ضرورة التجديد
الحدود والضوابط
الشيخ/ إبراهيم صالح الحسينى
رئيس المجلس الإسلامى النيجيرى
ورئيس هيئة الإفتاء بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية- نيجيريا
إن
الإسلام هو الدين الحنيف، والدين المرضى عند الله، وعليه المحاسبة يوم القيامة
بقول الله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى
ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة: 3). ويقول الله تعالى
( إن الدين عند الله الإسلام ) (آل عمران: 19).
ويقول
الله تعالى: ( ومن
يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من
الخاسرين
) (آل عمران: 85).
هذا
الدين هو الذى بعث الله به
جميع الرسل والأنبياء، ولم يكن الإسلام نحلة ابتدعها البشر، أو فلسفة أنتجتها
أفكار الناس، ولكنه دين سماوى أنزله وضمنه شريعة هي
المنهج المتكامل الدائم الذى أراده الله للبشرية جمعاء
إلى يوم القيامة. ولقد تضمنت شريعته مصالح الدنيا والآخرة، ونظمت العلاقات
الضرورية فى أطرها الطبيعية للإنسان، علاقته مع ربه،
وعلاقته مع نفسه، وعلاقته مع مجتمعه، وعلاقته مع الكون والحياة.
والعلاقة مع الله تنظمها العبادات
ابتداء من الصلاة والصيام والزكاة والحج وأنواع البر كلها مما يدخل فى إطار نوافل الخيرات. والعلاقة مع النفس تنظمها الآداب
والأخلاق وصفاء الروح وزكاتها وحضورها الدائم فى مشاهدة
عظمة الخالق. والعلاقة مع المجتمع تنظمها أحكام
المعاملات المدنية والجنائية والدولية والاجتماعية، مثل أحكام الأسرة ورعاية الطفل
والعجزة والقاصرين. والعلاقة مع الكون والحياة بمراعاة حكمة الله فى الإيجاد والإمداد، وطلب المزيد من العلم فى جميع هذه الآفاق عملا بقوله تعالى: ( وقل رب زدنى علما) (طه: 114). وتحقيقا لمضمون قوله تعالى: ( سنريهم
آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (فصلت: 53) ولقوله تعالى: ( وفى أنفسكم أفلا تبصرون ) (الذاريات: 21).
ومن هذه المقدمة يتضح لنا أن
الإسلام ليس عبادات أو آداب أو أخلاق فقط، وإنما هو دين كامل
شامل نشأت عن تعاليمه حضارة دينية ودنيوية تستوعب كل آفاق الحياة الروحية
والمادية. ومقومات هذه الحضارة هى تطبيق الأسس والقواعد
التى وضعها الإسلام للإصلاح العام، والرجوع أو العودة
بالإنسان إلى أصل الفطرة والصفاء والنقاء متمثلا ذلك فى
إصلاح الفرد والجماعة، وتقويم الأخلاق، وتهذيب النفس وتزكيتها، وتطهير القلب، وإصلاح
الأسرة والأمة، وتنظيف وإصلاح البيئة والعمل المؤدى إلى الفوز والسعادة. وذلك برفع
مستوى الفرد والجماعة والأمة فى الدين والعلم والثقافة
التزاما وبحثا وانفتاحا للإبداع والتجديد فى حدود سماحة
الإسلام وسعة دائرة آفاقه.
ولكل هذه المميزات
كان الإسلام هو رسالة الله الأخيرة إلى الأرض. فهو آخر الأديان، كما أن نبيه آخر
الرسل وخاتم الأنبياء، وكتابه خاتمة الكتب السماوية والمهيمن عليها، وشريعته هى خاتمة الشرائع، وبما أن الإسلام بهذه الصفة من الكمال
والشمول وسعة الدائرة والآفاق، فقد جمع المصالح والاحتياجات البشرية كلها فى الدين والدنيا والآخرة،
وأعطى العقل الإنسانى المنور بنور الإيمان طاقة لا حدود
لها فى مجال الفكر والغوص فى
الأعماق للتوفيق بين مقتضيات الأدلة الشرعية وآفاقها الكبرى، ومقاصدها السامية
غاياتها العظمى، وبين ضرورات واقع عصرنا المعاش وحياتنا اليومية مما يدل على كفاءة
هذه الشريعة وكفايتها واتساع دائرتها لاحتواء كل الحوادث والمستجدات مما يفرض على
العلماء من ذوى القدرة والاختصاص الأخذ بمبدأ الاجتهاد والاستنباط من أجل التجديد فى كل زمان ومكان، وفى كل القضايا والمستجدات. فالشريعة قابلة لمواجهة كل تقدم وتطور بما فيها من مرونة وسعة
آفاق، وقدرة على مواكبة سير الأحداث وتطور الحياة. ومن هنا تضمن التشريع الإسلامى مبدأ الاجتهاد فى كل
جديد، والتجديد فى كل زمان ومكان. واعتمد العلماء
والمجتهدون قواعد كثيرة هامة فى مجال البحث والاجتهاد.
