حقوق الإنسانن فى
الإسلام
الأستاذ/ قاسم أحمد الأعجم
وزير الأوقاف
والإرشاد الجمهورية اليمنية.
مقدمة:
الحمد لله الذى أنعم علينا بالإيمان، وهدانا صراطه
المستقيم (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم
ولا الضالين ).
والصلاة والسلام، على المنقذ
من الضلال، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذى أخرج الناس
من عبادة العباد، إلى عبادة الله، حرر العبودية- التى هى نزعة فطرية فى الإنسان- من التسليط والاستعباد، واسترد إنسانية الإنسانية، ووضع عن البشرية إصرها والأغلال التى كانت
عليها.. وكانت النبوة، بكل المفاهيم والاعتبارات، والواقع الميدانى،
والسياق التاريخى، ثورة تحرير، وانعتاق،
ونسخ لألوهية الإنسان على الإنسان، التى تمارس تحت شتى
العناوين والشعارات والادعاءات، لإخلاص الوجهة لله سبحانه وتعالى.
ذلك أن الشر والظلم، تاريخيا، ناشئ من تسلط الإنسان على الإنسان، وتعدد الآلهة
المتخذة من دون الله، والانحراف عن التوحيد، الذى
يعنى فيما يعنيه. مساواة الخلق أمام الخالق، وبعد:
قد لا نأتى بجديد
عندما نقول: إن الإسلام دين الفطرة، وإن الحضارة
الإسلامية هى عطاء الفطرة، وإن خلود هذا الدين
وامتداده، وقدرته على الإنتاج، والعطاء، مستمد من خلود الفطرة التى
تتأبى على التشويه، والتبديل، وتمتلك إمكانية التجاوز، والتصويت، قال تعالى (فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق
الله ذلك الدين القيم ) (الروم: 30).
غير أن هنالك صراعا، وتدافعا،
بين الفطرة، التى فطر الله الناس عليها،
وبين محاولات التشويه، والتبديل، والتضليل والاغتيال لهذه الفطرة.
كما أن هنالك الكثير من
القواعد والأفكار والتوجهات الإسلامية التى لم تسلط
عليها الأضواء، بل ومازالت مجهولة من الكثيرين، مع أنها قواعد تقع فى بؤرة النظام الإسلامى، وتحتل
مكان الصدارة فيه.
من ذلك تكريم الإسلام
للإنسان، والحقوق التى كفلها الإسلام له، فى سبيل بناء الحياة وإقامة كيان الأمة،
تلك القواعد والأفكار التى أمرنا الله تعالى بتنفيذها والعمل بها، ولقد وضع المسلمون الأوائل تلك الأفكار
والقواعد فى مواضعها، فازدهرت على أيديهم الحضارة،
وتحققت بجهودهم عمارة الأرض، ولكنها فى أيامنا هذه غيبت
بين ما غيب من توجهات الإسلام وتعاليمه، مما دفع الكثيرين من خارج الإسلام إلى استغلال
ذلك الغياب، والمناداة بالكثير من القواعد والتعليمات والأفكار التى هى من أصل الإسلام، والادعاء
بأنهم أصحاب فضل على البشرية، ووجدوا من يتقبل تلك الادعاءات ويدعمها، ومن ذلك ما
يتعلق بكرامة الإنسان وحقوقه.
وسنتناول فى هذه العجالة تكريم الإسلام للإنسان، وكذلك حقوق الإنسان فى الإسلام كما يلى:
الإنسان:
الإنسان مخلوق فريد صاحب
عقل جوال، وإرادة قوية، وقابلية عظيمة للتعليم والارتفاع، والجهل والسقوط، يرتفع
إلى مستوى الملائكة، ويهبط إلى مستوى الشيطان، دائم التذبذب، مشوب العاطفة، يملك روحا
تشده إلى خالقه، وجسما وشهوات تهبط به إلى الأرض.. صانع الحضارة، القادر على هدمها
وتدميرها.. يولد ولا علم له، ثم لا يموت حتى يكدس جبالا من العلم والمعرفة..
