الإسلام دين الرحمة والسلام
الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن عباد
دار الفتوى والبحوث الإسلامية
فلسطين- القدس الشريف
مهاد:
الإسلام
هو دين الله الأوحد الذى ارتضاه للناس كافة منذ آدم ومرورا
بأبى الأنبياء إبراهيم، وانتهاء بخاتمهم محمد عليهم
الصلاة والسلام جميعا.
والإسلام
مشتق من الفعل "سلم " وهو الجذر لكلمة "السلام " أيضئا، وبهذا كان الإسلام فى معناه
اللغوى التسليم والقبول والإذعان لإرادة الخالق سبحانه، ولهذا
ارتضاه
الخالق لعباده " كل عباده، "فمشرع أحكامه هو القه سبحانه، وهو دين
الشمول الجامع بين مصالح الدنيا والدين، وهو دين الوسطية الذى
يوازن بين الطرفين المتقابلين بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ويطرد الطرف الآخر،
ودين الواقعية الذى يراعى واقع الكون من حيث هو حقيقة
واقعة ووجود مشاهد، ولكنه يدل على حقيقة أكبر منه ووجود أسبق من وجوده، هو وجود
الواجد بذاته وهو الله تعالى... ومراعاة واقع الإنسان من حيث ازدواج طبيعته واشتمالها على
الجانب الروحى والجانب المادى،
وهو الدين الذى يجمع بين الثبات والمرونة فى أحكامه وتعاليمه ونظمه "(1،، ولهذا كان الدين الأوحد،
لله
الأوحد، القائل: ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من
الخاسرين ) (2) .
فالإسلام
دين آدم، وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، والأنبياء كافة، لم يبشروا بغيره ولم يتنزل
عليهم سواه- بغض النظر عن الاختلاف فى التسميات- فما زابور داود وتوراة موسى وانجيل عيسى وقرآن محمد سوى رسائل
خرجت من مشكاة واحدة، تدعو إلى عبادة الله الواحد، وهذه هى
حقيقة الإسلام من قبل ومن بعد.
السلام
خصوصية إسلامية:
مفردات
السلام كثيرة ومتعددة، سواء فى القرآن الكريم أو الحديث
الشريف وهى تنساح على الأسماء والمعانى الآتية:
(1) السلام اسم من أسماء الله عز وجل، وفى هذا يقول
القرآن الكريم: (هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام
المؤمن المهيمن العزيز الجبار
المتكبر سبحان الله عما يشركون ثم (3).
فقد
أراد الله- سبحانه- أن يجعل من اسمه عنوانا لرسالته، ومهمة لأنبيائه ورسله يبشرون بها
ويعملون بوحيها.
(ب) الجنة دار السلام، سماها الله سبحانه وتعالى حين
قال: (والله يدعو إلى دار
السلام ويهدى من يشاء الى
صراط مستقيم ) (4) وهى دار المتقين التى فيها مستراحهم
ومستقرهم، والتى تهفو إليها أرواح المؤمنين كافة. جـ-
السلام
دعوة إسلامية: فقد خاطب الله المؤمنين كافة بقوله:
( يا
أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا
خطوات الشيطان إنه لكم عدو
مبين ) (5) إذ عد الامتناع عن الدخول فى السلم اتباعا لخطوات الشيطان الذى هو العدو الواضح العداوة للمؤمنين.
(د) السلام تحية المسلمين الدائمة: ورد عن أبى هريرة رضى الله عنه ،
عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: فلما خلق الله آدم قال: اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس-
فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام
عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه رحمة الله، (6).
فالله تعالى يعلم أبا البشرية كيف تكون التحية وما هى ألفاظها، وكأن السلام تحية الله- سبحانه- لعباده
المؤمنين، وعليهم أن يردوا بما يليق بها.
نتعلم
من هذا الحديث أن (السلام، تحية الملائكة أيضا قبل نزول آدم إلى الأرض، وأنه
الأمانة التى حملها معه إلى ذريته، وعليهم أن يتعاملوا
بها إلى يوم الدين.
