام
الأستاذ
الدكتور/ جعفر عبد السلام
أستاذ القانون الدولى
بجامعة الأزهر
مصر
تمهيد:
مرت دولة الإسلام بمراحل
تاريخية عديدة منذ وجودها فى المدينة فى القرن السابع الميلادى، وحتى
اليوم. ودون دخول فى تفاصيل مراحل الاتحاد ومراحل
الفرقة فى هذا التاريخ الطويل الذى
زاد الآن على أربعة عشر قرنا، فإننا يمكننا أن نقول: إن دول الإسلام كانت دولة
واحدة حتى العصر العباسى الأول، ولكنها بدأت منذ ذلك
الحين تتشتت، خرجت عنها منذ البداية، الدولة الأموية فى
الأندلس، ثم خرج الكثير من الولاة على الخليفة العباسى وحكموا
بلادهم بشكل منفصل عنه ثم انتقل مركز الثقل فى القوة
والنفوذ إلى العثمانيين فى تركيا وأصبح الخليفة العثمانى هو الممثل للخلافة الإسلامية منذ عام 1520م لتضعف
دولة الخلافة بعد ذلك وتتفكك أوصالها إلى أن رأينا الدولة الإسلامية تتحول إلى دول
مستقلة تماما عن دولة الخلافة وتأخذ الشكل القومى
الحديث بفعل أوروبا حيث دأبت القوى الأوروبية الرئيسية فى
القرن التاسع عشر والقرن العشرين على مهاجمة الدولة العثمانية- دولة الخلافة
الإسلامية- وتوجيه ضربات حاسمة لها استهدفت تقطيع أوصالها، وإجهاض انتصاراتها داخل
أوروبا فى البداية، والعمل على إخراجها من ديار الغرب بأى شكل "المسألة الشرقية" ، كما أدى انتصار الدول
الأوروبية على ألمانيا وتركيا فى الحرب العالمية الأولى
إلى الانقضاض النهائى على الدولة العثمانية وتفكيك ما
بقى منها إلى أن أعلن كمال أتاتورك إنهاء دولة الخلافة فى
مارس عام 1924. وكان المنتصرون فى الحرب خلال مؤتمر فرساى قد قرروا وضع الدول العربية التى
كانت أجزاء من الدولة العثمانية فى الإطار القومى المستقل أسوة بما اتبعوه بالنسبة للممالك الألمانية،
وقريب مما تم بعد معاهدة وستفاليا التى
أقرت استقلال الدول الأوروبية عن الإمبراطوريات القديمة وبداية الشكل القومى للدول فى العصور الحديثة والتى بدأت من القرن السادس عشر واستمرت حتى اليوم.
أقول: إنه مهما كانت
الانتقادات التى كانت توجه إلى دولة الخلافة العثمانية،
إلا أنها كانت تمثل مرجعية
للقيادة للدول الإسلامية، وبعد الاستقلال بدأت الدول العربية والإسلامية تبحث عن
مرجعية للقيادة وللتنظيم. وكان الاستعمار الأوروبى هو
البديل عن الدولة العثمانية، وبالتالى كان من الطبيعى أن يضع نماذج مختلفة للعمل فى
هذه الدول، تتفق فى الأساس الأوروبى
لها، قوانين وثقافة وأصول حكم، وتختلف بحسب ما إذا كانت المرجعية الأنجلو سكسونية هى السائدة فى البلاد التى حكمتها بريطانيا،
أو اللاتينية فى البلاد التى
حكمتها فرنسا، وان كانت الغلبة فى الحقب الأخيرة للنظام
الأمريكى الذى ورث النظام الأنجلو سكسونى، معدلا لأصول كثيرة
فيه بالحذف والإضافة.
والنتيجة فى إطار النظم والقوانين هى ما
نجده الآن، اقتباس من الأنظمة الأوروبية وتطبيق لقوانين غريبة على بلادنا بعد أن نحت
القوانين والأنظمة الإسلامية.، والأسباب معروفة لكننا الآن بصدد معرفة النتائج دون
خوض واسع فى الأسباب: إن الدساتير الحديثة فى الدول العربية والإسلامية تتضمن نظرية للحقوق والحريات
العامة مقتبسة بشكل أو بآخر من الدساتير الغريبة، وخاصة الدساتير الفرنسية.
كذلك تقرر هذه الدساتير
سلطات الحكم، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهى بدورها تتبنى أسسا غربية. أما
القوانين المفصلة للدستور فهى تستند كذلك على ما هو
مقرر فى الأنظمة الغربية.
إذن القانون الوضعى فى البلاد الإسلامية يتنسم
خطى الغرب، وهو ضيف على المائدة الفرنسية فى معظم
بلادنا. والانبهار بفكر الغالب وقوانينه وأنظمته ليس بدعة، بل هو حكم التاريخ.
