الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
من المفسرلن احتج بهذه النصوص على اعتبار الرسالة المحمدية هى المقصودة حصرا بالإسلام وهذا ينفى القيمة الدينية للأديان الكتابية الأخرى ولكن آية أومن يبت

جدلية الأصل والعصر

الأستاذ/ الصادق المهدى

السودان

مقدمة :

الإنسان جزء من الطبيعة الكيميائية، الفيزيائية، البيولوجية، ومفارق لها بتكوينه العقلى، والنفسى، والاجتماعى لذلك صار تحركه بالإضافة للعوامل الطبيعية المذكورة عوامل عقدية، وثقافية، وفكرية.

إن للانتماء الدينى والثقافى سيما اللغوى أثر شبه دائم على الإنسان وكل المحاولات بدوافع الأيديولوجية للقفز فوق تلك الانتماءات أو تهميشها باءت بالفشل بل أتت بنتائج عكسية.

هكذا صار الإنسان مشدودا للأصل.

ولكن انتماءات الإنسان الدينية والثقافية ليست جزرا معزولة بل تتأثر بغيرها وتؤثر فى غيرها فى حركة تفاعل حضارى وثقافى شبه دائم. فإن طرأت عليها العزلة تيبست.

إن تاريخ البشرية كله دليل على الدور الهام الذى يؤديه انتماء الإنسان الدينى والثقافى فى حياته ودليل على انفتاح الانتماءات الدينية والثقافية لتأثيرات متبادلة تحقق حركة مستمرة فى لقاح الحضارات والثقافات.

الإسلام عقائد دينية والتزامات عبادية وخلقية ونظام حياة، وهو كذلك تجربة تاريخية باهرة وحضارة عالمية حية، لذلك شكل الإسلام ولا زال المكون الأهم لهوية المسلم بل تعدى أثره معتنقيه إلى سواهم على نحو ما قال الأستاذ قسطنطين زريق:" الإسلام هو الدين القومى لكل العرب " وما قال رجل الدولة مكرم عبيد: "أنا مسلم وطنا وقبطى دينا".

منذ القرن التاسع عشر تعرض العالم  الإسلامى لاستعمار أوروبى صحبة فكر علمائى يبشر بإبادة القديم وبناء مستقبل علمانى على أنقاضه .

ولكن عوامل عديدة أهمها إخفاق الأيديولوجيات الوضعية فى القرن العشرين .

والدور الذى أداه الدين فى يقظة الضمير الإنسانى بعثت تيارات أصولية قوية فى كل الأديان تصاعد أثرها منذ الخمس الأخير من القرن العشرين .

هنالك عوامل كثيرة تعرضنا لها فى مكان آخر دعمت التيارات الأصولية الإسلامية واستنهضتها فى كافة المجالات الفكرية والسياسية والاجتماعية والحركية .

الوسط الفكرى ، والشارع السياسى فى العالم الإسلامى اليوم مشتبكان فى حرب أهلية باردة وأحيانا ساخنة بين التيار الأصولى الدينى ، والتيار العلمانى ، إنه اشتباك فى بعض صوره قابل للحوار العقلانى بل للتوافق ولكنه فى صور أخرى مقدمة لصدام حتمى لا تحسمه إلا القوة ، كما حدث مؤخرا فى بعض البلدان كإيران والسودان وأفغانستان لصالح التيار الإسلامى ، وكما يحدث باستمرار فى هذه الأيام فى الأوساط الجامعية على طول العالم الإسلامى وعرضة  ولكن التجربة فى كل هذه الحالات أثبتت أن القوة وحدها غير قادرة على حسم هذا النزاع وإن عطلته إلى حين ، لأنه ينطلق من عوامل موضوعية تبقى ما بقيت أسبابها وإن  غطت على مظاهرها أجهزة القمع حينا من الدهر ، وفى الظروف الاجتماعية الحالية حيث لا يسمح لأية سلطة سياسية أن تفعل  بشعبها ما تشاء ، فإن حسم هذا النزاع عن طريق القوة ، حتى من باب التعطيل المؤقت ، صار أبعد منالا .

إذا كانت الأصولية تعنى إقامة الحاضر والمستقبل طبقا لماض مكون من حقائق الوحى فى القرآن والسنة كما فسرها الأقدمون وأحكام استنبطوها بأساليب الاجتهاد فصار هذا الصرح بتفاسير السلف واستنباطاتهم هو حكم الله الذى لا يطيق الخلف إلا الالتزام به دون قيد أو شرط .. وإذا كانت العلمانية تعنى  كما جاء فى كتاب " نقد العقل النظرى " لعمانويل كانط " إن العقل لا يدرك إلا مشاهدات الحواس ، وأن ما سوى ذلك فليس معرفة وإنه انطلاقا من هذا الفهم فإن معارفنا متوقفة على منقولات حواسنا .." وتأسيسا على ذلك يقال إن  العلمانية هى اشتقاق على غير قياس من "عالم " أى عالم الشهادة الزمانى المكانى (الحسى) مما يعنى نفى القيمة المعرفية عن كافة المعانى غير المتاحة للحواس مثل المعانى الروحية والخلقية... إن كان هذا هو الفهم الفلسفى للعلمانية فإن بين الأصولية كما فى التعريف السابق، والعلمانية كما فى هذا التعريف بونا شاسعا ومفاصله قاطعة لا تحسمها إلا قعقعة أبى تمام.

