حقيقة الإسلام
الحاج/ بشير
داود عبد القادر
عضو البرلمان الأثيوبى
الإسلام حقا هو دين عمل
يتناول شئون الحياة جميعا، قصد به أولا تحويل، الناس من عبادة غير الله إلى عبادة
الله الخالق الواحد، الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له
كفوا أحد. والإسلام بهذا المعنى جاء به الأنبياء والرسل أجمعين من لدن آدم إلى
سيدنا محمد- عليه الصلاة والسلام- لأنهم كانوا يدعون قومهم قائلين ياقوم: (1 عبدوا الله مالكم من إله غيره ! وقائلين:
(1 عبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ! ولكن الإسلام الذى
أتى به سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم وأكمله لنا الله- عز وجل- ورضيه لنا
دينا يتميز بأنه يشمل الحياة والكون مكانا وزمانا.
والمسلم الحق لا يعبد الله
ببدنه وأعضائه، أو بلسانه وقلبه، أو بعقله فحسب، وإنما يعبد الله بكل ذلك، داعيا
وذاكرا ومصليا وصائما ومجاهدا ومقاتلا بكل بدنه، ومؤمنا بقلبه،
وخائفا بعقله وفكره. وبعبارة أدق وأشمل: يعبد الله مستعملا جميع جوارحه
وحواسه فى طاعته، وهذا هو معنى ما تعنيه هذه الآية
الكريمة حيث قال جل شأنه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) والعبادة بهذا
المعنى فى الإسلام بينها رسول الهدى والرحمة للسائل الذى سأله معلما للحاضرين فى حضرة
الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: حدثنى يا محمد عن الإسلام، فقال: "الإسلام أن تشهد أن لا
إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتصوم رمضان، وتؤتى الزكاة،
والحج لمن استطاع إليه سبيلا،. ثم سأله عن الإيمان فقال: " الإيمان بالله
واليوم الآخر والملائكة، والنبيين، والكتب، والقضاء، والقدر، ثم قال عن الإحسان:
"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". والإسلام بشعبه الثلاث
يستوعب الأجيال والأزمنة والأمكنة، وكل ما فيه سعادة الأفراد ومصلحة المجتمع
والسلوك المتعلقة بالحلال والحرام، والأحوال الشخصية والاجتماعية من أموال وتجارة
وزواج وطلاق وشؤون الجرائم والعقوبات والعلاقات الدولية سلما أو حربا، لأن الشارع وضع لهذا كله قواعد ومنهاجا بوحى
نزل من عند الله الذى أحاط بكل شئ
علما، وأحصى كل شىء عددا، نصا بكتاب الله وسنة رسول الله قولا أو فعلا أو إقرارا، وإذا
ثبت أنها شرع من الله أو من رسوله فهى عبادة لا يصح أن
يأخذ بعضها ويترك البعض عمدأ أو إهمالا" لأن شرع
الله كل لا يتجزأ، مثله مثل الإنسان لا يمكن أن تكون له حياة ونصفه قد مات. ويقول
تعالى معاتبا بنى إسرائيل: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب
وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله
بغافل عما تعملون ) ( البقرة: 85) فهل تنطبق علينا نحن المسلمين اليوم ؛ فإنى أخاف ذلك لأن كثيرا من الناس فى
عصرنا اليوم يظنون أنهم إذا قاموا بالصلاة أو صاموا شهر رمضان أو سموا أنفسهم
بأسماء الإسلام ثم تركوا الأعمال التى طلبها الشرع أمرا أو نهيا، تحريما أو حلا، أو معاملة وأخلاقا، يظنون
أنه لا تضرهم المعاصى ومخالفة شرع الله، ولكن الله يقول
فى المنافقين الذين كانوا يصلون مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ويصومون معه ويخرجون إلى الجهاد
معه ثم يقولون آمنا فيرد الله عليهم قائلا: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن
قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم ) (الحجرات:
14) وقال أيضا: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك
لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) (المنافقون: 1)، بل إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أراد أن يصلى على موتاهم
لأنهم مسلمون ظاهرا ولكن الله نهاه عن ذلك فقال: "ولا تصل على أحد
منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله وبرسوله وماتوا وهم فاسقون
" (التوبة: 84) فعلى هذا ليس كل مسلم مؤمنا وبالعكس، بينهما عموم من وجه
وخصوص من وجه كما يقول أهل المنطق. والإسلام
وإن كان يأمر بالامتثال ينهى عن المنكر، ويشدد على المؤمن فى الاستقامة فى كل سلوك الحياة،
فهو دين عمل لا رهبانية فيه ولا يقرها، بل يترك العقل يجول ويرقى فى آفاق الكون الفسيح صاعدا فوق الأفلاك بفكره، أو بواسطة
آلات سخرها له من بيده كل القوة، أو هابطا إلى الأرض مكتشفا فى
الكون الفسيح ما قدر له لنفعه فى الدنيا أو لما فيه
مصلحة آخرته ، يذكر دائما قول الله سبحانه: ( الله الذى
خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج
به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى فى
البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم
الشمس والقمر دائبين وسخر لكم
الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم
كفار (إبراهيم: 32- 34).
