الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
حموي الإنساق فى الإسلام

حقوق الإنسان فى الإسلام

الأستاذ/ أفلح بن أحمد الخليلى

سلطنة عمان

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد:

فقد تلاعبت الأهواء بحقوق الإنسان بعد أن رسخت شريعة الغاب فى حياة البشر فلا شريعة تطبق ولا عقل يستضاء بنوره بعد أن تطايرت زبالته بأعاصير الأهواء.

لذا كان لزاما على المسلمين أن يرفعوا عقيرتهم لينادوا العالم أجمع بنداء الإسلام فى حقوق الإنسان المضاعة حتى يعود للكون صلاحه وتعود للإنسانية سعادتها.

ولا يخفى على أحد كيفية رعاية الشريعة الإسلامية لحقوق الإنسان إذ هو القطب الذى تدور عليه رحى الكون، فلذا كرمه الله تعالى (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ( الإسراء (70))

كرمه بأن جعله خليفة فى أرضه ونفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء وأسجد له الملائكة وسخر له منافع الكون الظاهرة والباطنة وغير ذلك.

وحقوق الإنسان كثيرة والنصوص فيها متعددة، بل ما جاءت الشرائع إلا لمصلحة الإنسان ولتحقيق حقوقه، ولطول الموضوع وكثرة الكتابات حوله اخترت أن تكون سطورى حول حق الجانى وأن أضع صورة بسيطة عنه إذ بإثبات حق الجانى يثبت حق غيره من باب أولى.

وقسمته إلى ثلاثة محاور

- المحورالأول: حقه فى إبعاده عن الجريمة.

- المحورالثانى: حقه قبل ثبوت الجريمة.

- المحورالثالث: حقه بعد ثبوتها.

المحورالأول: (حقه فى إبعاده عن الجريمة)

الشريعة الغراء لكونها ربانية المصدر تقطع حبال الشيطان وتجتث سمومه من جذورها وتسد فى وجهه المنافذ فلذا راعت الأسباب التى توقع فى الجنايات بأسرها فألقت بعضها بسديد توجيهاتها وهذبت البعض الآخر ووجهته الوجهة المرضية.

فأحاطت المجتمع بالكثير من القيود الأدبية للرجال والنساء تحول دون الوقوع فى الزنا كوجوب الستر وغض البصر عن جميع المحرمات- أكانت مباشرة أم غير مباشرة- كوسائل الإعلام، ونهت النساء عن التغنج فى الكلام أو أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن، ومنعت كل ما يؤدى إلى الفاحشة من الاختلاط والمصافحة وغيرها.

وحثت على الزواج وأمرت بتيسير مؤنه، وأرشدت إلى الصيام عند عدم التمكن من النكاح.

وأمرت بالزكاة ورعاية الفقراء والمحتاجين حتى لا تدفعهم النفس الأمارة بالسوء إلى السرقة والاحتيال بأنواعه، وأمرت الأمة أفرادا وجماعات بالتعاون فيما يكفل العيش لجميع أفرادهم (وتعاونوا على البر والتقوى) لمائدة: 2) وبالنظام الاقتصادى الإسلامى الذى يحرم الغرر والغش وتلقى الركبان والربا وغيرها توزع الأموال، ولا تكون دولة بين الأغنياء.

كما حرم الإسلام الظلم والاعتداء والازدراء والنسب والإهانة وهى أمور تجر إلى ردة فعل عكسية تودى بالأخضر واليابس فتؤدى إلى إزهاق الأرواح وسائر الاعتداءات الأخرى، ومنع الحقد والحسد والحمية حذرا من الوقوع فيما لا تحمد عقباه.