السيف أصدق إنباء من الكتب                   فى حده الحد بين الجد واللعب

أما إذا كانت الأصولية تعنى الالتزام بقطعيات حقائق الوحى، وتفسيرها والاستنباط منها بالأساليب المشروعة- أى حرية الاجتهاد، واعتماد قيمة معرفية لعطاء الإنسان بالعقل والحكمة، والتجربة، والمصلحة لفهم حقائق الوحى والتعامل معها.. وإذا كانت العلمانية تعنى الاعتراف بقوانين الطبيعة، وحرية البحث العلمى، والاعتراف بأن هذا السعى مهما بلغ فإنه بطبيعة الحال لا يطول ما سوى مدركات الحواس والاختبار، فإن العلمانية بهذا الفهم تحكم على مجالها وتسكت عما سواه ولا تتناقص مع القيم الروحية والأخلاق.

هذه المفارقة تناولها عما نويل كانط فى كتابه الثانى "نقد العقل العلمى" وفيه قال: "هناك معان مهمة للإنسان كخلود الروح، والأخلاق لا تطولها الحواس ولكنها ضرورية للحياة.

العلمانية التى تقف بحكمها على المشاهدات وتترك ما عداها لعوامل أخرى لا تتنافى مع الغيبيات ولا مع القيم الخلقية فى هذه الحالة يجوز بل يجب إجراء حوار عقلانى يضع حدا للحرب الأهلية الباردة مستشفيا بدواء أبى الطيب.

   الرأى قبل شجاعة الشجعان         هو أول وهى المكان الثانى

النزاع الأصولى العلمانى جزء هام من جدلية الأصل والعصر و!لى جانبه مشادات أخرى.

فيما يلى خمسة محاور أخاطب عبرها هذه الجدلية الهامة:

. المحور الأول: الأصل كانكفاء.

. المحور الثانى: الحداثة كاستلاب.

. المحور الثالث: التأصيل الصحوى.

. المحور الرابع: التحديث المؤصل.

. المحور الخامس: ما العمل؟

      المحور الأول

الأصل كانكفاء

المقولة التى أدت لقفل باب الاجتهاد لم تكن قرارا سياسيا أو إداريا ولكنها كانت مقولة معرفية.

المقولة هى أن حقائق الوحى فى القرآن والسنة قد تناولها المجتهدون الأوائل من مفسرين، ومحدثين، وكتاب سيرة، وفقهاء وسلطوا عليها اجتهادا صحيحا واستنبطوا معانيها ومبادئها وأحكامها فلم يبق للخلف إلا الإحاطة بهذا العلم والالتزام به لأنه هو إرادة الله لخلقه.

هذه المعانى مسلم بها لدى كثير من العلماء والفقهاء وعامة المسلمين، وهى غالبة على لغة الخطاب الإسلامى فى كثير من المنابر،  وفى أثناء غيابى عن الوطن ما بين ديسمبر 1996 ونوفمبر 2000 م حضرت صلاة الجمعة فى مساجد مختلفة وفى بلدان مختلفة فكانت معانى الخطب فيها تردد هذه المقولة وكثيرا ما تصحبها الدعوة،" اللهم وفق ولاة أمورنا لتطبيق شرعك" وكثير من النصوص المرجعية تردد هذه المقولة. جاء فى الهيكل التنظيمي لجامعة الزيتونة: "لا يمكن أن نناقش المبادئ التى نقلها العلماء عبر العصور لأنها هى العلم" هذا معناه أن قفل باب الاجتهاد ضرورة معرفية.

عوامل تقديس اجتهادات الأقدمين

هنالك عوامل أخرى عززت هذا التقديس لاجتهادات الأوائل:

. منذ عهد الخليفة معاوية بن أبى سفيان مؤسس الدولة الأموية تحكمت ضرورات السلطة فى أمر الدولة وأدخلت نظم مستحدثة لحماية السلطان فنشأت ضرورة لصيانة أحكام الدين من مصالح السلاطين.

. انفتح المسلمون على حضارات وثقافات العالم المعمور كله، وتفاعلوا مع تلك الحضارات فأثروا فيها وأثرت فيهم وكان من نتائج هذا التأثير تمدد فلسفات -

عقلانية وفلسفات استشراقية ونشأت ضرورة لدى كثيرين لحماية الدين من العقلانية والاستشراق.

. كان للإسلام اليد العليا فى التعامل مع الآخرين، ثم تعرض العالم الإسلامى لتجربة مختلفة على يد التتار والصليبيين، هذه التجارب العدوانية أثارت إشفاقا على الإسلام وديار المسلمين، إشفاقا رسخ دور العقائد حصنا دفاعيا ضد ا لعدوان.

. وفى العصر الحديث أضاف الغزو الغربى للعالم الإسلامى بأدواته العسكرية والسياسية والفكرية والثقافية لتلك العوامل عاملا جديدا أكثر خطورة.

