الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
حميمس الإسلاص وحيف انتفتثر؟

حقيقة  الإسلام  وكيف انتشر؟

الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن أحمد سالم

كلية دار العلوم- جامعة القاهرة

مصر

لم يمض على ظهور الإسلام فى أوائل القرن  السابع الميلادى غير بضعة عقود، حتى كان قد بسط نفوذه السياسى والفكرى على مناطق شاسعة فى قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا. فقبيل وفاة الرسول  صلى الله عليه وسلم    كان الإسلام قد انتشر فى شبه الجزيرة العربية كلها، وخلال عهد الراشدين نجح المسلمون فى السيطرة على كل أراضى الإمبراطورية الفارسية، وعلى جانب مهم من أراضى الإمبراطورية البيزنطية، وهو ما يتمثل فى بلاد الشام ومصر. ثم جاءت موجة الفتوحات الكبرى فى العصر الأموى لتضيف إلى أرض الخلافة الإسلامية بلاد المغرب كلها (الشمال الإفريقى  وكذلك بلاد الأندلس وجنوب فرنسا. واتسعت فتوحات الأمويين فى المشرق لتمتد إلى الهند وآسيا الوسطى وتصل إلى حدود الصين. ولم تنته موجة الفتوحات بنهاية العصر الأموى بل وجدت فى العصر العباسى بعض القوى التى دفعت بها إلى الأمام، فوسع الغزنويون نطاق الوجود الإسلامى فى الهند، ومد الأتراك السلاجقة نفوذهم إلى آسيا الصغرى. وأخيرا جاءت حركة الفتوحات الهائلة التى قادها الأتراك العثمانيون فى شرق أوروبا بصفة خاصة، بل إنهم استطاعوا أن يصلوا إلى أسوار مدينة فيينا فى قلب أوروبا.

وقد انتشر الإسلام انتشارا سريعا بعد هذه الفتوحات العظيمة، مما أدى إلى ربط الكثيرين- خاصة فى الغرب- بين قوة المسلمين العسكرية وبين اعتناق الإسلام. ومن منا لم يسمع تلك العبارة الشائعة، وهى أن المسلمين كانوا يحملون المصحف فى يد والسيف فى اليد الأخرى، فإما هذا وإما ذاك؟ !.

على أن الرد على مثل هذه المقولة لا يكون إلا بالبحث الموضوعى المحايد فى الأساليب التى انتشر بها الإسلام. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالبحث أولا- وباختصار- فى الأسس النظرية التى قامت عليها الدعوة الإسلامية وانتشر فى ضوئها الإسلام فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم نحاول بعد ذلك- وفى ضوء هذه الفترة المعيارية- أن نبحث كيف انتشر الإسلام فى أهم بقاع العالم على قدر ما يسمح به الحيز المحدود لهذا البحث.

ويضيق بنا المقام لو ذهبنا نتقصى الآيات القرآنية التى تضع أمام الرسول صلى الله عليه وسلم  والمسلمين أصول منهج الدعوة إلى الإسلام، فلنجتزىء من ذلك بالقدر الذى يكفى لتوضيح ما نريد أن نقول.

فمن الآيات المكية قوله تعالى: ( ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (1)، وقوله سبحانه: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن) (2)، وقوله عز من قائل: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون )  (3).

ومن الآيات المدنية قوله عز وجل: ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى)  (4)، وقوله سبحانه: ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء ) (5)، وقوله تعالى: ( وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ) (6).

هذه الآيات وغيرها توضح منهج الدعوة إلى دين الله، وهو منهج قائم على الحكمة والكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، بعيد عن الشطط فى القول أو فى الفعل. ولم يفرق هذا المنهج بين وضع المسلمين فى مكة- وهم قليل مستضعفون فى الأرض- وبين وضعهم فى المدينة حين أصبحوا قوة مرهوبة الجانب مسموعة

الكلمة. فليس من المستغرب- إذن- أن يكون انتشار الإسلام فى الفترة المكية من عصر النبوة انتشارا ضئيلا محدودا. وقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم  أن يرتاد أرضا جديدة للدعوة فى السنة العاشرة من البعثة، حين ذهب الرسول بيد إلى مدينة الطائف ولكنه لم يجد من أهلها- ثقيف- إلا الصد والإعراض (7).

وإذا كان انتشار الإسلام فى مكة فى تلك الفترة محدودأ، فقد أتيح للرسول صلى الله عليه وسلم  فى أواخر العهد المكى أن يمهد الطريق لنشر الإسلام فى أرض جديدة وهى يثرب (أو المدينة بعد ذلك). وقد كانت البداية الأولى لهذا التحول الكبير فى مسار الدعوة هى لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم  بالنفر الستة من الخزرج فى موسم الحج من العام الحادى عشر للبعثة، حين عرض عليهم الإسلام فأسلموا، ثم رجعوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإسلام، فمهدوا الطريق بذلك لبيعة العقبة الأولى التى تمت فى موسم الحج من العام الثانى عشر للبعثة بين الرسول صلى الله عليه وسلم  وبين اثنى عشر رجلا من يثرب. وقد أعلن هؤلاء فى تلك البيعة دخولهم فى الإسلام والتزامهم بمبادئه وطاعتهم لرسوله على ما هو مبسوط فى مصادر السيرة(8).

تعد هذه البيعة نقطة تحول كبرى فى سبيل نشر الإسلام خارج حدود مكة، فعندما رجع أصحاب هذه البيعة إلى يثرب أرسل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم  مصعب بن عمير(9)، ذلك الداعية الموهوب، ليعلم أهل يثرب الإسلام ويدعو غير المسلمين منهم إلى اعتناقه. ومن هنا عرف مصعب بـ "المقرىء" أى المعلم، وكانت إقامته فى دار"أسعد بن زرارة" أحد شهود بيعة العقبة الأولى ومن وجهاء الخزرج. إن الجهد العظيم الذى قام به مصعب بن عمير فى سبيل نشر الإسلام فى يثرب يستحق إبرازه هنا، وهو يصلح مثالا يحتذى أمام كل داعية يريد أن يدعو إلى دين الله على بصيرة. ويكفى دليلا على ذلك أن سعد بن معاذ وأسيد بن حضير - وهما سيدا قبيلة الأوس فى يثرب- توجها إليه لقتله بعد أن هالهما ما لمساه من سرعة انتشار الإسلام على يديه، فإذا بهما يتحولان إلى الإسلام عندما استمعا إلى أسلوبه الهادئ ومنطقه الرصين فى عرض هذا الدين فيسلم قومهما بإسلامهما (10). وخلال الفترة الفاصلة بين بيعة العقبة الأولى والثانية، ونتيجة لهذا الجهد المخلص من مصعب ومن وقفوا بجانبه، انتشر الإسلام بين أهل يثرب حتى لم يتبق دارمن دورهم تقريبا إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ومسلمات (11)، وقد كان ذلك تمهيدا لبيعة العقبة الثانية وما تلاها من هجرة الرسول وأصحابه إلى المدينة وقيام الدولة والإسلامية هناك. وهكذا أصبحت المدينة مركز الدولة ومنطلق الدعوة الإسلامية إلى مختلف بقاع الأرض طوال ما يقرب من أربعة عقود بعد ذلك.