ولكن هذا يدعونا إلى التساؤل عن الأسباب التى تدعونا
إلى إجراء دراسات ومقارنات للقوانين وللأنظمة الإسلامية الآن؟
لقد صارت دولنا أعضاء فى الأمم المتحدة، وأصبحنا نشارك فى
صناعة القوانين الدولية عن طريق لجنة القانون الدولى،
ومن خلال المؤتمرات الدولية العديدة التى تقوم بوضع
الاتفاقيات الشارعة التى
تنظم شئون المجتمع الدولى الآن. ومن هنا فقد وافقت
الدول الإسلامية على ألوثيقة الدولية لحقوق الإنسان بأجزائها الثلاثة: الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم
المتحدة عام 1948، والعهد الدولى للحقوق المدنية
والسياسية الصادر عام 1966، والعهد الدولى للحقوق
الاقتصادية والاجتماعية الصادر فى نفس العام، بل اشتركت
العديد من الدول الإسلامية فى صياغتها وكان دور هذه
الدول أكبر فى صياغة اتفاقية حقوق الطفل عام 1988 حيث
ظهر دور الأحكام الإسلامية فيها بشكل واضح، وكذا العديد من الاتفاقيات الأخرى
الخاصة بعدم التحيز ضد المرأة وحماية ضحايا الحرب "اتفاقيات جنيف " عام 1949م
وكان الدور الإسلامى فى
صياغة ملحقين لهذه الاتفاقيات عام 1977 واضحا كذلك.
من هنا نجد أن دور الدول
الإسلامية فى صياغة قواعد للسلوك لحماية حقوق الإنسان
وحرياته أكبر فى الوقت الحاضر، فلماذا إذن يثار الآن
موقف حقوق الإنسان فى الإسلام؟ الواقع أننا نتناول قضية
حقوق الإنسان فى الإسلام لأكثر من سبب:
أولا: لتعميق الدراسات
الحديثة التى تهتم بحقوق الإنسان وحرياته، وبيان الأسانيد
الشرعية التى تقوم عليها، حتى تكتسب قوة أكبر فمن
المعروف أن الأساس الدينى للقواعد والجزاء الدينى المقرر على مخالفتها وهو
جزاء أخروى أساسا إلى جانب أنه يحتوى على جزاء دنيوى، يتفاعل مع عقيدة الإنسان ويمس جوارحه، من ثم أكثر
فاعلية، وأنجع فى التأثير عن الجزاء الدنيوى فقط.
ثانيا:
إضافة أبعاد أخرى إلى الحقوق الإنسانية لم تتناولها الوثائق الحديثة، يجدها الباحث
فى الدراسات الإسلامية مما قد يتيح حقوقا جديدة أو يزيد
فاعلية الحقوق القائمة، أو يوضح جوانب للواجبات إلى جانب الحقوق فى هذه القضايا.
ثالثا:
إضافة الجوانب المعنوية والأخلاقية والأدبية فى مدونات
الحقوق حتى تزيد مساحتها، وحتى تلحق بها الجوانب المادية التى
تهتم بها أساسا المواثيق القانونية.
رابعا:
تغذية جوانب الحرية فى الصراع الدائم بينها وبين السلطة
مما يدعم حقوق الإنسان ويعطي ضمانات واضحة لها، ولابد أن نعترف من الآن أن قيادات
لدول إسلامية وعربية عديدة لا تحترم الكثير من حقوق الإنسان الآن وتميل إلى إساءة استخدام
السلطة فى مواجهتها، وتقوم بأعمال ضد ممارسة معارضيها
لحرياتهم ولحقوقهم السياسية، وتعصف بهذه الحقوق بأعمال الاعتقال والقبض التعسفى وتقيد حريات السفر والتنقل وهى ممارسات تتم ضد قواعد
دينية وأخلاقية وقانونية.
خامسا:
الرد على من يمارسون الضغط باسم حقوق الإنسان لتحقيق أغراض أخرى، وممارسة ازدواجية
المعايير فى التعامل مع الدول والشعوب على أساس احترام.
حقوق الإنسان وحرياته، واستغلال ثغرات تتمثل فى أقوال أو
أفعال تأتى من حاكم لدولة إسلامية لوصم الإسلام بأنه ضد حقوق الإنسان وحرياته، مثل موجات السخط والهجوم التى وجهت
إلى الإمام الخمينى عقب إصدار فتواه بإهدار دم سلمان رشدى بعد أن أساء إلى نبى الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا محاكمة القضاء المصرى
كله بسبب إصدار محكمة واحدة حكما بالتفريق بين نصر
حامد أبو زيد وزوجته، بعد كتابة مجموعة دراسات ضد الإسلام اعتبرتها المحكمة من قبيل الارتداد
عن الإسلام.