ورب العزة يطلب من هذا
الإنسان المركب من نوعين أن يمشى فى مناكب الأرض، فيطلب
الرزق الحلال وعمارة الأرض ومنفعة الناس
والإحسان إليه!ا، ويعمل الصالحات التى تعود عليه
منافعها فى الدنيا والآخرة، ولكن الله يحكم أن يكون ذلك
مقرونا بالإيمان، وبعيدا عن الفساد، وفى هذا يقول سبحانه: ( وابتغ فيما
آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس
نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن القه إليك ولا تبغ الفساد فى
الأرض إن الله لا يحب المفسدين) (القصص:
77).
والله العزيز الرحيم لم يجعل
هذا الإنسان المركب من الطين والروح معصوما من كل ذنب أو خطيئة، ويائسا من الرحمة،
بل أكد له العفو والغفران إذا عاد وندم وتاب فقال: (قل يا عبادى
الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من
رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم، (الزمر: 53).
وبما أن الإسلام جاء لكل
الناس الذين يعيشون فوق الأرض ويوجدون فى كل الأزمان،
فإنه بنى على التيسير والرحمة ورفع الحرج، وروعى فيه
ضعف الإنسان أمام هواه ومتطلباته، وتعدد أعبائه فى
الدنيا، لا رهق فيه بل رحمة يلمسها ويراها كل من عرف
حقيقة الإسلام ومقاصد وغاية هذا الدين، فيه رخص التيم!ا
إذا فقد الماء، وقصر الصلوات الرباعية إلى ركعتين وجمعها فى
السفر. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم
لأبى موسى الأشعرى ومعاذ حين أرسلهما إلى اليمن:
"يسرا ولا تنفرا" ويقول أيضا: "بعثت بالحنيفية
السمحة" (رواه أحمد). وفى الصوم رخص الإفطار للحامل والمرضع
إذا خافتا على أنفسهما، ورخص الصلاة قاعدا ومضطجعا ومستلقيا لمن فيهم الأمراض،
يختلف الحال باختلاف شدة المرض. وفى الحديث: (إن الله
يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته).
وهناك رخص متعددة فى العبادات والمعاملات ليس هنا مجال سردها.
والإسلام يطبق نظمه
الاجتماعية فى الحياة كلها، فى
القيادة يجعلها فى يد
أهل الحل والعقد من العلماء
والصالحين ومن وجهاء القوم فيقول واصفا لهم: وأمرهم شورى، يأمرون بالمعروف، وينهون
عن المنكر، ويدعون بالحكمة والموعظة الحسنة، ولحتم أن تكون الإمامة والقضاء
بالبيعة والشورى، ويجب أن يكون القاضى فقيها مجتهدا
يستطيع الاستنباط وإخراج الأحكام من أدلتها الأصلية القرآن والسنة والقياس
والإجماع وغيرها من الأدلة التى أقرها علماء أهل السنة
من الخلف والسلف.
والإسلام يشدد على كل حاكم
وعلى كل فرد الأخذ بمبدأ العدالة والأمانة والمساواة والحرية، وألا تشترى آياته
بثمن قليل، فلا تمييز أمام حكم الله بين الحاكم والوضيع، يقوم الكل أمام الله فى صف واحد فى المسجد قيامهم
وسجودهم وقبلتهم وربهم واحد، يقفون جميعا خلف إمام واحد، فالحلال والحرام والفرائض
والقصاص تطبق على الجميع سواء بسواء. طلبت إحدى القبائل من رسول الله صلى الله عليه وسلم إعفائها من الصلاة مقابل دخولها الإسلام فأبى،
وقال عليه الصلاة والسلام " لا خير فى دين لا صلاة
فيه ". حاول حب وابن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد الشفاعة لامرأة شريفة من قريش
سرقت، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم
على الحب أسامة وقال الكلمة الخالدة خلود التاريخ: "إنما أهلك من كان
قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف
أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت
لقطع محمد يدها ".
والإسلام بخلاف الأمم الأخرى
يسوى بين الملك والسوقة فى حكم الله قائلا: "الناس
بنو آدم، وآدم من تراب " ويقول أيضا: " يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن
أباكم واحد، لا فضل لعربى
على عجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، إن أكرمكم
عند الله أتقاكم. ألا هل بلغت اللهم فاشهد ".