ولم يكتف الإسلام بالحل الجزئى للقضايا بل كسى المجتمع الحلل العامة التى تحول دون الحرام لأنه جاء لحفظ الضرورات الخمس وهى أجل مقاصد الشريعة، حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، أو النسل، والمال، فشغل النفوس بعبادته حتى تقطع وساوس الشيطان، إذ هى تأخذ قسطا من وقته كما أنها فى الوقت نفسه تذكى روح التقوى كما دلت عليه الآيات الكثيرة، فالله تعالى يقول (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) ( البقرة (21)) (1)

وربط الإنسان بأخراه وبالوعد والوعيد فيها حتى تتطلع نفسه إلى نعيمها وتفرق من هول جحيمها فيبقى معلقا بالخوف والرجاء فيجنبه ذلك المعاصى بأسرها، ونبهه على القضاء والقدر فتستقر بذلك نفسه مع ما تلاقيه من الشدائد ولا تطغى إن أسبغت عليها النعم.

كما أن شعوره الدائم بوحدة المنعم يجعله مرتبطا بشكره، وجعل الإسلام المفاضلة بين المؤمنين والكافرين بالحب فى الله تعالى وبالبغض فيه حائلا عن التبعية، وبين حقيقة الدنيا وحث على الزهد فيها، وأظهرأهمية العلم، وهو بدوره يقى من المزالق لمعرفته بمغبتها، وبالإضافة إلى ذلك فالله قص علينا فى كتابه أخبار الصالحين والطالحين وأنبأنا بعاقبتهم المتباينة لتشتاق نفوسنا أن تكون مع الأولين، إذ هم نماذج للاقتداء، وتربأ أن تكون مع الآخرين حتى لا تؤول إلى ما آلوا إليه.

هذا مع سمو فى العلاقات الاجتماعية، فهو يحكم العلاقة بين الأب وأولاده والعكس، وبين الزوجين، وبين الإخوة وغيرهم من الأقارب، مع أمره بحسن التربية التى من شأنها تطهير النفس وإذكاء الروح، كما حذر من مغبة مرافقة صاحب السوء حتى لا يجره إلى اتباع سلوكه. (2)

كما أن الشريعة اتخذت خط دفاع فى وجوه المفسدين بسد الذرائع، فسدها يقطع المشكلة قبل استفحالها بل ويضعفها حتى بعد قوتها. (3)

وقد دلت على ذلك نصوص كثيرة من الكتاب والسنة.

ولذا قال صلوات الله وسلامه عليه: "لا يرث القاتل المقتول، عمدا كان القتل أو خطأ) (4).

ومن هذا المنطلق قال الإباضية بحرمة نكاح الزانى بمزنيته حتى لا يوقع السفهاء النساء فى حبالهم بأمانى الزواج بعد ذلك. (5)

ولا بد أن يتعامل به الساسة والعلماء- بشروطه طبعا- حتى يصلوا إلى تطهير المجتمع بالعلاج الوقائى، وهو ضرورى للإنسان مع نفسه ومع مجتمعه.

المحورالثانى: (حقه قبل ثبوت الجريمة)

ا- أصلية براءة الذمة:

الأصل فى الشرع عدم ثبوت الجريمة وعلى مدعيها الإثبات لقوله صلى الله عليه وسلم : "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" (6).

فالأصل براءة الذمة كما يقررها الحديث الشريف ولابد لمدعيها من دليل يدعم قوله، فإن لم يكن عنده الدليل توجهت اليمين على المدعى عليه ولا يثبت عليه الحق إلا باعتراف صريح أو ضمنى إن لم توجد بينة.

وأحيانا يستحق المحاول لانتهاك البراءة الأصلية للعقوبة الصارمة التى تقطع لسان المتطاول ما لم يتبع دعواه بالبرهان الساطع، فالله تعالى يقول: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدآ وأولئك هم الفاسقون) ( النور (4))

بل حتى لو ثبتت الجريمة ووجدت شبهة فإنها تمنع الحد، لأن الحدود تدرا بالشبهات على خلاف بين العلماء فى تحديد الشبهات المعتبرة.

إلا أن أصلية براءة الذمة لا تعنى أن المتهم لا تتخذ معه الإجراءات التى تكشف حقيقة القضية فلذا "حبس النبى  صلى الله عليه وسلم  فى تهمة" (7) حتى لا تضيع الحقوق الأخرى، وذلك عند وجود القرائن المؤكدة لتهمته خصوصا إذا كان المتهم من غير ذوى الصلاح، إذ التهمة فيه أقوى.

