حقيقة الإسلام
الأستاذ/
سمان مالى بهان
عضو المجلس المركزى للشئون الإسلامية
ومدير عام
المعهد العلمى الدينى-
تايلاند
مقدمة:
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم وعلى آله وصحبه وسلم.
من هذا المكان الطيب من
كنانة الله فى الأرض (مصر) أتقدم بخالص الشكر والتقدير
إلى فخامة الرئيس/ محمد حسنى مبارك رئيس جمهورية مصر العربية والراعى
لهذا المؤتمر، وهو أول من تنبأ بخطر الإرهاب الحقيقى فى هذا العصر، ودعا لعقد مؤتمر دولى لمناقشة هذا الخطر الزاحف على العالم أجمع، الذى
لا يفرق بين مسلم وكافر، أو غنى وفقير، أو متحضر ومتخلف.
كما أتقدم بخالص التحية
وكامل الاحترام إلى الدكتور/ محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والذى أتاح لنا فرصة الحضور والمشاركة فيما يهم الإسلام
والمسلمين.
كما أتوجه بخالص التحية إلى
الإمام الأكبر الدكتور/ محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر
الشريف.
كما أتوجه بوافر التحية إلى
كل السادة العلماء المشاركين فى المؤتمر.
أيها الأخوة العلماء: نجتمع
اليوم للبحث فى موضوع: حقيقة الإسلام فى عالم متغير، والذى تناولت فى بحثى هذا المحور الأول منه
(حقيقة الإسلام).
أيها الأخوة العلماء: إن
للأمة الإسلامية رسالة، هى رسالة الله إلى العالم- وهى
آخر الرسالات- التى طابعها الرحمة لكل خلق الله فى الأرض والسماء.
ومنهجها الرقى
بالمجتمع. وقد بينت فى بحثى
أن الإسلام دين رحمة وسلام، فالسلام مبدأ من المبادئ التى
عمق الإسلام جذورها فى نفوس المسلمين فأصبحت جزءا من
كيانهم وعقيدة من عقائدهم، لقد صاح الإسلام منذ طلع فجره وأشرق نوره صيحة مدوية فى آفاق الدنيا، يدعو إلى السلام، ويضع الخطة الرشيدة التى تبلغ بالإنسانية إليه، إن الإسلام يحب الحياة ويقدسها،
ويحبب الناس فيها، وهو لذلك يحررهم من الخوف، ويرسم الطريقة المثلى لتعيش
الإنسانية متجهة إلى غايتها من الرقى والتقدم، وهى مظللة بظلال الأمن. ولقد كرم
الإسلام الإنسان، وبينت أن التكريم على ضربين:
(أ)
تكريم جسدى: ويستوى فيه
المسلم والكافر.
(ب)
تكريم روحانى: بأن نفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء كلها.
كما أظهرت حقوق الإنسان فى الإسلام: فالأصل الثابت الذى
تقوم عليه التعاليم الإسلامية هو الاحترام الكامل للكرامة الإنسانية التى يتسم المفهوم الإسلامى لها بخاصتى الشمول والعموم.
فيكتسب بذلك هذا المفهوم
عمقا ورحابة وامتدادا فى الزمان والمكان، وكما هو مقرر
شرعا فإن المفهوم الإسلامى للكرامة الإنسانية يرتقى إلى
قمة عالية من العدل المطلق ومن المساواة الكاملة ومن الحق والإنصاف اللذين لا
تشوبهما شائبة، يقول الله تعالى: (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن
خلقنا تفضيلا ) (الإسراء: 70) والإسلام انتشر بالحكمة والموعظة الحسنة ة لأن أساس
الدعوة إلى الله لم يترك سدى، بل إن الله تعالى وضع لنا الأساس، وهو قوله تعالى: (
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى
هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم
بالمهتدين ) (النحل: 125).
أيها الأخوة العلماء:
الإسلام هو النعمة الكبرى والمنة العظمى والدين الوحيد الذى
ارتضاه الله- عز وجل- لأهل الأرض والسماء يقول تعالى: ( إن الله اصطفى لكم الدين
فلا تموتن الا وأنتم مسلمون،
(البقرة: 132). والإسلام برئ من الإرهاب، ومن الظلم الفادح أن يتهم هذا الإسلام
بالإرهاب، ومن الجهل المدقع أن يتهم الإسلام بالتطرف والوحشية والهمجية والرجعية
والتخلف... إلى آخر هذه التهم التى تكال للإسلام عبر
وسائل الإعلام الغربية التى يديرها اليهود.