هبت كثير من الحركات متحصنة بأمجاد الماضى ورافضة للعدوان ابتداء من حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى الجزيرة العريية إلى الحركة السنوسية فى المغرب العريى إلى الدعوة المهدية فى السودان.

تلك الحركات الجهادية ألهمت حركات فكرية سياسية منفعلة بإثبات الذات الإسلامية ومحتجة على الغزو الفكرى والثقافى الأوروبى، هذه الحركات الفكرية تدرجت من الاعتدال إلى التشدد ومن التنظير إلى التنظيم والحركية.

هذا الوصف ينطبق على التسلسل من الشيخين جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده إلى الشيخ رشيد رضا، إلى الشيخ حسن البنا إلى الشيخ أبى الأعلى المودودى، إلى الأستاذ سيد قطب- ثم حركات الجهاد المعاصرة. تسلسل الأمر فيها من الاعتدال إلى الانكفاء.

عوامل اعتقادية:

بالإضافة للعامل المعرفى، وإثبات الذات، والاحتجاج، هنالك عوامل اعتقادية تؤسس للانكفاء هى:

أولا: الإسلام معناه الامتثال لإرادة الله، هذه العبارة فهمها كثيرون بمعنى إلغاء لدور الإنسان ولكن:

(أ) قوانين الطبيعة من إرادة الله ومعرفتها وتسخيرها من إرادة الله ، قال تعالي: (قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى )  (طه 50) .

(ب) العقل البشرى من إرادة الله، قال تعالى: ( إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون )  (الرعد 4).

وقال: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) (العنكبوت 43).

(ج) حرية اختيار الإنسان من إرادة الله، قال تعالى:( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الكهف 29) وقال: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) (الإنسان 3).

(د) حقائق المعرفة التجريبية من إرادة الله، قال تعالى: (وفى الأرض آيات للموقنين. وفى أنفسكم أفلا تبصرون ) (الذاريات 20- 21)، وقد روت السير أن عمر-  رضى الله عنه-  قدهم بالعودة هو والصحابة بعد أن علموا أن دمشق حيث كانوا متجهين، بها وباء الطاعون، فقال  له أبو عبيده أفرار من قدر الله قدهم يا عمر؟،، رد عليه عمر معاتبا: "لو قالها غيرك يا أبا عبيدة.. نفر من قدر الله إلى قدر الله،. وروى ابن خزامة عن أبيه أن النبى صلى الله  -  سأل: أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نستر قيها، وتقى نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هى من قدر الله.

هذه الحقائق كلها من إرادة الله.

الفهم الضيق لعبارة إسلام يغذى الاعتقاد المنكفىء ، ويدعمه كذلك أربعة عوامل أخرى:

- فهم قوله تعالى: (ما فرطنا فى الكتاب من شىء) (الأنعام 38) على أن القرآن بمثابة موسوعة، السياق فى القرآن يوضح أن المقصود بالكتاب فى الآية هو اللوح المحفوظ وليس القرآن.

- شبهة الخوارج التى سماها على- رضى الله عنه- "كلمة حق أريد بها باطل" قالوا: إن الحكم إلا لله بمعنى أن القرآن يفصل فى الأمور السياسية ويمكن حسم الخلافات حولها بالرجوع لنصوصه، وهذا غير صحيح ولكنه غذى فكرا حديثا مطابقا لموقف الخوارج.

. شبهة الفهم الطائفى لقوله تعالى: ) كنتم خير أمة أخرجت للناس ( (آل عمران 110)هذا النص قرين لقوله: )تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ( (آل عمران 110) أى أنه نص مقترن بواجبات معينة، إنه نص يعزز ولا يتناقص مع قوله تعالى: )إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( (الحجرات  13)

. شبهة أن حضارات الإنسان الأخرى لا سيما الغربية حضارات جاهلية فاسدة، الخير كله فى تجنبها.

كل حضارات الإنسان كان لها عطاء عظيم، أما الحضارة الغربية فقد حققت إنجازات رائعة وبعض فلاسفتها القدامى والمحدثين كشفوا حقائق فلسفية عظيمة، وعن طريق الشك الديكارتى نفوا أوهاما كثيرة وحققوا تقدما علميا، وتكنولوجيا غير مسبوقة، وطورت هذه الحضارة الرائعة نظاما اقتصاديا أثرى إمكانات الإنسان المادية بدرجة هائلة، وأقامت نظاما سياسيا حقق التداول السلمى للسلطة لأول مرة فى تاريخ الإنسانية بصورة مؤسسية مستقرة، كما حققت إخضاع المؤسسة العسكرية ذات الكفاءة القتالية والنارية العالية للقرار المدنى.

عيوب الحضارة الغربية:

مع هذا كله فإن الحضارة الغربية تعانى من عيوب أساسية هى:

أولا: غياب الغائية والخلو من الأهداف العليا التى ترسمها عادة المثل الروحية العليا والأخلاق. هذا العيب أفرز ثلاثة عيوب حول العلم إلى العلموية والتقنية إلى التقنوية والسياسية إلى الميكافلية.