تكون مجتمع المدينة عند الهجرة من المسلمين ( من مهاجرين وأنصار)  ومن اليهود ومن بقايا الوثنيين. ورغم أن السلطة العليا فى هذا المجتمع كانت فى يد الرسول صلى الله عليه وسلم  فإنه ترك لغير المسلمين حرية العقيدة، وضمن لهم حق المواطنة الكاملة ما داموا ملتزمين بقوانين الدولة الجديدة وبمسئولياتهم نحوها، وذلك تطبيقا  للمبادئ الإسلامية الواضحة فى هذا الشأن، وهى التى أشرنا إليها فئ صدر هذا البحث. وقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم  عن هذه المعانى بوضوح فى الوثيقة التى افتتح بها عهده فى المدينة وهى التى تعرفها مصادر السيرة باسم "صحيفة المدينة"ومما جاء من بنودها المختلفة أنه " من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم " (12). هكذا لم يمارس الرسول صلى الله عليه وسلم  وهو فى مركز القوة فى المدينة ومنذ مطلع عهده بها أى ضغط على غير المسلمين لتحويلهم إلى الإسلام.

ولم يكن الهدف من المواجهات العسكرية المتكررة التى اضطر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خوضها فى العصر المدنى مع قريش وغيرها ؛ فرض دينه على غير المسلمين بل الدفاع عن دولة الإسلام ضد المتربصين بها. لقد كانت فترة السنوات الست الأولى من العصر المدنى- منذ الهجرة حتى صلح الحديبية- فترة صراع متواصل ضد أعداء الإسلام من قريش واليهود ومن تحالف معهم. وكان انتشار الإسلام خارج حدود المدينة فى هذه الفترة محدودا، فلما عقد صلح الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وسلم  وبين قريش وتوقفت الحرب بين الجانبين ؛ دخل فى الإسلام خلال أقل من عامين أضعاف من كانوا قد دخلوا فيه منذ ظهوره حتى عقد هذا الصلح. وليس ذلك مستغربا، فالإسلام لم يعرف الانتشار الحقيقى إلا فى جو من السلام والأمن. وقد أكد غير مصدر من مصادر السيرة المبكرة هذا المعنى ؛ فمن ذلك ما يرويه الواقدى فى تعليقه على سرعة انتشار الإسلام فى هدنة الحديبية حيث يقول: "كانت الحرب قد حجزت بين الناس وانقطع الكلام، وانما كان القتال حيث التقوا، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضا، فلم يكن أحد يكلم بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فى الإسلام، حتى دخل فى تلك الهدنة صناديد المشركين الذين يقومون بالشرك وبالحرب: عمرو ابن العاص وخالد بن الوليد وأشباه لهم. وإنما كانت الهدنة حتى نقضوا العهد اثنين وعشرين شهرا، دخل فيها مثل ما دخل فى الإسلام قبل ذلك وأكثر، وفشا الإسلام فى كل ناحية من نواحى العرب " (13). والبرهان التاريخى الناصع على صحة هذا القول أن الرسول  صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية فى العام السادس للهجرة على رأس ألف وخمسمائة من أصحابه تقريبا، ثم خرج لفتح مكة فى العام الثامن على رأس عشرة آلاف (14).

ومما تجدر الإشارة إليه هنا تلك الكتب التى أرسلها الرسول  صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها يدعوهم فيها إلى الإسلام بعد صلح الحديبية، فمن هؤلاء إمبراطور الروم وإمبراطور الفرس ونجاشى الحبشة والمقوقس حاكم مصر، ومنهم أيضا أمراء عمان والبحرين واليمامة وأمراء الغساسنة بالشام. وهذا نص الكتاب الموجه إلى هرقل إمبراطور الروم، وهو يمثل نموذجا تقريبيا لمضمون غيره من الكتب: "بسم القه الرحمن الرحيم.. من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الاريسيين. ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ويينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تودوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " (15).

 

ولنا هنا ملاحظات ثلاث:

أولها: أن فترة السلم التى أعقبت صلح الحديبية أتاحت للرسول لمجيء أن يدعو إلى الإسلام فى جو يسوده الأمن والطمأنينة.

وثانيها: أن هذه الكتب- كما يتضح من الكتاب الذى ذكرنا نصه- لم تتضمن إلا دعوة إلى دين الله بالحسنى.

وثالثها: أن بعض من أرسلت إليهم هذه الكتب استقبلوا سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم  استقبالا حسنا رغم عدم استجابتهم لدعوة الإسلام، ومن هؤلاء نجاشى الحبشة والمقوقس بمصر، ولكن بعضهم الآخر أساء استقبال السفراء كإمبراطور الفرس الذى مزق الكتاب وهدد بإرسال بعض نوابه لمهاجمة المدينة واعتقال الرسول صلى الله عليه وسلم  (16). بل إن أحد أمراء الغساسنة- وهو شرحبيل بن عمرو- قتل الحارث بن عمير الأزدى مبعوث رسول الله إلى الحاكم الغسانى لمدينة بصرى بالشام (17). ومن هنا كانت سرية مؤتة ضد الغساسنة فى العام الثامن للهجرة (629 م إ، فهذه السرية لم تكن تهدف إلى فرض الإسلام على الغساسنة، بل  إلى تأديبهم لما ارتكبوه من جريمة فى حق مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والذى يهمنا أن نبرزه فى هذا السياق أنه إذا كانت بيعة العقبة الأولى- كما سبق أن أشرنا- تمثل نقطة تحول أساسية فى تاريخ انتشار الإسلام فى المدينة فإن صلح الحديبية يمثل نقطة تحول أخرى فى تاريخ انتشار الإسلام خارج حدود المدينة.