اليهود الذين وظفوا الأحداث الأخيرة فى أمريكا توظيفا خبيثا
لخدمة أغراضهم الدنيئة، واليهود قبل غيرهم يعلمون علم اليقين أن الإسلام دين لا
يقر الإرهاب فوق أى أرض وتحت أى
سماء.
الإسلام دين تسامح: ليقرأ
اليهود وغيرهم التاريخ ليعلموا عظمة الإسلام لأنه دين الله- سبحانه- وهو
اللطيف الخبير.
فقد عاش اليهود فى ظلال الإسلام فى أمن وأمان
ورخاء واستقرار، ولم يتعرضوا لأى أذى إلا عندما نقضوا
العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أشد الأوقات وأحلكها، حين حاصرت الأحزاب المدينة، ونقض يهود بنى قريظة
العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ترك بينهم النساء والصبيان والأطفال
والأموال، واليهود متخصصون فى نقض العهود فقال الله
تعالى: (أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ) ( البقرة: 100)، لكنهم قبل ذلك كانوا يعيشون فى أمن وسلام واستقرار ورخاء.
والإسلام فى عقيدة المسلم، فكل يوم يقف المسلم أمام ربه عدة مرات ويذكر
فى صلاته: السلام عليك أيها النبى
ورحمة الله وبركاته، كما أنه يخرج من صلاته بالسلام، كما أنه تحيته السلام.
وإذا كنا اليوم مطالبين
ببيان حقيقة الإسلام فنقول: إن حقيقته ظاهرة واضحة وهى أن الدين الإسلامى دين أمن وسلام وصلاح لكل زمان ومكان.
ولكن أقول لغير المسلمين
وخاصة دول أوروبا وأمريكا بالاسم: صححوا أفكاركم عن الإسلام والمسلمين فقد أضلكم
اليهود والمستشرقون بكتاباتهم الزائفة المضللة عن الإسلام والمسلمين، وإذا أردتم
معرفة الإسلام ومبادئه الحسنة فخذوه عن علمائه ومشايخه وهم موجودون فى كل مكان وزمان.
أيها الأخوة العلماء: نحن فى تايلاند أقلية مسلمة، ولكن تعاملنا مع أحداث سبتمبر من أول
لحظة بكل حزم، فقد عبرنا للسفارة الأمريكية فى تايلاند
بقولنا : " لا للحرب "
وقمنا بتقديم كافة المساعدات للشعبين الأفغانى والفلسطينى، وعندما قامت الحرب كتبنا كشوفا بأسماء البضائع
الأمريكية واليهودية والبريطانية وأسماء الشركات التايلاندية التى
تحصل على توكيل من هذه الدول مثل: شركة الكوكاكولا، وقمنا بمقاطعة هذه البضائع
جمعاء إلى أن تقف هذه الحرب سواء فى أفغانستان أو
فلسطين، ولا أطيل عليكم وأذكركم وأذكر نفسى بقوله
تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران: 103).
حقيقة الإسلام
1-
خصوصية الإسلام: دين
رحمة وسلام
إن السلام من المبادئ التى عمق الإسلام جذورها فى نفوس
المسلمين فأصبحت جزءا من كيانهم وعقيدة من عقائدهم.
لقد صاح الإسلام منذ طلع
فجره وأشرق نوره صيحته المدوية فى آفاق الدنيا يدعو إلى
السلام ويضع الخطة الرشيدة التى تبلغ بالإنسانية إليه.
إن الإسلام يحب الحياة ويقدسها ويحبب الناس فيها وهو لذلك يحررهم من الخوف ويرسم
الطريقة المثلى لتعيش الإنسانية متجهة إلى غاياتها من الرقى والتقدم وهى مظللة
بظلال الأمن والسلام.
ولفظ الإسلام الذى هو عنوان هذا الدين مأخوذ من مادة السلام؟ لأن السلام
والإسلام يلتقيان فى توفير الطمأنينة
والأمن والسكينة، ورب هذا الدين من أسمائه (السلام) لأنه يؤمن الناس بما
شرع من مبادئ وبما رسم من خطط ومناهج.