ثانيا: الاستعلاء على الآخرين، وهذا العيب أفرز ثلاثة عيوب أخرى هى:

1- العجب الذاتى.

2- الاستخفاف بعطاء الآخرين .

3- ا لعدوا نية.

إن تعاملنا باستخفاف مع الحضارة الغربية إنكارا لمنجزاتها وتركيزا على عيوبها وهم سخيف ولكنه يغذى الانكفاء، هذا الانكفاء يكلف أصحابه ثمنا باهظا دون أن ينال من الحقيقة شيئا.

 

المحور الثانى

الحداثة كاستلاب

من أفضل كتب المستشرقين عن الإسلام كتاب مغامرة الإسلام The Venture of Islam  لكاتبه العلامة الأمريكى مارشال هودجسون. شرح هذا الكتاب كيف اندفع الإسلام فى القرن السابع ليهيمن على الربع المعمور من العالم لمدة ألف عام من 700 م إلى 1700م.

لكن هذا التفوق الإسلامى أطاحت به عوامل تعفن داخلية وأفسده الركود الفكرى والاستبداد السياسى حتى صار فى الحالة التى وصفه بها مالك بن نبى (حالة القابلية للاستعمار قبل أن يغزوه الاستعمال). وصار من ألموا بحضارة الغرب معجبين بها قبل أن تفتح ديارهم جيوشه. لقد أبدى الطهطاوى المصرى وخير الدين التونسى إعجابهما بحضارة أوروبا قبل الاحتلال الأوروبى لوطنيهما. لقد كانت ملامسات الغرب للإسلام فى الماضى القديم كلها لصالح الإسلام لكن الغرب وبعد فترة ظلامية سماها القرون الوسطى خاض حركة الإصلاح ثم البعث ثم التنوير، ومنذ 1600 م طفر عبر ثلاث ثورات فى ثلاثة مجالات هامة حقق ثورة سياسية من منطلقات الثورة الفرنسية، وثورة اقتصادية من منطلقات الثورة الصناعية فى بريطانيا، وثورة ثقافية حققت حرية البحث العلمى، وبموجب هذه الطفرات صنع الغرب الحضارة الحديثة.

الحداثة بكل جوانبها عمت دول أوروبا الغربية وبفضلها حققت لهذه الدول تفوقا علميا وتكنولوجيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا مكنها من إخضاع العالم لسيطرتها فاقتسمت العالم (بما فيه العالم الإسلامى)  الإمبراطوريات الأوروبية " البريطانية " والفرنسية، والإيطالية، والألمانية، والهولندية، والبرتغالية. الحضارة الأوروبية الحديثة بهرت العالم بصورة سار بها الركبان ورددتها الأمثال العامية (كل فرنجى برنجى) (النصارى للبصارة).. إلخ.

وعلى صعيد المفكرين الجادين صار التغنى بحضارة الغرب واسع الانتشار وقال زيا جولب التركى " إن حضارة الغرب هى المستقبل وإن حضارتنا الماضية إلى  مستقبل الثقافة فى مصر يقع فى ذات النطاق ، وكان سلامة موسى فى كتابه الإعدام " وما قاله د.طه حسين فى كتابه ( اليوم والغد ) أقوى عاطفة إذ قال :" أنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب " لقد كان التصور الغالب هو أن الحضارة الغربية بكل ما فيها تمثل مستقبل الإنسانية وليس على الحضارات الأخرى إلا أن تجد لنفسها مقابر تدفن فيها .

وحتى عندما انطلقت من رحم الحضارة الغربية أيديولوجية تتحداها : الأيديولوجية الشيوعية فإن الافتراض الشيوعى صار أنها الوراثة للنظام الرأسمالى وبالتالى لمستقبل الإنسانية كله .

وأثناء الحرب الباردة ( 1946 1991م ) كان الافتراض هو أن إحداهما سوف ترث العالم لذلك عندما انتصر النظام الغربى لم يكن غريبا أن يعلن بعض مفكرية نهاية التاريخ وهيمنة النظام الغربى على العالم .والمفاهيم السائدة فى ذهن هؤلاء لا تفرق بين الحداثة والتغريب فالفهم الدارج هو على حد تعبير طه حسين : "الغرب بخيره وشره هو مستقبل الإنسانية " .

شبهات تفوق الغرب :

صحب هذا الإعجاب بالغرب شبهات عززت أحقيته بالتفوق أهمها :

أولا : الحضارة الغربية أعطت صورة لنفسها تصفها بالتفرد والعبقرية والنقاء الذاتى . قال مارتن برنال فى كتابه ( أثينا السوداء مبددا هذا الوهم ) " أنه لدى دراسته لمفردات اللغة اليونانية اكتشف أن 25% منها تعود لأصول سامية وأن 25% أخرى تعود لأصول مصرية بما فى ذلك معظم أسماء الآلهة والأماكن اليونانية ، وتعود بقية المفردات لأصول هندية أوروبية " وقال :" إنه عندما درس تاريخ اليونان القديم وجد أن اليونانيين القدامى كانوا يعتقدون أن حضارتهم .