1-
السلام نهاية كل صلاة: فالمسلم الذى يؤدى خمس فرائض فى اليوم بواقع سبع عشرة ركعة، ينهى كل صلاة بقوله: السلام
عليكم ورحمة الله، مرة ذات اليمين وأخرى ذات الشمال، أى عشر
مرات فى الصلاة المكتوبة واثنتى
عشرة مرة فى صلاة السنة، مما يجعل المسلم العابد فى صلاته يستشعر السلام حقيقة فى
سلوكه ومعاملاته كافة، وهى تربية يحرص الإسلام على غرسها فى النفوس لتكون
متصالحة مع ذاتها أولا وسواها من المخلوقات ثانيا ؛ وبهذا كان لفظ السلام
جزءا من عبادة المؤمن فى الصلاة، وجزءأ
من ترتيله لكتاب الله سبحانه.
2- السلام تحية الإسلام الخاصة: لكل امة من الأمم
تحيتها الخاصة مثل صباح الخير، ومساء الخير، وتصبحون على خير، ونهار سعيد، وليلة سعيدة إلى
ما هناك من ألفاظ التحية التى تتعامل بها الأمم والشعوب
على اختلاف لغاتها.. ولكن المسلمين يمتازون عن سواهم من الأمم بتحية الإسلام
المعروفة وهى "السلام عليكم " يقولها الراكب للماشى،
والواقف للجالس، والصغير للكبير والقادم للماكث، والراحل للمقيم، يقولونها فى الأسواق والبيوت والمتاجر والمكاتب والمصانع والمعامل وفى
كل موقع من مواقع الحياة. فعن أبى يوسف عبد الله بن سلام قال: سمعت
الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "يما أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا والناس نيام تدخلوا
الجنة بسلام "، (7) فقد قدم الرسول صلى
الله عليه وسلم إفشاء السلام على ما عداه من القضايا مثل، إطعام الطعام وصلة الأرحام،
وربطه بدخول الجنة.
ويكون
إفشاء السلام على من تعرف ومن لا تعرف، فقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلا
سأل الرسول صلى الله عليه وسلم : أى
الإسلام خير؟ قال: ( تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف ) (8)، ولهذا ينصح الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين بإفشاء السلام
إن أرادوا دخول الجنة، فعن أبى هريرة رضى الله عنه ، عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا،
ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا
أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم؟ إفشوا
السلام بينكم ". (9) لأن إفشاء السلام هو المقدمة الطبيعية للإيمان والمحبة
وهما السبب فى دخول الجنة.
3- السلام مفتاح الدخول إلى البيوت: قال تعالى: (فإذا
دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ) (10)، وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أنس بهت قال:
قال لى رسول الله: "يا بنى، إذا
دخلت على أهلك، فسئم ة يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك " (11). وهذا أدب رفيع يؤدب به الرسول صلى الله عليه وسلم أمته ويعلمها كيف تتصرف
مع الذات والآخرين سواء كانوا من الأقارب أم الأجانب.
4- السلام علامة توقير واحترام: فعن شيبة الحجبى عن عمه، قال: قال
صلى الله عليه وسلم : "ثلاث يصفين لك
ود أخيك: سلم عليه إذا لقيته، وتوسع له فى المجلس، وتدعوه بأحدث
الأسماء إليه". (12) فقد جعل الرسول صلى
الله عليه وسلم إفشاء السلام مدخلا للوصول إلى مودة الأخ وكسب صداقته.
5- السلام تحية الله لعباده يوم القيامة: فالله- سبحانه- يستقبل عباده المؤمنين الداخلين
جنته بالسلام يوم القيامة، يقول تعالى: (تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعذ لهم أجرا كريما ) (13).
6- السلام على جميع الناس: فعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال:
(من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان
مجوسيا، ذلك بأن الله- تعالى- يقول: ( فحيوا بأحسن منها أو ردوها") (14).