وحامل هذه الرسالة هو حامل راية السلام ة لأنه يحمل إلى البشرية الهدى والنور
والخير والرشاد، وهو يحدث عن نفسه فيقول " إنما أنا رحمة مهداه " ويحدث
القرآن عن رسالته فيقول: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107) وتحية
المسلمين التى تؤلف القلوب وتقوى الصلات وتربط
الإنسان بأخيه الإنسان هى السلام.
وأولى الناس بالله وأقربهم إليه من بدأهم بالسلام وبذل
السلام للعالم وإفشاؤه جزء من الإيمان . وقد جعل
الله تحية المسلمين بهذا اللفظ
للإشعار بأن دينهم دين السلام
والأمان وهم أهل السلم ومحبوا السلام.
وفى الحديث أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: "إن الله جعل
السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل
ذمتنا" وما ينبغى للإنسان أن يتكلم مع إنسان قبل
أن يبدأه بكلمة السلام، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السلام قبل
الكلام" وسبب ذلك: أن السلام آمان، ولا كلام إلا بعد الأمان. والمسلم مكلف
وهو يناجى هـبه بأن يسلم على نبيه وعلى نفسه وعلى عباد الله الصالحين، فإذا فرغ من
مناجاته لله وأقبل على الدنيا أقبل عليها من جانب السلام والرحمة والبركة، وفى
ميدان الحرب والقتال إذا أجرى المقاتل كلمة السلام على لسانه وجب الكف عن قتاله،
يقول الله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) (النساء:94)
وتحية الله للمؤمنين تحية سلام (تحيتهم يوم يلقونه سلام ) (لأحزاب:44) وتحية
الملائكة للبشر فى الآخرة سلام قال تعالى: (والملائكة
يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم ) ( الرعد: 23-24)
ومستقر الصالحين دار الأمن والسلام.
اتجاه الإسلام نحو المثالية:
بل إن الإسلام يوجب العدل ويحرم الظلم ويجعل من تعاليمه السامية وقيمه الرفيعة:
المودة والرحمة والتعاون والإيثار والتضحية وإنكار الذات ما يلطف الحياة ويعطف القلوب ويؤاخى بين الإنسان وأخيه الإنسان
وهو بعد ذلك كله يحترم العقل الإنسانى ويقدر الفكر
البشرى ويجعل العقل والفكر وسيلتين من وسائل التفاهم والإقناع، فهو لا يرغم أحدا
على عقيدة معينة، ولا يكره إنسانا على نظرية خالصة بالكون أو الطبيعة أو الإنسان،
وحتى فى قضايا الدين يقرر أنه لا إكراه فى الدين، وأن وسيلته هى استعمال
العقل والفكر والنظر فيما خلق الله من أشياء، يقول الله تعالى
( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى) (البقرة:256) دين رحمة وتسامح وعطف فكل سورة من القرآن
تبدأ بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا كان
الله هو الرحمن الرحيم فالمسلم يتخلق بهذه الصفة دائما فى
صلواته وفى حياته: طعامه وشرابه ومشيه ونومه، وحينما مدح الله تعالى رسوله صلى
الله عليه وسلم قال: ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا
من حولك ) (آل عمران:159).
علاقة المسلمين بغيرهم: هى
علاقة تعارف وتعاون وبر وعدل يقول الله سبحانه فى
التعارف المفضى إلى التعاون: (يا أيها الناس إنا
خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم
إن الله عليم خبير) (الحجرات: 13).
ومن مقتضايات
هذه العلاقة تبادل المصالح واطراد المنافع وتقوية الصلات الإنسانية.
2-
تكريم الإسلام للإنسان
يقول الله تعالى:( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن
خلقنا تفضيلا ) (الإسراء: 70) تفسير هذه الآية الكريمة فى
كتاب روح البيان ة بأن التكريم للإنسان يكون على ضربين:
1-
تكريم جسدى:
فالكرامة الجسدية عامة يستوى فيها المؤمن والكافر، وهى تخمير طينته بيده أربعين
صباحا، وتصويره فى الرحم بنفسه، وأنه تعالى صوره فأحسن
صورته وسواه فعذله فى أى
صورة ما شاء ركبه، ومشاه سويا على صراط مستقيم القامة.