نشأت نتيجة استيطان مصرى فينيقى، واختلاط هؤلاء مع سكان أصليين حوالى عام 1500  قبل المسيح، وأن اليونانيين استمروا يستمدون كثيرا من ثقافات الشرق الأدنى"؟

وكشف منتجمرى واط فى كتابه (أ ثر الحضارة الإسلامية العربية على أوروبا القرون الوسطى) ما استمده الغرب منها فى كل مجالات الحياة.

وفى الحالتين أثبت الكاتبان أن الشوفينية الإثنية والثقافية هى التى جعلت الأوروبيين يحجبون هذه الحقائق.

ثانيا: شبهة موضوعية المعارف الغربية وأنها خالية من العلائق الذاتية صالحة لتكون مفخرة وانتماء لكل الإنسانية.

لقد كان أول ما فتح ذهنى وأنا طالب بأكسفورد لما فى المعارف الغربية من تخليط إطلاعى على كتاب مرجعى كنا ندرسه هو كتاب (التاريخ الدستورى البريطاني) لكاتبه: دافيد انسور، تحدث الكاتب عن المهدى فى السودان قائلا "إنه كان موظفا لدى الحكومة الخديوية فى السودان ثم اشتغل بتجارة الرقيق ا". وتتبعت بعد ذلك هذه العيوب فى مجالات أخرى فوجدت مزيدا من دلائل التخليط:

1- الكتب العلمية تفترض الإلحاد مع أن العلم فى حد ذاته لا يستطيع القطع فيما وراء المشاهدات.

2- استخدام المعارف الأثرية والإنسانية والتاريخية لإثبات دونية الثقافات الأخرى ودعم دعوى رسالة الرجل الأبيض المنوط به تهذيب الإنسان.

3- بالنسبة للحضارة الإسلامية فإن كتابى د. إدوارد سعيد (المستشرقون) و (تغطية الإسلام) يكشفان مدى تحريف المعارف الغربية للحقائق الموضوعية لخدمة مصالح ذاتية.

ثالثا: شبهة علمانية الحضارة الغربية وعزلها للدين عن الدولة وعن السياسة. نعم الفكر الأوروبى فى فترات معينة رفع شعارات من هذا القبيل، فالثورة الفرنسية فى قمة حماستها قررت إلغاء الدين واضطهدت رجال الدين وحرمت العبادة، ولكن نابليون الذى انقلب على حكومة الإدارة (1799م)، خف لمصالحة الكنيسة وعقد معها عهدا.

إن مظاهر العبادة فى الكنائس قلت ولكن الكنائس كمؤسسات دينية، اجتماعية، خيرية وتعليمية فى المجتمعات الغربية قوية للغاية. ومهما نصت الدساتير الغربية على(علمانيتها فإن وجود الدين فى حياتها الدستورية والسياسية لا تخطئه العين. فرؤساء الدول، والشهود، والمتهمون، يؤدون قسما على الإنجيل قبل ممارسة أدوارهم التنفيذية والتشريعية والقضائية، قسما يفترض التزامهم بمحتواه وهو قسم لا معنى له "كما قال جورج واشنطون الرئيس الأمريكى" إذ لم يكن المقسمون معترفين بقدسية الإنجيل، وكثير من البلدان الأوروبية ترسم الصليب على العلم، والدولار أيقونة الاقتصاد الحديث مكتوب عليه (على الله توكلت).

والأحزاب السياسية فى الغرب تتخذ أسماء مسيحية وحتى إن لم تفعل فإنها تتنافس فى كسب تأييد الكنائس بحيث يمكن تحديد صلة كل حزب بهذه الكنيسية أو تلك.

ولرجال الدين دور كبير فى الحياة السياسية فى البلدان الغربية لا سيما فى الولايات المتحدة، وكان 63% من الأمريكيين المتدينين قد صوتوا لبوش فى الانتخابات الأخيرة ورجحوا كفته، بل قال سيمور مارتن " إن الولايات المتحدة هى الأكثر تدينا بين الدول الصناعية.

إن الفكر العلمانى اللادينى لم يستطع طرد الدين من الدولة ولا من السياسة ولا من الحياة العامة، بل توصلت المجتمعات الغربية لمعادلة تعايش يزيد من تأكيد أن الحضارة الغربية حضارة مسيحية. هذا الوصف لها ليس للإساءة إليها ولكن لنفى حيدتها وعقلانيتها الخالصة.

رابعا: شبهة انقراض ثقافات الماضى وأن التراث- على حد تعبير د. زكى نجيب محمود فى كتابه الفلسفى عن المنطقية الإيجابية- لا يسوى شيئا بل أولى به سلة المهملات "

هذا الموقف من ثقافات الإنسان العريقة كان شائعا ولكنه منذ الثمانينيات تراجع ليخلفه موقف سائد لدى الأوساط العلمية فى اليونسكو وغيرها يعترف بقيمة هذه الثقافات.

لقد بين تقرير المفوضية العالمية للثقافة والتنمية، وهى منظمة مكونة بالتعاون بين اليونسكو والأمم المتحدة فى نوفمبر1995م بعنوان ( التنوع البشرى الخلاق) كيف أن مشاريع التنمية الاقتصادية التى لم تأخذ الثقافة فى حسبانها باءت بالفشل، يقول التقرير: (التنمية خارج السياق الإنسانى والثقافى نمو بلا روح) وبعد تناول كافة الأمور المتعقلة بالثقافة يرى التقرير أن تضاف الثقافة بندا جديدا فى حقوق الإنسان العالمية.

خامسا: هناك تيار علمانى فى الغرب اتخذ موقفا عدائيا من الدين وحمله مسئولية التخلف والظلامية والعنف فى الحياة الغربية نفسها. هذه الإدانة للدين فى الغرب أسقطها بعض المفكرين المسلمين على دور الإسلام، وجهر هؤلاء بفكرة أن الفكر الحديث الجاد والعلم قد طردا الدين نهائيا من الحياة لتقوم الحياة على العلم، هذه هى الفكرة التى رسم معالمها الأستاذ نجيب محفوظ فى روايته (أولاد حارتنا) وهى رواية مع وضوح فكرتها من أسخف ما كتب الأستاذ نجيب محفوظ الذى أمتع الأجيال بروايات رائعة خالية من حذلقة أولاد حارتنا ورمزيتها التى تقارب رمزية رواية سلمان رشدى سيئة الصيت (الآيات الشيطانية )

هذه الشبهات مضافة لحقائق التفوق الغربى خلقت ذهنية شرقية كارهة لذاتها مفتونة بالوافد. هؤلاء يعبرون عن الحداثة كاستلاب، وموقفهم هذا يغذى موقف الأصل كانكفاء ويؤجج نيران الصدام بينهما فى الحرب الأهلية الدائرة فى المجتمعات الإسلامية، بل إنهما يقيمان انفصاما فى نفوس كثير من الأفراد بحيث صارت نفس الواحد منهم كالإله الرومانى يانوس ذى الرأسين: رأس ينظر فى اتجاه والرأس الآخر ينظر فى الاتجاه المعاكس، الإله يانوس ذو الرأسين هو الذى سمى به شهر يناير لأنه ينظر فى اتجاه السنة الماضية وفى اتجاه السنة الجد يد ة.

المحور الثالث

التأصيل الصحوى

 

القرآن الكريم كتاب الله قطعى الورود. ولكن كثيرا من آياته حمالة أوجه (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) (آل عمران 17). وأحاديث النبى- صلى الله عليه وسلم- فى غير السنن العملية أغلبها ليست قطعية الورود وفى دلالتها أقوال، وكتب الأحاديث الصحيحة (الصحاح الستة) ليست مبوبة حسب التسلسل الزمنى، ولا توجد روايات قطعية فى نسبة النطق بها لزمن نزول آيات القرآن، حدثنا إسحاق قال حدثنا خالد عن الشيبانى قال: سألت عبد الله بن أبى أوفى: هل رجم رسول الله في قبل أو بعد سورة النور؟ قال: لا أدرى. وحتى بعد حسم مسألة صحة الورود فهناك نصوص مناقضة فى ظاهرها- مثلا قال تعالى: ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله) (التكوير 29) هذه الآية وغيرها حجة للجبر وتؤكد التسيير، وقال تعالى: ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الكهف 29). هذه الآية حجة للاختيار وتؤكد التخيير... فأى الآيات هى المحكمة؟.

إن خير دليل على ذلك هو تحديد أيها تطابق مقاصد الشريعة؟

إن المسئولية الخلقية عن الأعمال وما يترتب على ذلك من جزاء من أهم مقاصد الشريعة. وحرية الاختيار والجزاء المترتب عليها من مقاصد الشريعة.

مجالات الصحوة الثقافية

إن التأصيل المبصر يتوقف على صحوة ثقافية فى عدد من المجالات أهمها سبعة مجالات ألخصها فيما يلى"

(أ) مفهوم الإسلام:

قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام..) (آل عمران 9 )  وقال:

( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه (( آل عمران 85) كثير من المفسرين احتج بهذه النصوص على اعتبار الرسالة المحمدية هى المقصودة حصرا بالإسلام وهذا ينفى القيمة الدينية للأديان الكتابية الأخرى ولكن آية ) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين ( (85) سبقتها آية 84 من نفس السورة وسعت فهم الإسلام ليشمل رسالات الأنبياء السابقين.

إن عددا من آيات القرآن تؤكد أن النبى صلى الله عليه وسلم  لم يأت بدين جديد. قال تعالى:

(  قل ما كنت بدعا من الرسل ..) (الأحقاف 9)، وقال: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله..) (الروم 30) وقال: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ..) (الشورى 13) وهنالك طائفة من الأحاديث تعزز هذا المعنى، قال النبى- صلى الله عليه وسلم  - نحن معشر الرسل أولاد علات ديننا واحد وإن اختلفت الشرائع.

أى الفهمين يطابق مقاصد الشريعة؟

إنه الفهم المتسامح الذى يبسط جناحه على الأديان الأخرى، هذا التسامح اليوم من مصلحة الإسلام لأن فى مناخه صار الدين الإسلامى هو الأوسع انتشارا فى كل القارات فى العالم.

