حقيقة الإسلام
الشيخ الحاج /
إبراهيم سورى فاديقا
الأمين العام
للرابطة الإسلامية
كوناكرى-
غينيا
تمهيد:
إن من الأمور التى ينبغى ملاحظتها على الأمة
الإسلامية فى حاضرها أنه قد كثرت ملتقيات ومؤتمرات
ودراسات عن الإسلام، وهذا من علامات الصحوة الإسلامية، وشعور الأمة بالخطر الذى يهدد كيانها، إلا أنه ينبغى
لنا أن نعرف أن كل تلك الملتقيات والمؤتمرات لا تزال غير كافية، بل وربما تعد
ضئيلة أمام جسامة المسؤولية وتضخم القضايا المطروحة، وخاصة بعد حادثة الحادى عشر من سبتمبر من العام الماضى.
فيجب أن نؤمن بأن قضايا هذا
العصر لا تخص المسلمين وحدهم، وإنما تهم الإنسانية قاطبة ؛ لأن سعادة
الإنسان- بالرغم من أنه قد ظن عندما اندهش أمام تطورات العلم أنه قد ضمن لنفسه
السعادة الحقيقية- ولم تزل تشكل
مطلبا رئيسيا وقيمة من القيم التى ينشدها، وهذا يتناسب
مع كون الإسلام يتجاوز بطبيعته المسلمين ليكون خطابا للناس كافة، قال تعالى: (يا
أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم
عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات- 13).
ومن الغريب أن نرى
اليوم بعض المسلمين ينظرون إلى الإسلام كأركان تعبدية فقط! فيجب
أن نسأل أنفسنا هل الإسلام كذلك؟
إن الذين يحسبون الإسلام
أركانا تعبدية فقط، إنما تأثروا تأثيرا بالغا بدعايات أعداء الإسلام، والتى جعلتهم يريدون أن يجمدوا الإسلام، وأن يجعلوا أركانه هى كل الإسلام.
لكن الإسلام قبل كل شئ عقيدة ومنهج حياة يرتفع فوق هذه الأركان ليعمر حركة الحياة وينظمها. إن خصوم الدين الإسلامى تتركز أمانيهم فى أن
يقتنع المسلمون بأن الإسلام أركان تعبدية فقط، ويحاولون عزل الأركان التعبدية عن
صناعة حركة الحياة ليزيفوا هذه الحركة على أهوائهم.
والحق أننا لن نفلح فى بناء حضارة توفر الحياة وتبوئ الإنسان مكانته اللائقة به فى هذا الكون إلا إذا تشبثنا بالقيم التى
أرسى الإسلام قواعدها، والتى تشكل نظريته الكونية وتحدد
العلاقة بين عالم الزمان وعالم الأبد، والتى ينطلق
الإنسان على ضوئها فى بناء حضارته، فإن كل تقدم إنسانى يتسم بالإيجاب يتوقف على مدى وعى الإنسان وتطبيعه لهذه
القيم التى أناط الإسلام بها لتحقيق معنى الخلافة فى الأرض، تلك المتمثلة فى الأمانة
التى عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن
يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان- بحكم ما زوده الله من قوى الإدراك وباعتباره
حامل القيم- هو وحده القادر على أدائها.
فلا يمكن أن تكون هذه
الأمانة سوى تحقيق معنى العبادة التى من أجلها خلق الله
الإنس والجن، قال تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما
أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) (الذاريات 56- 58)، ولا يمكن أن تكون هذه العبا:
ة سوى مجموعة التكاليف التى دعى
الإنسان إلى القيام بها، من أجل الصلاح والإصلاح لتكميل النوع الإنسانى،
وتحقيق التقدم بشقيه المادى والروحى،
وتحصيل السعادة فى الدارين، ولا يمكن أن تكون الحضارة
سوى بذل الجهود فى إسعاد
الإنسان، ونحن فى منظورنا الإسلامى
نرى أن مصدر بذل الجهود الذى يدفع الإنسان إلى العمل الإيجابى يكمن فى قيم الإسلام،
وعلى رأسها العقائد التى بها صلاح الأعمال، إذ التصور الإسلامى ليس نظرية تجريدية فحسب بل هو أيضا تطبيقية وسلوكية.