2- التعامل معه بالطاهر:

وهو من حقوقه فلا يصح التفتيش عما تكنه القلوب، إذ نحن غير متعبدين إلا بما ظهر، وما خفى فحسابه على من لا تخفى عليه خافية، ولذا اشتد إنكار النبى  صلى الله عليه وسلم عندما قتل صحابى أحد المشركين بعد النطق بالشهادتين مدعيا أنه قالها فرقا من الموت فقال النبى صلى الله عليه وسلم : (هل فتشت عن قلبه)(8)

3- حرمة التجسس عليه:

كما أن الإسلام حرم التجسس عليه بقوله تعالى: (ولا تجسسوا) الحجرات (12).

فـ (تجسسوا) فعل منفى فهو للعموم، فحرمة التجسس على الكافر والمسلم على السواء إلا عند وجود تهمة قوية وضرورة لا محيص عنها.

وقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثلة فى ذلك، فعمر بن الخطاب

رضى الله عنه - عندما ذكر له عبد الرحمن بن عوف أن قوما فى بيت ربيعة بن أمية بن خلف مجتمعون على شرب، والقرائن تدل على ذلك لعلو أصواتهم- قال عمر: (أرى أنا قد آتينا ما نهى الله عنه!! قال تعالى: (ولا تجسسوا) وقد تجسسنا،. فانصرف عنهم وتركهم.

وقد اختلف الفقهاء فى ذلك. (9)

4- حسن الظن به:

وهو أيضا من حقوق جميع المسلمين فلا يمكن إغفاله، وإساءته أكذب الحديث إلا فى حالات شاذة؛ لذا قيد الله الإثم ببعضه دون جميعه.

5- الاختيار وعدم الإكراه فى الاعتراف:

ولا يمكن أيضا إجباره على الاعتراف ؛ لأن المكره لا يترتب على كلامه أثر لفقد شرط الرضا فيه لحديث النبى الله صلى الله عليه وسلم  "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما لم يستطيعوا وما أكرهوا عليه" (10) إلا عند قوة القرائن، فالنبى صلوات الله وسلامه عليه حبس فى تهمة، وذلك لا يخلو من إكراهه.

6- تمكينه من الدفاع عن نفسه:

وذلك من مقتضيات براءته الأصلية، ولذلك لا يسوغ الحكم عليه إلا بعد السماع منه إذ قد يقدح فى الشهود بالفسق ويبرهن على ذلك بدليل معتبر، أو بقاربة من المشهود له- عند من لا يجيز شهادة القريب لقريبه- أو بحقد عليه. كما أنه قد يستند إلى بينة معاكسة تبطل الدعوى من أساسها، ولم يكتف الشارع بتمكين المتهم من الدفاع بل القاضى أحيانا- فيما يتعلق بالحدود- يبحث للمتهم عن المخارج، لذا ورد فى الحديث للمعترف بالسرقة (ما أراك سرقت) (11).

والنبى صلى الله عليه وسلم كان يلتمس العذر لماعز حتى يدفع عنه الحد، وهذا الحق ليس قبل ثبوت الجناية فقط، بل هو حتى بعد ثبوتها، فالحديث الأول اعترف فيه الرجل بالسرقة، وماعز مقر بذاته، ومع ذلك فالنبى صلوات الله وسلامه عليه بحث عن عذر لهما.

المحور الثالث: حقوقه بعد ثبوت الجناية:

حتى لو قامت البراهين القطعية ضد الجانى بتورطه فى شىء من القاذورات لم يحرمه الشارع حقه قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة (8)

فلذا أوجب له بعض الحقوق منها ما يلى:

1- النصح له: الدين النصيحة ومن أحق الناس بها المخطئون الذين ارتكسوا فى حمأة الرذيلة. بل رسل الله- عليهم وعلى نبينا أطيب الصلاة والسلام- بعثهم الله بعد فساد قيم الناس ونزولهم إلى الحضيض فى كل شئ، لأن أولئك الأشخاص فى ذلك الوقت كانوا أشد حاجة إلى الأنبياء ليخلصوهم مما هم واقعون فيه.