أما النقطة الثالثة الكبرى فى تاريخ انتشار الإسلام فى عصر النبوة فقد تمثلت فى فتح مكة فى العام الثامن للهجرة (يناير 630 م). فقد تم فتح مكة- كما هو معروف- دون إراقة دماء بعد استسلام قريش. ورغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستطيع فى هذه المناسبة أن ينتقم من هؤلاء الذين حاربوا دعوته وبسطوا إليه وإلى المسلمين أيديهم وألسنتهم بالسوء والأذى طوال أكثر من عشرين عاما؟ فإنه آثر العفو، وقابل الإساءة بالإحسان ة مما دفع هؤلاء إلى الدخول طواعية فى دين الله. وأهمية هذا الحادث فى تاريخ نشر الإسلام فى عصر النبوة هى أن إسلام أهل مكة فتح الطريق أمام انتشار الإسلام فى شبه الجزيرة العربية كلها، فقد توالت الوفود على المدينة منذ العام التاسع للهجرة معلنة إسلامها. وعندما ذهب الرسول لأداء حجته التى عرفت باسم (حجة الوداع) فى العام العاشر للهجرة- وقد مضى على فتح مكة عامان وبضعة أشهر- كان الإسلام قد بسط ظلاله على مختلف أرجاء شبه الجزيرة العربية. وإذا كان الرسول قد ذهب معتمرا عام الحديبية وهو على رأس ألف وخمسمائة من أصحابه تقريبا، ثم ذهب لفتح مكة بعد حوالى عامين وهو على رأس عشرة آلاف من أصحابه، فإنه ذهب إلى الحج فى العام العاشر فى أضعاف هذا العدد من المسلمين، ولهذا كان مما قاله فى خطبته التى ألقاها فيهم فى هذه المناسبة: (أيها الناس، إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا" (18).

ولا يفوتنا- قبل أن نختم حديثنا عن انتشار الإسلام فى شبه الجزيرة العربية فى عصر النبوة- أن نقدم نموذجا واحدا للمعاهدات التى كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعقدها مع أهل الكتاب ومن لحق بهم (19). والنموذج الذى نختاره هنا هو معاهدته مع وفد نصارى نجران الذى قدم المدينة فى العام العاشر للهجرة. فبعد أن حدد الرسول صلى الله عليه وسلم  مقدار الجزية التى يدفعها نصارى نجران. قال: " ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبى رسول الله على أموالهم وأنفسهم  وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير لا يعير أسقف من أسقفيته، ولا  راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته، وليس عليهم دنية ولا دم جاهلية.. ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين، (20).

يتضح من هذه المعاهدة كيف تعامل الإسلام مع غير المسلمين من أهل الكتاب منذ بداية ظهوره، فقد أفسح لهم مكانا فى ظل دولته وضمن لهم حماية أنفسهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم، وضمن لهم كذلك حرية العقيدة دون أى محاولة من

جانب الدولة الإسلامية لإرغامهم على اعتناق الإسلام. ولم يطلب منهم إلا دفع مبلغ سنوى لا يدفعه إلا القادر منهم، وتعفى منه النساء والصبيان (21)، وذلك فى مقابل كل تلك الحقوق التى تمتعوا بها جميعا لا القادرون منهم فقط. وقد كانت معاهدات الرسول صلى الله عليه وسلم  مع غير المسلمين- وخاصة أهل الكتاب- مثلا سار على نهجه خلفاؤه فى مختلف العصور.

وقد بدأت صفحة جديدة فى تاريخ انتشار الإسلام بعد عصر النبوة، فقد أخذ الإسلام يتجاوز حدود شبه الجزيرة العربية ليمتد إلى بلاد العراق وفارس والشام ومصر، وليواصل فتوحاته العسكرية بعد ذلك على يد عدد من القوى يأتى فى طليعتها الأمويون والغزنويون والسلاجقة والعثمانيون، على ما سنوضحه فى موضعه. غير أننا نلاحظ أن الإسلام لم يتوقف انتشاره عند البلاد التى فتحها المسلمون بل امتد إلى بقاع لم تصل إليها جيوش الفتح الإسلامى مثل ماليزيا واندونيسيا والكثير من بلاد إفريقيا السوداء. ومن هنا ينبغى أن نقسم حديثنا عن كيفية انتشار الإسلام بعد عصر النبوة إلى قسمين عريضين: أما أولهما فيتناول البلاد التى فتحها المسلمون عسكريا، وأما الثانى فيتناول البلاد التى لم تخضع لمثل ذلك الفتح. وسوف نضطر فى كلا القسمين إلى تقديم أبرز النماذج فى الحدود التى يتسع لها المجال فيما تبقى من صفحات.

بدأت موجة الفتوحات الإسلامية خارج حدود شبه الجزيرة العربية فى سنة

12هـ (633 م )، أى بعد حوالى عام من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك حين توجهت الجيوش الإسلامية لفتح العراق والشام بأمر الخليفة أبى بكر الصديق ( 11- 3 1هـ/632-634 م ) . على أن وفاة أبى بكر بعد بدء الحملات العسكرية الإسلامية بوقت قصير لم تتح له أن يشهد ثمارها المرجوة. ولهذا كان لابد لهذه الحملات من أن تستمر على يد الخليفة عمر بن الخطاب طوال مدة خلافته (3 ا-23 هـ/634- 643 م)، واستمرت كذلك ست سنوات أخرى فى خلافة عثمان بن عفان (24- 35 هـ/643-655 م)، ثم توقفت نتيجة الفتنة الكبرى حتى استؤنفت فى مطالع العصر الأموى. وقد كان حصاد هذه الحملات فتح العراق وبقية أقاليم الإمبراطورية الفارسية، وفتح الشام ومصر من أقاليم الإمبراطورية البيزنطية، بالإضافة إلى برقة وطرابلس فى الشمال الإفريقى على الحدود الغربية لمصر.