إن عنوان البحث الذى أتناوله ( حقيقة الإسلام ) يقتضى بداية أن أطرح إشكالية
ذات صلة بالموضوع، ألا وهى: هل يجهل إنسان هذا العصر حقيقة الإسلام؟
لا، ولكن نحن دخلنا فى عصر أصبح المسلمون يجرون وراء المنافع لاهثين حتى إن كثيرا
منهم يرون الحق فيما ينفعهم لا فيما يطابق الواقع الإسلامى
أو تقوم البراهين الشرعية على صحته، وهذا مذهب "البراجماتية"
الذى ينادى بأن "المنفعة مقياس الحقيقة"،
ويصر على أن المهم من كل شئ هو نتائجه الحاضرة وما
يترتب عليه من آثار فى حياتنا العملية، وعلى أن الصدق
ليس هو مطابقة الخبر للواقع، بل انسجامه مع ما ينفع وهكذا، فكل شئ يحكم عليه بما يتبعه من نتائج، فإن كانت هذه النتائج
متناسبة مع أغراضنا ومع ما نريد من مقدماتها كانت خيرا وصدقا وحقا، وإن كانت غير
ذلك كانت شرا وباطلا، ولا يوصف الفعل بحسن ولا قبح، ولا يوصف القول بالصدق والكذب
حتى نعرف ثمرته، فمن هذا المنطق نعلم أن العالم فى هذا
العصر لا يجهل حقيقة الإسلام ولكن إنما يسعون وراء عرض هذه الحياة،
ونحن نؤمن بأن أنفع شىء للناس هو الحق، وأن أضر شىء بالناس هو الباطل، لأن الحق باق على حقيقته، والباطل زاهق
لا محالة وإن طال الأمد به، قال تعالى: (قل إن ربى يقذف بالحق علام الغيوب. قل جاء
الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد. قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى
وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب ) (سبأ 48- 50)، فحقيقة الإسلام هى إثبات الحق لمنفعة الناس، إنها منفعة مادية وروحية تنفعهم فى الدنيا والآخرة، منفعة أعدت للإنسان، وأعد لها الإنسان.
الإسلام دين رحمة وسلام
إن عقيدة الإسلام عقيدة تتسع
للروح والمادة، والحق والقوة، والدين والعلم، والدنيا والآخرة، إنها عقيدة التوحيد
التى تغرس فى النفس الكرامة
والحرية، وتجعل الخضوع لغير الله كفرا وفسقا وظلما، وتأبى على الناس أن يتخذ بعضهم
بعضا أربابا من دون الله، قال سبحانه وتعالى: "
قل
يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الله ولا نشرك به شيئا
ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله
فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون )
(آل عمران-64).
وبهذه العقيدة انطلق
المسلمون يخرجون العالم من الظلمات إلى النور، ويؤدبون الأكاسرة والقياصرة وكل من
صعر خده من الجبابرة، وينقلون الناس من عبادة الخلق إلى عبادة الخالق، ومن ضيق
الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان والظلام إلى عدل الإسلام.
فأثبت للعالم فى كل معترك بأنه الدين الوحيد الذى
سوى بين معتنقيه، فلم تقم دولته على أساس عرقى أو لغوى
أو لونى، بل أرسى قواعد الأخوة الإسلامية تحت سقف واحد، منذ آخى الرسول صلى الله
عليه وسلم بين الأنصار والمهاجرين تنفيذا
لقوله تعالى: ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون)
(الحجرات- 10) فقامت أخوة المؤاخاة مقام أخوة النسب والدم، وذابت الفروق الإقليمية
والنسبية، وانمحت الفوارق الطبقية والمهنية، فلا أغنياء وفقراء، ولاتجار وزراع ،
إنها أخوة إيمانية صادقة، وهى الحب والإخلاص والإيثار، كما قال الله تعالى:(
والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )
(الحشر- 9) فشعور المسلم بأخوته لبنى جنسه جميعا ليس أمرا ثانويا عنده ولا
نافلة فى دينه، إنما هو عقيدة يدين الله بها؛ ويلقاه
يوم القيامة، ويرطب بها لسانه ذاكرا الله، يرجو به عند الله القرية والمثوبة، فقد
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فى دبر كل
صلاة: "اللهم رينا ورب كل شئ أنا شهيد أنك أنت
الرب وحدك لا شريك لك اللهم ربنا ورب كل شئ أنا شهيد أن
محمدا عبدك ورسولك اللهم ربنا ورب كل شئ أنا شهيد أن
العباد كلهم إخوة " ، وبهذه الأخوة
سادت الرحمة والمحبة والسلام فى ربوع المدينة فقضت على
العداوة والبغضاء التى كانت بين الأوس والخزرج، ثم إن
الرسول صلى الله عليه وسلم أرسى قواعد
الرحمة والسلام يوم فتح مكة بعد أن ظفر بقريش فى عقر
دارها حين قال صلى الله عليه وسلم: "ما تظنون أنى فاعل بكم "؟ قالوا:
خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء ".