ولقد
حرص المسلمون على هذه التحية العبادية، وغدوها من القربات، فعن الطفيل بن أبي بن كعب أنه كان يأتى عبد
الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمز عبد الله على سقاط ولا صاحب بيعة ولا مسكن ولا أحد إلا شغ
عليه، قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوما فاستتبعنى إلى السوق، فقلت له: ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن
السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس فى مجالس السوق؟ فقال: إنما نغدو إلى السوق من أجل السلام، نسقم على من لقيناه
(15).
رد
السلام: إذا كان السلام أمرا محببا فإن الجواب عليه واجب يصل إلى مرتبة الفريضة، ويكون رد التحية
بأحسن منها عملا بقوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها إن الله
كان على كل شىء حسيبا ) (16) فإذا قال لك
أحدهم: السلام عليكم، (فقل: وعليكم السلام ورحمة الله، فإن قال لك أحدهم:
السلام عليكم، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبهذا يكون رد التحية بأفضل
منها، أما ردها فيكون بالتماثل دون زيادة، ولا يجوز اتهام الشخص الذى يلقى السلام بعدم الإيمان، فقد قال تعالى فى هذا الصدد: ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة
الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما
تعملون خبيرا) ( 17).
نصل
بهذا إلى القول أن السلام مفردة رئيسة من مفردات الإسلام وقاعدة
أصيلة من قواعده، سلوكا وتربية وعبادة، ولهذا وجدنا كثيرا من المسلمين الذكور يتسمون بـ "عبد السلام "، وكثيرا من النساء يحملن اسم
"سلام" تيمنا بهذا الشعار الإسلامى
الخالد.
الإسلام
تاريخ سلام:
فى مناهجنا التعليمية كثير من التجنى على تاريخنا الإسلامى وبخاصة كتب التربية الدينية والتاريخ، فقد صممت هذه
المناهج فى عهد الاستعمار: البريطانى
والفرنسى والإيطالى....
لتخدم أهداف الغرب التوسعية، وتهمه الباطلة ضد الإسلام والمسلمين، وذلك حين جملت من التاريخ
الإسلامى سلسلة ممتدة من الغزوات والمعارك المتتابعة التى لم تهدأ؟ لتصل إلى القول بأن
الإسلام قد قام بحد السيف، شأنه شأن عيره من الديانات السابقة (18).
ولدفع
هذه التهمة لابد من قراءة تاريخ الإسلام ابتداء من نزول الوحى،
وحتى وفاة صاحب الرسالة.
(ب)
بداية الدعوة: كانت الدعوة الإسلامية منذ بدايتها سلمية قائمة على العقل، وليس أدل
على ذلك من مخاطبة الوحى للرسول بقوله (اقرأ باسم ربك الذى
خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذى علم
بالقلم . علم الإنسان مما لم يعلم، (19) فلم تكن الدعوة عنفية، بل دعوة حكيمة تستند إلى الفكر والإقناع،
قال تعالى: (ادع إلى سبيل ريك بالحكمة والموعظة الحسنة) (20) فالدعوة موصوفة بالحكمة، والموعظة موصوفة
بالحسنة، وهكذا كانت طوال ثلاثة عشر عاما فى مكة قبل
الهجرة، وعشرة بعدها.
ولقد
تحمل
المسلمون من صنوف العذاب الشىء الكثير، مما ألجأهم إلى
الهجرة مرتين، فرارا من عذاب قريش. ولم يسلم صاحب الدعوة من هذا العذاب، وتذكر كتب السيرة أنه ذهب إلى
الطائف فتلقته ثقيف بالسخرية والاستهزاء، وجعل الصبية
يحصبون الرسول ويسبونه مما اضطره إلى الاحتماء ببستان، جلس فيه وأخذ ينادى ربه بهذا الدعاء:
"اللهم إليك أشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس، يا أرحم
الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى؟
إلى بعيد يتجهمنى، أم عدو ملكته أمرى؟
إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور
وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر
الدنيا والآخرة، من أن تنزل بى غضبك، أو يحل على سخطك،
لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك " (21).
لقد
كان فى إمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم، ولكنه لم
يفعل، بل كان دعاؤه دائمأ: لا اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون ".
(ب) الهجرة: عندما نزل الرسول بالمدينة وفع مع أهلها معاهدة سميت صحيفة المدينة، وهى أول وثيقة
"دستورية" تحدد العلاقات بين الناس على أساس متساو، فقد ورد فيها: لأبسم
الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبى بين
المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهما فلحق بهذا، وجاهد معهم، أنهم أمة
واحدة من دوق الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم
يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين... وأن المؤمنين المتقين على من
بغى منهم أو ظلم أو أثم، أن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم... وأن يهود بنى عوف أمة مع
المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأق ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف...
وأن
على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهما النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهما النصح والنصيحة والبر دون الإثم ، وأنه لم يأثم امرؤ
بحليفه، وأن النصر للمظلوم... وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس، غير مضار ولا آثم "(22) .
فقد غذت هذه الصحيفة الناس (أمة واحدة، داخل
المدينة بغض النظر عن
كل
اعتبارات اللغة واللون والدين، وهذه الوثيقة تسبق إعلان الأمم المتحدة لحقوق
الإنسان بأربعة عشر قرنا، وتدل على ما للإنسان من كرامة عند هذا الدين الذى أرسله الله رحمة للإنسان وسلاما.
(جـ) صلح الحديبية:
أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن
يحج إلى الكعبة قبل فتح مكة فمنعته قريش، وكان هناك صلح بين الطرفين، وردت فيه
عبارات غذها بعض المسلمين مذلة، وكان عمر بن الخطاب ضمن المنتقدين لهذا الصلح، فقد
نصت إحدى فقراته على أنه من جاء من المسلمين إلى قريش فلا ترده قريش إلى المسلمين،
بينما يرد المسلمون من يأتيهم من قريش مسلما، فقد أقر الرسول المعاهدة
واحترمها وعمل بما فيها
؛ حقنا لدماء القرشيين والمسلمين معا ؛ ولأن صون حياة الإنسان مقدمة فى الإسلام على ما سواها من الأمور)23(.
(د (
فتح مكة: عندما نقض القرشيون صلح الحديبية، قرر الرسول أن يفتحها... ولكن سلما
بدون قتال، وهكذا كان، فعندما فوجئ القرشيون بالجيش الإسلامى
ورأوا ما فعلوه بالمسلمين من قتل وحرق وتعذيب وتجويع ومصادرة أموال، ظنوا أنهم
هالكون، وبخاصة عندما سمعوا سعد بن عبادة "حامل راية الأنصار" يقول: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة،
اليوم أذل الله قريشا ( 24 ) فى
هذا الموقف الرهيب لم يشأ الرسول أن يتركهم طويلا تحت وطأة هذه المشاعر المذلة،
فاستقبل وجوههم فى تسامح وأناة وقال لهم: "يا معشر
قريش ماذا ترون أنى فاعل بكم؟، فتقدم خصم
الإسلام بالأمس (سهيل بن عمرو) وقال: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فرد النبى قائلا: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لى ولكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء " (25) وكان الرسول قد
قال لسعد عندما سمعه يقول: اليوم يوم الملحمة: "لا يا سعد بل هو يوم المرحمة
واليوم أعز الله قريشا،. أى بالإسلام، وقد ترتب على هذا
العفو إسلام أهل مكة وخروجهم مع الرسول وسون لحرب هوازن فى
غزوة حنين (26). إن الانتقام ليس من سلوك المسلمين، بل العفو، وهذا ما أراد الرسول
القائد أن يعلم أصحابه وأمته فى حياته، ومن بعده حتى
يقتدوا به، وهذا ما حصل فى فتح القدس أيام عمر بن
الخطاب حين دخلها سلما، ووقع مع أهلها ما عرف بالعهدة العمرية التى مازالت بنودها محترمة حتى يومنا
هذا بين المسلمين والمسيحيين من مختلف الطوائف.
(هـ)
فتح سمرقند: فى ولاية عمر بن عبد العزيز وفد عليه قوم من أهل سمرقند، ورفعوا إليه أن قائده قتيبة
بن مسلم الباهلى قد دخل مدينتهم وأسكن المسلمين فيها
بغير حق- أى بغتة دون إنذار- فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصب لهم قاضيا ينظر فيما
ذكروا، فنصب لهم القاضى (جميع بن حاضر الباجى)
يحكم بينهم، فحكم القاضى (المسلم) بإخراج المسلمين من سمرقند (27).
وان
المرء ليتساءل، هل يمكن لجيش أن يغادر مدينة قد احتلها بقرار من القاضى، وهل حدث هذا فى التاريخ؟
والجواب موثق عندنا، فى تاريخنا، ليدل على أن هذا الدين
يبتغى سلام الناس جميعا، ولا يحب العدوان والمعتدين، ولعل هذه الحادثة هى الوحيدة التى حدثت فى تاريخ البشرية كله.
(و) فتح القدس الصلاحى:
حين احتل الفرنجة القدس أعملوا فى أهلها السيف، قتلوا
ما يزيد على سبعين ألف شخص، وحين استعادها صلاح الدين من أيديهم لم يشأ أن يعاملهم بالمثل ورفض أن يذبحهم مثلما
فعلوا بل اكتفى بفدية لمن قدر على دفعها وعامل الضعفاء من الشيوخ والنساء والأطفال
معاملة كريمة : أعطى الأمان لمن بقى منهم فى القدس
وكانوا يزيدون على ألف شخص وسمح للباقين أن يخرجوا بأموالهم وجواهرهم دون أن يلحق
بهم أذى وحماهم طوال طريقهم من أى عدوان عليهم حى من قطاع الطرق (28) .
فالإسلام لا يعرف لغة الدم ولا لغة الانتقام وما صلاح
الدين الأيوبى وعمر ابن عبد العزيز وعمر بن الخطاب سوى
تلامذة مقلدين يسيرون على هدى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فى هذا الطريق .
الإسلام وسلام الزمان : اقتطع الإسلام ثلث الدهر ليجعل
منه وقت سلام يأمن فيه الناس على أموالهم وأنفسهم فكانت
الأشهر الحرم الأربعة من كل عام وهى : ذو
القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب قال تعالى : ( إن عدة الشهور عند الله إثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم
خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم )
(29) .
الإسلام وسلام المكان : كما منع الإسلام القتال فى أشهر معينة من الزمن ( السنة) فقد عين مكانين لا يجوز
القتال فيهما ولا يجوز حمل السلاح لثأر أو سواه ، ولا يقطع فيهما شجر ولا يروع صيد
، وهذان المكانان هما : مكة المكرمة والمدينة بدائرة يصل قطرها إلى ثمانية وعشرين
ميلا ، إذ اعتبر الإسلام الحرم المكى والحرم المدنى مكانين للعبادة مخصصين لها لا يجوز فيهما قتال أو
إحداث شر مهما كان نوعه وفى هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إنى حرمت ما بين لابتى المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، فكان أحدنا يجد الطير فى يده فيفكه ويرسله " (30) .
هذا هو الإسلام ، يعتنى
بالإنسان ؛ ويوفر له المكان الآمن الذى يحرم فيه القتال
، ويوفر له الزمان الآمن الذى لا يجوز فيه قتال ، فأين
نجد سلاما إن لم نجده فى دين الله ؟
الإسلام
دين الرحمة:
الرحمة
هى إرادة إيصال الخير، وهى اللطف والإحسان " أى التخلص من كل آفة أو نزعة تدفع الإنسان
إلى الشر فمساعدة الضعيف رحمة ومد يد العون إلى المحتاج رحمة وتخفيف آلام الناس
رحمة (31) وقد ذكرت كلمة الرحمة تسعا وسبعين مرة فى
القرآن الكريم (32) وقد توزعت مفردات الرحمة على العناوين الآتية:
(1) الرسول رحمة: قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين ) (33) وليس هناك أبلغ من جعل الصفة علما للرسول بحيث يصبح
الموصوف والصفة واحدا.
(ب) الرسالة رحمة: فالقرآن الكريم رحمة أيضا، يقول تعالى:
(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا
لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى
للمسلمين ) (34) فالتشريع الإسلامى تشريع رحيم.
(ب) الله سبحانه هو الرحمن الرحيم : والرحمن والرحيم صفتان
من صفات الله أو اسمان من أسمائه الحسنى، وكلمة الرحمن والرحيم تذكران فى بداية كل سورة من سور القرآن الكريم بواقع 113 مرة عند
البسملة، حيث إن عدد سور القرآن الكريم (114) سورة تبدأ كل واحدة منها ببسم الله الرحمن الرحيم باستثناء سورة (التوبة)، والمسلم يسمى باسم الله الرحمن الرحيم عندما يأكل
وعندما يشرب، وعندما يقوم بأى عمل من أعمال الحياة
اليومية" لتظل الرحمة جزءا من سلوكه ومن وعيه.
(د) الرحمة فى العلاقة بين الزوجين: فقد جعل
القرآن الكريم العلاقة القائمة بين قطبى الأسرة: الرجل والمرأة
قائمة على الرحمة، لا على أى شىء
آخر، قال تعالى: ( ومن آياته أن خلق لكما من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة
ورحمة ) (35).
(هـ
) الرحمة فى العبادات:
الرحمة هى وصية عباد الله- سبحانه- بعضهم لبعض ؛ حيث مدحهم الله بقوله: (وتواصوا
بالصبر وتواصوا بالمرحمة) (36) وقد خفف الله- سبحانه- على الناس فى عباداتهم، كل حسب طاقته، قال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) (37)، فالمريض له ألا يصوم ويباح له أن يصلى جالسا حسب مقدرته، والمسافر
يقصر الصلاة وهكذا، والإمام فى المسجد عليه أن يحسب
حساب الكبير والضعيف. فعن قتادة بن الحارث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنى لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطيل فيها فأسمع بكاء الصبى فأتجوز (أتخفف) فى صلاتى كراهية أن
أشق على أمه " 0 (38)، وقد روى الإمام أحمد بسنده إلى عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص أنه قال لما بعثه النبى صلى
الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال: "احتلمت فى ليلة
باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابى
صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على الرسول صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له. قال: يا
عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب !؟ قلت: يا رسول الله إنى احتلمت فى ليلة
باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله تعالى: (ولا تقتلوا
أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) ، فتيممت ثم صليت بأصحابى. فضحك الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا"، (39)، وقد شكا
رجل للرسول معاذ بن جبل وقال: إنه يطيل فى الصلاة، فقال
النبى لمعاذ: "يا معاذ
أفتان أنت؟ (أو أفاتن أنت؟) ثلاث
مرات... فإنه يصلى وراءك الكبير والضعيف وذو
الحاجة" (40).
(و) الرحمة بالمشرك: الرحمة عامة لا خاصة، فهى ليست مقصورة على المسلمين بل تتعداهم إلى غير المسلمين،
وفى هذا يقول الله سبحانه: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام
الله
ثم أبلغه مأمنه ) (41) فإجارة المشرك من باب الرحمة، وإبلاغه مأمنه من أبواب
الإحسان، وهى قضية تستوقف الإنسان طويلا، إذ لا يكفى أن تجير المشرك، بل عليك أن
تساعده حتى يصل إلى مكان آمن، فأية رحمة أوسع من هذه؟ وقد روت أسماء بنت أبى بكر (رضى الله عنهما) قالت: قدمت أمى (وهى مشركة) فى عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت الرسول صلى الله عليه وسلم فقلت: "يا رسول الله، إن أمى قد قدمت وهى راغبة، أفأصلها؟
قال: نعم صلى أمك، (43) فالإسلام الذى اعتبر الانتساب
إليه هو النسب الصحيح، لهـا يلغ حق الوالدين فى الصلة
حتى ولو كانا على الشرك.
(
ز)
الرحمة بالحيوان: إن رحمة الإسلام شاملة ت