سادسا:
التعريف بوثائق قديمة وحديثة تظهر الوجه الصحيح للإسلام وأسس
الحقوق والحريات الإنسانية كما وردت فيها. ونذكر من ذلك: كلمة جعفر ابن أبى طالب
إلى النجاشى ملك الحبشة عندما أراد أن يتعرف على الإسلام
منه، ليرد على وفد قريش بقيادة عمرو بن العاص الذى جاء ليسترد
مهاجرى الحبشة من المسلمين الأوائل، ثم وثيقة إنشاء
الدولة الإسلامية فى المدينة، ثم حجة الوداع، ثم العهدة
العمرية، ثم خطاب على ابن أبى طالب للأشتر النخعى واليه على مصر والذى وضع فيه دستور للحكم
وفقأ لأحدث مبادئ حقوق الإنسان وحرياته.
وفى
العصور الحديثة نذكر معاهدات الامتيازات الأجنبية التى
منحتها
الدولة العثمانية للأجانب على إقليمها، والتى بلورت
قواعد التعامل مع الآخر فى الإسلام، وتبنت وجهة نظر نبى الإسلام عندما أوصى
المسلمين بأهل الكتاب خيرا، والقاعدة الفقهية التى تقول
بترك أهل الذمة وما يدينون به، وكذلك فى الفرمان العثمانى الصادر عام 865 1م بشأن تقرير حرية العقيدة فى القدس الشريف، والذى أخذت المبادئ التى وردت فيه من الإسلام.
ولا
بأس أن نشير هنا إلى أحداث فى التاريخ الإسلامى تظهر إلى أى مدى أعطى الإسلام حق مقاومة الحاكم إن أساء استخدام السلطة، ويطول بنا البحث إذا ما أردنا أن نتناول بالبحث هذه القضية
الشائكة،
قضية حق الأمة الإسلامية فى
مقاومة السلطان الجائر، وكيف مارس المسلمون ذلك فى
العمل.
سابعا:
وكذلك فإن دراسة حقوق الإنسان وحرياته من المنظور الإسلامى
يحتاج إلى طرح جديد يتفق مع المنهج الإسلامى فى البحث وأسلوب الاستدلال والاستنباط فيه، وهو منهج يعتمد على النقل أولا،
أى يعتمد على الوحى وتفسير
المسلمين له، هذا الوحى الذى
يتبدى بشكل صريح فى القرآن لكريم،
وفى شكل ضمنى فى سيرة الرسول
القولية والفعلية والتقريرية، ويحتاج إلى دراسة متعمقة للمبادئ التى جاء بها
الإسلام، وهو طرح يتعمق فى معرفة مركز الإنسان فى الإسلام وكيف كرمه الله سبحانه وتعالى
على سائر مخلوقاته، ويعتمد هذا الطرح كذلك على أفكار ومبادئ
الإسلام العامة والأسس التى قام عليها النظام الإسلامى، وفى حماية حقوق الإنسان
وحرياته باعتبارها رأس هذا القانون والمحور الذى يقوم عليه.
إن
الإسلام يعرف نظاما يقوم على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ويرى أنها مهمة يجب
أن تقوم بها فئة مهمة من المسلمين، كذلك يقيم الإسلام القضاء وهيئات للنظر فى المظالم وتحقيق العدالة.
إن
هذا الطرح الجديد لأفكار حقوق الإنسان وحرياته فى
الإسلام يمكن أن تستفيد به الدول الإسلامية فى العصر
الحاضر.
إننا
نعيش صحوة إسلامية منذ أوائل القرن الماضى تنادى
بالعودة إلى الجذور، وتنادى فى نفس الوقت بتطبيق الإسلام فى حياة المسلمين، عقيدة وشريعة وهى دعوة تتناقض فى
أحيان كثيرة مع دعاوى أمريكية وأوروبية تريد للعالم كله أن يتبعها، وتحاول جاهدة أن تقتلع أى أفكار أو ثقافات تناوئها، لذا أقامت من نفسها قيمة على
العالم، وأقامت مما أطلقت عليه الإسلام الأصولى عدوا لها، لا لشىء إلا
لأنه يقاوم محاولات الهيمنة، وأعمال التسلط والابتلاع.
إن
التعامل مع الآخر مسألة هامة فى النظرة الإسلامية وفى
التفكير الإسلامى بشكل عام، والقرآن الكريم نفسه يأمر
المسلمين فى أكثر من موضع بحسن معاملة الغير وبالتسامح
معه،. يقول الله سبحانه وتعالى: (
لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين
ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما
ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من
دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) (1).