تكريم الإنسان للإنسان
لقد عرف العالم فيما عرف من
اتجاهات، اتجاهين فكريين يناقض أحدهما الآخر: اتجاه يؤله الإنسان، أى يجعله إله نفسه لا رب خلقه، ولا إله يدبر أمره ولا حساب
ينتظره، فهو يفعل ما يشاء وكيف يشاء، ويحكم ما يريد.
واتجاه آخر ينظر إلى الإنسان
على أنه مجرد حيوان متطور منتج، أو حيوان اجتماعى.
أما الإسلام فلا يرفع
الإنسان إلى مقام الألوهية، ولا يهبط به إلى البهيمية، فالإنسان ليس إلها، ومن وجد
من العدم، ويموت بعد عمر يقصر أو يطول،
يعيش. بين الولادة والموت، تحكمه سنن كونية لا يملك لها
دفعا، فهو رغم ما منح له من عقل وإرادة ووسائل، عاجز ومقهور أمام كثير من الأشياء
والأحداث والمواقف، والعاجز المقهور كيف يكون إلها؟ وصفة الإله أنه القادر القهار.
والإنسان ليس إلها وليس بهيما. إن نفى الألوهية عن الإنسان لا يعنى إثبات البهيمية
له، فالإنسان فى نظر الإسلام مخلوق متميز كرمه الله
بالعقل وبالإرادة وبالروح، وفضله على كثير من خلقه، ومن مظاهر التكريم الإلهى للإنسان خلقه فى أحسن
تقويم، كما قال سبحانه وتعالى: ( لقد خلقنا الإنسان فى
أحسن تقويم ) (التين- 4) وقد كان النبى المصطفى صلى
الله عليه وسلم يكرر هذا الدعاء فى سجوده "سجد وجهى للذى خلقه وصوره، وشق سمعه ويصره، فتبارك الله أحسن الخالقين
".
استخلافه فى الأرض
هذه المنزلة اشرأبت إليها
أعناق الملائكة، وتشوقت إليها أنفسهم فلم يعطوها، ومنحها الله للإنسان، والشاهد
على ذلك قوله تبارك وتعالى فى سورة البقرة ( وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء
ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون )
(آية 30 ) تميزه بالعنصر الروحى الذى
جعل الملائكة تنحنى له إجلالا وإكبارا لمقدمه بأمر من
الله، قال تعالى: ( إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا
من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحى
فقعوا له ساجدين) (ص: 71- 72) وليس الأمر خاصا بأبى
البشر ولكن يتعداه ليشمل بنيه ونسله، كما قال تعالى: (ثم جعل نسله من سلالة من ماء
مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار
والأفئدة قليلا ما تشكرون ) ( السجدة 8-9)
فلم يكن هذا التكريم والاحتفال لشخص آدم- عليه السلام- !نما كان تكريما للنوع الإنسانى فى شخصه، فإن الله ميزهم
بما ميز به آدم من مواهب العقل والعلم والروح، واستخلفهم كما استخلفه فى الأرض، ولهذا أعلن القرآن كرامة البشر حين قال سبحانه
وتعالى: (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر
ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (الإسراء- 70).
وقد سخر الله لخدمة
الإنسان ولمنفعته العوالم كلها- السماء والأرض وما فيهما وغيره- يقول جل وعلا
مخاطبا الإنسان هذه الآيات التالية: (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل
والنهار. واتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم
كفار ) (إبراهيم: 33- 34)، (ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى
السماوات وما فى الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل فى الله
بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) (لقمان: 20) ، (الله الذى
سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما
فى السماوات وما فى الأرض
جميعا منه إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون، (الجاثية 12-
13).
تميز الإنسانية فى الإسلام:
لقد تميز الإسلام عن
غيره من الأديان والفلسفات بنظرته الشاملة المحيطة لماهية الإنسان، والنفاذ إلى
أغوار طبيعته، والاعتراف بكل جوانبه وفضائله دون ميل وشطط، أو إهمال لناحية لحساب
أخرى.
فالأديان السماوية كلها قد
جاءت لتحرير الإنسان
وإسعاده والسمو به، لكن أصابها الغلو أو التحريف والتزييف بما بدل
جوهرها وأخرجها عن رسالتها.