والنبى صلى الله عليه وسلم  كان موجها للجناة وغيرهم فعندما ترافع عنده شخصان وعظهما بقوله: "إنكم تختصمون لدى ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض.. " (12)0 إلخ، فهذا قبل ثبوت الجناية.

وبعدها أيضا وعظ النبى- صلوات ربى وسلامه عليه- فعن أبى أمية المخزومى "أن النبى صلى الله عليه وسلم  أتى بلص فاعترف اعترافا ولم يوجد عنده المتاع .. فأمر به فقطع، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : قل: أستغفر الله وأتوب إليه، قال: أستغفر الله وأتوب إليه، قال: اللهم تب عليه " (13).

وهذا يعم أصحاب السجون وغيرهم فلا بد أن ننظر إليهم نظرتين:

الاولى: أنهم مجرمون يستحقون العقوبة.

الثانية: الرحمة والإشفاق فلا يصح أن تنسينا النظرة الأولى النظرة الثانية.

2- فتح باب التوبة له:

فالله تعالى يقول: ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) النساء (17).

وهذه الآية تلت ذكر اللاتى يأتين الفاحشة واللذان يأتيانها ليحثهما على التوبة.

بل الله تعالى كثيرا ما أتبع المعصية العظيمة بذكر التوبة والتشجيع عليها، فالله- جل ذكره- بعد أن ذكر عاقبة المشرك والزانى والقاتل فى سورة الفرقان قال: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) الفرقان (70).

وقال أيضا بعد ذكر عقوبة القاذف إلى غير ذلك من النصوص الصريحة الكثيرة.

وينبغى بعد توبة الجانى أن لا يعيربما صدر منه قبل ذلك، حتى أم المؤمنين عائشة- رضى الله عنها- فتحت صدرها لامرأة قطعت يدها لسرقتها، وكانت ترفع حاجتها للنبى صلى الله عليه وسلم  وحسنت توبة تلك المرأة(14). فلا يليق بالمؤمن أن يكون عونا للشيطان على أخيه المؤمن.

ولا يقتصر فتح باب التوبة على رفع حكم الفسق والعقاب الأخروى عنه، بل تطول حتى تشمل قبول شهادته فى جناية من أعظم الجنايات اللسانية ألا وهى جريمة القذف، فالله تعالى يقول بعد ذكر عقابها: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) النور (5)، وهو مذهب الجمهور. (15)

3- تلافى الجريمة عند إمكان ذلك:

عند إمكان إزالة المجرم أثر جريمته لا يكون هناك داع لإنزال العقوبة الصارمة به، وذلك يختلف باختلاف الجرائم، وقد بين الله تعالى لنا ما يمكن تلافيه فقال تعالى بعد ذكر آية الحرابة: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) المائدة (34). فمن تاب وأقلع قبل القدرة عليه والتمكن منه لا يقام عليه الحد المتقدم، وفى ذلك ترغيب عظيم للإقلاع عن هذه الجريمة الشنعاء. (16)

وذلك أيضا حتى فى الشرك- وهو من أعظم الكبائر- فالله تعالى يقول حاثا على الإسلام: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين ) الأنفال (38)، فلا يطالب بما أفسده فى كفره، فيرخى بذلك الستار على مشاهد الماضى البغيضة لمحو آثارها، وكذلك المرتد لا يقتل إن عاد إلى دينه.

4- تمكينه من الدفاع عن نفسه:

وقد سبق بيانه فى المحور الثانى فلا داعى لتكراره.

5- أن لا يتحمل العقوبة مع عدم أهليته لها:

دفع الله- سبحانه- العقوبة الصارمة عن من ارتكب ما يوجب الحد إن لم يكن أهلا لتحملها، وذلك لطف منه- جل وعلا- فلا يقام الحد على مجنون ولا على طفل، لقوله صلى الله عليه وسلم : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبى حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ) (17).