قد يتصور البعض أن هذه الفتوح الإسلامية الهائلة فى عصر الراشدين كان الهدف منها نشر الإسلام ه ولكن ما أبعد هذا التصور عن الصواب! ذلك أن الهدف الأساسى من هذه الفتوح الأولى كان تأمين الدولة الإسلامية الناشئة ضد المتربصين بها من كل جانب. فقد ذكرنا أن إمبراطور الفرس هدد بالهجوم على المدينة بعد لقائه بمبعوث الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما مضى الغساسنة- أحلاف البيزنطيين- خطوة أبعد حين قتلوا مبعوث الرسول إليهم وهددوا كذلك بغزو المدينة (22). وقد كان عرب الشام بصفة عامة يتحرشون بدولة المدينة، ويجدون من أحلافهم الروم (البيزنطيين) كل عون وتشجيع. وتجربة المسلمين فى مؤتة خير شاهد على ذلك، فقد ذهب المسلمون إلى مؤته ليؤدبوا الغساسنة على قتلهم لمبعوث الرسول صلى الله عليه وسلم   إليهم، فإذا بهم يواجهون جموع الروم الحاشدة هناك، ويتعرضون لمحنة قاسية فقدوا خلالها قادتهم الثلاثة (23). ولولا الانسحاب البارع الذى أحكم خطته خالد ابن الوليد- بعد أن آلت إليه القيادة- لأنزل الروم بالمسلمين خسائر فادحة. ومن الأمور الدالة فى هذا السياق  أن هرقل إمبراطور الروم أمر بوضع رابطة فى البلقاء بالشام   على الحدود مع شبه الجزيرة العربيه (24) ، وذلك بعد الحملة التى أعدها الرسول صلى الله عليه وسلم   قبيل وفاته ونفذها أبو بكر فى صدر خلافته، وهبت الحملة التى كانت تهدف إلى تأديب عرب الشام- أتباع الروم- لاستفزازهم المستمر للمسلمين، وهذا ما جعل الرسول  يختار لقيادتها أسامة بن زيد الذى كان والده - زيد بن حارثة- أحد القادة الثلاثة الذين استشهدوا فى مؤتة.

من هنا يتبين لنا أن الموقف على الجبهتين الفارسية والبيزنطية فى صدر الخلافة الراشدة  كان يحمل فى طياته عوامل الانفجار فى أية لحظة. وفى هذا  الإطار التاريخى ينبغى أن  ينظر إلى بدء المصادمات بين المسلمين  والقوتين  العظميين  بعد وفاة الرـسول صلى الله عليه وسلم . والواضح أن الجانب الإسلامى كان ينظر إلى دوره فى هذه  المصادمات على أنه  تأمين لجبهته، ودرء للخطر المحدق بها من كل جانب. على أن ما ينبغى أن نؤكده فى هذا السياق أن الخنفاء الراشدين- بعد أن حققوا انتصاراتهم الباهرة ضد اعدائهم من الفرس والروم لم يحاولوا على الإطلاق أن يفرضو ا  دينهم على الشعوب التى خضعت لحكمهم، أو يمارسوا أى ضغط معنوى عليهم لتحقيق هذه الغاية، بل كان التزامهم كاملا بالمبادئ التى أشرنا إليها فى صدر هذا البحث، وهى التى تقوم فى جوهرها على حرية العقيدة والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يستطيع باحث منصف أن يقدم دليلا واحدا يشكك فى صحة هذه الحقيقة التاريخية، وهذا ما يعترف به الكثير من الباحثين الغربيين   (25)  .

وتقدم لنا المصادر التاريخية المبكرة نصوص المعاهدات المختلفة التى كان يعقدها قادة الفتح الإسلامى أو الخلفاء أنفسهم أحيانا مع أهل البلاد المفتوحة، والأساس الذى ترتكز عليه هذه المعاهدات جميعها هو منح أهل هذه البلاد حرية العقيدة مع توفير الحماية لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم ومعابدهم، وهم فى مقابل ذلك يلزمون بدفع الجزية عن رؤوسهم بحيث لا يدفعها إلا القادرون منهم، كما يدفعون الخراج عن الأرض التى يزرعونها.

والمعاهدة التالية- التى عقدها حبيب بن مسلمة الفهرى مع أهل دبيل فى أرمينيا فى خلافة عثمان بن عفان- تلخص هذه المعانى ،  فقد جاء فيها: "هذا كتاب من حبيب بن مسلمة الفهرى لنصارى أهل دبيل ومجوسها ويهودها شاهدهم وغائبهم: إنى أمنتكم على أنفسكم وأموالكم وكنائسكم وبيعكم وسور مدينتكم، فأنتم آمنون، وعلينا الوفاء لكم بالعهد ما وفيتهـا وأديتم الجزية والخراج. شهد الله وكفى بالله شهيدا " (26).

والملاحظ هنا أن المجوس عوملوا معاملة أهل الكتاب، فكفلت لهم الدولة الإسلامية الحماية وحرية العقيدة ما قام القادرون منهم بأداء الجزية  (27) .

على أن المعاهدة التى ينبغى أن نتوقف عندها قليلا فى هذا السياق هى تلك التى عقدها عمر بن الخطاب مع أهل إيلياء (بيت المقدس ) بعد فتح تلك المدينة (28)  فنحن نجد فى مصادرنا نصين مختلفين لهذه المعاهدة: أحدهما يتفق فى فحواه مع المعاهدات التى عقدت فى عصر الخلفاء الراشدين مع أهل البلاد المفتوحة، حيث يعطيهم الخليفة ( أمانا  لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم .. أنه لا  تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شئ من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم... وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن.."  (29). أما النص الثانى لهذه المعاهدة فيورده ابن عساكر بصورة أقل تحديدا حيث يجعلها بين عمر ونصارى الشام بصفة عامة لا أهل بيت المقدس بصفة خاصة. ويلفت النظر فى هذه المعاهدة أن أهل الشام هم الذين وضعوا على أنفسهم ما بها من شروط، فبعد أن طلبوا من عمر الأمان لهم ولذراريهم وأموالهم وأهل ملتهم اشترطوا على أنفسهم شروطا من بينها ألا يعلموا أولادهم القرآن وأن يقوموا للمسلمين من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس وألا يتشبهوا بهم فى شئ من لباسهم "فى قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، وألا يتكلموا بكلامهم ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا السرج ولا يتقلدوا السيوف وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم.. " إلى غير ذلك من الشروط (30).

إن ما نميل إليه هو التشكيك فى صحة نسبة هذه المعاهدة إلى عمر" فبالإضافة إلى ما ذكره تريتون  tritton من أنه من غير المألوف "أن يشترط المغلوبون الشروط التى يرتضونها ليوادعهم الغالب "(31) وما ذكره توماس أرنولد من توافر الأدلة التى تؤكد ما كان ينعم به أهل الكتاب من تسامح فى صدر الإسلام (32)- بالإضافة إلى ذلك نذكر أنه من الغرابة بمكان أن يوافق عمر على ما اشترطه هؤلاء على أنفسهم من ألا يتشبهوا بالمسلمين فى شىء من لباسهم، حتى فى النعلين (وألا يتكلموا بكلامهم وألا يركبوا السرج، إلى غير ذلك من الشروط التى تثير الدهشة ولم تؤثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم . ونضيف إلى ذلك أيضا أن العهود الأخرى التى صدرت فى عهد الخلفاء الراشدين لم تتضمن شروطا غريبة كهذه الشروط، ومن هنا نجد أنفسنا على اتفاق مع الرأى القائل بترجيح أن تكون تلك المعاهدة من وضع بعض الفقهاء فى مرحلة لاحقة (33).