لكن
هذا التسامح والبر والقسط والعدل مع الآخر أو المخالف لنا فى
الدين، لا يعنى آن نمسخ وأن نخرج من عقائدنا وأصول شريعتنا، بل لا يعنى على
الإطلاق أن نتبع هؤلاء الناس فى كل ما يفعلوه، إننا
نحتاج إلى الحفاظ على أنفسنا، على ديننا، عقيدة وشريعة، على تراثنا وحضارتنا، فإن انسلاخنا عنها
يعنى موتنا ويعنى أيضا خسارة للإنسانية من مبادئ وتجارب وقيم خصبة تخاطب ضمائر
العالم، وتقف ضد الأنانية والسوء، تحق الحق وتبطل الباطل وتقى
الإنسان من شر نفسه ومن غرائز ضارة أصبحت كالوحوش التى
تهاجم الإنسان وتحاول القضاء عليه. إن الإسلام لا يبيح عبادة العبد أيا كان، ولا
يقبل الشذوذ عن سنن الفطرة التى خلقه الله عليها، ولا يبيح لأهله أن
يأكلوا
مال الغير، ولا يتسامح فى مصادرة حق أو سيادة باطل وهى
مبادئ وقيم سامية هدى الله الإنسان ليتبعها.
خطة البحث:
سنتناول
فى القسم الأول: المفهوم العام لحقوق الإنسان فى الإسلام، أما القسم الثانى:فسوف
نخصصه لدراسة قيمة العدالة فى المفهوم الإسلامى والحقوق والحريات العامة التى
تترتب عليها، أما القسم الثالث: فسوف نخصصه لتناول فكرة المصالح فى الشريعة الإسلامية ومجموعة الحقوق والحريات التى تتصل بها، وسنخصص القسم الرابع: لمبدأ الحرية، ونناقش
كذلك الحقوق والحريات التى تتصل به، كل ذلك من المفهوم الإسلامى، وسنولى اهتماما خاصا بحرية العقيدة كأساس هام من
أسس هذه الحرية.
القسم الأول
طرح
قضية حقوق الإنسان وحرياته
من
المنظور الإسلامى
منذ
أن خلق الله الإنسان على هذه الأرض، وقد أنزل إليه ما يهديه من الرسل الذين حملوا دائما
معهم كتبا منزلة من الله- سبحانه وتعالى- تكفلت بهذه المهمة السامية دائما. نقول ذلك مع إيماننا
الكامل بأن الله قد خلق الإنسان وأودع فيه عقلا وحكمة وميزه على سائر الخلق بالعلم
والفهم وبالكرامة التى تجلت فى
أمر الملائكة بالسجود له، وكذلك فى تسخير كل ما فى الأرض له ولخدمته.
نصوص
القرآن الكريم واضحة تماما فى تقرير هذه الحقائق.
يقول
الله تعالى فى سورة البقرة: (وإذ قال ربك للملائكة إنى
جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها
ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم
مالا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم
لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما
أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السماوات
والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون * وإذ قلنا للملائكة إسجدوا
لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين * وقلنا يا آدم اسكن أنت
وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين *
فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين . فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب
عليه إنه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع
هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (2).
هذا
هو المدخل لحقوق الإنسان فى الإسلام، فنحن نتبع ما جاء فى مصدر التشريع الإسلامى الأول
حول الإنسان وكرامته ودوره فى الحياة.
يكمل
هذا المدخل الأولى لدور الإنسان ولحقوقه فى الإسلام
الكثير من المعانى المتصلة بكون الإنسان خليفة الله فى الأرض خلقه فيها ليعمرها ويستفيد بها
فى مختلف شئون حياته، وإعطاءه من القدرات ما يكفل له
السيادة عليها والتحكم فيها.
فمن
صور التكريم حمل الله- سبحانه وتعالى- الإنسان فى البر
والبحر- إشارة إلى أهمية النقل وتعليم الله الإنسان إياه بوسائل مختلفة، والرزق الموصول
من الطيبات التى أودعها الله الأرض لخدمته، وإشارات أخرى إلى أهمية ما
خلقه الله للإنسان من خيرات فى الأرض.
نردد
هنا آية وردت فى سورة الإسراء يقول فيها سبحانه وتعالى: (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى
البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن
خلقنا
تفضيلا ) (3).
كما
يقول سبحانه وتعالى: ( الذى
جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماءا فأخرجنا به أزواجا من
نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن فى ذلك لآيات لأولى
النهى ) (4).
كذلك
نجد إشارات فى القرآن الكريم إلى أهمية المكونات
الرئيسية التى أعطاها الله للإنسان ليقدر على الحياة،
ويقوم بتعميرها. من ذلك ما ورد فى سورة النحل: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون
) (5).
كذلك
أعطانا الله قدرة كبيرة على التأمل فى ملكوت الله
بالعقل والحكمة، قال تعالى:
( إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار
لآيات لأولى الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا
عذاب النار ) (6) .