ونظرا لأنها كانت رسالات
مرحلية موقوتة لم يكتب الله لها الخلود، ولم يتكفل بحفظها كما تكفل بحفظ القرآن،
بل استحفظها أهلها فضيعوا وبدلوا.
وأكبر دليل على هذه العبارة
ما يلى: لقد اعتبرت المسيحية الإيمان ضد العقل فكان
شعارها اعتقد وأنت أعمى، والجسم عدو للروح فأهملت الأجسام إبقاء على الأرواح،
والعمل للحياة منافيا للتعبد لله فابتدعت نظام الرهبنة
والانقطاع عن الحياة، وكما اعتبرت الإنسان ملوثا بالخطيئة من يوم يولد، لأنها
لازمة لوجوده ورثها من أبيه الأول، وحجرت على الإنسان أن يتصل بريه إلا بوساطة
كاهن بيده مفتاح الجنة وملكوت السماء، فذلكم هو إنسان المسيحية فى صورتها التاريخية المراوغة، أما إنسان الإسلام فهو شئ آخر. لقد كان فى دلائل تكريم
الله له فى نظر الإسلام أنه فتح له باب التقرب إليه-
سبحانه وتعالى- أنى شاء ومتى شاء وكيف شاء، ولم يحوجه إلى وسطاء يتحكمون فى ضميره ويقفون حجابا بينه وبين ربه، قال تعالى: (وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون ) (البقرة 186)، (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ) (البقرة 53)، (والله
يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ إن الله
هو السميع البصير) (غافر 30)، وقد جاء فى الحديث القدسى معلنا أن
"من يتقرب إلى الله شبرا تقرب الله إليه ذراعا".
هذه مسؤولية الإنسان عن
نفسه، فلا يجوز فى منطق العدل الإلهى
أن يحمل الابن وزر أبيه، أو الحفيد وزر جده، لقوله تعالى فى
سورة الأنعام: (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شئ ولا
تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى
ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون
) (الأنعام 164).
حقوق الإنسان فى الإسلام
وقبل أن تتحدث الدنيا عن
حقوق الإنسان بقرون، ويوم كان العالم كله لا ينظر للإنسان إلا من جهة ما عليه من
واجبات يطالب بأدائها، وإلا كان عليه من العقاب ما يستحق، جاء الإسلام ليقرر جهرا
أن للإنسان حقوقا ينبغى أن تراعى، كما أن عليه واجبات ينبغى أن تؤدى.
فهو كما يسأل عما عليه، يجب
أن يعطى ما له ، فكل واجب يقابله حق، كما
أن كل حق يقابله واجب، وهذه
الحقوق ليست منحة له من مخلوق مثله، يمن بها عليه إن شاء ويسلبها منه متى شاء،
إنما هى حقوق قررها الله له بمقتضى فطرته الإنسانية، فهى حقوق ثابتة دائمة بحكم الطبيعة والشريعة جميعا.
ومن هذه الحقوق: حق
الحياة، حق الكرامة، حق التفكير، حق التدين والاعتقاد، حق التعبير، حق التعلم، حق
الكفاية من العيش، وحق الأمن. ثم إننا نجد الإسلام قد قدس بعض الحقوق وفضلها عن
بعض من حيث الأولوية ه فحق الحياة مقدم على باقى
الحقوق، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى
ثلاث زنا بعد إحصان، أو ارتداد بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق فقتل به، رواه الترمذى. فحماه بالتربية والتوجيه وبالتشريع، وبكل المؤيدات
النفسية والفكرية والاجتماعية، واعتبر الحياة هبة من الله لا يجوز لأحد أن يسلبها
غيره، فقد أنكر القرآن الكريم على أهل الجاهلية من العرب الذين قتلوا أولادهم سفها
بغير علم، ووأدوا البنات خاصة مخافة العار، وقتلوا البنين والبنات خشية الإملاق
المتوقع أو من أجل الواقع، وجعل القرآن كل ذلك من أكبر الكبائر، قال تعالى: (قل
تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا
وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا
تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى
حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون)
(الأنعام 164). (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق
نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ) (الإسراء131) (وإذا الموءودة سئلت. بأى ذنب قتلت ) (التكوير 8- 9). لم يفرق الإسلام فى حق الحياة بين أبيض وأسوده ولا بين شريف ووضيع، وحتى الجنين فى بطن أمه له حرمة لا
يجوز المساس بها، حتى إن كان ثمرة حرام فلا يجوز لأمه أو لغيرها أن
تسقطه، لأنه نفس محترمة لا يحل الاعتداء عليها لأن لها حقا وفى عهد الرسول صلى
الله عليه وسلم جاءت امرأة إليه وأقرت عنده أنها زنت وأنها حبلى من الزنا وطلبت أن
يطهرها بإقامة حد الله عليها، قال لها المصطفى صلى الله عليه وسلم " اذهبى حتى تلدى".. فلما ولدت
جاءت بطفلها مطالبة بإقامة الحد مرة أخرى فقال صلى الله عليه وسلم: لها: "اذهبى حتى تفطميه " ولم ينفذ فيها العقوبة إلا بعد أن
جاءت به بعد أن
أصبح يأكل الطعام، وكل هذا
رعاية لحق الجنين ثم المولود الرضيع، لأنه لا ذنب له فيما جنته أمه أو اقترفه أبوه
(ولا تزر وازرة وزر أخرى ) . وكيف لا يحمى الإسلام حق
الحياة للإنسان وقد حمى حياة الحيوان إذا لم يكن منه أذى للناس، وفى الحديث الصحيح " إن امرأة دخلت
النار فى هرة ربطتها فلم تدعها تصيب من خشاش الأرض ولم
تطعمها ولم تسقها حتى ماتت "
سنن أحمد، وفى حديث آخر لرسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا
منها الأسود البهيم ". مشيرا إلى قوله تعالى: ( وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا فى
الكتاب من شئ
ثم إلى ربهم يحشرون ) ( الأنعام: 115) إذا كان هذا فى
شأن القطط والكلاب واحترام حياتها
واعتبارها أمما أمثالنا، فكيف تكون منزلة الإنسان المكرم وخليفة الله فى الأرض؟
والرسول صلى الله عليه
وسلم أكد هذه المعانى
، وأعلن ذلك صراحة فى حجة الوداع أمام الجموع المحتشدة فى البلد الحرام والشهر الحرام واليوم الحرام: " أتدرون أى يوم هذا قالوا:
الله ورسوله أعلم، فقال " فإن هذا يوم حرام، أفتدرون
أى بلد هذا قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: بلد حرام، أفتدرون أى شهر هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم ، قال: ( شهر حرام، فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة
يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى
بلدكم هذا ".
فلا يجوز أن يؤذى إنسان فى
حضرته ولا أن يهان فى غيبته، سواء كان هذا الإيذاء
" للجسم بالفعل أم للنفس بالقول، وقد حرم الإسلام أشد التحريم أن يضرب إنسان بغير حق، وأن يجلد ظهره بغير حد،
وأنذر باللعنة من ضرب إنسانا ظلما ، ومن شهده يضرب ولم يدفع عنة ، وكما حرم
الإيذاء الأدبى للإنسان وهو اللمز والهمز والتنابز بالألقاب والسخرية
والغيبة وسوء الظن بالناس، وأنزل الله فى ذلك آيات تتلى
مدى الدهر.
فحقوق الإنسان فى الإسلام محفوظة حيا كان أو ميتا، وجاء فى
الحديث النبوى:
" كسر عظم الميت ككسر
عظم الحى فى الإثم، وكما حمى
عرضه حيا حماه كذلك ميتا، فقال صلى الله عليه وسلم " لا تذكروا هلكاكم
إلا بخير" .
كيف انتشر الإسلام ؟
نظرة سريعة فى تاريخ الإسلام:
إن قول بعض المستشرقين أن
الإسلام قد انتشر بالسيف، ولم يكن للناس آن ذاك بد إلا الاختيار بين الإسلام
والقتل ؛ وأن الفتوحات الإسلامية دليل على انتشار هذا الدين الحنيف بالسيف؟ هذا
القول مناف للحقيقة وعداوة للإسلام، إننا نلاحظ فى
انتشار الإسلام ما يلى:
أولا: إن وجود غير المسلمين فى الدول الإسلامية، من يهود ونصارى وغيرهما بكامل الحرية
والعبادات مع أمن الحياة، لدليل على تكذيب ذلك القول.
ثانيا: إن تاريخ البشرية
يقرر بأن كل نظام أنشأه السيف يزول بزوال السيف.
ثالثا: رغم ما أصاب المسلمين
فى يومنا هذا من ضعف فى
الإيمان والجهاد، مازال الإسلام ينتشر ويزدهر يوما بعد يوم فى
دول لم يطأ المسلمون الأوائل أراضيها.
