الإسلام دين الإنسانية والضامنن لحقوقها
الأستاذ/ أحمد جنتى
الجمهورية
الإسلامية الإيرانية
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد
وآله الطاهرين، وصحبه المنتجبين.. وبعد:
السلام عليكم أيها المشاركون
فى هذا المؤتمر الكبير، الذى
يعقد فى كل عام للتركيز على قضية تهم الأمة الإسلامية
جمعاء، أحييكم وأحيى من خلالكم مصر العزيزة، وأرجو للقائمين
على هذا المؤتمر كل توفيق ونجاح، وأرجو لهم التسديد للوصول إلى أهدافه
المرجوة. أركز فى بحثى هذا
على نظرة الإسلام للإنسان وتأكيده على علاء الإنسان ورقيه
وتطوره وبالتالى أركز على ضمان الإسلام لحقوق الإنسان..
الأمر الذى يستطيع المسلم أن يتباهى به وهو فى القرن الحادى والعشرين، إذ
استطاع الإسلام أن يأتى بنظرية حقوقية واسعة، فى زمان لم يعرف الإنسان أى معنى
لهذه الحقوق. ولكنى قبل كل شىء أود أن أشير إلى الظروف
الحساسة التى تمر بها أمتنا الإسلامية اليوم، حيث تواجه
تحديا كبيرا يبسط آثاره على مختلف المجالات. هذا التحدى
اليوم يتخذ شعارا براقا، هذا الشعار هو العولمة، التى
لا أراها اليوم إلا مرحلة متقدمة للرأسمالية بكل مضارها وكل رؤاها التسلطية
والمادية، التى اكتوت البشرية بآثارها خلال سنين طويلة
من العولمة.
إن العولمة- أيها الأخوة
والأخوات- اليوم لا تعنى إلا أمركة العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية فى العالم، وإلا بسط هيمنة أميركا على كل
جوانب الحياة الإنسانية، ومنها هيمنة أميركا على المنظمات الدولية، واستغلالها
لصالح أهدافها التوسعية. إن هذه العولمة هى التى طرحت اليوم فكرة أن تقوم الولايات المتحدة بقيادة حملة
أسمتهما بالحملة ضد الإرهاب العالمى، وهى لا تهدف من
ذلك إلا بسط نفوذها، والا ضرب كل ما يقف فى طريقها من عقبات، وإلا خنق صوت العالم المتحرر من ربقة أميركا، وسيطرة أميركا على مقدرات الأمور.
إننى أعتقد أن إعطاء
الضوء الأخضر لشارون لكى يبسط قبضته الحديدية على الشعب الفلسطينى وليصنع ما صنع من مجازر،
تشيب لها الأطفال، ويقضى على كل تصور لحقوق الإنسان، ويسحق شعبا بأكمله إن الذى دفع أميركا
لإعطائه الضوء الأخضر إنما هو رغبتها بالتسلط على العالم، واعتبارها الانتفاضة الفلسطينية ناقضة لأحلامها، ومعرقلة لخططها التسلطية. إن ما
يحدث فى فلسطين اليوم يقرح قلوبنا وقلوب
كل المخلصين فى أنحاء العالم، ويبعث فينا من جديد الدواعى لإعادة النظر فى وضعنا الإسلامى العام وملاحظة نقاط الخلل فى
هذا الوضع.
لماذا بلغنا إلى هذا الحد؟
ولماذا عدنا أمة غير فاعلة، لا تملك أن توقف هذا الإرهاب الشارونى
عند حده؟ هذا الإرهابى يدنس كل مقدساتنا ويقتل أطفالنا
ونساءنا ونحن نقف عاجزين أمام إجرامه وأمام جبروته؟!
إنها مسألة يجب أن
نركز عليها، ويجب أن نخطط لتلافيها.