من
هنا نخلص إلى أن القرآن الكريم قد بوأ الإنسان فى الأرض
مكانة خاصة إذ هو خليفة الله فى الأرض خلقه ليعمرها
وليقيم الحياة فيها، ومن أجل القيام بواجب الخلافة أعطاه قدرات عقلية وخلقية أخرى،
العقل، اللسان، السمع ،البصر، ثم سخر الله الكون كله من ماء وهواء ويابس ونبات وشجر وحيوان، وعلم للاستفادة
من كل هذا الكون بأفضل ما يكون.
وبعد
الطرح الإسلامى لقيمة الإنسان فى
هذا الكون وكونه خليفة لله فيه، يستعمر الأرض، ويبنيها، ويتجنب الإفساد وسفك
الدماء نجد أن مصادر الشريعة تأمر الإنسان بأن يقيم العدالة والمساواة بين البشر باعتبارهما
قيما رئيسية للإسلام بشكل عام، كما نجد هذه الشريعة تقوم على دعائم رئيسية هى الحرية، حرية الإنسان، ورفع الحرج، والتيسير على الناس فى مختلف أمور التشريع، على فكرة بناء الأحكام
على مصالح العباد، وعلى حسن الخلق وسنرى الآن العلاقة بين قيم الإسلام وفكرة
الحقوق والواجبات بشكل عام.
القسم
الثانى
العدالة
وحقوق الإنسان
قيمة
العدالة فى التشريع الإسلامى:
تعتبر
العدالة مقصدا عاما لكافة التشريعات التى يضعها الإنسان
لحكم العلاقات الاجتماعية، وحكمة رئيسية تدور حولها مختلف القوانين.
لذا
يقال بأن أى قانون لا بد أن يعتمد على شىء من العدالة، ونجد أن أجهزة تطبيق القانون تسمى بأجهزة
العدالة فيقال عن المحاكم أنها دور العدالة، ويقال وزير العدل ولا يقال وزير
القانون، وإذا كانت المحاكم تطبق القانون إلا أن هدفها هو تحقيق العدالة ومن هنا فإن
القانون ليس فى النهاية إلا وسيلة لتحقيق العدالة، وإذا
حدث أن التطبيق القانونى قد تجافى مع العدالة لسبب أو لآخر،
فيجب أن يقوم القاضى بالتدخل لتخفيف وطأة الحكم القانونى أو لتكملة النقص فيه أو لطرحه فى
بعض الأحيان، ووضع الحل الذى يتفق مع العدالة (7).
وسبب
سيطرة فكرة العدالة على النظام القانونى هى أنها تهدف إلى تحقيق المساواة التامة بين الناس فى كل شىء.
وإذا
كانت العدالة ليست مصدرا أصليا للتشريع فى مختلف الدول،
إلا أنها- بلا أدنى شك- مصدر مادى يسمح بأن تتولد عنه
أسس مباشرة تدخل فيه، وهو ما يفعله المشرع العاقل عندما يستنبط قواعد قانونية من
فكرة العدالة أو من الإحساس بها.
وهكذا
فمن الضرورى أن يتطابق القانون الوضعى
مع قواعد مثالية- قواعد القانون الطبيعى- والتى
نسميها هنا قواعد الشريعة وأهمها- بالطبع- العدالة، فكيف توجد العدالة فى التشريعات الإسلامية، وإلى أى
مدى تطابق الحلول فى القانون من هذه الناحية؟
الإعجاز القرآنى فى
مجال العدالة:
يختلف
الأمر
في الشريعة الإسلامية عنه فى التشريعات الوضعية فيما يتصل بوضع
العدالة كهدف لا تؤثر فيه السياسة، ولا المنافع أو الأهواء الشخصية
للحكام، لأن الله- سبحانه وتعالى- ألزم نفسه بالعدالة مع خلقه، وألزمهم بها فى تعاملهم بعضهم مع بعض لذا يتجلى الإعجاز القرآنى فى الآيات الكريمة التى تحدثت عن العدالة فجعلتها قيمة مقدسة يجب دائما الوصول
إليها أيا كان الضرر الذى يظن تحققه منها.
ويقول
أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة فى هذا المعنى: ( إن سمة الإسلام العدالة.
وكل تنسيق اجتماعى لا يقوم على العدالة منهار- مهما تكن
قوة التنظيم فيه- لأن العدالة هى الدعامة، وهى النظام،
وهى التنسيق السليم لكل بناء) (8). فالله- سبحانه وتعالى- سيعامل الناس يوم القيامة بعدالة كاملة ولن يترك
شيئا لا يحاسب عليه، فيجازى المحسن ويعاقب المسىء،
بالقسط. بقوله سبحانه وتعالى: (ونضع
الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا
بها وكفى بنا حاسبين )(9) ويقول سبحانه وتعالي: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال
ذرة شرا يره ) (10).