انتدبه خالقه لعمارة الأرض، وعبادة الخالق.
كرمه وقدمه على سائر
المخلوقات.. حمله الأمانة، وأمره أن يكون صالحا مصلحا، وأن لا يفسد فى الأرض، وأن لا ينازع الخالق ربوبيته، وأن لا ينصب نفسه معبودا
من دون الله سبحانه.
تكريم الإسلام للإنسان:
لقد منحت كافة الأديان
السماوية الأهمية الكبرى للإنسان الذى هو أفضل وأشرف
المخلوقات، وقد وصل هذا الأمر فى خاتمة الأديان وهو
الإسلام إلى القمة، وقد ارتأى الدين الإسلامى حماية
الحقوق المادية والمعنوية للإنسان بما نظمه الفقه، وأن حماية النفس التى تعتبر من الضروريات الأساسية فى
كل الأديان.
كما أن الدعوة
الإسلامية عالمية، موجهة للناس كافة، تقوم على الكرامة والحرية والعدل والمساواة.
وفى إطار من هذه الشمولية كفل الإسلام للإنسان الحق فى
الحياة، والكرامة، والعدل، وحق العمل، والأمان، وحق الهجرة. كما كفل
للإنسان حرية ا لعقيدة، والتفكير، والضمير، والرأى، والمسكن، وا لتنقل وغير
ذلك من الحقوق الأساسية.
وصرح الخالق العظيم- سبحانه-
بهذا التكريم فقال تعالى: (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى
البر والبحر ورزقناهم من
الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ). (الإسراء: 70).
وإن هذا التكريم-
كما تدل الآيات والأحاديث- ليس خاصا بعنصر دون عنصر، ولا بجنس دون جنس، بل الجميع
سواء فى التكريم وقد قال النبى
صلى الله عليه وسلم: ( كلكم لأدم وآدم
من تراب، لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى ).
فالكرامة الإنسانية يقدرها القرآن والسنة لكل من
يتحقق فيه معنى الإنسانية.
كما أن الأسس التى قامت عليها دعوة الإسلام تعتبر الناس أمة واحدة لا تفرق
بينهم الأجناس والألوان واللغات والعصور، وأنهم خلقوا ليتعارفوا ويتعاونوا (يا
أيها الناس إنا خلقناك من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا)(ا لحجرات: 13).
كما يسعى الإسلام لتوحيد
البشرية على ما فيه صلاحها، وتدعو تعاليمه وتشريعاته إلى الخير بالحكمة والموعظة
الحسنة، ويجادل المخالفين بالتى هى
أحسن، فلا ضغط على الحريات، ولا إكراه فى الدين، ولا
فرض للأفكار والمعتقدات.
لقد ضمن الإسلام حقوق جميع
الناس، ودعا إلى السلام العام بين جميع البشر فقال جل جلاله: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا
تتبعوا خطوات الشيطان ) (البقرة: 208).
فالإسلام مبنى على روحانية
مفتوحة لكل الناس، وعلى الحرية والتسامح والعدل والمساواة، كما أن الإسلام يأمر
بالعمل من أجل السلم فى العلاقات الدولية.
لقد اعتبر الإسلام الناس جميعا
أمة واحدة- الإنسانية تجمعها وان فرقت الأهواء، فالأصل واحد فالواحدة شاملة (يا
أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس
واحدة) (النساء: 1).
وقد جاء فى
سورة البقرة التصريح بأن الإنسانية أمة واحدة (كان الناس أمة
واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين... ) (البقرة: 213).
وكما حارب الإسلام فكرة
التمييز بالألوان حارب التمييز بالعنصر والجنس، فالناس جميعا لآدم، كما حارب
الإسلام العصبية القومية والإقليمية ليكون العدل هو السائد، ولكى
تكون المودة بين الناس وفى كل بقاع المعمورة.