2-
الكرامة الروحانية وهى على ضربين أيضا:
(أ)
عامة وهى يستوى فيها المؤمن والكافر، وهى وإن كرمه بنفخه فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلها، وكلمه قبل خلقه بقوله:
(ألست بربكم ) فأسمعه خطابه وأنطقه بجوابه بقوله: (بلى)، وعاهده على العبودية
وأولده على الفطرة وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، ودعاه إلى الحضرة، ووعده
بالجنة وخوفه من النار وأظهر له الآيات والدلالات والمعجزات.
(ب)
خاصة: ما كرم به أنبياءه ورسله وأولياءه الصالحين وعباده
المؤمنين
من النبوة والرسالة والولاية والإيمان والإسلام والهداية إلى صراط
مستقيم، وهو صراط الله، والسير إلى الله، وفى الله وبالله.
ولقد كرم الإسلام الإنسان فحرم دمه وأمواله وأعراضه إلا بالحق، بل إن الله سبحانه اصطفاه دون سائر
المخلوقات فقال تعالى: ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على
العالمين ) (آل عمران: 33).
واصطفاه: هو أخذ ما صفا من
الشيء أى اختار آدم بالنفس القدسية وما يليق بها من
الملكات الروحانية والكمالات الجسمانية المستتبعة للرسالة فى نفس المصطفى
كما من كافة الرسل- عليهم السلام- أو اصطفاه: أى خلقه فى أحسن تقويم، لهذا يكون الإسلام كرم الإنسان على العالمين
وجعله خليفة له فى الأرض للعبادة ولعمار الدنيا وليس
للكفر والإرهاب.
3-
حقوق الإنسان فى الإسلام
إن الأصل الثابت الذى تقوم عليه التعاليم الإسلامية هو الاحترام الكامل
والوافر للكرامة الإنسانية التى يتسم المفهوم الإسلامى لها بخاصتى الشمول
والعموم. فيكتسب بذلك هذا المفهوم عمقا ورحابة وامتدادا فى
الزمان والمكان، وكما هو مقرر شرعا فإن المفهوم الإسلامى
للكرامة الإنسانية يرتقى إلى قمة عالية من العدل المطلق ومن المساواة الكاملة ومن
الحق والإنصاف اللذين لا تشوبهما شائبة يقول الله تعالى: (ولقد كرمنا بنى آدم
وحملتاهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم
على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (الإسراء: 70 ) ويدل سياق الآية على أن التكريم هو
التفضيل للترابط والتكامل بين بدء الآية وختامها (ولقد كرمنا بنى آدم) وبهذا
التكريم والتفضيل تأصلت الكرامة من الأصل الإنسانى
تأصيلا فتكريم الله لعباده هو تشريف لهم ما بعده تشريف، ومن تكريم الله لعباده
كفالة الحقوق فى شريعته التى
شرعها للناس كافة.
فالإسلام أكد المساواة بين
البشر بقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكروأتتى
وجعلناكم شعوبأ وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله
أتقاكم ) ( الحجرات:13) وهذه المساواة تنفى التمييز القائم على العنصر أو اللون أو
الجنس أو اللغة أو الدين كما نادى الإسلام بوحدة الأسرة الإنسانية، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "كلكم لآدم وآدم من تراب، وقال أيضا: " لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأبيض على أسود
ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى ".
حفظ حقوق الإنسان من مقاصد
الشريعة الإسلامية: وفى التعاليم نصوص كثيرة تبين حق الإنسان فى
التنقل بحرية، وحقه فى حصانة سكنه وعدم تحريمه دون بينة
ظاهرة، قال تعالى: (هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من
رزقه وإليه النشور) (الملك: 15) ودعا الإسلام إلى التكامل بين أبناء المجتمع
لتحقيق الحياة الإنسانية الكريمة، والتحرر من الفقر والحاجة قال تعالى: ( والذين فى أموالهم حق معلوم* للسائل والمحروم) (المعارج:
24-25) وإذا كان من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الدين والنفس والعقل والنسل
والمال فإن جماع ذلك كله هو حفظ كيان الإنسان والحقوق المقررة للإنسان فطرة وشرعا
وهى أساس كيانه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن دماءكم
وأموالكم حرام عليكم، كما أن التعاليم
الإسلامية تؤكد المساواة التامة فى كفالة حقوق الإنسان
بين الرجل والمرأة لقوله تعالى: ( ومن عمل صالحا من ذكر
أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ) (غافر: 40).