وأوصى-
سبحانه وتعالى- رسله وعباده بأن يقيموا العدالة فى
الأرض، فيقول:( يا أيها الذين آمنوا كونوا
قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى
) (11 ) .
ويقول
جل جلاله: (إن الله يأمر بالعدل
والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون )( 12).
كما يقول: ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها
وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم
تذكرون)(13)
وهكذا
تظهر الآيات السابقة العدل كقيمة أخلاقية سامية يجب اتباعها
فى الحياة وفى المعاملات وفى استنباط الأحكام بشكل عام.
وينبهنا
الله- جل جلاله- إلى ضرورة الحكم بالعدل فى الخصومات والأقضية فى العديد من الآيات
الأخرى، مثال ذلك قوله تعالى: (إن
الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم
بين الناس أن تحكموا بالعدل ) (14).
ويقول
أيضا: (وإن حكمت فاحكم بينهم
بالقسط إن الله يحب المقسطين )
(15).
وفى
مجال العلاقة بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى يقول سبحانه وتعالى: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن
الله يحب المقسطين ) (16). والواقع أن حصر ما ورد فى القرآن الكريم بشأن العدالة وضرورة الوصول إليها فى أى نظام تشريعى،
من الصعوبة بمكان، ولا أكون مبالغا إن قلت: إن كافة الآيات الكريمة التى رسمت أسلوب الحياة للناس ووضعت مناهج للسعى فى الأرض ترتبط بالعدالة
وتجعلها مقصدا رئيسيا لها، لذلك اكتفينا بذكر أمثلة من هذه الآيات وردت بالنسبة
لبعض صور المعاملات.
العدالة الاجتماعية:
يعتبر
تقسيم العدالة إلى عدالة التوزيع- عدالة القسمة - (17)- وعدالة تعويضية أو تبادلية (18)، هو أهم
التقسيمات المقررة للعدالة وتتجلى الصورة الأولى فى
توزيع الجاه والمال وكل ما يمكن قسمته بين هؤلاء الذين يعترف بهم الدستور، فيجب أن
يقوم نوع من التوزيع النسبى للمزايا الاجتماعية
وللأعباء كذلك على كافة المواطنين بحسب قدراتهم وإمكاناتهم ودرجة مساهمتهم فى تحمل أعباء المجتمع (19).
ونجد
القرآن الكريم يعبر عن هذه الصورة من صور العدالة فى
العديد من الآيات الكريمة، من ذلك قوله تعالى: ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما أتاكم الرسول فخذوه
وما نهاكم عنه فانتهوا ) (20). وعلى أساس هذه الآية قام عمر
بن الخطاب- رضى الله عنه- بمنع توزيع الأراضى
المفتوحة على الفاتحين، وتفصيل ذلك أنه عندما توسعت الدولة الإسلامية وانضمت إليها العديد من
الأقاليم الجديدة بالفتح، اختلف عمر مع الصحابة فى
طريقة التصرف فى الأرض، وبينما مال الغالبية إلى قسمتها
بين الفاتحين وفقا لآية الغنائم، اعتمد هو على الآيات الكريمة التى
ذكرناها، ورفض التقسيم ووضع قاعدة مؤداها ترك الأرض لأهلها وفرض خراج عليها حتى
يمكن الاستفادة منه فى الصرف على المرافق العامة
للمسلمين كافة، فقد فهم هذا النص على أنه يعنى ترجيح مصلحة الأمة الإسلامية التى تقضى بعدم استئثار فئة من الناس بتملك الأراضى ؛ لأن ذلك مخالف للعدالة وللنص القرآنى، الذى أكمل الآية التى ذكرها عندما
عدد فئات من يستحقون وذكر فى آخرهم (والذين جاءوا من بعدهم )
(21).
وأخذ عمر بن الخطاب يدافع عن وجهة نظره بقوله:
". أرأيتم هذه الثغور لا بد من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام
كالشام ومصر والكوفة، لا بد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين
يعطى هؤلاء إن قسمت الأرضين؟.
وهكذا
أعمل عمر بن الخطاب قاعدة العدالة التوزيعية أو ما يطلق عليها حديثا ا؟ العدالة
الاجتماعية"ا فقد رأى ضرورة حصول جماعة المسلمين على موارد تنفق على المحتاج
منهم وعلى رعاية المصالح العامة وإدارة المرافق فى الدولة الإسلامية، ورجح هذه
المصلحة على مصلحة قلة من الغزاة والفاتحين وأبنائهم كان ريع هذه الأرض كلها سيذهب
إليهم (22).
وبالنسبة
للصورة الأخرى من صور العدالة، أى العدالة التعويضية أو
التبادلية، فهى تلعب دورا تصحيحيا فى
العلاقات التى تتم بين الأفراد، وتتطلب ألا يأخذ أحد فى العقود والمعاوضات أكثر مما
يستحق وعليها تم بلورة ضرورة قيام توازن مالى واقتصادى فى العقود والصفقات.