المقصود بحقوق الإنسان:
كلنا يعرف- اليوم- المقصود بحقوق
الإنسان أنها مجموعة من الحقوق المتأصلة واللصيقة بطبيعتنا البشرية، والتى لا يتسنى لنا بغيرها أن نعيش حياتنا بكرامة واحترام.
حقوق الإنسان والثورة
الفرنسية:
فى 10 ديسمبر الماضى، احتفلت الأمم المتحدة بالذكرى الثالثة والخمسين
لإعلان حقوق الإنسان، أى أنه تم إعلانها فى مثل ذلك اليوم من عام 1948.
ولإعلان حقوق الإنسان فى العالم الحديث قصة تقوم على الجرأة والمغالطة، ذلك أن مؤرخى الغرب نسبوا إعلانها إلى الثورة الفرنسية فى سنة 789 1م، فقد كان من نتائجها وما
تمخض عنها إعلان حقوق الإنسان، والتى يتلخص مضمونها فى أن الناس يولدون أحرارا متساوين فى
الحقوق، وأنه يمكن للإنسان أن يفعل ما لا يضر بغيره، ومن حق الناس أن يفكروا
ويكتبوا، ويطبعوا فى حرية، ولأفراد الأمة الحق المطلق فى إدارتها، والعمل على ضمان حقوق الأفراد مع عدم الإخلال
بالمصلحة العامة.
وكان الشعار لمضمون هذه الحقوق
ثلاث كلمات (الإخاء والحرية والمساواة).
وبذلك قيل إن الثورة الفرنسية كان لها الفضل فى إعلان حقوق الإنسان، وأنه قبل هذه الثورة كانت حقوق
الإنسان مضيعة فأعلنتها هذه الثورة فى ميثاقها.
ومع مرور الأيام، ظل هذا يردده كبار المؤرخين الغرييين، ويتناقله عنهم غيرهم،
وفرض فى مناهج التعليم فى
مدارس الشرق والبلاد الإسلامية.
الأمم المتحدة وإعلان حقوق
الإنسان:
ثم انتقل هذا الأمر فى العصر الحديث إلى مرحلة أخرى كانت رهنا بإنشاء الأمم
المتحدة والتى رأت أن ما أعلنته الثورة الفرنسية من
حقوق الإنسان يحتاج إلى إعادة النظر فيها لإضافة مبادئ جديدة إليها توائم التطور الاجتماعى، ومن ثم ألف لهذا الغرض لجنة انتهت إلى ميثاق جديد
لحقوق الإنسان أعلنته فى 10 ديسمبر سنة 948 1م فى قصر شايو
بفرنسا.
ويتكون هذا الميثاق الجديد
من 30 مادة، نصت المادتان الأولى والثانية منه على ما يأتى:
(يولد البشر جميعا أحرارا
متساوين فى الكرامة والحقوق، وأن لهم التمتع بكافة
الحريات المعلنة فى الميثاق، دون التمييز بسبب العرق، أو اللون، أو ا لدين، أو ا لرأى السياسى،
أو الثروة، أو النسب أو غير ذلك من الاسباب).
وتناولت المواد من الثالثة إلى الثانية والعشرين تقرير
الحقوق المدنية والسياسية للإنسان، فنصت على حقه فى
الحياة والأمن على شخصه، والتحرر من الاسترقاق والاستعباد والتعذيب، ومن المعاملات
والعقوبات القاسية أو الوحشية أو المحطة بالكرامة، مع الاعتراف له بشخصه أمام
القانون، وحقه فى الانتصاف أمام المحاكم، والتحرر من
القبض ومن الاعتقال والنفى قسرا.. ومن ذلك أيضا التحرر
من التعرض التحكمى فى حياته الخاصة أو أسرته أو منزله
أو مراسلاته، وحريته فى التنقل، وله الحق فى اللجوء والتملك، مع ضمان حريته فى
الفكر والعقيدة والتدين وحرية الرأى والاجتماع أو تكوين
الجماعات، وله الحق فى حكم بلده، والحق فى المساواة فى تقلد الوظائف
العامة.
وتناولت المواد من الثالثة
والعشرين إلى الثلاثين، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما فى ذلك الضمان الاجتماعى، والحق فى مستوى معيشى كاف للصحة
والرفاهية، والحق فى التعليم، والحق فى الاشتراك فى حياة المجتمع
الثقافية، كما نص أيضا على أن لكل إنسان الحق فى نظام اجتماعى ونظام دولى يتحقق فيهما ما
سبق إيضاحه من الحقوق والحريات تحقيقا كاملا مع تأكيد واجبات الفرد
ومسئولياته فى المجتمع.
هذه خلاصة شاملة لما تضمنه
إعلان حقوق الإنسان فى الأمم المتحدة وما سبق أن أعلنته
الثورة الفرنسية فى هذا الشأن.
المساواة بين الناس:
فمن ذلك مثلا أن الإسلام
أعلن المساواة بين الناس فى الإنسانية، وفى ا لحقوق والواجبات.
وهذه قضية قررها الإسلام
وأكدها فى أكثر من مناسبة، فلا مفاضلة عنده بين جنس
وجنس، ولا بين لون ولون، ولا بين غنى وفقير. وميزان
المفاضلة عنده هو التقوى والعمل الصالح لخدمة الجماعة الإنسانية، قال تعالى: (يا
أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أنقاكم) (الحجرات: 63).
وبهذا أصبح بلال الأسود أخا
لأبى بكر المنسب القرشى، كما أصبح صهيب الرومى وسلمان الفارسى أخوين لجميع
المسلمين، ولم تعد هناك نعرة الأصل والحسب.
وجرى العلماء فى الإسلام على استعمال تعبير العدل للدلالة على المساواة، اشتقاقا
من المعنى اللغوى لكلمة العدل التى
تعنى التسوية فى المعاملة، ويتحدثون عن العدل بمعانيه
العديدة: سياسية، واجتماعية، واقتصادية.
وقد تقرر مبدأ المساواة فى عديد من الآيات القرآنية والسنة النبوية؛ لأنها شريعة سماوية تخاطب البشر أجمعين دونما تمييز بسبب الدين أو اللغة
أو الأصل أو الحرفة أو الطبقة الاجتماعية، ولذلك أمرت بالعدل ونهت عن نقيضه وهو
الظلم. من ذلك قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا
الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين
الناس أن تحكموا بالعدل) (النساء: 58).
والحديث الشريف يقول: ( أحب الخلق إلى الله أمام عادل ، وأبغضهم إليه إمام جائر).
وإعمالا لهذا المبدأ أجمع
العلماء على أن جور الحاكم من بين أسباب عزله، بل إن بعض المذاهب
تجيز الخروج عليه والثورة ضده بسبب جوره، والأمر بالعدل والنهى عن الظلم خطاب عام
للمسلمين وغيرهم؛ ولذلك حرص الإسلام على أن يفرد بالذكر العدل مع
الأعداء، من ذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا
تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (المائدة: 8).
حق التعليم:
وكما أعلن الإسلام حق
المساواة أعلن أيضا أن التعليم حق لكل مواطن، بل انفرد بجعله فرضا من الفروض، ولم يسبق فى جعل التعليم فرضا وضرورة. قال
رسول الل صلى الله عليه وسلم : "طلب العلم فريضة على كل مسلم
ومسلمة".
هذا إلى جوار ما أرشد إليه
من مكانة العلماء وفضلهم على غيرهم؛ وذلك حثا للناس على التسابق
فى ميدانه، قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (المجادلة: 13)
وربما ظن بعض الناس أن
الإنسانية مدينة لهذه أو تلك بإعلان حقوقها، وهذا هو عين المغالطة والافتراء على
الحق.
الإسلام وحقوق الإنسان:
الحقيقة التى
ينبغى أن يعرفها كل إنسان، هى
أن الإسلام أعلن حقوق الإنسان كاملة مكتملة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، أعلنها
الإسلام فى وقت كان مجرد تشوف الإنسان إلى أن يعرف بعض
حقه، وأن يعتز بكيانه، وأن يصبح حرا فى مجتمعه، قبل أن
تعلن فرنسا بعضها منذ أكثرمن اثنى عشر قرنا، وقبل أن تعلنها الأمم المتحدة بنحو ألف وثلاثمائة وثمانين عاما.
وأعلنها لا لشعب بعينه،
ولا لأمة دون أمة، ولكنه أعلنها للناس جميعا.
وحين رغب ياسر وسمية وبلال وغيرهم من الضعفاء فى المجتمع المكى المتمتع بحرية العقيدة فى
الانضمام إلى الإسلام لقوا من ضروب النكال الشىء الكثير
لمجرد أنهم أبوا أن يطيعوا سادات مكة بالبقاء على عبادة
الأصنام.
أما الإسلام فلم يحمل أحدا
بالقوة على اعتناقه، وأعلن أن حرية العقيدة مكفولة فى
ظله وتحت رايته، ولم يستجب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دعوة طفيل بن عمرو الدوسى حين رغب إليه أن يرسل معه قوة محاربة على حمل قومه على
الإسلام بالقوة وقال: " عد إلى قومك فادعهم وارفق بهم ".
وجاءه- عليه الصلاة والسلام-
صحابى من أهل المدينة يسأله أن يحمل ولديه على الإسلام
بالقوة. فنزل قول الله تعالى: ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى) (البقرة: 256).
ولم تكن حرية العقيدة وحدها هى التى عنى الإسلام بتحقيقها،
فهناك الحريات الأخرى التى أعلنها، وعلى سبيل المثال
أعلن حرية العبادة، والحرية الشخصية، وحرية القول والنقد والمراقبة مما نسمية الحرية السياسية، والحرية المدنية للمتمتع بأهلية
التصرف.
وهناك أبعد من ذلك حرية
محاسبة الحكام، فقد جاء رجل إلى عمر بن الخطاب وقال فى معرض حديثه: "اتق الله يا عمر" فغضب بعض الجالسين من قوله واستنكروا أن يقول هذا لأمير المؤمنين، فرد عليهم عمر بقوله: "دعوه
فليقلها، فلا خير فيكم إن لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إن لم نسمعها منكم ).
إلى غير هذا مما كان يجرى
على رؤوس الأشهاد فى معرض التمتع بالحريات فى ظل الإسلام.
ولا يتسع المقام للحديث هنا
عن حقوق الإنسان التى أعلنها الإسلام ولذا فإنى أكتفى بذكر بعضها والإشارة
إلى باقيها:
حق الملكية:
أما حق الملكية فكان
له من رعاية الإسلام ما يشعر بضمانه لهذا الحق، فالتملك بالطرق المشروعة والكسب
الشريف من أسمى الغايات عنده، وحمى هذا الحق بسياج قوى متين طالما لم يقم على
استغلال الناس أو بأسباب غير مشروعة.
حق الحياة:
وأعلن الإسلام حق الحياة، وأمن الناس على حياتهم كما أمنهم على أموالهم، قال تعالى:
(ولا تقتلوا النفس التى حرم
الله إلا بالحق) (الإسراء: 33).
ولما كان الأمن يدور على
الحفاظ على هذين الحقين: حق الحياة، وحق المال، نرى رسول الله الله
صلى الله عليه وسلم يؤكدهما فى خطبة
الوداع فيقول: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى
بلدكم هذا، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب ".
حقوق أخرى:
وهناك من الحقوق الأخرى التى أعلنها الإسلام وأكدها: حق حفظ العرض وصيانته، ولذا نراه
يفرض أشد العقوبة على المستهين والمجترئ على حرماته كما بين حقوق الأسرة
والوالدين، حتى من يعملون فى الأسرة أمر بالاهتمام بهم
والعناية بأمرهم.
حق العمل:
يهتم الإسلام اهتماما بالغا
بقيمة العمل، ويدعو الناس إلى أن يعملوا بكل جهدهم لتعمير الأرض، واستغلالها إلى
أقصى مدى لمصلحة الإنسان، يقول سبحانه وتعالى: ( هو أنشأكم من
الأرض واستعمركم فيها ) (هود: 61)، وقوله: استعمركم
فيها. أى جعلكم عمارها وسكانها تنتفعون بخيراتها أو فوض
إليكم عمارتها كما يقول سبحانه وتعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) (التوبة: 105).
وقال تعالى:( ولقد مكناكم فى
الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون)(الأعراف: 10).
وقال رسول الله الله
صلى الله عليه وسلم : ( إذا قامت الساعة
وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها ).
وواضح أن الحديث يدعو إلى العمل الدائب المستمر والذى لا يتوقف حتى فى حالة انتهاء
عمر الأرض وقيام الساعة. وحتى لا يكون فى الإسلام مكان
لمتخلف أو مهمل أو كسلان. فهذا كله يتعارض مع الإسلام.
كما نجد فى
العديد من النصوص التى وردت فى
مصادر الشريعة ما يفيد أن العمل حق لكل شخص، ويضمن الإسلام لكل أفراد المجتمع:
العدالة فى ممارسة العمل الشريف، والأجر المناسب، لأن
ذلك كله من أداء الأمانات، والوفاء بالحقوق، والقيام بالعدل والإحسان كما فى قوله تعالى: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات
إلى أهلها) (النساء: 58)، وقوله عز وجل: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)(النحل الآية 90)، ثم إن العمل فى الإسلام ضرورى لسد حاجة المجتمع، وعمران الكون، وفى حماية الشريعة
الإسلامية للعاملين وضمان الأجر العادل لهم، ورد قوله الله صلى الله عليه وسلم : (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ). رواه ابن ماجه.
حق الإنسان فى التكافل الاجتماعى:
أما موقف الإسلام من التكافل
الاجتماعى وحق الإنسان فى أن
يعيش فى مستوى لائق فإنه يعتبر بحق ثورة محطمة للأنظمة
الاجتماعية التى سبقته، ومهما تقدم الإنسان وتطور فى مختلف العصور فلن يجد خيرا مما أعلنه الإسلام فى هذا الشأن.
فقد جعل على الدولة رعاية كل فرد فيها، وفى سبيل ذلك جعل للفقراء والمساكين ريعا مما تحصله
الدولة من أموال الزكاة.
ليس هذا فحسب بل إن هذا
النصيب إذا لم يف بحاجة الفقراء والمساكين فيجعل حقا آخر على الأغنياء يستوفى منهم
لحاجة هؤلاء، وفى هذا يقول عليه الصلاة والسلام ( إن الله فرض على الأغنياء من أموالهم بقدر ما يسع فقراءهم) ويقول: "إن فى المال حقا سوى الزكاة ).
وهكذا نجد أن ما
أعلنته الثورة الفرنسية، وما أعلنته المنظمة الدولية من حقوق الإنسان ليس جديدا
على الإنسانية، وأن الإسلام سبق بقرون بإعلان هذه الحقوق والحفاظ عليها.
وأى حق فى حقوق الإنسانية يقال إنه جديد فى
هذين الإعلانين قد أغفله الإسلام ولم يوجه إليه؟
الحق أنى لا أجد فى هذا المقام شيئا جديدا يمكن أن يقال إنهما تفردتا أو
امتازتا به عما أعلنه الإسلام.
وربما قيل: إن ميثاق
الأمم المتحدة نص على إلغاء الرق بينما لم يعلن الإسلام هذا ضمن حقوق الإنسان.
وما أيسر الرد على هذا
فميثاق الأمم المتحدة حين أعلن إلغاء الرق نص على إلغاء شىء
لا وجود له فى معظم أنحاء العالم، أما الإسلام حين جاء كان الرق ظاهرة اجتماعية فى كل مكان، فاقتضت
حكمته ألا ينص على إلغائه دفعة واحدة، إنما اتخذ مما سنه فى
هذا المضمار وسائل حكيمة للقضاء عليه رويدا رويدا ومن
هذا:
أولا: أنه ضيق فى سببه وكان له أكثر من سبب، فقصره
على أسرى الحرب من أعداء الإسلام الذين يرى الإمام عقابهم بهذا، وليس ضرورة أن
يعامل به كل الأسرى فهناك المن وهناك الفداء وهناك أيضا هذا الاسترقاق.