والمكره كذلك لا يقام عليه الحد، لحديث (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وهو قول جماعة من أهل العلم. (18)

والعبد خففت فيه الحدود (19) كما دل عليه قوله تعالى فى الإماء: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) سورة النساء (25).

وعند شدة المرض يؤخر إقامة الحد حتى لا يودى الحد بحياته.

وغيرها من عوارض الأهلية على خلاف فى بعضها. (20)

وفى بعض الحدود ترد عوارض أخرى كالحاجة الملحة، فى حد السرقة، لذا أسقطها عمر فى عام الرمادة للشدة التى مرت بها الأمة جميعا، والعطش الشديد يحول دون تطبيق حد الخمر. وهكذا.

6- ألا تؤثرالعقوبة على غيره:

وهو حكم غالبى يتضح فى جانبين:

الاول: أن الحد لا يقام على الحامل حتى لا يتضرر جنينها البرئ بذلك، حتى لو كان تكونه من زنا، لأنه لا ذنب له فى ذلك لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزرأخرى ) الأنعام (164)، وكذلك لا يطبق على المرضع للسبب ذاته.

فلذا عندما قدمت الغامدية معترفة بزناها قائلة: (إنى حبلى من الزنى) أمرها أن تذهب حتى تضع حملها لئلا يتضرر، ثم أمرها بإرضاعه حتى يفطم، وبعده أقام عليها الحد. (21) كل ذلك حفاظا على الجنين ومراعاة له.

الثانى: قصر وقت العقوبة، وذلك لأن الجانى أحيانا كثيرة يكون راعيا لأسرة وله روابطه الاجتماعية، فلو منع من المكث مع أهله لطول حبسه لأضر بهم، فلذا كانت العقوبة الشرعية جامعة بين الفاعلية والسرعة حتى لا يقع ضرر. فشارب الخمر والقاذف يجلدان ثم يعودان ليعملا لأهلهما، بخلاف القوانين الأخرى فلا تضع يدها على الجراح الذى بعلاجه تزول المشكلات.

فكم نسمع عن أشخاص حكم عليهم بالسجن المؤبد أو بعشرين سنة وبذلك تتفرق أسرهم ويفقدون الراعى الذى يرعاهم، مع أن السجن يضر بأهل المسجون إضرارا بالغا فييتم أولاده مع حياة أبيهم، ويرمل زوجته مع بقاء زوجها. وصعوبة هذه العقوبة تزداد ضراوة فى أيامنا هذه لأمرين:

أولهما: كثرة المغريات التى تنتزع الشباب حتى مع يقظة المربى، فكيف يمكنه مراعاتهم وهو فى غياهب السجون.

ثانيهما: قلة الروابط الاجتماعية، فلا راعى يكفل اليتامى فضلا عن أبناء المساجين، ولا يجدون من يمد لهم يد العون، وهو خلاف الواقع سابقا إذ الرباط القبلى فضلا عن قوة العلاقة الأسرية يبعث على الحفاظ على ذوى ذلك الرباط ماديا ومعنويا، فلا شعور باليتم ولا بغيره.

والذى يبصر الواقع ويمعن النظر فيه يتبين له بوضوح أن أبناء المساجين من أكثر الناس فسادا وذلك لما قدمناه.

وهى أيضا تدفع المجرم لمواصلة درب الشر عندما يلتقى بالمتقدمين له فى نفس مضماره، ويتسقى من توجيهاتهم !! ولربما تلقى طريقا جديدة للمكر والخديعة لنمو فكره عند امتزاجه بأصحابه المساجين. (22)

7- اعتبار رجوعه عن اعترافه:

إذا اعترف الجانى بارتكاب ما يستوجب العقوبة حال تعلقها بحق الله تعالى فتراجع عن إقراره فالجمهور على سقوط الحد عنه (23)، لأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال عندما أخبر عن فرار ماعز: (هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه ) (24)، وقد يعزر بما يتناسب مع تلاعبه.