ونرى
هذا المقصد واضحا أيضا بشكل معجز فى القرآن الكريم والسنة
الشريفة، فالقرآن الكريم يمنع أى استغلال فى التعامل ويوجب أن تقوم العقود على أسس متوازنة.
ولا
شك أن حرص القرآن الكريم على سلامة التعامل والتوازن بين أطرافه، لا يواتيه أى حرص لأى مشرع آخر فى أى قانون. ولن ننظر طويلا فى
التشريعات الإسلامية فى هذا الشأن وإنما سأكتفى
بما ورد بشأن الربا فى القرآن، يقول سبحانه وتعالى: ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل
الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره
على الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
(23)
ويشدد
الله- سبحانه وتعالى- النكير على من يأكلون الربا فيقول: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أمولكم
لا تظلمون ولا تظلمون ) (34).
ويصل
القرآن الكريم بالناس إلى قمة المسئولية فى هذا المجال،
فلا يجعل المال ينتج مالا فى حالة التأخر فى
السداد لعذر فيقول: ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير
لكم إن كنتم تعلمون * واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم
لا يظلمون ) (25). ويتضح من هذا العرض مجموعة الحقوق والواجبات
التى ترتبط بقيمة العدالة وفقا للتصور الإسلامى.
فإذا
أمر الله رسوله بأن يحكم بين الناس بالعدالة، وإذ أعلن فى
هذه الآيات بوضوح أنه يأمر بالعدل، وينهى عن البغى
والظلم، فإنه يترتب على ذلك مجموعة الحقوق المدنية واللصيقة بالإنسان بالمدلول
الحديث، فله الحق أن يكون له قاض يقضى بينه وبين الناس بالعدل، وله الحق فى أن يمنع القاضى أى ظلم أو حيف يقع عليه مهما كان صغيرا ولو مثقال حبة كما
يقول القرآن الكريم. ومهما كان هناك من عداء أو خلاف بين
المسلمين وغيرهم، فإن المسلمين ملزمون بإعطاء العدو حقه.
لذلك
كانت رسالة عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى والتى عرفت تاريخيا بدستور القضاء فى
الإسلام، إحدى الوثائق التى عبرت عن رسالة العدالة فى المجال القضائى كما فهمها
المسلمون. يقول عمر فى بداية الرسالة: "إن القضاء
فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلى إليك، فلا ينفع كلام بحق لا نفاذ فيه
".
فهنا
يعبر عمر عن أن القضاء مرفق عام فى دولة الإسلام بل من
الفروض التى يجب أن تؤتى ويؤدى إقامتها إلى تحقيق ثواب الله، وعدم
إقامتها يؤدى إلى توقيع العقاب من الله فى الدنيا
والآخرة. ولننظر إلى استخدام عمر لكلمة الحق) وأنه لا ينفع التعبير عن الحقوق إلا إذا تم
تنفيذها، وعلى رأسها حق التقاضى.
تتحدث
الرسالة عن واجبات القاضى فى
التسوية بين الناس فى المجلس، وفى تعبير الوجه، فلا
تنفرج أساريره لواحد بينما يتجهم فى وجه الآخر، تقول
الرسالة: (آس بين الناس فى مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع
شريف فى حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك) (26).
وفى
مجال الحقوق الاقتصادية نجد الإسلام يسبق الوثائق الحديثة لحقوق الإنسان إلى حد
كبير، بتقريره حق كل فرد فى الحصول على أقسام من
المنافع العامة، واتخاذ ولى الأمر ما يلزم من تدابير لمنع تداول الثروة بين
الأغنياء فقط. كذلك يتضح من الآيات التى ذكرناها أن
الإسلام يقيم النظام الاقتصادى على أن لفئات معينة يجمع
بينها الفقر، حقوقا ثابتة فى أموال المجتمع يلزم الحاكم
بأخذ مقدار ثابت من ثروات الأغنياء وإعادة توزيعها على هؤلاء الفقراء.
كذلك
يتجلى الطابع الأخلاقى الواضح لشريعة الإسلام فى منع استغلال الغنى للفقير ماديا عن طريق الربا، ولا يعترف
الإسلام فى هذه الحالة للغنى بحقوق مالية أكثر مما دفعه
للفقير، كمقابل الزمن فحسب، وهذا موقف لا نراه يتحقق فى
أى شريعة أخرى (27).
القسم الثالث
قيام
الحكم الشرعى على المصلحة
المصلحة والتشريعات الإسلامية:
إن
وجود مصلحة واضحة فى كل تشريع، أمر ضرورى
لإمكان الاقتناع به والإقبال على تنفيذه لذا كانت فكرة المصلحة، هدفا رئيسيا لكل تشريع.