حقوق غيرالمسلمين:
كما حفظ الإسلام حقوق غير المسلمين، الذين يعيشون فى
المجتمعات الإسلامية بما فى ذلك حقهم فى حرية الاعتقاد والتحاكم إلى شرعهم، وإقامة العدل لهم، وحفظ
دمائهم وأموالهم وأعراضهم ومعاملتهم بالحسنى، فهو مواطنون لهم حقوقهم وعليهم
واجباتهم فى جوار الله وذمة نبيه محمد صلى الله عليه
وسلم . قال سبحانه وتعالى خالق الخلق أجمعين: (إنى لا
أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ) (آل عمران: 195) وفى ذلك العدل كله والرحمة
كلها والمساواة بالمعنى الحقيقى والعميق. ومن العدل الإلهى تنبثق حقوق الإنسان فى
الإسلام لأنها حقوق الله تنفع الإنسان، وتصلح أحواله، ويمكث أثرها فى الأرض ، وهى ليست حقوقا للرجل دون المرأة وإنما هى للإنسان عموما أيا كان أصله وجنسه وعرقه
ودينه، وهذه المساواة لم تعرفها الإنسانية إلا فى
المجتمع الإسلامى ولم تدركها البشرية إلى بعد خمسة عشر
قرنا من بزوغ الإسلام.
لقد وضع الإسلام القواعد
الثابتة والمبادئ الراسخة لكرامة الإنسان، ولمبدأ المساواة وعدم التمييز، ولوحدة
الأسرة الإنسانية، وللدعوة إلى التعاون بين الشعوب ولحرية الإنسان فى العبادة، ولحق الحياة ولحق الحرية وحرمة العدوان على مال
الإنسان هو البراءة والمبدأ والتكافل الاجتماعى ، وهذه هى المبادئ العامة للإعلان العالمى
لحقوق الإنسان التى كان الإسلام سباقا إلى إقرارها وكان
المجتمع الإسلامى سباقا إلى ممارستها والحياة فى كنفها.
رؤية إسلامية متميزة:
!ذا
كان الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى
أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة 10 من ديسمبر 948 1م، قد أحاط بأغلب ما
للإنسان المعاصر من حقوق، فإن للرؤية الإسلامية لهذه الحقوق تميزا يتجاوز الأسبقية
الزمنية التى جاء بها الإسلام فى
حقوق الإنسان قبل هذا الإعلان بنحو أربعة عشر قرنا، عندما
ترتفع هذه الرؤية الإسلامية
بهذه الحقوق إلى مرتبة (الضرورات) ودرجة (الفرائض والواجبات)، فالتطور الذى عرفته الحضارة الغربية فى
منتصف القرن العشرين فى مجال (حقوق الإنسان)، قد عرفته
الحضارة الإسلامية بل مارسته قديما لا كمجرد (حقوق) للإنسان وإنما (كفرائض إلهية
وتكاليف وواجبات شرعية) لا يجوز لصاحبها الإنسان أن يتنازل عنها أو يهملها حتى
بمحض إرادته إن هو أراد. وتلك زاوية لرؤية القضية، ودرجة فى
تناولها تمثلان إضافة (نوعية... وكيفية) تزيد الرؤية الإسلامية غنى وأصالة وعمقا
وتوفر المزيد من الفاعلية والتأثير لهذه (الحقوق) كى
تحقق المزيد من الأمن الاجتماعى للإنسان. تفصيل الشيخ
سيد سابق: فى كتابه فقه السنة فصل حقوق الإنسان فى الإسلام تفصيلا دقيقا، استوفى فيه المقومات الرئيسية
والمرتكزات الأساس لهذه الحقوق. فى وقت متزامن مع صدور
الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، وفى خطوة رائدة تستحق
منا كل التقدير حيث بين أن من الحقوق التى كفلها
الإسلام للإنسان: - حق الحياة: لكل فرد حق صيانة نفسه وحماية ذاته، فلا يحق
الاعتداء عليها إلا إذا قتل أو أفسد فى الأرض فسادا
يستوجب القتل.
-
حق صيانة المال: فكما أن النفس معصومة فكذلك المال فلا يحل أخذ المال بأى وسيلة من الوسائل غير المشروعة.
-
حق العرض: ولا يحل انتهاك العرض حتى ولو بكلمة نابية.