ثانيا: حبب فى عتق الرقبة قربة يتقرب بها العبد إلى الله.
ثالثا: جعل العتق كفارة لبعض
الذنوب.
رابعا: جعل ثمن حصيلة الزكاة
كل عام لشراء أرقاء وإعتاقهم باسم الدولة فى سبيل الله.
خامسا: أباح مكاتبة الرقيق
على مال ليحصل به على حريته يؤديه على أقساط لمالكه، وهكذا نجد أن الإسلام وضع
الوسائل التى تؤدى إلى اضمحلال الرق مع الأيام لينهى
أمره بهذه السياسة الحكيمة التى سنها.
ومن خلال الجوانب المختلفة التى تطرق إليها البحث باختصار، يتأكد أن أحكام وحقوق الإنسان
التى جاء بها الإسلام لا يضاهيها أحكام وتشريعات أى تنظيم اجتماعى آخر.
وصدق الله العظيم القائل فى محكم كتابه: (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ( الإسراء: 70).
ختاما: علينا أن ندرك
أن الإسلام جاء دينا مشتملا على كل مطالب الإنسان الروحية والمادية والعاطفية.. إلخ، فعلينا أن نترجم هذه المعانى
إلى أرض الواقع.
كما لا يفوتنى
أن أشكرالقائمين بتنظيم هذا المؤتمر وأحيى الحاضرين.
وفقكم الله، وسدد على طريق الحق والخير والعلم خطاكم،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المراجع
-
القرآن الكريم.
-
تفسير ا لقرآن.
-
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم- محمد فؤاد عبدالباقى.
-
السيرة النبوية- ابن هشام.
-
المستقبل للإسلام- ا لدكتور أحمد على الإمام.
-
أنفاق ا لعفو فى الإسلام- ا لدكتور يوسف إبراهيم يوسف.
-
نحن والحضارة والشهود- الدكتور نعمان عبدالرازق
السامرائى.
-
الإسلام وحقوق الإنسان- الدكتور محمد حمد خضر.
-
النظرية السياسية الإسلامية فى حقوق الإنسان الشرعية- الدكتورمحمد أحمد مفتى وا لدكتور سامى صالح الوكيل.
-
القيم الأساسية والأصلية التى تشكل
الشخصية الإسلامية- الأستاذ/ محمد نورى يلماظ، بحث مقدم إلى المؤتمرالعام الثانى عشرللمجلس الأعلى للشئون الإسلامية- القاهرة- يونيو 2000 م.
-
أسس الحوارالإسلامى بين الأديان- الأستاذ الدكتور/ إدريس العلوى العبدلاوى،
بحث مقدم إلى المؤتمرالثامن
للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية- القاهرة- يوليو 996 1م.
-
مكان الإعلان العالمى لحقوق
الإنسان- الدكتورياسين الشيبانى،
بحث منشورفى مجلة الثوابت العدد 23 (يناير- مارس 2001
م).
-
حقوق الإنسان- الدكتورعبدالمنعم البهى،
بحث منشورفى مجلة العربى الكويتية عدد 136
(مارس 970 1م).
-
الحوار بين الأديان- الأستاذ الدكتور صوفى أبو طالب، بحث مقدم إلى
المؤتمر العام الثامن للمجلس الاعلى للشئون الإسلامية، القاهرة- يوليو 996 1م.
-
ا لقيم المتصلة بالعمل من المنظر الإسلامى- الأستاذ الدكتور جعفر عبدالسلام، بحث مقدم إلى المؤتمرالثانى عشرللمجلس
الاعلى للشئون الإسلامية (القاهرة- يونيو 2000 م).