بعد هذا نود أن نقول: إن
الإسلام ركز على إنسانية الإنسان، وجعل كل مخططه أن يعمق هذه الإنسانية فى الإنسان، وإذا تصفحنا كل النظام التربوى
وكل النظام العبادى فى
الإسلام، وكل النظام الأخلاقى فى
الإسلام، فإننا سنجد أن الهدف الأول والأخير هو تعميق إنسانية الإنسان
وجعلها إنسانية فاعلة توجه السلوك الإنسانى إلى الأهداف
المطلوبة، ولا أدل على ذلك من تركيز الإسلام على الفطرة، وطرح موضوع الفطرة بشكل قوى واضح، وتركيزه على أن الفطرة تقود
الإنسان نحو التكامل، وهذا يعنى الدفع نحو التغيير المتواصل وعدم الجمود على مرحلة
خاصة، والذى يضمن السير نحو هذا الكمال هو غريزة تدين
الإنسان المتأصلة فى النفس الإنسانية، والموجودة فى كل مراحل التاريخ وعند كل المجتمعات التى
لم تلوثها الشبهات، وإن كانت تطبيقات هذه المجتمعات خاطئة فى بعض الأحايين، تأثرا بموارد الخطأ فى
العقل، وتعمل هذه الغريزة بتناسق مع الغرائز الأخرى لتحقيق الهدف الإنسانى العام. إن التركيز على الفطرة يوضح تماما الهدف الإنسانى لكل التعاليم الإسلامية، ذلك
أن نظرية الفطرة هى الحد الفاصل بين الإنسان وغيره من
المخلوقات، وهى التى تشخص المسيرة الصحيحة للإنسان نحو
أهدافه المطلوبة، وعندما يركز الإسلام أيضا على أن منبع الحقوق ليس هو المصلحة،
وليس هو المنافع الذاتية المشتركة، وليس هو التشريع الإنسانى
الناقص، وليس هو العناصر القومية مثلا، أو العناصر الجغرافية مثلا، وإنما هو "الله " تعالى، الله البعيد عن الهوى، الله الرحيم
بالإنسان، العليم بما يصلحه، الله الذى
هو اللطف بعينه، عندما يركز على أن منبع الحقوق هو الله تعالى، فهو بذلك يركز على
أهم منبع لهذه الحقوق، لا يتأثر بالضعف والنقص والعواطف والميول وما إلى ذلك،
وحينئذ فلا نتوقع من هذا التخطيط الحقوقى أو من هذا
المنبع الحقوقى إلا كل ما فيه خير الإنسان وصلاحه، من
هنا نجد أن الإسلام يؤطر كل نظمه بإطار إنسانى أخلاقى فلا يشذ عن هذا
النظام مطلقا.
إن الإسلام حينما يضمن
العامل مثلا، فلا ينطلق من عنصر ضمان الإنتاج، وإنما ينطلق فى
ذلك من عنصر ضمان الإنسان نفسه وكرامته، وهكذا تحدث عن باقى
النظم الإسلامية الأخرى، فالنظام الحقوقى فى الإسلام يسعى مثلا ليضمن الحقوق الفطرية الإنسانية ويعكسها
على الصعيد التشريعى، معادلا بين الحقوق والواجبات،
وهذا ما نشهده فى مواضع عديدة، منها قوله تعالى: (ولهن
مثل الذى عليهن بالمعروف) البقرة: 228.
والنظام الجنائى
فى الإسلام أيضا يمتاز بهذه الصفة الأخلاقية، التى تميزه تماما عن باقى النظم
الأخرى. إن الإسلام ينظر إلى كل ما يخالف التكامل الروحى
للإنسان باعتباره جريمة يعاقب عليها عقابا دنيويا، كالحنث باليمين والخيانة، أو
يوكل أمر العقاب إلى الآخرة، كما فى الغيبة والنميمة
والحسد والحقد، بالإضافة إلى إمكان تصور التعذيب الدنيوى
على هذه المعاصى، هذا بالإضافة إلى اعتباره الجرائم التى تمس المسيرة الاجتماعية الصحيحة جرائم أخلاقية، حتى فى حالة عدم الضرر الاجتماعى بها ظاهرا،
كما فى مسائل شرب الخمر، هذا فى
حين تعجز القوانين الوضعية عن علاج هذه الأمراض الأخلاقية ؛ لأنها لا تقع
تحت سلطتها بل ربما لأنها لا تأبه بها، وكثيرا ما تقع هذه القوانين فريسة الضعف
البشرى والذوق العام، وهى غالبا ما تخدم الطبقات الحاكمة
فتبشر بأخلاقها، وهو ما وجدناه من التدنى الأخلاقى فى المجتمعات الوضعية القائمة.
إن أخلاقياتنا لا تتعامل مع
الخيال المفرط، وليست طوبائية النظرة، وإنما هى واقعية قائمة على أساس من علم إلهى
بالواقع الإنسانى والواقع الكونى
والعلاقة بينهما، وتقدير دقيق لهدف الخلقة الإنسانية، ولذا فهى
تتجنب أى تقدير كاذب، وتسعى للرقى المعنوى.