وهو بعد كل هذا دين حق ورحمة
ووحدة ومحبة، لا يفرض بالقوة بل بالتعليم وإعلان الحق
والإقناع، فمن آمن فله عند الله الجنة، ومن كفر فله سعير جهنم، ويقول الله فى هذا الشأن آمرا نبيه:
( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين
نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا
يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت
مرتفقا، (الكهف: 29). وقال الله أيضا: (لا
إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى
) الآية (البقرة: 256).
وحتى الجهاد فى الإسلام لم يفرض إلا دفاعا عن النفس أو الأموال والأعراض
والعقيدة، فيقول- سبحانه- فى هذا الشأن: ( أذن للذين
يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم
لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، (الحج: 39،40). وليس الإسلام دين العنف والإرهاب كما يحلو لبعض الناس أن
يحاول إلصاق تلك التهمة بالإسلام وحتى فى الحالة التى أذن فيه بالقتال يأمر بالعدالة، ويفضل العفو، والصبر على
المعتدين، فيقول: ( فمن اعتدى عليكم
فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا
الله واعلموا أن الله مع المتقين ) (البقرة: 194). وفى سورة النحل يقول ( وإن
عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) (الآية 126).
والإسلام انتشر بالأخلاق
الحسنة والمساواة والحرية، لا إرهابا ولا عنفا، وفى الحديث: " أن يهوديا يدعى
زيد كان له دين على رسول الله صلى الله
عليه وسلم فأخذ بقميص رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ يجره قائلا: أنتم بنى عبد المطلب قوم
مطل، اقض دينك. فكان هناك عمر بن الخطاب وباقى الصحابة
فاستل عمر سيفه ليضرب عنق اليهودى فقال رسول الله لعمر
غاضبا عليه واضعا يده الشريفة على كتف اليهودى:
"على رسلك يا عمر أنا وهذا كنا أحوج منك إلى خير من هذا، تأمرنى
بالقضاء وتأمره بحسن التقاضى،.
فاندهش اليهودى من هذه الأخلاق فأخذ بها فلم يسعه إلا
أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والإسلام
لا يقر الأنانية والكبر والتميز والاستعلاء، فقد كان
رسول الله وسمع الصحابة فى غزوة فأمر أن تذبح شاة، فقال
أحد الصحابة: على ذبحها
يا رسول الله، فقال غيره: على بسلخها، فقال غيره: على
بطبخها يا رسول الله. فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم على إذا بجمع الحطب " فاندهش الصحابة فقالوا له: نحن نكفيك
العمل يا رسول الله. فقال قولته المشهورة: " إننى
أعلم أنكم تكفوننى العمل، ولكنى لا أحب أن أتميز بينكم،
لأن الله يكره من عبده أن يكون متميزا من " بين عباده ". هذا هو الإسلام
كله رحمة وهدى وشفاء، يقول الله معلنا لعباده هذه الحقائق: ( يا أيها الناس قد
جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة
للمؤمنين) (يونس: 57).
ثم إن الله- سبحانه- بعد أن
خلق هذا الإنسان من الطين والروح، وسخر له الكائنات، وفضله على كثير من خلقه اقتضت
حكمته أن يقوم هذا الإنسان نفسه بمهمة تنفيذ هذه الشريعة التى
أرسل لأجلها الرسل، فاختاره خليفة فقال جل شأنه: ( وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة )
(البقرة: 30) ثم أفاض عليه نعمه فعلمه الأسماء كلها بما فيها المسميات وحقائقها،
وسخر له الكائنات، يرسل الرياح فتثير سحابا يبسط فى
السماء ثم يجعله ركاما يخرج منه الودق فينزل ماء فيشرب منه الإنسان والحيوان وتحيا به الأرض الميتة وسخر له السماوات والشموس والأقمار
ضياء ودفئا فى النهار يبغى فيه خليفة الله فضل ونورا فى ظلمات الليل وزينة للناظرين، والأرض يمشى فى مناكبها فيطلب فيها الرزق وعليها يسيم
أنعامه فيها جمال ودفء ومنافع وأكل، ومن
بطنها تستخرج المعادن للزينة وصالح الحياة، وفيها البحار المسخرة تستخرج منها
الحلية للباس وتؤخذ منها اللحوم الطرية، والفلك والبواخر وخلفاء الأرض الشاكرون
يبتغون فيها فضل الله، كل هذه النعم تساعد على تأدية مهمة الخلافة التى هى العبادة قال تعالى ( ألم
تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب
منير ) ( لقمان: 20)
تم البحث بإيجاز، والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.