وفى
الشريعة الإسلامية تقوم المصلحة بدور هام فى المجال التشريعى، ربما لا تقوم به فى أى نظام آخر، فهى ليست هدفا عاما
للشريعة، ومقصدا كليا من مقاصدها فحسب بل هى حكمة واضحة وجلية من سننها
وتقريرها، لذا يوجد الحكم الشرعى حيث توجد المصلحة، وينتهى الحكم حيث لا توجد المصلحة. كذلك فإن استخلاص
الأصوليين لفكرة بناء الأحكام على المصالح جعلهم يضعون "المصالح المرسلة" أساسا آخر لتشريع الأحكام فى
الإسلام، مما أعطى لولى الأمر فى النظام الإسلامى سلطة واسعة فى استخلاص
أحكام جديدة لم يتعرض لها الفقهاء من قبل إذا ما استبان فيها مصلحة المسلمين.
ويقول
الأصوليون إن هذه المصلحة تتحقق، إما بجلب النفع للإنسان، أو بدفع الضرر عنه فكان
من رحمة الله بالناس فى التشريع أنه قصد حفظ التوازن
بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة لذا فإن ما جعله الشرع مباحا
مأذونا أو واجبا مفروضا على الإنسان، فهو إما نافع له نفعا محضا أو نفعه أكثر من ضرره
أو أنه محقق المنفعة لأكبر مجموعة من الناس. وما جعله الشرع حراما أو مكروها فهو لأنه محض ضرر أو لأن ضرره أكثر من نفعه. وهكذا شرع الله
كل ما يحقق النفع للإنسان ويدفع الضرر عنه لكى يتحقق له
ما خلق من أجله من الخلافة فى الأرض وإخلاص العبادة له
سبحانه وتعالى.
وهكذا
يمكن أن نقول أن كافة الأحكام الشرعية ترتبط بالمصلحة؟ أى تستهدف خير الناس ونفعهم أو منع الضرر عنهم، وهذه الحقيقة
محل إجماع الأصوليين والفقهاء على اختلاف مدارسهم.
وقد
توسع الأصوليون فى هذا المنهج توسعا كبيرا، وانتهوا إلى
نتائج بالغة الأهمية تأسيسا على قيام الأحكام الشرعية جميعها على حكم، إن لم تكن
واضحة دائما فمن الضرورى الوصول إليها.
ثم
أخذ الأصوليون بفكرة المصلحة المرسلة كما وضحنا واعتبروها من مصادر الشريعة.
والمصالح المرسلة هى مصالح سكت عنها الشارع، فلم يشهد
لها بالاعتبار، أو الإلغاء بنص معين، فلا دليل يدل على الإذن بتحصيلها وبناء
الأحكام عليها، بل تركها لأولى الأمر من المجتهدين يأخذون بها إذا اقتضى حالها
الآخذ بها ويتركونها إذا ترتب عليها مغبة أو أدت إلى ضرر، لأن شأنهم الإمعان فى تحديد وتجلية النصوص وسبر مدلولاتها لاستخراج علة الحكم أو
ضبط هذه المدلولات أو الترجيح بين احتمالاتها أو الكشف عن عمومه أو مخصصاته آو
الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص (28).
والواقع
أن الفقهاء قد اتفقوا على أن المصالح المرسلة تعتبر أحد الأدلة التى يمكن استخدامها لوضع أحكام جديدة بشرط ألا تخرج على
النصوص أو الأحكام المجمع عليها من جماعة المسلمين.
أنواع
المصالح:
وتبدو
العبقرية الفقهية الشاملة لدى علماء المسلمين فى وقت
مبكر، عندما توصلوا إلى مقصود الشارع من وضع مختلف الأحكام والأنظمة التى يقوم عليها الناس فى الأرض
وهو تحقيق المصلحة. هذا حجة الإسلام الإمام الغزالى
يوضحها لنا بجلاء فى كتابه " المستصفى"
فيقول:
" إن مقصود الشارع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ
عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو
مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة".
فأى تتبع واضح لمختلف الأحكام القانونية يجعلنا
نقرر أنها تدور حول، حفظ الشخص والمال والجماعة، ثم الدين فى
التشريعات ذات الطابع الأخلاقى
، ولا
يخلو تشريع لأى دولة من
الدول غير العلمانية من حماية الدين بأحكام عديدة فى
التشريعات.
فكافة
التشريعات تحمى الفرد وتقرر له العديد من صور الحماية لجسمه وعقله وحريته كما تحمى
المال بصور شتى من صور الحماية وتعاقب من يعتدى عليه،
كما تحمى حق الإنسان فى تكوين أسرة وتحمى استمرار الجنس
البشرى واحترام تناسله، فهكذا على تفصيلات يتبينها كل
من يطالع أحكام القانون المدنى وأحكام قانون العقوبات فى