-
حق الحرية: ولم يكتف الإسلام بتقرير صيانة الأنفس وحماية الأعراض والأموال، بل أقر
حرية العبادة وحرية الفكر وحرية اختيار المهنة التى
يمارسها الإنسان لكسب عيشه، وحرية الاستفادة من جميع مؤسسات الدولة، وأوجب الإسلام
على الدولة المحافظة على هذه الحقوق جميعها، ولا تنتهى
حقوق الإنسان عند هذا الحد بل إن هناك حقوق أخرى منها:
-
حق المأوى: فالإنسان له الحق فى
أن يأوى إلى أى مكان، وأن
يسكن فى أى جهة، وأن ينتقل فى الأرض دون حجر عليه، أو وضع عقبات فى
طريقه، ولا يجوز نفى أى فرد أو إبعاده أو سجنه إلا فى حالة ما إذا اعتدى على حق غيره، ورأى القانون أن يعاقبه
بالطرد أو الحبس، ويكون ذلك فى حالة الاعتداء على
الغير. حقوق الإنسان وازدواجية المعايير: هناك تعارض كبير بين الشرعية الدولية
لحقوق الإنسان وبين التفسير والتطبيق الغرييين لهذه
الشرعية ولتلك الحقوق، وهذا من التناقضات الصارخة التى
تطبع الحياة السياسية الدولية فى هذا العصر، وهو الأمر الذى يمثل تحديا ضاريا يفرض على الشعوب والأمم الدخول فى مواجهة غير متكافئة مع القوة الكبرى الساعية إلى الهيمنة
والسيطرة على مقدرات العالم، تحت دعاوى عديدة بعضها يكتسى
صبغة العولمة، التى هى اليوم
التوجه العام للنظام الجديد الذى فرض على العالم، والذى فى ظله تنتهك حقوق الإنسان
بدرجة أو بأخرى وبأسلوب أو بآخر وفى ذلك من المفارقة العذر الذى
يجعلنا نتردد فى التسليم بعالمية حقوق الإنسان وحق
التفسير الغربى لها، إذ أن اعتراف الدول بالإعلان العالمى لحقوق الإنسان لا ينفى الحرص على أن تراعى الخصوصيات
الثقافية التى تقرها المواثيق الدولية فى تفسير مواد هذا الإعلان العالمى،
ولا يجيز تطبيق تلك الحقوق غير عادل وشامل
يميز فيه شعب وآخر تأسيسا على ذلك فإننا نؤكد ضرورة تعامل المجتمع الدولى مع حقوق الإنسان منصفا ورشيدا دون تمييز، مع احترام
الخصوصيات التى جاءت بها الأديان السماوية والتى تقرها المواثيق
الدولية.
إن حقوق الإنسان بعد ثقافى يتركز فى طبيعة المرجعية التى تتبع منها حقوق الإنسان، وهل هى
حقوق غربية المنبع أم أنها عالمية الأبعاد، ومن الطبيعى
أن لا يكون قبولا مطلقا لعولمة حقوق الإنسان وتطبيقه وفق منظور أحادى وذلك بحكم
الطبيعة الإنسانية التى من مظاهرها التنوع الثقافى بين شعوب العالم. وإن العديد من المفكرين والحكماء
أخذوا يعارضون التوجه الغربى، الهادف إلى فرض التفسير
والتطبيق الغربيين للإعلان العالمى لحقوق الإنسان على
العالم، ومن هؤلاء صامويل هنتنغتون الذى
دعا فى دراسة له نشرها بعد مقاله الذى
أثار جدالا واسعا حول (صدام الحضارات) الولايات المتحدة لتخفيف ضغطها على دول
(الثقافات الأخرى)، وتركها تمارس شؤونها كما تشاء، وهذا نقد صريح للأسس التى تقوم عليها عولمة حقوق الإنسان التى
تعتمد ازدواجية المعايير، وفى التعاليم الإسلامية فإن هذه الازدواجية غير مقبولة بأى وجه من الوجوه ة لأنها افتراءات على الحق ولأنها تتنافى
مع مبدأ العدل الذى هو أساس التعامل الإنسانى السليم، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو على
مستوى العلاقات الدولية.