والجدير بالذكر هنا أن عمر بن الخطاب بعد أن وضع ديوان الخراج (وهو الخاص بتحصيل موارد الدولة) وديوان الجند أو العطاء (وهو الخاص بإنفاق هذه الموارد) لم يجد مانعا من أن يحتفظ بالموظفين الذين كانوا يديرون أعمال الخراج فى ظل الدولتين الفارسية والبيزنطية- وكانوا فى جملتهم من غير

المسلمين- كما أبقى على اللغات التى كانت تدار بها أعمال هذا الديوان، وهى الفارسية واليونانية ثم القبطية بدرجة أقل (34) والمهم هنا أن عمر لم يجد فى عدم إسلام القائمين على أعمال هذا الديوان ما يحول دون أدائهم لهذه الأمانة، كما لم يحاول أن يمارس عليهم أى ضغوط لاعتناق الإسلام، وقد اقتفى أثره فى هذه السياسة عثمان وعلى.

فى ظل هذه الروح التى تمثل غاية التسامح الدينى فى عصر الخلفاء الراشدين أقبل على الإسلام من أقبل بدوافع لا تشوبها شائبة من إكراه حسى أو معنوى. ومن المفهوم- فى ضوء ذلك- أن يظل معظم أبناء البلاد المفتوحة على أديانهم فى ذلك العصر المبكر، لأن التحول من عقيدة إلى عقيدة ليس قرارا يتخذ على عجل، بل تسبقه فى العادة مراحل طويلة من النظر والفحص والمراجعة. على أن ذلك لا ينفى اعتناق البعض للإسلام فى وقت متزامن مع حركة الفتوح الأولى (35)، مع ضرورة الاعتراف بأن مثل هذا التحول كان ذا طابع محدود ولم يمثل إلا البواكير الأولى لانتشار الإسلام خارج حدود شبه الجزيرة العربية فى العصور اللاحقة.

ويمثل العصر الأموى (0 4- 32 1هـ/660- 750 م) مرحلة مهمة من مراحل انتشار الإسلام خارج شبه الجزيرة، ويمكننا أن نرد ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية يتمثل أولها فى اتساع حركة الفتوح الإسلامية ووصولها إلى مدى غير مسبوق أو ملحوق، ويتمثل الثانى فى ظهور أجيال جديدة من أبناء البلاد المفتوحة أتيح لها أن تمتزج بالمسلمين وتتأثر بأفكارهم ونظم حياتهم. أما السبب الثالث فيتمثل فى حركة التعريب التى قاد خطواتها الأولى عبد الملك بن مروان، ولكنها حققت غايتها المرجوة بعد وفاته.

لن نطيل كثيرا فى الحديث عن السبب الأول فى انتشار الإسلام فى ذلك العصر، وهو اتساع حركة الفتوحات، ولكن يكفى أن نشير هنا إلى أن الأمويين نجحوا فى إتمام فتح الشمال الإفريقى ، ثم عبروا من المغرب الأقصى إلى أسبانيا ففتحوها، ثم اجتازوا جبال البرنيه إلى جنوب فرنسا وكانوا يخططون لاجتياح أوروبا بأكملها لولا أن استطاع شارل مارتل أن يحبط مخططهم فى الموقعة

الفاصلة المعروفة باسم "تور- بواتييه " أو "بلاط الشهداء"، وذلك فى سنة 114هـ/ 732 م  ( 36). أما فى المشرق فقد غزا الأمويون بلاد ما وراء النهر-  trans oxania التى تعرف الآن بآسيا الوسطى، واستولوا على عدد من المدن أهمها بلخ (فى شمال أفغانستان )  وبخارى وسمرقند ، ووصلوا إلى حدود الصين فاستولوا على "كاشغر"، كما تقدموا فى اتجاه الهند وبسطوا نفوذهم على بعض أقاليمها المهمة مثل الملتان (37). ونحن لا نستطيع أن نجعل فتح هذه البلاد وغيرها فى العصر الأموى سببا مباشرا لانتشار الإسلام فيها ة فمن مجافاة الواقع- كما أشرنا آنفا- أن نربط بين الفتوح العسكرية وبين انتشار الإسلام، فما انتشر الإسلام من خلال القسر والعنف كما أكدنا قبل ذلك، ولكن يمكن القول إن هذه الفتوح العسكرية كانت سببا غير مباشر لانتشار الإسلام: فقد أتاحت لسكان تلك البلاد- وكان معظمهم من غير أصحاب الديانات الكتابية- أن يطلعوا على أساليب غير أساليبهم، وقيم غير قيمهم ؛ مما هيأ نفوسهم بعد ذلك للدخول فى الدين الذى يغرس فى نفوس أتباعه أمثال هذه الأساليب والقيم، ونكتفى هنا بإيراد ثلاثة أمثلة توضح ما نريد أن نقول، ونقدم المثال الأول من تاريخ الأسرة السامانية التى أس!ست دولة مزدهرة فى بلاد ما وراء النهر من سنة 279 إلى 389 هـ (892-999 م)، وكانت هذه الدولة شديدة الإخلاص لمذهب أهل السنة والحرص على نشره فى تلك البقاع، فالجد الأعلى لهذه الأسرة هو سامان خداة)،، وهو الذى ينتسب إليه السامانيون، وقد عرف بذلك لأنه بنى قرية بالقرب من سمرقند أسماها سامان. فهذا الاسم "سامان خداة" معناه صاحب أو كبير قرية سامان (38). وسامان خداة فارسى الأصل عاش فى أواخر الدولة الأموية وكان يدين بالزرادشتية ثم تحول إلى الإسلام إعجابا بشخصية أسد بن عبد الله  القسرى أمير خراسان فى خلافة هشام بن عبد الملك (105- 125 هـ). وتصف المصادر الفارسية أسدا هذا بأنه "كان رجلا صالحا كريما، وكان يتطلع إلى مواساة الأسرات الكبيرة القديمة ويحسن رعاية الأصلاء " (39). وقد استعان سامان خداة بأسد ضد بعض أعدائه فقدم له العون والحماية اللازمة مما ترك أثرا عميقا من الامتنان والتقدير فى نفس سامان خداة الذى أراد أن يعبر عن مشاعره بصورة عملية فأسمى ابنه أسدا (40). هذه هى قصة إسلام الجد الأعلى للأسرة السامانية التى سوف تقوم بدور بارز على مسرح الحياة السياسية والدينية والحضارية فى المشرق فى العصر العباسى.