ومن أبرزها، قاعدة: الضرر يزال. وقاعدة:
المشقة تجلب التيسير. وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة: تغير الفتوى بتغير
الزمان والمكان.
وقد
رأينا كيف عالج الإسلام ضعف الأمة العربية عندما اعتنقته وطبقت مبادئه الخالدة،
وكيف ارتقت إلى أعلى درجات التقدم والسمو، وكيف فتحت آفاقا جديدة فى ميادين المعرفة والعلوم، وتربعت بكل جدارة على كرسى الريادة والقيادة، وتحقق فيها
قول الله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
وتؤمنون بالله ) (آل عمران: 110). وبهذا الدين سبقت هذه الأمة جميع الأمم إلى
كثير من آفاق العلم والمعرفة والثقافة والفلسفة، مبتكرة مناهج كثيرة فى الفكر والنظر.
تعريف الشريعة الإسلامية:
وحيث
أننا نتحدث عن ضرورة الأخذ بمبدأ الاجتهاد والتجديد، فلابد من الحديث عن الشريعة التى هى المنهج الذى شرعه الله لعباده فى الأرض
ليسيروا عليه.
الشريعة
فى اللغة: المذهب والطريقة. وشرعة الماء: تعنى المورد الذى يقصد للشرب وشرع: أى نهج
وأوضح وبين المسالك. وشرع لهم شرعا: أى سنه لهم. والشارع: الطريق الأعظم. وقد شرع المنزل: إذا كان على طريق
نافذ. القرطبى ج 16 ص 10 بتصرف.
وفى
الاصطلاح: ما شرع الله لعباده من الدين. أى من الأحكام
المختلفة وما تعلق منها بالعقيدة أو الفروع التشريعية. قال الله تعالى: ( شرع
لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى
أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن
أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) ( الشورى: 13) قال القرطبى
فى الدين: وهو توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وكتبه،
وبيوم الجزاء وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما. قال: ولم يرد الشرائع التى هى مصالح الأمم على حسب
أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة. قال الله تعالى: ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) (المائدة: 48) أ.هـ.
ج 16 ص 10.
وقال الله تعالى: ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها
ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من
الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولى المتقين ) (الجاثية:
18- 19). فالشرائع هى المناهج التى
شرعها الله تعالى لعباده فى أمر دينهم ودنياهم فيما
يتعلق بالعقيدة والعبادة والمعاملات كلها، وفيما يتعلق بالجنايات والحدود
والعقوبات والتعازير، فلكل ذلك أحكام وتوجيهات ربانية
أنزلها الله تعالى يجب على المسلم أن يهتدى بها. لذلك قال ابن عباس رضى الله
عنهما: (على شريعة من الأمر) أى على هدى من
الأمر. وقال قتادة: الشريعة، الأمر والنهى والحدود والفرائض. راجع تفسير القرطبى ج 16 ص 163.
فشرائع الاعتقاد لا تختلف من نبى
إلى آخر ولا من أمة إلى أخرى. وإنما تختلف شرائع الفروع. قال العلامة القرطبى: ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع فى التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينها فى الفروع حسبما علمه سبحانه وتعالى. انتهى ص 164 من نفس
الجزء. ولك أن تراجع ج 6 ص
211 من التفسير المذكور.
والشرعة والملة والدين يطلق كل منها مكان الآخر إذا اتضح
المراد. فالشريعة تسمى هكذا باعتبار أن الله شرعها وسنها ووضعها واضحة مستقيمة
للعباد، وهى دين باعتبار الخضوع لها والتقرب إلى الله بها
تعبدا، وهى ملة فقد جاء قول الله تعالى: ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم
حنيفا ) (النحل: 123). وذلك باعتبار إملائها على الناس من الله تعالى بواسطة
الرسل الكرام. ومن هنا نصل إلى القول بأن الشريعة هى
الأحكام التى شرعها الله فى
القرآن، أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم- فى
سنته سواء فى ذلك أقواله وأفعاله وتقريراته
وأحواله وشمائله، قال الله تعالى ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ) (النجم: 3-4).
فإذا
عرفت هذا، فإن الشريعة فى مفهومها الأصيل تعنى المنهج الألهى المتكامل، والذى يكون السير
فيه هو الهدى، والزيغ عنه هو الغى والضلال، والخروج منه
عمدا استهانة، أو شكا، أو تكذيبا، هو الكفر المحض، والخروج على تعاليمه مع الإيمان
به اتباعًا للهوى فسق ينافى
صدق الإيمان وسلامة العقيدة.
خصائص ومميزات الشريعة الإسلامية:
إن
الشريعة الإسلامية وهى منهج الله وصراطه المستقيم، قد تميزت بصفات كثيرة لاتتوفر فى أى
تشريع سواها وهى كما يلى:
أولها " وضع أساس المساواة بين جميع بنى
البشر دون اعتبار باختلاف فى الأصل، أو العرق، أو
القبيلة، أو الطبقة إلخ، قال الله تعالى: ( يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند
الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) (الحجرات: 13). وقال الله تعالى:
( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من
نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام )
(النساء: 1) وقال الله تعالى أيضا: ( ولقد كرمنا بنى
آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات
وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (الإسراء: 70) فالشريعة الإسلامية تعتبر
الناس سواسية فى الإنسانية، وفى التكريم الإلهى، وجعلت أساس التفاضل بين الناس الإيمان والتقوى.
ثانيها:
وضع أساس العدل فى الحكم بين الناس. ولقد جاء فى كتابنا (الإسلام ومفهوم السيادة فى
نظام الدولة الحديثة) ص 324 (إن العدل- وهو روح الشريعة- أمر به
الإسلام فى كل شىء. فى العقيدة بأن تعطى حق الألوهية
والربوبية للّه وحده، وفى العبادة أن تعبد الله وحده، وبما شرع لا بالبدع المحدثة،
وفى المعاملات أن تتبع الحق والشرع حتى تعطى كل ذى حق حقه، وأن تضع كل شىء فى موضعه الذى يليق به على أساس لا ضرر ولا ضرار فى
الإسلام، وفى سريرتك فى نفسك أن تعمل لها وتفعل بها كما أمر الله خالقها ومالكها، ولا تتبع الهوى والشهوة
والكبرياء والعجرفة، وأن تقول للناس حسنا، وأن تفعل بهم إحسانا، وأن تعدل إذا
حكمت، وتصدق إذا تكلمت وأن تفى إذا وعدت، وأن تؤدى إذا ائتمنت،
وأن تفتى بالحق إذا علمت وسئلت، وهكذا فى كل أمرك. قال
الله تعالى:( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن
الله يحب المقسطين ) (المائدة: 42). وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا
كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا
أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا
وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) (النساء: 135).
وقال
الله تعالى أيضا: ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا
يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير
بما تعملون ) (المائدة: 8) ويقول الله تعالى: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم
يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم
وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) (الممتحنة: 8). ويقول الله تعالى: ( إن
الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن
الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون)
(النحل:90).
والمقسط
فى هذه الآيات هو العادل ولأن القسط هو العدل. قال الله
تعالى:( قل أمر ربى بالقسط ) (الأعراف: 29) أى
بالعدل. وقال الإمام البغوى: يقال: أقسط إذا عدل، وقسط
إذا جار، والقاسط الجائر. قال الله تعالى: ( وأما
القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) (الجن: 15).
ثالثها: السمو فلا استئناف
بعدها، إذ لا معقب لحكم الله، ولا يستدرك أحد عليه. ولذلك قال الله تعالى: ( إن
الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ) (يوسف
.4). وقال الله تعالى: ( والله يحكم لا معقب
لحكمه ) (الرعد: 41).
واختصت
الشريعة بالسمو لأنها إرادة الله التى لا تتأثر بشىء من العوامل الخارجية. فحكمه تعالى على الأشياء كلها حكم
واحد. لا يخضع لإرادة أحد، ولا يحابى فى حكمه أحدا، إذ
نسبة الجميع إليه نسبة واحدة فقال الله تعالى: ( إن كل من فى السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا
وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) (مريم: 93- ه 9).
رابعها: الدوام. فهى شريعة دائمة غير متغيرة فى
أصولها وقواعدها.
وتغير إجراءات التطبيق فى بعض
الفروع بسبب الزمان والأحوال والمكان لا يدل إلا على قدرتها على العطاء الحضارى المتواصل إلى الأبد، وقد تضمنت الحلول النهائية لكل
مشاكل الإنسان.
خامسها: الشمول، فهى شاملة لجميع شئون الحياة، فلا يخرج عنها شىء. فقد شمل حكمها كل الناس، وكل الأمم والشعوب، وكل الأحوال
فى الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ( ما فرطنا فى الكتاب من شىء ) (الأنعام:
38).
سادسها: رعاية أصل التيسير
على الناس: قال الله تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)
(البقرة: 185). ويقول عليه الصلاة والسلام "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا
تنفروا" ويقول: " إن هذا الدين يسرولن
يشاد الدين أحد إلا غلبه". رواه البخارى ج1، ص
39، والنسائى (8/5049) عن أبى هريرة. وهكذا كان التيسير
وصف هذه الشريعة، يقول الله تعالى: ( لا يكلف الله
نفسا إلا وسعها) (البقرة: 286).
سابعها: التدرج فى الأحكام التى يشق على الناس
الأخذ بها لتعلقها بقطع بعض العادات، أو المألوفات
للإنسان، كما حدث فى تحريم الخمر، وفى فرض الجهاد، وفى صيام رمضان، وفى غير ذلك من
الأمور التى يجب التروى
فيها. فقد مرت الفترة المكية ينزل فيها القرآن والأحكام، ولكن دون الأمر ببدء
التطبيق إلى أن هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة، وعندئذ بدأ تطبيق أحكام الشريعة. وهكذا
وجد أصل التدرج فى فرض الفرائض، وفى تحريم المحرمات،
وفى الترتيب بين أعمال القلوب وبين أعمال الجوارح، فتحقق جميع الأفراد بالتزام
الشريعة قبل البدء بتطبيق عقوبة المخلين بها والخارجين
على نظامها. هذه هى بعض مميزات شريعة الإسلام التى هى مظلة تحمى الإنسان من حيث
أنه إنسان لا باعتبار أى أمر آخر.
دليل
الحكم الشرعى العملى
الأدلة
التى يستفيد منها الحكم الشرعى
العملى، وبعد اطلاع العلماء على ما ورد فى القرآن والسُّنة من دلائل وأمارات توصلوا بالاستقراء إلى
أن أدلة الأحكام الشرعية العملية ترجع إلى أربعة:
1- القرآن.
2-
السّنة.
3- الإجماع.
4- وأخيرا القياس.
واتفقت
الأمة على أن مرجع الأدلة وأساسها، والمصدر التشريعى
الأول لها هو القرآن الكريم، ثم السُنة المطهرة التى
بينت مجمله، وفسرت مشكله وخصصت عامه، وقيدت مطلقه، كما قال الله تعالى: (
وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) (النحل: 44). وأوضح الله قيمة
هذا البيان ومكانته فى التشريع الإسلامى
بقوله تعالى: ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى) (النجم: 3-4). فما
صح وروده من أدلة السّنة، واتضحت دلالته وجب اعتماده، وليس لأحد أن يرده أو يشك
فيه سواء كان فى جانب العقيدة أو فى
جانب الشريعة ويشهد لذلك قوله تعالى: ( وما آتاكم الرسول فخذوه ومما نهاكم عنه
فانتهوا) (الحشر: 7) وآيات أخرى كثيرة.
إن
اعتماد هذه الأدلة الأربعة، ورد كل قضية فقهية جزئية سواء فى
ذلك فقه الظاهر أو فقه الباطن كأعمال القلوب والخواطر والإلهامات والواردات وخطرات
النفوس وخلجاتها إلى واحد منها أمر اتفق عليه جمهور المسلمين. وحتى الظاهرية الذين
ألغوا القياس لم يردوا من القياس إلا خصوص لفظه، وطردوا الأدلة فيما يدخل تحت
حكمها بالأصالة أو بالتبع واعتبروها محكومة بالنص
الوارد أصالة، وهذا كما ترى نوع من المغالطة مع وجود الفارق. والذهن يشهد الفرق
بين ما هو بالأصالة وما هو بالتبع وهذه الأدلة المتقدمة
اتفقوا على ترتيبها فى الاستدلال. فكان السلف يبحثون عن
حكم القضية أولا فى القرآن فإن وجد فيه حكمها فذاك،وإلا
بحثوا عنه فى السّنة فإن وجد فيها فذاك، وإلا عادوا
فنظروا هل أجمع المجتهدون فى عصر من العصور على حكم
فيها، فإن وجد أنهم أجمعوا عليها فى عصر من العصور
أخذوا بما أجمعوا عليه، لأنه مستند على أصل شرعى فى الجملة وجد أو لم يوجد وإلا اجتهدوا فى
الوصول إلى حكم تلك القضية بقياسها على قضايا أخرى تشاركها فى
علتها وورد النص بحكمها. ثم إن اعتبار هذه الأدلة فى
الاستدلال احتجوا عليه بقوله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم
فإن تنازعتم فى شىء فردوه
إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) (النساء: 59).
قالوا
إن الأمر بإطاعة أولى الأمر من المسلمين أمر باتباع ما أتفقت عليه كلمة المجتهدين من الأحكام لأنهم المعتبرون فى التشريع. ثم قالوا والأمر بالرد أى
رد الوقائع والنوازل المتنازع فيها إلى الله وإلى الرسول أمر باتباع
القياس حيث لا يوجد نص ولا إجماع لأن القياس فيه رد المتنازع فيه إلى الله وإلى
الرسول، لأنه إلحاق نازلة لم يرد نص بحكمها بنازلة ورد النص بحكمها فى الحكم الذى ورد به النص لتساوى النازلتين فى علة
الحكم. إذن هذه الآية تدل- نصا وظاهرا- على وجوب اتباع
هذه الأدلة الأربعة- ويشهد لذلك حديث معاذ بن جبل أن رسول الله- صلى الله عليه
وسلم- لما بعثه إلى اليمن قال: " كيف تقضى إذا عرض لك
قضاء؟ قال: أقضى بكتاب الله. قال: فإن لم تجد فى كتاب
الله؟ قال. فبسُنة رسول الله. قال: فإن لم تجد فى سُنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيى
ولا آلو. فضرب وقال: الحمد لله الذى وفق رسولَ رسول
الله لما يرضاه رسولُ الله" رواه أحمد (5/194)، والطبرانى
(20/ 170) والبيهقى (10/114) عن ناس من أصحاب معاذ عن
معاذ. ومع أن الحديث غير متصل إلا أن الفقهاء أخذوا به
واعتمدوه. والكلام عليه يطول وليس من شرطنا هنا.
إن
هذا الحديث فيه إقرار الشرع سيدنا معاذ على ممارسة مهمة
الاجتهاد والاستنباط من النصوص ولمن يقوم بهذه المهمة مواصفات خاصة سوف تأتى فى محلها لاحقا.
التجديد:
إن
التجديد فى الإسلام وارد أثبتته السُّنة. ولكنه لا
يتناول الأصول والثوابت فى العقائد والأوامر والنواهى التى جاءت منصوصا عليها
بمنطوق المنقول الصحيح أو دلالته. وفى الحديث عن أبى هريرة- رضى
الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن الله يبعث لهذه
الآمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" أخرجه أبو داود (4291) والحاكم
(4/522) والبيهقى فى معرفة
السنن والآثار ص 52، والخطيب فى تاريخ بغداد (2/ 61)
وغيرهم. والحديث صححه عدد من الحفاظ. قال الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج
10/46:
"قال أحمد بن
حنبل من طرق عنه أن الله يقيض للناس فى رأس كل مائة سنة
من يعلمهم السنن، وينفى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الكذب. قال: فنظرنا
فإذا فى رأس المائة، عمر بن عبد العزيز، وفى رأس
المائتين الشافعى. وقال المعلق: قوله: إن الله يقيض..
"مقتبس من حديث أخرجه أبو داود (4291) والحاكم (4/522) والبيهقى
فى المناقب (1/137) من طريق ابن وهب عن سعيد بن أبى
أيوب عن شرحبيل بن يزيد المعافرى عن أبى علقمة عن أبى هريرة فيما أعلم عن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم-: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها
دينها". قال: رجاله ثقات، وإسناده قوى كما قال الحافظ فى
توالى التأسيس: 48 ". انتهى نفس المصدر ونفس المكان.
وحين
نتحدث عن التجديد فى هذا العصر، وعن شدة الحاجة إليه،
فإننا لا نعنى تجديدا هو بدعة وتغييراً للأصول والقضايا الشرعية الثابتة والتى أمر الله بها، ونادى بها رسول الله - صلى الله
عليه وسلم-، وطبقها كمنهج ثابت فى الحياة للأمة. لأننا سبق أن قلنا إن من خصائص هذه الشريعة، الدوام، والشمول،
وما كان الدوام وصفه لا ينسخ بالأهواء والآراء البشرية. وما
كان الشمول وصفه لا يترك الأحداث تتوالى بلا حكم يوجهها، أو قيد يحكمها، أو ضابط
ينظمها.
المراجع
(1)
وفى بعض سياق هذا الحديث يأتى بلفظ: كيف تقضى إذا غلبك
قضاء إلخ