وهذا لا يشمل حقوق الآدميين، فالمقر بها مطالب بأداء الحق الذى اعترف به،ولا ينفعه الرجوع عنه.

8- عدم الحكم عليه فى حالة غيابه:

فلا بد أن يسمع القاضى كلامه ليتسنى له الحكم عليه بمقتضى ما قاله، ذلك الحد فى حق الله تعالى لأنها كما قيل قامت على التسامح. (25)

ولأنها لا تفوت فحقه- تعالى- لا يمكن أن يفر منه الشاردون، ولا معنى أيضا للحكم عليه من غير تنفيذ، ولا يتأتى التنفيذ إلا بوجوده، فلذا قال بذلك- الجمهور.

بينما أكثر أهل العلم على جوازه فى حقوق الآدميين، وان منعه بعض الفقهاء أيضا. وعند الإمكان لا بد من حضوره- أو حضور نائبه ووكيله- حتى يسمع كلامه فيكون حجة له أو عليه.

9- حرمة الاعتداء فى العقوبة:

قرر الله تعالى للمسلمين نظاما دقيقا حتى مع ملاقاة أعدائهم فالله يقول: (وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم  ولا تعتدوا إن الله لا يحب ا لمعتدين ) البقرة (190).

وذلك يشمل حتى حال الاعتداء فالصائل- على قول بعض العلماء- لا يدفع بما يزهق روحه مادامت توجد سبيل أخف منها.

والاعتداء ممنوع فى جميع الصور ومنها ما يلى:-

أ- الزيادة على العقوبة المقررة:

ففى الحدود لا يمكن أن يزاد فيها أبدا، وفى العقوبات التعزيرية لا يتجاوز ما تدعو له الحاجة، فلذا جاء فى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم : "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا فى حد من حدود الله ) (26).

ب- العقوبة بعد العفو: 

وإليها أشار قوله تعالى فى ذيل آية القصاص: (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) البقرة (178)، فمن اقتص من المعتدى بعد عفو عنه جنى مغبة فعله بنيله العذاب الأليم.

جـ- أن يعجل بالعقوبة قبل ثبوت التهمة:

إذ الأصل براءة الذمة ما لم تثبت الإدانة، وقد سبق بيانها.

د- أن لا تطول العقوبة أحدا من أقربائه:

لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزرأخرى) الأنعام (164)، ما لم يكن ردا له فى الجريمة أو حاميا له بعدها فهنا يستحق أسوأ الجزاء لفعله بنفسه.

10- أن لا يفجع بشىء من ماله:

وقد دلت لذلك عموم النصوص المحرمة لأموال الآخرين إلا برضى نفوسهم، وبالحقوق الشرعية المعتبرة، فالله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) النساء (29) ويقول صلى الله عليه وسلم : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه " إضافة إلى اعتضاده بمقصد الشريعة فى حفظ المال.

ويستثنى من ذلك التفريق (27)- بشروطه- لأن المال فى حقيقته ليس للمسلوب منه، وإنما هو مال جهل أربابه، وعند عدم معرفة الدولة بصاحب المال الأصلى فدولة المسلمين تتولى صرفه بحسب المصلحة.

وإن كان بعض الفقهاء استساغوا العقوبة المالية كابن القيم. (28)

11- تعويض الجانى عند الخطأ:

من مقاصد الشريعة رفع الضرر ودفعه، وهى من القواعد الفقهية المعتبرة لتأيدها بالنصوص الكثيرة من القرآن والسنة ويكفى منها الحديث الذى كثر تداوله "لا ضرر ولا ضرار" (29).

فأى خطأ يهضم به حق الجانى لابد أن يرفع، بل يعوض مقدار ما أصابه. وصور الخطأ متعددة فمنها:-

أ- ما سبق ذكره فى الاعتداء.

ب- تغيير الحد إلى آخر سواء كان أخف منه أو أشد؛ لأن الحد لا يسقط

بذلك ما لم يكن الجزاء فيهما متشابها كالحد فإنه يسقط به إن أتمه، ويسقط الجزء الذى أداه إن لم يتمه.