والمثال الثانى يتعلق بانتشار الإسلام بين أهل بخارى ، وكانت بخارى قد فتحت على يد عبيد الله بن زياد فى خلافة معاوية بن أبى سفيان سنة 53 هـ (673 م) ولكن الحكم الإسلامى فيها لم يستقر بصورة نهائية إلا على يد قتيبة بن مسلم الباهلى فاتح بلاد ما وراء النهر، حيث أسند الحجاج بن يوسف والى العراق مهمة فتح تلك البلاد إلى قتيبة سنة 87هـ  (705 م) (41). وقد أخطأ قتيبة مع أهل بخارى فى البداية حين حاول أن يفرض الإسلام عليهم بالقوة، لكن هذا الأسلوب لم يجد نفعا، لأنهم كانوا يرتدون عن الإسلام إذا واتتهم الفرصة. ثم اهتدى قتيبة إلى أسلوب أكثر حكمة يستطيع من خلاله نشر الإسلام وهو أنه أمر أهل بخارى "بأن يعطوا نصف بيوتهم للعرب ليقيموا معهم ويطلعوا على أحوالهم " (42)، ونحن لا نتفق مع النرشخى مؤرخ بخارى فى تفسيره لهذا الأمر بأن الغاية منه عدم إتاحة الفرصة أمام أهل بخارى لأن يكتفوا بإسلامهم الظاهرى ويعبدوا الأصنام فى الباطن حيث سيكونون تحت مراقبة المسلمين: إننا نرجح أن قتيبة أراد من هذه المخالطة أن يعين أهل بخارى على أن يلمسوا عن كثب أسلوب حياة المسلمين وأن يتأثروا بذلك فيدخلوا فى هذا الدين، وهذا هو ما حدث فعلا، فقد أقبل أهل بخارى على اعتناق الإسلام وأصبحوا من أكثر المتحمسين له، وأصبحت بخارى من أهم مراكز الدراسات الإسلامية فى المشرق، ولا أدل على ذلك من أنها سوف تقدم للعالم الإسلامى فى غضون القرن الثالث الهجرى أكبر حجة فى الحديث النبوى الشريف وهو الإمام محمد بن إسماعيل البخارى (194- 256 هـ/810-870م).

أما المثال الثالث لانتشار الإسلام بين أهل البلاد التى فتحت على يد الأمويين فيتعلق بسكان الشمال الإفريقى وهم البرير ، ومن اللافت للنظر أن الشمال الإفريقى كان من أكثر البلاد التى صمدت أمام المسلمين زمنا طويلا، وقاومت

الفتح الإسلامى بشراسة، وهذا يرجع إلى طبيعة السكان العنيدة من ناحية، وطبيعة المنطقة الوعرة التى يعيشون فيها من ناحية أخرى، وقد كان هذا الإقليم تحت سيطرة الروم. والجدير بالملاحظة أن أول حملة عسكرية إسلامية ضد بلاد المغرب (أو الشمال الإفريقى) حدثت فى سنة 21 هـ (642 م)، فى أواخر خلافة عمر بن الخطاب، بقيادة والى مصر عمرو بن العاص ، الذى استولى على برقة فى العام المذكور، ثم استولى على طرابلس فى العام التالى (43). على أن أولى المحاولات الجادة التى قام بها المسلمون بعد ذلك لضم بلاد المغرب إلى دولة الخلافة لم تحدث إلا فى عهد معاوية بن أبى سفيان وذلك حين قام واليه على مصر مسلمة بن مخلد بإسناد هذه المهمة إلى القائد المشهور عقبة بن نافع الفهرى وذلك فى سنة 50 هـ (680 م)، وقد نجح عقبة فى التوغل فى بلاد المغرب حتى وصل إلى تونس أ التى كانت تعرف باسم إفريقية حينذاك) وقام بتأسيس مدينة القيروان؟ لتكون قاعدة لامتداد الفتوحات، ومركزا لنشر الإسلام فى بلاد المغرب (44)  . ورغم أن عقبة واصل تقدمه بعد ذلك حتى وصل إلى ساحل المحيط الأطلسى  فقد تمكنت قوة من الروم والبربر من أن تحيط به وتقتله أثناء عودته، وذلك فى سنة 63 هـ (45) . وبعد استشهاد هذا القائد الكبير شغل الأمويون عن الاهتمام بشئون المغرب بعض الوقت نتيجة الحرب الأهلية، فلما أحكم عبد الملك ابن مروان قبضته على مقاليد الخلافة قرر أن يصرف جزءا من عنايته إلى بلاد المغرب فعين فى سنة 69 هـ  (688 م) زهير بن قيس البلوى واليأ عليها، وكان زهير قائدا مجربا، وقد نجح فى قتل "كسيلة" أحد كبار قادة البربر الذى كان مصدرا من أخطر مصادر التهديد ضد الوجود الإسلامى فى المغرب، وهو الذى كان وراء استشهاد عقبة بن نافع، ومع ذلك فإن الروم أرسلوا قوة بحرية عظيمة لنجدة البربر والقضاء على زهير، وقد نجحوا فى هذه المهمة واستشهد زهير بعد أن أبلى بلاء حسنا، وعادت الأوضاع فى بلاد المغرب إلى الاضطراب، حتى قرر عبد الملك فى سنة 74 هـ (693 م) أن يعين على تلك البلاد واليا استطاع أن يقضى على مصادر القلاقل بها، وأن يخطو خطوات شاسعة فى سبيل نشر الإسلام فى تلك البلاد وهو حسان بن النعمان الغسانى (46)   . ولابد لمن يدرس

تاريخ انتشار الإسلام بين البربر من أن يتوقف طويلا عند شخصية حسان، فبعد أن تمكن حسان من كسر شوكة الروم بالاستيلاء على قاعدتهم البحرية الكبرى فى قرطاجنة ، وجه عنايته إلى القضاء على ثورة من أخفر ثورات البربر بقيادة "الكاهنة،،، وقد نجح حسان فى إخماد هذه الثورة إخمادا تاما وقتل الكاهنة، ثم كان أعظم ما قام به من إنجاز بعد ذلك أنه تألف قلوب البربر، ومنحهم الأمان التام، وخفف عنهم عبء الضرائب؟ وبسط عليهم عدل الإسلام، بل إنه- إمعانا فى حسن معاملتهم- طلب "أن يكون  منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا يجاهدون العدو فأجابوه إلى ذلك "  (47). وكانت النتيجة المنطقية لذلك أن "فشا الإسلام فى البربر " (47) وأصبحوا يشكلون منذ ذلك الوقت عنصرا أساسيا من عناصر تكوين الجيش الإسلامى فى المغرب، وعندما حل موسى بن نصير محل حسان بن النعمان فى ولاية تلك البلاد سنة 89 هـ (708 م)  - فى خلافة الوليد بن عبد الملك (48)- سار موسى على نهج  سلفه العظيم، فبعد أن أتم فتح بلاد المغرب عين على طنجة مولاه طارق بيع زياد، وهو بربرى الأصل، "وجعل معه جيشا كثيفا كلهم من البربر وجعل معهم من يعلمهم الإسلام والفرائض " ( 49)، وقد قام البربر- بقيادة طارق بن زياد- بدور  أساسى فى الفتح الإسلامى للأندلس سنة 92 هـ   (711 م) وأصبحوا منذ ذلك الحين قلعة منيعة من قلاع الإسلام، ولعله من المناسب أن نشر ير هنا إشارة عابرة إلى ما سوف يقوم به المرابطون ثم الموحدون- وكلاهما من البربر- من دفاع عن الإسلام وإعلاء لكلمته فى بلاد المغرب  والأندلس طوال أكثر من قرنين من الزمان ( من حوالى منتصف القرن الخامس إلى  مطالع  النصف الثانى من القرن  السابع الهجرى ).