إن الأخلاقية الإسلامية لم تطرح أهدافا ومبادئ عليا تاركة إياها بدون تفصيل لها،
ولكيفية تحقيقها، وإنما هى إذ تطرح مفهوم
العدالة مثلا تعطى التخطيط الكامل لها، والأساليب العملية التى
يتم تحقيقها بها وعندما تطرح فكرة تزكية النفس، تعطى البرنامج العملى
الدقيق الذى يحققها لئلا ينحرف السبيل بالإنسان عن الهدف
الأسمى. إن أخلاقياتنا ليست أخلاقية مصلحية، وإنما أخلاقية إنسانية، ترمق الهدف العام كله، وتحاول أن تنسق كل أجزاء
المسيرة مع هذا الهدف. إن الإسلام يعتبركل خدمة فى سبيل الإنسانية هى خدمة فى سبيل الله، وهذا الربط الرائع بين سبيل الإنسانية وسبيل
الله لا نجده فى أى تصور
آخر، بعد هذا نقول: إن الدارس أو الباحث فى مجال الحقوق
الإنسانية يعترضه هذا السؤال: ماهى الوسيلة التى نستطيع من خلالها الوصول إلى المصاديق
التفصيلية الحقيقية للحقوق؟
وفى مجال الإجابة
على هذا السؤال لا نجد أمامنا إلا سبيلين لا ثالث لهما:
السبيل الأول: سبيل
الاستقراء الكامل للسلوكيات الإنسانية، وطرح كل الطوارىء
واكتشاف المشتركات رغم اختلاف الظروف، مستندين فيه إلى وجداننا والى ضمائرنا وهو
مقياس ناقص، ربما لا يمكن تحققه كما ربما لا يمكن الوصول لو أمكن تطبيقه إلى نتائج
كثيرة.
السبيل الثانى: هو الدين باعتبار
الوجدان دليلا على أسسه التصورية من خلال القدرة العقلية التى
تقود الإنسان إلى اكتشاف السر لهذا النظام الكونى
الرائع، والوجود المطلق الكامل الذى خلق هذا الكون، هذا الوجود الغنى
بذاته والعليم الحى اللطيف... إنه يوضح للبشرية الصورة
التفصيلية لحقوقها الفردية والاجتماعية، ويكشف المنهج الأفضل للسير على طريق
التكامل، فإما الاعتماد على الوجدان أو الإيمان بالدين، الذى
هو بدوره وليد الإيمان بنظرية الفطرة الإنسانية فإذا أنكره أحد لم يكن من المنطقى له أن يتحدث عن حق وخلق إنسانى.
وهنا نذكر بأن مؤرخى الحقوق وتطورها يعبرون المرحلة الإسلامية فى خطوة طويلة حتى يبلغوا القرن الثامن عشر، حيث صدر الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى عام 789 1م، والذى عاد جزءا من الدستور الفرنسى فى عام 1 79 1م، غافلين أو متغافلين عن أن الإسلام بإشراقه على العالم قدم أروع لائحة
تفصيلية لحقوق الإنسان، من خلال تعليمات القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة،
وهو ما يشكل إلى الآن أساسا قانونيا لكل أنماط الممارسات الإنسانية للمسلمين عبر
التاريخ، أما الإعلان الإسلامى الذى
صدر مؤخرا، فما هو فى رأيى
إلا محاولة جيدة لكتابة هذه الحقوق المعلنة بالشكل المتعارف عليه اليوم، وإلا فإن الآيات التالية مثلا هى إعلان قانونى تاريخى
لحقوق إنسانية ثابتة، يقول القرآن الكريم: (ولقد كرمنا بنى
آدم) الإسراء: 70.
ويقول تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: 13.
ويقول تعالى: (من قتل نفسا
بغير نفس أو فساد فى الأرض
فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) المائدة:32.
وهكذا النصوص الشريفة الواردة
عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
إننا نعتقد أن الإعلان الإسلامى لحقوق الإنسان، والذى
وافق عليه المؤتمر الإسلامى التاسع عشر لوزراء الخارجية
فى القاهرة، إعلان جيد وإن لم يكن قد
استوعب كل الحقوق التى جاء بها الإسلام للإنسان، وتكفى
مقارنة سريعة بين اللائحة الإسلامية لحقوق الإنسان وبين رسالة الحقوق التى طرحها الإمام على ابن الحسين، زين العابدين رضى
الله عنه فى القرن الأول الهجرى،
تكفى لملاحظة عدم استيعاب اللائحة الإنسانية الإسلامية لحقوق الإنسان لكل هذه
الحقوق، ولكنها - على أى حال- لائحة جيدة، وأعتقد أنها
فاقت اللائحة العالمية أو المشروع العالمى لحقوق الإنسان
بما طرحته من حقوق.
وأعتقد أيضا أن الدستور الإسلامى فى
إيران، والذى جاء بعد نجاح الثورة الإسلامية الكبرى التى قادها الإمام الخمينى ضد نظام
الشاه الطاغوتى، هذا الدستور جاء بحقوق ربما فاقت ما
جاء فى اللائحة الإسلامية لحقوق الإنسان. لقد ركز هذا
الدستور على الحق الإعلامى، والحق الأخلاقى،
والحق التربوى والتعليمى،
والحق فى حرية التحقيق، والحق فى
الصراع ضد الاستعمار وضد الاستبداد، وركز كذلك على الحريات السياسية والاجتماعية، وحق تقرير المصير، وحق المساواة، وحق
النظام الإدارى، وحق الدفاع عن النفس، وحق الرفاهية ومنع
الحرمان، وحق الاكتفاء الذاتى على الصعيد الفردى والاجتماعى، وضمن الحقوق
القضائية للجميع نساء ورجالا، وضمن حق العمل على تحقيق الأخوة الإسلامية، والتعهد بحماية المسلمين
والمستضعفين ، كما ضمن حق الشعب فى
الانتخاب وتشكيل مجالس الشورى، وحق الدعوة إلى المعروف والنهى عن المنكر، وحق
الاستقلال والحرية، ووحدة الأراضى، وحق الأسرة وتشكيلها
كوحدة أساسية، ولزوم تشريع القوانين التى تيسر قيامها،
وكذلك ضمن حقوق الحرية الدينية، وحق التعامل مع غير المسلمين، وحق المساواة ونبذ
التمييز، وحقوق المرأة التكاملية فى كل مراحل حياتها،
وحق الحماية المعنوية للأشخاص، والحماية الفكرية والحماية الصحفية، وحماية الاتصالات، وحق تشكيل الجمعيات، وحق الاجتماعات والمسيرات، وحق المهنة، وحق
الضمان الاجتماعى، وحق التربية والتعليم، وحق المسكن،
وحق حماية الإنسان من الاعتقال، وحماية الإنسان من التبعية، وحق التحاكم، وحق المرافعة، والحماية من التعذيب، وحماية الكرامة الإسلامية وحماية
المصالح العامة، وحق التجنس، والحقوق الاقتصادية، وحرية اختيار نوع العمل، ومنع
الإضرار بالغير، ومنع الإسراف، وحق الاستفادة من مختلف المحصول العلمى، وحق زيادة الإنتاج، وحق الملكية الفردية والاجتماعية
والتعاونية، وحق الأموال العامة، وحق الامتلاك والكسب المشروع، وحق احترام الملكية
الخاصة، وحق المساواة فى الانتفاع من مصادر الثروة،
ونفى الربا والرشوة والغصب، وحق حماية البيئة، وحق اطلاع الشعب
على سير عمل النواب، وحق النواب فى إبداء رأيهم، وحق
استماع المجلس النيابى إلى شكاوى المواطنين، وحق تشكيل
مجالس شورى المدن والمحافظات.
وقد أكد هذا الدستورعلى أن القائد يتساوى مع كل الأفراد أمام القانون، كما أكد فى مادته 54 على سعادة الإنسان والاستقلال
والحرية ودعم المستضعفين وأعطى الإنسان حق اللجوء، إلى ما هنالك من الحقوق التى طرحها الدستورالإسلامى والتى أعتقد أنها
جاءت بأعم مما جاء فى اللائحة
الإسلامية لحقوق الإنسان، والتى هى
بدورها ذكرت حقوقا هى أكثر وأشمل من الحقوق التى طرحتها اللائحة العالمية، أوالإعلان
العالمى لحقوق الإنسان.
وختاما
أود أن أشير إلى نقطة مهمة، هذه النقطة هى
: أن اللائحة العالمية لحقوق الإنسان مثلها مثل اللائحة الإسلامية لحقوق الإنسان لا تملك أية صفة إلزامية، ولذلك فهما متصفتان بنقطة ضعف رئيسية هى صفة عدم الإلزام، لذ ا نحق
بحاجة إلى أن نلزم أنفسنا، والبشرية بحاجة إلى أن تلزم نفسها برعاية حقوق
الإنسان.
ولعل تكوين لجنة غيرمنحازة وغيرمتأثرة
بأهواء الدول الكبرى والعظمى للإشراف على تنفيذ هذه الحقوق ؛ هو أفضل وسيلة للوصول إلى المطلوب. أسأل الله- تبارك وتعالى- أن يوفق
البشرية للاستهداء بهدى الدين الحنيف، والسيربخطى
ثابتة نحو تحقيق كل الحقوق الإنسانية الثابتة والصحيحة، وبالتالى
السيرالطبيعى نحو الهدف الإنسانى
المنشود، والمجتمع الإنسانى
العادل الكامل الذى تقوده السماء نحو الأهداف المنشودة.