قد جسد عمر بن الخطاب هذه التعاليم الربانية عندما استدعى امرأة تجالس الرجال فى غيبة زوجها فأسقطت حملها لهيبته فاستشار المسلمين فأشار إليه على بأداء الغرة فقال عمر: (أنت صدقتنى يا على) (30).

12- حسن المراعاة حتى مع العقوبة:

راعى الإسلام حسن تتفيذ العقوبة وإن كانت صارمة ؛ لأن مقصدها الأساسى هو التهذيب حتى فى أشدها، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة..) (31).

فإذا من ألفاظ العموم وهى تعم قتل الحدود والقصاص، ولا تقتصر على الذكاة، ويتأكد ذلك بعطف الذبح عليها، والعطف قرينة التباين بين المعطوف والمعطوف عليه، على أن لو قلنا بعدم دخول قتل الحدود والقصاص فى لفظ الحديث لقلنا بدخوله فى معناه بالقياس الجلى، بل قد يقال بقياس الأولى.

حتى قال بعض الفقهاء بأن القاتل وإن تفنن  باستعمال أبشع الصور فإنه يقتل بأسهل الطرق.

وهذا عن تحقق المقصد- التهذيب- للجانى والمجتمع، وإلا فأحيانا يتطلب الأمر حزما وإشهارا لقذف الرعب فى قلوب الذين تحدثهم أنفسهم بانتهاك الحرم، وذلك كحد الحرابة وحد الزنى فالله تعالى يقول: (ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنينلنور (2).

وهذا يعكس لنا البون الشاسع بين الإسلام وغيره من المبادئ، فما نشاهده فى وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى- من البشاعة التى ينفر منها أصحاب الفطر السليمة- يجلى لنا الفارق بوضوح.

13- العقوبة:

وإن كانت تضمنت الإيلام النفسى والجسدى إلا أنها تحمل فى طياتها بعدا تربويا عظيما، إذ هى من وسائل التربية الأساسية ، فالمستمرئ للشهوات والمصر على الفواحش إن نزلت به العقوبة أنسته وساوس الشيطان وقطعت حباله.

 والردع بها ليس مقتصرا على المعاقب بها بل تشمل الناظر لها والسامع منها، فلذا أمر الله بالإشهاد فى عقوبة الزنى، وللمنفعة الظاهرة بالعقوبات قال الله تعالى: (ولكم فى القصاص حياة) البقرة (179).

وبعض أعداء الإسلام سلطوا سهامهم المسمومة للنيل منه بأنه لا رحمة فيه حسب تصورهم، ولو نظروا إلى القضية من جوانبها وسلمت نفوسهم من الحقد لتخلصوا من هذا التصور.

وذلك لأن الحد الشرعى يزيل المشكلة من جذورها بخلاف القوانين الأخرى، فلربما استمر المجرم فيها فى غيه واستمراء الفساد لعدم الرادع الذى يوقفه عند حده، وهذا ما نجده واضحا فى المجرمين الذين لا يقام عليهم الحد يترددون على السجون دون أن تحدثهم نفوسهم عن الوقوف عن الإجرام، فأولئك أشفقوا على مجرمين معدودين، ولم يراعوا الأبرياء الذين تسفك دماؤهم أو تسلب أموالهم أو تنتهك أعراضهم لطيش المجرمين، بل لم يلتفتوا إلى المخطئين الذين ربما ثابوا إلى ربهم لو أقيم عليهم الحد أو أقيم على غيرهم.

مع أن عدم الثأر لحق الأبرياء يدفعهم للانتقام الذى يصعب ضبطه بحدود الفضيلة.

وهؤلاء المنتقدون يقيسون بمقياسين فهم عندما أرادوا الانتقام من المسلمين فى فلسطين وغيرها لم يعتبروا القتل جريمة، بل اعتبروه دفاعا عن النفس وحماية لها فسفكوا الدماء التى يدعون تحريم مثلها والله المستعان.