نناقش الآن- باختصار- السبب الثانى الأساسى  وراء  انتشار الإسلام  فى العصر الأموى  وهو المتمثل فى ظهور أجيال جديدة من أبناء البلاد المفتوحة أتيح لها أن تمتزج بالمسلمين  وتتأثر بأفكارهم. إن ما نعنيه هنا هو البلاد التى فتحت قى عصر الخلافة الراشدة فى  العراق وغيره  من أقاليم الإمبراطورية الفارسية، والشام  ومصر من أقاليم الإمبراطورية  البيزنطية، وقد وضحنا عند تناولنا  لعصر الراشدين أن دولة الخلافة لم تمارس أى ضغط على أبناء تلك  البلاد من أجل اعتناق الإسلام وذكرنا أن التحول إلى الإسلام خلال ذلك العصر كان محدودا ، ثم  جاء العصر الأموى فشهد تحولا كبيرا إلى الإسلام بين هؤلاء، وبدأت قضية "الموالى" فى ذلك العصر تفرض نفسها بشدة، والمقصود بالموالى فى هذا السياق هؤلاء الذين اعتنقوا الإسلام من غير العرب وعاشوا فى ظل الدولة الإسلامية  (50) ، والسبب فى بروز قضية الموالى فى العصر الأموي هو تزايد أعداد الذين دخلوا فى الإسلام من أبناء البلاد المفتوحة، وخاصة تلك التى فتحت فى عهد الراشدين وأتيح لأهلها الامتزاج مع العرب، وكان هؤلاء يمثلون أغلبية فى بعض البلاد كالكوفة، وكانوا يمثلون نسبة ملحوظة فى فارس والشام  ومصر وغيرها (51) وتؤكد كل الدلائل أنهم اعتنقوا الإسلام طوعا لا كرها فى العصر الأموى ، ومن الأمور ذات الدلالة فى هذا السياق أن بعض ولاة الأمويين لم يرحبوا كثيرا باعتناق هؤلاء للإسلام حين لمسوا ما ترتب على ذلك من انخفاض مقدار الجزية التى كانوا يحصلونها منهم بوصفهم ذميين. والجزية تسقط بالإسلام كما هو معروف، ومن ثم اتخذ بعض ولاة الأمويين قرارا خطيرا وهو الاستمرار فى فرض الجزية على من أسلم، وهو قرار يتصادم تماما مع تعاليم الإسلام، فلا عجب أن يكون مثار شكوى مريرة من الموالى، ومما يسجله التاريخ لعمر بن عبد العزيز فى هذا الصدد أنه أمر ولاته بإيقاف هذا الإجراء، ومن هؤلاء عبد الحميد بن عبد الرحمن الذى أرسل إليه عمر كتابا يقول فيه: "كتبت إلى تسألنى عن أناس من أهل الحيرة يسلمون من اليهود والنصارى والمجوس وعليهم جزية عظيمة، وتستأذنني فى أخذ الجزية منهم ،  وإن الله- جل ثناؤه- بعث محمدا  صلى الله عليه وسلم  داعيا إلى الإسلام ولم يبعثه جابيا، فمن أسلم من أهل تلك الملل فعليه فى ماله الصدقة ولا جزية عليه..  " (52)  . ويروى أيضا أن واليه على البصرة عدى بن أرطاة كتب إليه: " أما بعد، فإن الناس قد كثروا فى الإسلام وخفت أن يقل الخراج "  (53)  ، فكتب إليه عمر: " فهمت كتابك، والله لوددت  أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا، " (54)  ، ومن هنا ركز عمر بن عبد العزيز  جهوده على الدعوة إلى الإسلام بالحكمة واللين وحث ولاته على اتباع هذا الأسلوب، فيروى أن واليه على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمى أسلم على يديه أربعة آلاف من أهل خراسان (55)   .

يبقى السبب الثالث الأساسى وراء سرعة انتشار الإسلام فى العصر الأموى وهو حركة التعريب، ولعل من المناسب هنا أن نتذكر ما سبقت الإشارة إليه من أن عمر بن الخطاب بعد أن وضع ديوان الخراج آثر أن يحتفظ باللغات التى كانت تدار بها أعمال هذا الديوان، وهى الفارسية واليونانية والقبطية، وقد ترتب على ذلك أنه استبقى الإداريين غير العرب، الذين كانوا يعملون فى هذا الديوان وهم فى جملتهم من أهل الذمة، ولم يجد عمر- بسعة أفقه- مانعا فى الإسلام يحول بينه وبين اتخاذ هذا الإجراء، ولم تكن قد وجدت بعد من بين المسلمين الناطقين بالعربية كوادر تستطيع القيام بهذه المهمة، ولكن الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان (5 6-  86  هـ / 685-5 0 7 م ) وجد الظروف سانحة لتحويل لغة ديوان الخراج إلى العربية، وهذا هو ما اشتهر لدى المؤرخين باسم "تعريب الدواوين،)، وقد خطا عبد الملك خطوته الأولى فى هذا الاتجاه سنة 81 هـ  حين أمر بتحويل ديوان الشام من اليونانية إلى العربية، وبعد ذلك بقليل أمر بتحويل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية (56) . وفى سنة 87 هـ تم تحويل ديوان مصر من القبطية إلى العربية على يد عبد الله بن عبد الملك والى مصر من قبل أخيه الوليد بن عبد الملك (86-96 هـ/5 70-5 71 م) (57). وفى سنة 124هـ فى خلافة هشام بن عبد الملك (105-135هـ/734-743 م) قام نصر بن سيار والى خراسان بتحويل الديوان فيها من الفارسية إلى العربية (58).