4-
كيف انتشر الإسلام
لقد وضع الله- سبحانه
وتعالى- للدعاة المسلمين قواعد ثابتة فى كتابه العزيز
للدعوة إلى الله- سبحانه وتعالى- قال تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم
بالمهتدين ) (النحل: 125) ومعناها (ادع) الناس يا محمد (إلى سبيل ربك ) دينه
(بالحكمة) بالقرآن (والموعظة الحسنة)، بالقول الرقيق الطيب (وجادلهم بالتى) أى المجادلة (هى أحسن) بالدعاء إلى الله مبينا آياته والدعاء إلى حججه (إن
ربك هو أعلم) أى عالم (بمن ضل عن سبيله وهو أعلم
بالمهتدين) فيجازيهم، وهذا قبل الأمر بالقتال.
ولقد بدأت الدعوة إلى الله
جهرا بعد أن كانت سرا عندما نزل قوله تعالى: ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين)
(الحجر: 94) ولقد بدأ انتشار الإسلام فى المدينة عن
طريق بيعتا العقبة الأولى والثانية. فلقد كان فى الأولى
اثنا عشر رجلا فبايعوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم على ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم،
ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا
يعصونه فى معروف، فإن وافقوا فلهم الجنة، وإن غشوا من
ذلك شيئا فأمرهم إلى الله عز وجل، إن شاء غفر وإن شاء عذب، وهذه بيعة العقبة
الأولى.
ولما كان العام التالى قدم الحجاج يثرب ووعدوا الرسول صلى الله عليه وسلم
بالمقابلة عند العقبة سرا عن مشركى مكة، فكانوا يتسللون
الرجل والرجلين حتى تم عددهم 73 رجلا وامرأتان، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه
وسلم : " خذ لنفسك ولربك ما أحببت فقال: أشترط لربى أن تعبدوه وحده ولا
تشركوا به شيئا، ولنفسى أن تمنعونى
مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم متى قدمت عليكم، فقال الهيثم بن التيهان: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال عقودا وإن قاطعوا
فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى
قومك وتدعنا، فتبسم صلى الله عليه وسلم
وقال: بل الدم بالدم والهدم بالهدم ". أى
إن طالبتم بدم طالبت به وإن أهدرتموه أهدرته، وهذه هى
بيعة العقبة الثانية، وبذلك رجع هؤلاء الأنصار لدعوة قومهم، هذه بادية الدعوة إلى
سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم بعد ذلك فرض الجهاد فى
سبيل الله، ولقد انتشر الإسلام فى القلوب قبل السيف
فلذلك دخل الناس فى دين الله أفواجا.
أما أسباب
انتشار الإسلام فأذكر منها على سبيل المثال:
انتشار الإسلام فى أفريقيا:
1-
الجوار الجغرافى واتصال الرقعة الأرضية: تلتحم أفريقيا
بآسيا عند برزخ السويس ويمثل هذا الالتحام المعبر البرى
الوحيد بين القارتين، ولضيق شاطئه عند باب المندب اتخذت الهجرات معبرا إلى
أفريقيا. ولعبت دورا هاما فى نقل الإسلام والتجارة بين
القارتين.
3-
بساطة تعاليم الإسلام: من أهم أسباب انتشار الإسلام عبر ربوع أفريقيا بساطة تعاليمه وسهولة فهمه ويسر الدعوة إليه،
فكان كل مسلم يعتبر داعية، فلا توجد تعقيدات المسيحية وما يكتنفهما من غموض.
3-
ارتبطت المسيحية بالاستعمار الغربى وتجارة الرقيق
وممارسة جميع ألوان القسوة فى نقل ملايين الأفريقيين
إلى العالم الجديد.
4-
عدالة الإسلام: ومساواته بين الناس وبغضه للتفرقة العنصرية وهى عقدة الأفارقة حيث
مارسها البيض تحت ظلال المسيحية.
5-
انتشار الدعوة الإسلامية لا يسخر لمصالح فئة معينة أو
يحقق مكاسب لكتل سياسية متصارعة، وليست للدعوة الإسلامية أهداف غير انتشار
الإسلام، وهذا يخالف تماما بعثات التنصير من حماية للمصالح الاستعمارية.
المراجع
1- كتاب الله (القرآن
الكريم).
2-
فقه السنة للشيخ سيد سابق جـ
11.
3-
تفسير روح البيان أ/ إسماعيل حقى: جـ5.
4-
مجلة الفرقان (الكويت) العدد 167 د. عبد العزيز بن عثمان
التويجرى.
4-
كتاب الأقليات المسلمة فى
أفريقيا أ/ سيد عبد المجيد بكر جـ 2.
6-
كتاب نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين الشيخ/ محمد الخضرى بك، مصر.