ولكن مع هذا الفهم الواسع ماذا يبقى الإسلام من خصوصية؟

يبقى له:

- أولا: إنه الدين الوحيد بين الأديان العالمية الذى يقبل التعددية الدينية من حيث المبدأ لا كأمر واقع، فالأديان الكبرى الأخرى مكبلة بقيود لا تسمح لها بالحركة إلا على حساب إسقاط بعض عقائدها: فالهندوكية هندية، وهى والبوذية تعتبران العالم شرا لا تكون النجاة إلا بالخلاص منه، واليهودية تقترن بأصل إثنى، والمسيحية تحصر خلاص الإنسانية فى التسليم بفداء السيد المسيح عليه السلام. الإنسانية محتاجة للدين ولكن الدين الذى تتطلع إليه ينبغى أن يكون مفعما بالقيم الروحية والخلقية وفى نفس الوقت يتعامل مع الحياة الدنيا بإيجابية  world positive     وتتطلع لدين لا يحصر القيمة الدينية حصرا طائفيا. هذان الشرطان لا يتوافران إلا فى الإسلام مما يعطيه خصوصية استيعاب لا خصوصية عزل ويؤهله أن يكون دين الإنسانية.

- ثانيا: الأديان الأخرى حققت جدوى دينية وأهملت الجانب الاجتماعي الذى غطته الشريعة الإسلامية وهذه ميزة انفردت بها الرسالة المحمدية.

- ثالثا: الأديان الأخرى تواجه مشكلة التناقض بين النقل والعقل، وبين الغيب والطبيعة، ولكن الإسلام وهو يعنى الامتثال لإرادة الله يدخل فيها حقائق الوحى، وقوانين الطبيعة، والعقل، وحرية الاختيار كما رأينا.

إن اعتراف الإسلام بقيمة دينية للأديان الأخرى يعزز خصوصيته على مستوى أعلى من الفهم ولا يجحدها.

(ب)المعرفة:

الإسلام يذكر ويقر كل وسائل المعرفة الإنسانية: الوحى، والإلهام، والعقل، والتجربة. قال تعالى (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد ) (الكهف 110) وقال مقرا الإلهام:  )اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ( (الحديد 28) وأشار القرآن لجدوى المعرفة العقلية فى نحو الخمسين آية:  )إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون( ( الروم 24). وجاء فى القرآن ما يؤكد جدوى التجربة  مثل: )وفى الأرض آيات للموقنين. وفى أنفسكم أفلا تبصرون ( (الذاريات 20- 21)، وقوله تعالى: )سنريهم آياتنا فى الآفاق..( (فصلت 53).

إن الإنسان فى تاريخه الطويل استخدم هذه الوسائل المعرفية وغيرها حقق حضاراته وثقافاته ومنجزاته وما زالت الإنسانية حتى اليوم تنعم بالمعارف والتقنيات التى تجنيها عن طريق هذه الوسائل.

هنالك اليوم من يتحدثون عن أسلمة المعرفة !! هؤلاء يضعون أنفسهم مباشرة فى خانة دفاعية إذ يكتشفون موقفهم لهجوم علمانى بأنهم يريدون وضع قيود أيديولوجية على المعرفة.

النظرة الصحيحة فى المجال المعرفى هى أن نقر وسائل المعرفة الأربع ونقول:

إن الإنسان يوفق بين نتائج معارفه المتعددة المصادر عن طريق ملكات وهبها الله للإنسان هى: الحكمة، والميزان، والقسط. وهى ملكات لا مندوحة عنها للفلاح فى الحياة.

إن الفكر الإلحادى، والفكر الغربى الذى لا يقر بقيمة معرفية لغير ما تشهده الحواس هما اللذان فرضا على المعارف الإنسانية طابعا أيديولوجيا إلحاديا لا تسمح به النظرة العلمية المنضبطة بحدود العلم.

إن علم الطبيعيات متعلق بالمشاهدات وإثبات الإلحاد مثل إثبات وجود الله كلاهما خارج نطاق المشاهدات قال تعالى:  ) ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ( ( الكهف 51).

منذ عصر التنوير اتخذت الثقافة الغالبة فى الغرب موقفا حاول طرد الدين من الشأن العام وهمش دوره فى علم التاريخ، وفى العلوم السياسية، وفى العلاقات الدولية، مما أعمى كثيرا من الدارسين، والباحثين، والمحللين عن دور الدين ومعناه للأكثرية البشرية.

ليس المطلوب أن نستبدل هذه الأيديولوجية العلمانية بأيديولوجية أخرى، بل المطلوب هو تحرير المعارف فى العلوم الطبيعية، وفى العلوم الإنسانية، وفى العلوم الاجتماعية من أيديولوجية الإلحاد المقحمة عليها لتنطلق المعرفة الإنسانية بكل وسائلها المشروعة.

هذا هو المعنى السامى للأسلمة لأنه حينئذ يعنى الإحاطة بالمعارف فى كل المجالات وهى مجالات الوحى، والإلهام، والعقل، والتجربة، وكلها من إرادة الله وبعنايته ولطفه إنه لا يكون فى ملك الله إلا ما يريد.

(جـ ) الأخلاق:

 الأخلاق هى مراجع النفس الإنسانية وركائز تماسك المجتمعات، الفكر العلمانى يقيم الأخلاق على المنافع والفكر الإسلامى المنكفىء يقيمها على أوامر الشارع ونواهيه. ولكن الفهم الصحيح هو أن للأخلاق أسسا موضوعية تبدأ فى أدنى حالاتها بالمماثلة. أى أن تفعل للآخرين ما تحب أن يفعله لك الآخرون. وهذا يطابق الآية ) فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ( (البقرة 194).

وتتدرج الأخلاق سموا لتقوم على إثبات ما يتعارف الناس على حمده وإنكار ما يتعارفون على ذمه. أى تقوم على المعروف والمنكر كما نصت الآية:  )يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم  الخبائث( (الأعراف 157).

وتسمو الأخلاق لتبلغ درجة أداء الواجب على حساب المنفعة الذاتية "الإيثار  :)ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ( (الحشر 9).

هذه أسس موضوعية للأخلاق والشرع الإسلامى يقرها، وبإقرارها يسبغ عليها قيمة روحية ويرتب على إتيانها جزاء أخرويا ورضا إلهيا.

( د) الجهاد:

الجهاد هو بذل الوسع كله لإعلاء كلمة الله فى نفس الإنسان وفى كل دروب الحياة. فالإنسان ، يغالب الشر فى نفسه مجاهدا ، ويدعو إلى سبيل ريه بالحكمة والموعظة الحسنة مجاهدا، ويغالب الجهل والفقر والمرض مجاهدا، ويقاتل لكى لا يفتن  فى دينه ودفاعا عن نفسه جهادا.. الجهاد بهذا الفهم الواسع ليس حصة فى الحياة، إنه كل حياة المسلم، إنه رهبانية الأمة.

هنالك فهم آخر ضيق للجهاد، هذا الفهم الضيق يجعل الجهاد قتالا هجوميا بموجب آيات السيف. قال الأستاذ سيد قطب: (إن فى كتاب الله سورة هى سورة التوبة تضمنت أحكاما نهائية بين الأمة الإسلامية وسائر الأمم فى الأرض ) ... وقبل ذلك اعتبر ابن القيم آية السيف الواردة فى سورة التوبة الآية المحكمة الناسخة لكل ما عداها.

آيات السيف هى:

* آية 5 سورة  التوبة: )فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) .

* آية 29 التوبة: )قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (

* آية 36 التوبة: )وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين(

* آية5 من التوبة سبقتها آية4 ونصها: ) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ( هذه الآية أعطت الأمان لأولئك الذين لم يكن اتصالهم بالمسلمين عدائيا.

وأعقبتها آية 6 ونصها:) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون(.

 هاتان الآيتان السابقة للآية 5واللاحقة لها تؤكدان أن الآية الخامسة إنما تقرر حكما يسرى فى ظرف معين أى أن الآية الخامسة معنية بفئة معينة بدأت المسلمين بالعدوان، وهمت بإخراجهم من ديارهم.

الآية 29 المقصود بها ليس كل أهل الكتاب بل فريق منهم له شروط ذكرتها الآية.

قال صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا تفسيرا للآية: إنها تعنى قاتلوا الفريق من أهل الكتاب.. عند وجود ما يقتضى وجوب القتال كالاعتداء عليكم أو على بلادكم أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم أو تهديد أمنكم وسلامتكم كما فعل الروم فكان سببا لغزوة تبوك.

أما الآية 36 فهى بنصها نفسه لا تأمر بهجوم بل تقول . )وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) مثل الآية: (فلا عدوان إلا على الظالمين).

الفيصل فى تبرير القتال واضح فى الآية 13 من سورة التوبة (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) (التوبة 13).

 ومما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه أن فى القرآن مائة آية موزعة على 48 سورة تأمر بالتعامل مع الآخرين بالتى هى أحسن مثلا الآية 8 من سورة الممتحنة..

وقوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) (النحل 125). الدعوة لله فى الإسلام بالحسنى أما القتال فهو رد العدوان: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) (الحج 39).

إننا نلمس آثار هذا الاجتهاد فى كتب سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم  .لقد تناول السيرة ما لا يقل عن ألف كتاب. ومع أن بيعة العقبة بيعة دفاعية فإن كثيرا من تلك الكتب تظهر النبى صلى الله عليه وسلم غازيا مبادرا مركزا على واجبات القتال.

والحقيقة هى أن دور المغازى فى نجاح الدعوة كان متواضعا. فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم وكان القتال ما بين عام 3هـ و 9هـ وكان عدد المقتولين فى جميع الغزوات والسرايا:

259 شهيدا من المسلمين.

 759  قتيلا من غير المسلمين.

 1018 جملة

وكانت الحرب بين الطرفين سجالا ولكن حكمة النبى صلى الله عليه وسلم  حققت أهم ثلاثة إنجازات للدعوة دون قتال هى:

أولا: أسس الدولة فى المدينة عام الهجرة دون قتال.

ثانيا: استمال غالبية الجزيرة العربية للدعوة فى عامى ص