ومن هنا فإن القول بأن
الإسلام قد انتشر بالسيف قول باطل، والإسلام منذ الفجر الأول دين تسامح وتعايش بين
بنى البشر، ولم يستخدم السيف إلا عند لزوم الأمر للدفاع عن حرية الاعتقاد والفكر
للبشرية جمعاء، فقد كان دعاة الإسلام الأوائل يعرضون الإسلام على الأمم من منطلق
قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن ) (النحل 135)، فمن
شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فكم من دعاة قتلوا ظلما وطغيانا فى
سبيل الدعوة فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عندما
يعلن بعض القبائل إسلامهم، فيرسل الرسول معهم من يعلمهم دين الله فيقتلون.
وما الفتوحات إلا نتاج عمل
بعض القبائل والملوك، لما صادروا حرية الناس فى
الاعتقاد وقتل بعض الدعاة.
إن قضية انتشار الإسلام بالسيف
قضية قديمة أحدثت جدالا طويلا عبر التاريخ الإسلامى،
ولكن الحقيقة التى نؤمن بها كمسلمين هو أن انتشار
الإسلام كان كما يأتى:
1-
الصبر وتحمل الأذى: فقد أوذى المسلمون فى مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أذى شديدا، حتى توجه
الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وما كان من أهلها إلا أن قاموا فى وجهه ورموه بالحجارة كما جاء فى
الحديث: "أن عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم
حدثت أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان
أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ
عرضت نفسى على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردت،
فانطلقت وأنا مهموم على وجهى فلم أستفق إلا بقرن
الثعالب، فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت فإذا فيها جبريل فنادانى
فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال
لتأمره بما شئت فيهم ، قال: فنادانى ملك الجبال وسلم
على ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثنى ربك إليك لتأمرنى بأمرك
فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين
، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من
يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ".
2-
التأنى وعدم التسرع: إن الذين جاهدوا فى غزوة بدر الكبرى هم الذين كانوا فى
مكة فكانوا يطالبون الرسول بالرد بالمثل، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان
يأمرهم بكف الأيدى حتى أذن لهم بالقتال، والقرآن يصدق
ذلك الموقف بقوله تعالى: ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم
بغير حق ) (الحج: 39- 40).
3-
الحكمة فى الدعوة وحسن الجوار مع غير المسلمين دون لجوء
إلى السيف: فنرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل فى صلح
الحديبية من الشروط فى المعايشة مع الكفار ما لم يقبله
أحد سواه، وكذلك المسلمون عند فتح بيت المقدس، مما يؤكد سماحة الإسلام وسبب
انتشاره.
4-
العفو عند المقدرة: إن فى قضية أسرى بدر التى لام القرآن المسلمين عليها؟ ورد الرسول صلى الله عليه
وسلم على أهل مكة يوم الفتح لدليلا على اقتناع الخصوم
بسماحة الإسلام.
5-
المعاملة الحسنة: إن الدول التى دخلها الفاتحون لم
يفرضوا الإسلام على أهلها قهرا، بل خيروهم بعد إعلانهم لمبدئهم ألا وهو إخراج
الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، أو الجزية، أو القتال لتكون كلمة الله
هى العليا وكلمة الذين كفروا هى
السفلى لقوله تعالى: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو
السميع العليم) ( الأنفال 61). وقال أيضا: ( وقاتلوا فى
سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن
الله لا يحب المعتدين ) (البقرة 190).
6-
قوة الإسلام نفسه: إن الله تعالى قد تكفل بحفظ القرآن وشريعته ونصر الرسول والصديق
إذ هما فى الغار، ونصر جنده يوم الأحزاب وحده.
7-
اعتراف أعداء الإسلام بقوة ومبادئ الإسلام وصراحته فى
معالجة الأمور وموقفه الواضح تجاه أمر القتال أو الاستعداد له، قال تعالى: (
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) (
الأنفال 60).
8-
معالجة الأمور بالمثل قال تعالى: ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن
اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع
المتقين ) (البقرة 194).
9-
ونحن فى أفريقيا فيما وراء الصحراء لم يسجل فى تاريخنا قتال ولا معارك إسلامية استعان بها التابعون فى حمل الرسالة إلى ناحيتنا، ومع ذلك فنسبة المسلمين فى هذه القارة تنوف اليوم على 62%.