كانت حركة التعريب فى الواقع أوسع مغزى من مجرد نقل ديوان الخراج من لغات غير العربية إلى العربية، فقد تجاوزت هذه الحركة مفهوم تعريب الدواوين فى إطاره الضيق لتصبح تعريبا للثقافة بصفة عامة فى دولة الخلافة، وأصبح على كل من يتطلع إلى منصب رفيع فى أجهزة الدولة المختلفة أن يتقن اللغة العربية. وقد كانت اللغة العربية وعاء لفكر الإسلام وثقافته، إتقانها كان إحدى الوسائل المهمة لنشر الإسلام، وهذه وسيلة لم يقتصر مفعولها على العصر الأموى بالطبع، بل امتد ليشمل العصور اللاحقة وليصبح خلالها أكثر وضوحا وتأثيرا.

عندما اختفى الأمويون من مسرح الحياة السياسية الإسلامية فى المشرق حل محلهم العباسيون، وإذا كانت الدولة الأموية دولة إنجازات عسكرية فإن الدولة العباسية دولة إنجازات ثقافية وحضارية، ومع ذلك فقد ظهرت فى العصر العباسى دول أو دويلات كان لها دور بارز فى مجال الفتوحات العسكرية وعلى رأسها دولة الغزنويين والسلاجقة، وكانت كلتاهما تدين بالولاء الروحى للخلافة العباسية.

وقبل أن نتناول هاتين الدولتين من حيث إسهامهما فى نشر الإسلام فى بقاع جديدة نود أن نشير هنا إلى أن حركة انتشار الإسلام فى البلاد التى سبق فتحها فى عصر الراشدين أو الأمويين لم تتوقف فى العصر العباسى ، بل زادت قوة واتساعا، نتيجة لتزايد الامتزاج بين الفاتحين وأبناء البلاد المفتوحة، ونتيجة - فى الوقت نفسه- للآثار الإيجابية التى ترتبت على حركة التعريب بعد أن استوت على عودها وراحت تؤتى أكلها. ويضاف إلى هذين السببين سبب ثالث ظهر فى أواخر العصر العباسى الأول فى عهد الخليفة المعتصم (218- 227 هـ/833-842م) حيث اتخذ ذلك الخليفة قرارا بالاعتماد فى تكوين جيشه على الترك واستبعاد الفرس والعرب من مجال الجندية، وكتب إلى ولاته فى الأقاليم المختلفة لتنفيذ ذلك القرار، فمن ذلك ما كتبه إلى واليه على مصر كيدر نصر بن عبد الله ( 59) يأمره بإسقاط من فى ديوان مصر من العرب وقطع العطاء عنهم ففعل ذلك " (60). والمقصود بالديوان هنا هو ديوان الجند أو العطاء، وإنما خص العرب فى هذا السياق لأنه لم يكن هناك فرس فى ديوان مصر، ومغزى هذا القرار فيما يتصل بانتشار الإسلام- سواء فى مصر أم فى غيرها من أقاليم الخلافة- أن العرب عندما فقدوا مصدر رزقهم من الجندية انتشروا فى القرى واختلطوا بأبناء البلاد وتزوجوا منهم واشتغلوا بالزراعة والصناعة والتجارة، وقد كان لذلك مردوده الإيجابى على انتشار الإسلام واللغة العربية فى مصر(61)  وغيرها من أقاليم دولة الخلافة.وينبغى هنا أن نتوقف قليلا لنتحدث حديثا موجزا عن انتشار الإسلام فى العصر العباسى فى بلد لم يكن ينتمى إلى دولة الخلافة العباسية وهو الأندلس،

فمن المفهوم أن الفترة التى مرت بالأندلس منذ فتحها سنة 92 هـ حتى سقوط دولة الخلافة الأموية فى المشرق سنة 32 1هـ لم تكن كافية لانتشار الإسلام بصورة كبيرة، وعندما قامت الخلافة العباسية كانت الأندلس أول إقليم يستقل عن دولة الخلافة، حين نجح عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (عبد الرحمن الداخل) فى تأسيس إمارة أموية فى الأندلس سنة 38 1هـ (755 م)، تحولت بعد ذلك إلى خلافة على يد عبد الرحمن الناصر أو الثالث (300- 350 هـ/2 1 9- 1 96 م). لقد شهدت الأندلس فى ظل الإمارة ثم الخلافة الأموية حضارة مزدهرة، وانتشرت اللغة العربية انتشارا كبيرا بين أبناء البلاد الأصليين، ومع انتشار اللغة العربية انتشرت ثقافة العرب وتقاليدهم بين الأسبان الذين عرفوا باسم المستعربين (muzarabes) (62) وارتبط بذلك انتشار الإسلام بصورة ملموسة بين أبناء البلاد الأصليين، وكان لروح التسامح التى صبغت الحكم الإسلامى فى الأندلس أثر كبير فى إقبال غير المسلمين  على الإسلام، ولكن الوجه الآخر لهذه الصورة سوف يظهر بعد نهاية الحكم الإسلامى فى الأندلس سنة 492 1م (898هـ) حين يتعرض المسلمون هناك للقتل أو الطرد أو يرغمون على التنصر، وهم الذين عرفوا باسم "الموريسكيين "   moriscoes  الذين خضعوا لمحاكم التفتيش ثم طردوا نهائيا من إسبانيا سنة 1610 م (63) .

وقد شهد العصر العباسى امتدادا إقليميا ملحوظا للإسلام على يد الدولة الغزنوية ، التى اتخذت من مدينة "غزنة" فى أفغانستان الحالية مقرا لها فنسبت إليها، وقد استمرت الدولة الغزنوية أكثر من قرنين (366-582 هـ/977-1186م )، ويعد ناصر الدين سكتكين هو المؤسس الحقيقى للدولة الغزنوية ، وهو من أصل تركى، ولكن هذه الدولة بلغت قمة مجدها واتساعها فى عهد ابنه محمود بن سكتكين الذى اشتهر باسم السلطان محمود الغزنوى (387- 421 هـ/ 997- 1030م)، وقد استطاع محمود الغزنوى أن يوسع حدود دولته على حساب أعدائه المناوئين له فى الداخل، ولكن إنجازه الأعظم تمثل فى فتوحاته العظيمة فى شبه القارة الهندية، فقد فتح مدينة بهاطيه بجوار إقليم الملتان، واستخلف بها دعاة ينشرون الإسلام ويعلمون المسلمين الجدد أصوله وأحكامه، وقد استمرت غزواته

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع