الترجمة وسيلة بناء وتجديد فى
الثقافة العربية الإسلامية وتواصلها
مع الثقافة الإسبانية
الإنجازات والمعوقات
الدكتور/ محمد عبد الله الجعيدى.
أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة مدريد
ارتبط العالمان العربى والأسبانى بروابط تاريخية دامت قرونا لم تستطع كل
محاولات الطمس والتخريب التى مورست على المستويين الثقافى والدينى النيل من حقيقة
وجودها.
بعد خمسة قرون من غروب شمس العرب عن الأندلس تجاوز عدد المتكلمين باللغتين
الخمسمائة مليون نسمة، مما يضعهما فى المرتبة الثالثة بعد الصينية والإنجليزية من
حيث عدد المتكلمين بهما. وهى قضية مختلفة تماما عن قضية الدور الثقافى والعلمى
الذى يمكن للغة من اللغات أن تقوم به فى إطار الظروف السياسية ومستوى التطور
العلمى والثقافى الذى يحققه المجتمع فى عصر من العصور.
فلم تأخذ أى منهما فى عصرنا حظها من العالمية كما حدث للغات أخرى ذلك بسبب
محدودية دورهما فى النهضة المادية المعاصرة ومحدودية الاتصال بينهما حيث لا يزال
يتم- فى معظمه- عبر وسيط ثالث.
شهد الاتصال بين الثقافتين
فى مطلع هذا القرن على استحياء صحوة بلغت أوجها فى النصف الثانى منه، إلا أن ذلك
كله لم يبلغ المستوى المرجو منه، بسبب اقتصار الأمر على محاولات شخصية غير مخطط
لها، دفنت ثمارها فى بطون المكتبات واقتصرت معرفتها على قلة من المتخصصين.
كما ارتبط الاهتمام نسبيا بالترجمة كوسيلة اتصال بين الثقافتين فى عصرنا
بمناسبات معينة، كسطوع نجم الأدب الأمريكى اللاتينى المعاصر الذى تتوج بحصول كتاب
منه على جوائز عالمية معروفة، وبالمقابل حدث اهتمام محدود بالعربية فى عالم
الأسبانية عندما حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل؛ لكن الأمريكان ينتهى بتغلب مسالك
الوسيط الثالث كوسيلة اتصال بين الثقافتين. وتكتسب الترجمة كوسيلة بناء واتصال فى
الثقافتين العربية والأسبانية أهمية خاصة لأسباب كثيرة نذكر منها:
- التاريخ المشترك
والتعايش الطويل بين اللغتين والثقافتين.
- إن اللغتين كانتا
بمثابة البرزخ الذى عبرته العلوم فى رحلتها بين الثقافات عبر العصور.
- إن فنونا أدبية جمعت
بين اللغتين قد حققت درجة عالية من الإبداع والشهرة مثل الموشح والزجل.
- إن التأثر والتأثير
بينهما كان مباشرا، ودون وسيط ثالث، بل كانت الأسبانية فى حالات كثيرة الأداة
الفعالة لتوصيل الثقافة العربية إلى أوروبا.
- إن الغرب، فى حضارته،
قد عرف علوم الإغريق وغيرها من علوم الأوائل، وأخذها عن المصادر العربية، عبر
أسبانيا، ولم يأخذها من معينها الإغريقى مباشرة.
وتتميز حركة الترجمة من أحدى اللغتين إلى الأخرى بمسايرتها للظرف التاريخى،
حيث تتجه من العربية إلى الأسبانية يوم كانت العربية لغة الحضارة
واللغة العالمية الأقوى.
ولم تفقد العربية هذه الخاصية كليا، إذ لا تزال الحضارة العريية حتى يومنا هذا تشد
انتباه المتكلمين بالأسبانية فيعملون على الاتصال بها، وغالبا مايتم ذلك عبر وسيط
ثالث من اللغات العالمية الأخرى الأكثر
خطا من الشهرة. وبدأت على استحياء فى بداية هذا القرن محاولات الاتصال بها
مباشرة عبر لغتها.
أما
العربية فلم يكن لها حافز للترجمة من الأسبانية (الرومنثية اللاتينية) فى العصور
الوسطى لكونها اللغة السائدة ولغة الثقافة العالمية حينئذ، أما اليوم فقد أصبح
للأسبانية تراث يستحق الاطلاع عليه وبخاصة فى مجال الآداب والفنون، كما أن سطوع
نجم الأدب الأمريكى اللاتينى فى النصف الثانى من القرن العشرين قد جعل الترجمة من
الأسبانية إلى العربية أمرا ذا أهمية كبرى، لكن الأمر لا يزال فى بدايته، و لاتزال
قنوات الاتصال تمر عبر وسيط ثالث.
فقد
تمثل دور العرب فى بناء الحضارة الإنسانية بالإضافة إلى حمل رسالة الإسلام فى
كونهم أعظم مترجم مستوعب وأعظم مطور موصل لعلوم الأوائل ولتراث الحضارات السابقة
كالإغريقية والهندية والفارسية والسريانية والمصرية القديمة، هذا بالإضافة إلى
أنهم حملوا عطاءها الفكرى والعلمى والأدبى، بعد تجديده وتطويره وإغنائه بالإضافات
الهامة إلى أوروبا المسيحية عبر البرزخ الأندلسى، وفى مناسبات أخرى عبر برازخ أخرى
على رأسها جزيرة صقلية.
لم
يقتصر دور الحضارة العربية الإسلامية على ترجمة علوم الحضارات التى سبقتها إنما
جمعت بينها وقارنتها بما لديها من علوم وفنون، حيث كان العرب ينقلون فكر الغير
وعلومه بعد استيعابه وتكييفه مع فكرهم وثقافتهم وبعد ايساعه نقدا وتمحيصا حتى يتسم
بسمات حضارتهم وعقيدتهم اتساما واضحا يمكنهم من مواصلة مسيرة العطاء للثقافة
الإنسانية، فقد نفذ الخليل بن أحمد الفراهيدى 100هـ – 175 هـ مما ترجم من كتب الموسيقى لأوقليدس وغيره من علماء اليونان
إلى وضع علم العروض العربى ووضع كتاب فى علم الإيقاع استفاد منه إسحق الموصلى فى
مؤلفاته الموسيقية.
ويتفق مؤرخو العلوم عند العرب على هذه الحقيقة ويقدمون نماذج لها من
ممارسات العلماء العرب والمسلمين. فقد أدى العالم الرياضى أبو على الحسن ابن
الهيثم (965-1039 م
) البصرى دورا مهما فى إثارة الفلكيين العرب كى يتجاوزوا بطليموس الإسكندرى
واليونان، وقد فعل هذا بتوضيح شكوكه حول النظرية الفلكية البطلمية فى تعليقه على
كتاب "المجسطى"... وكان يمتلك الجرأة ليقرر" أن الترتيبات التى
تفترضها حركات الأجرام كما هى فى المجسطى خاطئة، وأنه كان على وشك إعداد الترتيبات
الجديدة فى هذا المجال، وبعد قرن من ابن الهيثم قاد المفكرون العرب فى الأندلس ما
يسمى بالتمرد على الفلك البطلمى وبلغ التمرد العقلى مداه فى كتاب البتروجى:
"مبادئ الفلك" حيث جرت محاولة
لإصلاح النسق البطلمى بتطوير فعلى للنماذج الرياضية الجديدة"(1)..
إذا كان مفهوم المترجم فى اللاتينية Trans
Ductorيعنى الموصل من و إلى، ولم يأخذ معناه المعروف
لدينا اليوم حتى سنة 1400 م، فقد كان
العرب بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلاديين خير موصل خلاق وخير أمين على الحضارة
الإنسانية. فقد استوعبوا ثقافات الشعوب الإسلامية جميعها وحرصوا على إغناء معارفهم
بها عن طريق أبنائها الذين تعلموا العربية، فقد أسهم أبناء الشعوب الإسلامية من
غير العرب فى بناء صرح الحضارة العربية الإسلامية منذ منتصف القرن الثامن الميلادى
عندما أصبحت بغداد منارة علم ومعرفة للعالم أجمع.
"ولا نبالغ إذا قلنا
إن كل ألوان الثقافات العامة التى كانت مبثوثة فى البلدان المفتوحة من أواسط آسيا
إلى مشارف البرانس تحولت إلى العربية دون حاجة
إلى
ترجمة منظمة لسبب طبيعى وهو أن شعوب هذه الثقافات تحولوا عربأ، فكان طبيعيا أن
تتحول معهم ثقافاتهم وألا تنتظر حتى ينظم لها النقل والترجمة، وأهم هذه الثقافات
حينئذ الثقافة الهندية والفارسية واليونانية"(2). وبينما اتصل العرب بثقافتى
الفرس والهنود مباشرة وعايشوهما، فإن اتصالهم باليونانية، وهى أهم ثقافة أثرت فى
الفكر العريى فى العصر العباسى كان عن طريق النقل والترجمة.
منذ
سنة 323 ق. م، إثر فتوحات الإسكندر للشرق (من ليبيا غربا وحتى الهند شرقا) امتزجت
الثقافة اليونانية بثقافات هذه البلدان ونشأ عن الامتزاج ما يعرف بالثقافة
الهيلينية التى اهتمت بها مدارس الإسكندرية وأنطاكية، والرها التى من بين مشاهيرها
الطبيب الشهير سرجيس الرأس عينى وأسقف العرب جورجيوس (ت 686) اللذان درسا أرسطو
وترجماه إلى السريانية، وقنسرين التى من مشاهيرها أسقفها سويرس سيبوخت الذى تفرغ
فى العصر الأموى لدراسة العلوم اليونانية وترجمتها إلى السريانية، ونصيبين، وحران
التى اشتهرت فيها أسرة بنى قرة التى أدت خدمات جليلة للعرب فى علوم الفلك
والرياضيات، وكانت جنديسابور أكثر مراكز الفكر الهيلينى نشاطا. فقد نشط علماء
السريان المسيحيين منذ القرن الرابع الميلادى فى ترجمة الآثار اليونانية وتواصل
نشاطهم فى نقل علوم اليونان إلى لغتهم حتى القرن التاسع الميلادى واشتهر منهم
يوحنا فيلوبونوس الإسكندرى (المعروف بيحيى النحوى) الذى نقل فى القرن السادس
الميلادى عن اليونانية كتبا فى المنطق والطب والطبيعيات(3)...
وأقدم
اتصال للعرب بهذه المدارس ما يذكره صاحب "عيون الأنباء فى طبقات
الأطباء" من أن الحارث بن كلدة (ت 13هـ) قد تعلم الطب فى بلاد فارس وعاد
لممارسته فى شبه الجزيرة العربية (4)..
وتذكر المصادر العربية أن
الأمير خالد بن يزيد بن معاوية (ت 85 هـ/ 704هـ) قد شغف بالعلوم وأراد تعلم علم
الكيمياء، فاستدعى فريقا من الفلاسفة اليونان المقيمين فى مصر ومنهم الراهب
السكندرى مريانوس، وكانوا جميعا على دراية بالعربية فتعلم منهم هذا العلم وكلفهم
بترجمة كتبه من الإغريقية والقبطية إلى العربية، فكانت تلك أول ترجمة معروفة من
لغة إلى لغة أخرى فى الحضارة الإسلامية كما ترجمت للأمير خالد أيضا كب أخرى فى
الصنعة والطب والنجوم (5). وساهمت مدرسة الإسكندرية العلمية فى أول ترجمة فى الطب
تبناها الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت101هـ) الذى ترجمت له كتب فى الطب لآهرن بن
أعين(6).
كما
ترجم كتاب فى تاريخ الساسانيين ونظمهم السياسية لهشام بن عبد الملك. وتطلب تعريف
الإدارة فى الدولة العريية الإسلامية ترجمة الدواوين (سجلات الدولة). ففى عهد
الخليفة عبد الملك بن مروان (65-85 هـ/685- 705م) نقل والى العراق الحجاج بن يوسف
الثقفى دواوين ولايته من الفارسية إلى العربية، وقام بالترجمة صالح عبد الرحمن من
موالى بنى نعيم. أما ديوان الشام فترجم من اليونانية إلى العربية فى عهد الخليفة
هشام بن عبد الملك (105-125هـ/ 724-751 م)، ثم تم نقل ديوان مصر
من القبطية إلى العربية (7).
إثر
الفتح الإسلامى لمصر انتقل علماء مدرسة الإسكندرية إلى إنطاكية التى كانت تهتم
جنبا الى جنب مع مدارس الشرق الأخرى بالثقافة اليونانية وترجمتها إلى السريانية.
وكانت مدرسة جنديسابور الفارسية التى أنشأها كسرى أنوشروان (531-578م) منتدى
للعلماء اليونان والفرس والسريان والهنود، ومنها استقدم خلفاء بنى العباس العلماء
والأطباء النساطرة من آل بختيشوع ومنهم جورجيس بن جبريل بن بختيشوع السريانى النسطورى
كبير أطباء بيمارستان مدرسة جنديسابور الذى استدعاه الخليفة أبو جعفر المنصور
(136-158هـ – 754-775 م) لمعالجته من مرض ألم به
وعجز أطباء بغداد عن شفائه منه، كما تذكر المصادر أن المنصور قد استدعى أيضا جبريل
بن بختيشوع (ت 828 م)
ليكون طبيبا له، فلبى جبريل الدعوة وأقام فترة فى بغداد ثم غادرها ليعود إليها
كبيرا لأطباء الرشيد (170-193 هـ )
والأمين والمأمون. وعمل بختيشوع الثانى بن جبريل طبيبا للخليفة موسى الهادى
( 169-170هـ / 785-786مـ )ومن بعده طبيبا لهارون الرشيد الذى ازدهرت فى عصره ترجمة
الكتب اليونانية إلى العربية، بتشجيع من وزيره جعفر بن برمك(8)، وعمل جبريل الثانى
بن بختيشوع طبيبا للخليفة الأمين (193- 198هـ /809-813 م)، ومنهم أيضا الطبيب
السريانى النسطورى يوحنا بن ماسوبه (ت 243هـ/ 857 م) الذى عمل طبيبا للخلفاء
منذ عهد الرشيد حتى عهد المتوكل، ووضع مؤلفات فى الطب وتركيب الأدوية وأضاف من
خلال تشريحه القردة نتائج جديدة هامة لما خلفه جالينوس فى علم التشريح وله كتب
"النوادر الطبية" و الحميات " و الأزمنة" ورسالة "دغل
العين " الشهيرة فى طب العيون وقد ترجمت الى اللاتينية، فهو بحق مؤسس الأبحاث
الطبية العربية، ولهذا كلفه الرشيد (198- 218هـ./ 13 8-833 م) بترجمة الكتب الطبية
القديمة( 9) وجعله أول قيم على خزانة الحكمة التى شادها (10) فى بغداد، فأذكى بها
جذوة الترجمة ووظف بها طائفة من خيرة المترجمين، حتى كانت هجرة علماء هذه المدرسة
إلى بغداد سببا فى إضعافها. وكانت الترجمات الطبية هى أولى مراحل الترجمة إلى
العربية. "ولعل السبب فى البدء بالترجمات فى نطاق كتب الطب يرجع إلى صلة
أطباء جنديسابور بالخلفاء العباسيين"(11)
واجتهد الخلفاء فى تحصيل مصادر العلم ووضعها بين يدى المهتمين بها وقدموا
لهم الحوافز للاستفادة منها، حيث جلب النصور الكتب من مختلف بقاع الأرض، وكان أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم.. وهو
أول خليفة ترجمت له الكتب من اللغات العجمية إلى العربية ومنها كتاب كليلة ودمنة (12) وكتاب السند هند، وترجمت
له كتب أرسطوطاليس من المنطقيات وغيره، وترجم له كتاب المجسطى لبطليموس وكتاب
المجسطى وكتاب أوقليدس " (13) .
وبدأت فى هذه الفترة تظهر المؤلفات العربية فى شتى مجالات المعرفة، وأصبحت
بغداد العاصمة الثقافية والعلمية للعالم بأسره، واستمر هذا الازدهار ماينوف على
القرنين من الزمان.
واقتصر اتصال العرب بمدارس الشرق العلمية حتى نهاية القرن الثانى الهجرى
على نقل علوم الصنعة فى الكيمياء والطب والرياضيات والفلك والسياسة ونظم الحكم فقط
؛ " حيث ترجم أبو يحيى البطريق (ت180هـ)، وكان يجيد اللاتينية واليونانية،
كتابا فى التنجيم لبطليموس من اليونانية إلى العريية وقدم له عمر بن الفرخان، كما
ترجم البطريق أيضا "كتاب الترياق" لجالينوس وكتبا أخرى لأبقراط وأفلاطون
أرسطوطاليس. وترجم يوسف الخورى كتابا فى علم المثلثات لأرشميدس، من السريانية إلى
العربية. وترجم حبيش بن الحسن، ابن أخى إسحاق بن حنين عن اليونانية أعمالا
لهيبوقراطيس وأعمالا لديوسقوريديس Dioscorides فى علم النبات، توصف
بأنها مثلث الأساس لما كتبه العرب عن العقاقير فيما بعد.
كان حنين بن إسحاق (808-873م-264هـ ) وابنه إسحق والكندى وتيادروس وعبد
المسيح بن عبد الله بن ناعمة الحمصى (ت220هـ) من مترجمى القرن
الثالث
الهجرى، ومن بعدهم مترجمو القرن الرابع الهجرى مثل يحيى بن عدى، هم أول من حمل
منطق اليونان وفلسفتهم إلى البيئة العريية، حيث تمت ترجمة كتب يونانية كثيرة، منها
كتب لأرسطو مثل: المقولات والشروح والتحليلات الأولى والتحليلات الثانية والمباحث
والسياسة والخطابة والسفسطة والأغاليط. ويتضح من ذلك أن المنطق اليونانى لم يدخل
إلى البيئة العريية إلا فى القرن الثالث الهجرى، تماما كما أن العرب لم يترجموا
خلال القرنين إلا عن اليونانية والفارسية.
وراح
العرب بعد ذلك ينوعون من مصادرهم العلمية، حيث أخذوا الفلك مثلا عن الفرس واليونان
والهند والصابئة الذين ورثوا معارفهم فى الفلك والتنجيم عن الكلدانيين. وطور
المأمون بيت الحكمة (خزانة الحكمة) فألحق به مرصدا كبيرا جعل عليه يحيى بن أبى
منصور وألحق به طائفة من نابهى الفلكيين(14) . ويعد محمد بن موسى الخوارزمى (ت 849 م)
أكبر العلماء الرياضيين والفلكيين والجغرافيين الذين قاموا على أبحاث هذا المرصد،
فهو الذى اكتشف علم الجبر وقواعده وأضاف إليه أبحاثا مبتكرة فى أرقام الحساب
الهندى وفى الهندسة وحساب المثلثات وفى الجغرافيا والجداول الفلكية، وقد أثر علمه
تأثيرا كبيرا فى الثقافة العريية ثم بعد ذلك فى الثقافة الأوروبية، حيث عرفت ترجمة
" حسابه"، اللاتينية التى تمت فى القرن الثانى عشر الميلادى وصاغ أصلها
العربى الأوروبيون بنظام العدد الهندى. وفى كتابه المختصر فى "حساب الجبر
والمقابلة" الذى وضعه بتشجيع من الخليفة المأمون سنة 830 م
افتتح عصرا جديدا فى علم الرياضيات، وأعطى علم الجبر اسمه ومدلوله الذى يعرفه
اليوم العالم أجمع، وظل الأساس لدراسة هذا
العلم حتى عصر النهضة. ويعتبر الخوارزمى مؤسسا لعلوم الرياضيات والفلك والجغرافيا
عند العرب. وللخوارزمي شروح على كتاب اقليدس فى الهندسة وكتاب بطليموس فى
الجغرافيا، حيث ألف أول كتاب عربى فى هذا العلم بعنوان "صورة الأرض" وبه
فتح الباب على مصراعيه أمام تجربة التأليف الجغرافى العربى، فكتب ابن خرداذبة
الفارسى الأصل" المسالك والممالك"
الذى اعتمد فيه على أفكار بطليموس فى بيان حدود الأرض ومسالكها، وكتب أحمد
بن يعقوب العباسى اليعقوبى كتاب "البلدان "، اعتمد الرحلة فى البلدان
الإسلامية مصدرا لجمع مادته وكتب الهمذانى اليمنى ( ت334 هـ ) فى الجغرافيا الإقليمية كتاب "صفة جزيرة
العرب ".
أما
فى مجال الفلك فقد ترك الخوارزمى علمه فى تلاميذه بمرصد الحكمة ومنهم حبيش الحاسب
صاحب الجداول الفلكية الهامة، وأحمد بن كثير الفرغانى صاحب كتاب "أصول الفلك
" والعديد من الترجمات إلى اللاتينية وكتب أخرى فى الاسطرلاب، وأبو معشر
البلخى (ت 272 هـ) الذى دام تأثيره قرونا
بين العرب والأوروبيين بعد أن ترجمت أعماله إلى اللاتينية، والفضل بن حاتم النيرتزى
(ت 310 هـ ) صاحب الشروح الشهيرة على "أصول " أقليدس التى ترجمت إلى
اللاتينية وعلى كتاب بطليموس فى الفلك ومؤلفات أخرى فى الهندسة والفلك وحركات
النجوم، ومحمد بن جابر البتانى (ت 317هـ) أعلم علماء عصره
بالفلك وحركات النجوم، أنشأ مرصدا له على نهر الفرات واستدرك العديد من أخطاء
بطليموس فى هذا العلم وترجمت أعماله إلى اللاتينية. وكان علم الفلك من أكثر العلوم
تطورا فى قرطبة، فبينما راح هذا العلم فى المشرق يقترب من التنجيم طوره الأندلسيون
على أسس علمية منهجية حيث استخدمت استخداما واسعا أدوات على درجة عالية من الدقة
مثل الإسطرلاب (مرآة النجوم) المحسن والخرائط الفلكية والمجسمات الكروية الأرضية
ومقياس الزوايا. وقد سبق لأبى القاسم مسلمة المجريطى أشهر رياضيى عصره وفلكييه فى
الأندلس ( ت 395هـ - 1004م ) أن نشر زيج الخوارزمى بعد أن أجرى عليه بعض التعديلات
ليتناسب مع خط الطول الذى تقع عليه قرطبة، واستبدل التواقيت الفارسية فيه
بالتواقيت العربية، واشتهر من الفلكيين والرياضيين الأندلسيين عبد الرحمن بن
إسماعيل ابن بدر معاصر مسلمة المجريطى المعروف بأوقليدس الأندلس، وأبو القاسم عمر
الغافقى (ت426/ 1035 ) الذى وضع تقويما فلكيا على نسق السند هند لاقى نجاحا كبيرا
بعد ترجمته إلى اللاتينية، وأبو إسحاق إبراهيم بن يحيى التجيبى الطليطلى المعروف
بابن الزرقالة (ت 493/ 1100) مخترع الزرقالة (الأسطرلاب الذى قد
يكون قد سمى كذلك نسبة إليه)، وهى صفيحة تستعمل لمعرفة الوقت والجهات ورصد النجوم،
وهو صاحب أدق تقويم فلكى فى العصور الوسطى.
هكذا
يوم كانت الترجمة تتجه إلى العريية دغم الخليفة المأمون بيت الحكمة، فنشط وازدهر
مدرسة ومكتبة (15) ومرصدا ودارا للبحث والترجمة التى كانت تتم
مباشرة إلى العريية أو عبر لغة وسيط كالفارسية فى النقل من السنسكريتية أو
كالسريانية فى النقل من اليونانية، وكاتب المأمون ملوك الروم للحصول على ما لديهم من كتب فى العلوم والفلسفة، فكان له
ما أراد من كتب أفلاطون وأر سطو وأبقراط وجالينوس واقليدس وفيثاغورس وبطليموس(16)
وغيرهم، وجند لها أمهر التراجمة لدراستها وفهمها وترجمتها، لتكون فى متناول العامة
كما أرسل المأمون البعوث العلمية لاستقصاء الثقافة فى منابعها.
واستجاب العقل العربى فى مجال العلوم الدنيوية استجابة إيجابية وسريعة لأثر
نتاج الترجمة من اليونانية إلى العريية، حيث راحت تظهر مؤلفات العلماء العرب
والمستعريين وترجماتهم، متضمنة إضافات هامة إلى المعرفة، فأبو عثمان الجاحظ (775-868م)
يطلع على ترجمة كتاب "الحيوان " لأر سطو فيكتب على هيأته كتابه الشهير
الذى يحمل العنوان نفسه. ومن هذه الأعمال أيضا أعمال ثابت بن قرة (ت 288م )التى
منها ألف مقالة فى الهندسه (17) وكتاب
الذخيرة فى الطب وترجمة كتاب الأصول لأقليدس، وقد أثر تأثيرا كبيرا فى لاتينية
العصور الوسطى، وأعمال حنين بن إسحاق شيخ مترجمى زمانه، وأعمال أبناء موسى بن شاكر الثلاثة: محمد وحسن وأحمد
الذين نبغوا فى الهندسة والفلك وعلم الحيل (الميكانيكا)، حيث ترجم لهم المستشرق
الإيطالى المقيم فى طليطلة جيراردو الكريمونى Gerardo de Cremona (إيطاليا 1114 - طليطلة 1187 م)
إلى اللاتينية كتابا اعتبر لسنوات طويلة مقدمة فى علم الهندسة، وهو بعنوان :Liber Trium Frutrum
Geometry ،
ويدين الغرب فى نهضته للأخوة الثلاثة فى علوم الهندسة البسيطة وهندسة الكريات. ومن
المترجمين العرب الذين اشتغلوا فيما بعد بالتأليف، أبو إسحاق إبراهيم الفزارى
(طليطلة 1092- 1087) معرب "السند هند
"، الذى وضع كتابا فى جداول الهيأة وكتابين فى الاسطرلاب. وهو أول من عمل
إسطرلابا فى الإسلام)
(18 (. وكان حنين بن صيدلى (194- 260 هـ ) متمكنا من الفارسية واليونانية والعربية، الأمر الذى دفع
المأمون إلى تعيينه رئيسا لديوان الترجمة ببيت الحكمة وتعيين المساعدين له، وقد
وضع بن صيدلى وترجم ما يزيد على مائة كتاب، منها "الفصول الإبقراطية فى الطب
" و "المسائل فى العين " و الضوء وحقيقته ". وتطور الاهتمام
الذى بدأه خالد بن يزيد بن معاوية بعلم الكيمياء حتى بلغ أوجه على يد جابر بن حيان
(ت 815 م)
المؤسس الأول لهذا العلم عند العرب ومرسى دعائمه على التجرية فى أكثر من مائة
رسالة ترجم الأوروبيون معظمها واستفادوا منها فى نهضتهم الحديثة.
أما الطب الذى استحوذ على اهتمام رجال الدولة العربية الإسلامية منذ عهد الخليفة
عمر بن عبد العزيز ترجمة وممارسة، فقد بلغ الأوج فى العصر العباسى الثانى بمساهمات
أطباء مدرسة جنديسابور، فاشتهر إلى جانب من ذكرناهم من كبار الأطباء سابور بن سهل
المسيحى صاحب بيمارستان جنديسابور (ت 255 هـ.) وصاحب كتاب
"الصيدلة" الذى ظل مرجعا فى هذا
العلم حتى وضع ابن التلميذ فى القرن السادس الهجرى كتابه المعروف فى هذا العلم،
كما اشتهر سنان بن ثابت بن قرة (ت 331 هـ) الذى أسلم على يد الخليفة القاهر بالله وكان مسئولا عن
بيمارستانات بغداد الخمسة، وأنشأ بين 304و329 . أربعة بيمارستانات أخرى فى بغداد نفسها،
ويبدو أنه كان مكلفا بالشئون الصحية فى الخلافة، إذ كلفه حامد بن العباس وزير
الخليفة المقتدر بالله بإفراد أطباء للمسجونين، يزورونهم فى السجون يوميا، ويقدمون
لهم العلاج والطعام، كما كلفه بإرسال أطباء لزيارة الفلاحين فى سواد العراق بحوض
دجلة والفرات ومعايشتهم وتلبية حاجاتهم الصحية والعلاجية. ويذكر ابن أبى أصيبعة أن
عدد الأطباء، غير أولئك الذين يقومون على خدمة السلطان، قد بلغ فى سنة 319هـ ثمانمائة رجل ونيفا وستين. ويعتبر أبو بكر محمد
بن زكريا الرازى (854- 932م/ 320هـ ) أنطس أطباء عصره وأعلمهم بالكيمياء، درس
الرياضيات والكيمياء والطب وتعمق فيها ومارس الطب فى العديد من البيمارستانات فى
العراق وإيران، وظلت مؤلفاته الطبية مرجعا
لرواد هذا العلم حتى القرن السابع عشر، وترجم العديد من مؤلفاته إلى اللاتينية
وذكر له البيرونى 66 كتابا فى الطب و23 فى الطبيعيات و10 فى
الرياضيات و23 فى الكيمياء و17 فى الفلسفة و6 فى علم ما وراء الطبيعة و 8 فى النطق
و14 فى علم الكلام، ويعتبر"الحاوى" أكبر كتبه فى الطب دائرة معارف طبية
ترجمت أجزاء منه إلى اللاتينية، ويليه أهمية كتابه "المنصورى" الذى ألفه
باسم أمير خراسان السامانى المنصور بن إسحاق، وقد ترجم هذا الكتاب فى العصور
الوسطى إلى اللاتينية مرات عدة مثله مثل كتابه الطبى الثالث فى "الجدرى
والحصبة" الذى ترجم حديثا إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وله مؤلفات
فى الطب الروحانى.
وعندما تباطأ دفع الثقافة العربية الإسلامية فى المشرق بداية من القرن
العاشر الميلادى راحت تزدهر فى الأندلس، وحلت قرطبة محل بغداد كعاصمة ثقافية
عالمية خلال القرنين الثانى عشر والثالث عشر الميلاديين.
كان بلاط الأمير عبد الرحمن الثانى (206- 238م)(822-852 م ) مجمعا للعلماء
وللمنجمين والفلاسفة والأدباء والشعراء، وعندما اشتد التنافس بين إسحق الموصلى
وتلميذه زرياب (173- 243 هـ/ 789 م) وخشى هذا الأخير على حياته رحل إلى قرطبة فقذر الأمير عبد الرحمن الثانى
موسيقاه وموهبته خير تقدير فأقطعه الإقطاعيات الزراعية وأجرى عليه مائتى دينار
راتبا شهريا.
عندما
أراد إمبراطور بيزنطة قسطنطين السابع(905-959م) استرضاء ساسة قرطبة عاصمة
الأمويين فى الأندلس وكسبهم إلى جانبه أرسل سفارته سنة 949 م إلى أمير المؤمنين الخليفة الناصر لدين الله عبد الرحمن الثالث ( 300 -350 هـ/ 913-961 هـ) محملة بهدايا نفيسة
أهمها: كتاب فى التاريخ للحبر القوطى باولوس أوروسيوس " Paulus orosius من القرن الخامس الميلادى مكتوبا باللغة اللاتينية
المعروفة لدى الأسبان فى عصره، ونسخة أخرى بالإغريقية من كتاب ديوسقوريديس فى
الأعشاب الطبية مكتوبة بماء الذهب ومزينة برسوم النباتات المذكورة فيه، فأمر
الخليفة بترجمة مضمونه وتكييفه مع الواقع الأندلسى، وبهذه الترجمة خطت الدراسات
الطبية الأندلسية خطوات حقيقية وجريئة نحو النضج والتكامل.
وقد
اهتم علماء النبات فى الأندلس بتسجيل أسماء النباتات بمختلف اللغات المعروفة فيها،
ففى مخطوط "سند الطبيب فى معرفة النباتات
" para el conocimiento de las plantas El
sosten medico"
المجهول المؤلف والذى يقسم النباتات حسب جنسها وفصيلتها ونوعيتها ويدرس الساق
والجذر واللون والطعم والمنفعة، ويضع اسم النبتة المذكورة بالإغريقية القديمة
والحديثة وبالعربية الفصيحة ولهجتها الأندلسية وبالبربرية والفارسية والسريانية
وباللاتينية ولهجتها الرومنثية فى أسبانيا مفرقا فى كثير من الأحيان بين لهجاتها
المنتشرة فى شبه الجزيرة الأيبيرية.
كما
اهتم الخليفة المستنصر بالله الحكم الثانى ( 350-365 هـ/ 961-976 م)
بالترجمة وتحصيل الكتب فجعل لنفسه مبعوثين مقيمين فى
المشرق ليزودوه بكل ما يصدر هناك من كتب مترجمة ومؤلفة، وجاد بأموال طائلة كى تظهر
الكتب الجديدة فى قرطبة قبل غيرها من مراكز الثقافة فى المشرق، وأجرى الرواتب على
آلاف الوراقين فى قرطبة بدون انقطاع حتى لا تأخذهم العجلة فى أمرهم فتتدنى جودة
نتاجهم، وكلف محمد بن يوسف وزاق وادى الحجارة ( 292-363 هـ/ 904-973 م) بوضع كتاب فى "المسالك والممالك "، وصلتنا بعض نصوصه ومثل أساسا
فيما بعد لكتاب أبى عبيد البكرى (ت 1094م - 487هـ ) الذى يحمل العنوان نفسه، كما كلف محمد الحارث الخشانى
بكتابة "تاريخ قضاة قرطبة"، حتى جمعت مكتبة هذا الخليفة بقرطبة أربعمائة
ألف كتاب.
وفى عهد بنى عباد أصبحت
إشبيلية عاصمة الفنون والآداب فى الأندلس بينما ظلت قرطبة عاصمة العلوم ومركز
الجامعة، حتى أثر عن الفيلسوف القرطبى أبى الوليد ابن رشد قوله: "إذا مات
عالم بإشبيلية، حملت كتبه إلى قرطبة حتى تباع، وإذا مات مطرب فى قرطبة خملت تركته
إلى إشبيلية حتى تباع ".
كما
نشطت الترجمة فى عهد الخليفة الموحدى أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ملك العدوتين( 1163-1184 م) الذى عرف عنه اهتمامه بالطب والفلسفة. وامتزجت
العريية كلغة علمية عالمية فى حينها باللهجة الرومنثية المحلية فى أسبانيا وظهر
ذلك جليأ فى أعمال أبى العباس التطيلى (ت 1192 م)
الذى ينسب إليه اكتمال صورة الموشحة كفن أدبى، وأعمال ابن قزمان القرطبى (ت 1160 م)،
قمة فن الزجل فى الأدب العريى فى الأندلس. وقد ترك الفنان كلاهما: الزجل والموشح
آثرا قويا فى شعر البروفنسال فى شمال أسبانيا وبخاصة فى أغانى أعياد الميلاد. فقد
تركت العربية فى الأسبانية ثروة لغوية هامة وخاصة فى مجال المفردات (20) .كانت العربية فى الأندلس لغة أهل البلاد جميعا،
مسلمين ومسيحيين، وكانت لغة الثقافة والعلم لا يحد من سلطانها وسيادتها دين أو
عرق. ويصف القس القرطبى الأصولى المستعرب(21) باولو ألبارو تمكن العربية لغة
وثقافة وعلوما من النفوس لدى أهل الأندلس (حوالى سنة 854 م)
نادبا اللاتينية حظها وتراجعها فى نفوس مسيحيى بلاده، حتى رجال الدين منهم:
"إن إخوانى فى الدين يجدون لذة فى قراءة شعر العرب وحكاياتهم، ويقبلون على
دراسة مذاهب أهل الدين والفلاسفة المسلمين لا ليردوا عليها وينقضوها، إنما لكى
يكتسبوا من ذلك أسلوبا عربيا جميلا صحيحا،
وأين نجد الآن واحدا من غير رجال الدين يقرأ الشروح اللاتينية التى كتبت على
الأناجيل المقدسة؟ ومن سوى رجال الدين يعكف على دراسة كتابات الحواريين وآثار
الأنبياء والرسل؟ يا للحسرة أن الموهوبين
من شباب النصارى لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويؤمنون بها ويقبلون
عليها فى فهم، وينفقون أموالا طائلة فى جمع كتبها، ويفخرون فى كل مكان بأن هذه
الآداب جديرة حقا بالإعجاب، فإذا حدثتهم عن الكتب النصرانية أجابوك فى ازدراء بأنها
غير جديرة بأن يصرفوا إليه انتباههم. يا للألم ! لقد أنسى النصارى حتى لغتهم، فلا
تكاد تجد فى الألف منهم واحدا يستطيع أن يكتب إلى صاحبه كتابا سليما من الخطأ.
فأما عن الكتابة فى لغة العرب، فإنك واجد فيها عددا عظيما يجيدونها فى أسلوب منمق.
بل هم ينظمون من الشعر العربى ما يفوق شعر العرب أنفسهم فنا وجمالا (22) .
هكذا كانت الأندلس أقرب نقطة اتصال إسلامية بالغرب المسيحى نقل عن طريقها
التراث العربى الإسلامى للغرب وخاصة عبر جهود مدرسة طليطلة للترجمة التى نقلت من
العربية أعمال كبار العلماء والمفكرين العرب.
فقد نقل الأسبان- وكانوا لتوهم قد استولوا على طليطلة- التجرية فأنشاوا
فيها مدرسة مترجمى طليطلة التى شرعت فى ترجمة المؤلفات والترجمات العربية التى
وصلت الأندلس، أولا إلى الرومنثية الأسبانية وكان يقوم بهذه المهمة فريق من
الأسبان يقوده حنا الإشبيلى Juan Hispal المعروف بابن داود،
بينما كان ينقل هذه الترجمات من الرومنثية إلى اللاتينية فريق من الأجانب يقوده Doming Gunddisalvo(ت 1180 م). وبينما تمت ترجمة كتاب المجسطى فى الفلك والرياضيات لأول مرة فى صقلية
من الإغريقية إلى اللاتينية مباشرة، سنة 1163 م
فقد ترجمه من العريية إلى اللاتينية سنة 1175 م
جيراردو الكريمونى لصالح مدرسة طليطلة(23)، وهذه الأخيرة هى الترجمة التى ذاعت
وبقيت سارية المفعول حتى القرن الخامس عشر الميلادى. ويكمن هذا فى أن اللغة
العريية كانت دون سواها فى العصور الوسطى لغة العلم والاتصال، وذلك بسبب تفشى
الجهل فى أوروبا آنذاك، حيث كان طلاب العلم يتوجهون إلى الأندلس وابنتها- كما
ينعتها الرحالة ابن جبير- صقلية، للتعرف على أسرار الكون وعلومه.
كما اشتهر بعد ذلك بقرنين بلاط الفونصو العاشر (الحكيم ) Alfonso X El Sa bio (650- 683هـ
/ 1252-1284م)ملك قشتالة على شاكلة رعاية بلاط الخلفاء المسلمين للعلم والترجمة،
إذ أصبحت طليطلة منذ استيلاء الفونصو السادس عليها فى سنة
( 1058م- 478هـ)، وخاصة فى القرنين الحادى عشر والثانى عشر الميلاديين
(الخامس والسادس الهجريين) مركزا لإشعاع الثقافة العربية فى أسبانيا وبقية أرجاء
أوروبا. وتميزت مصطلحات العلوم العربية التى وصلت الغرب عن طريق أسبانيا عن تلك
التى وصلته عبر قنوات أوروبية أخرى باحتفاظها بأداة التعريف ( أل ) فى معظم اللغات الأوروبية. وقد تميزت الترجمات الى اللاتينية بحرفيتها
مما أضفى عليها قدرا من الغموض.
وقد امتد تأثير الثقافة العريية المترجمة فى الأندلس إلى جميع أرجاء أوروبا
التى راحت تتعلم من العرب سلوكياتهم العلمية، فأنشئ لأول مرة فى باريس مدرسة سنة 1180 م
ما لبثت أن تحولت فى القرن الثالث عشر الميلادى إلى جامعة.
وقس على ذلك ما حدث فى اكسفورد الإنجليزية وبولونيا الإيطالية وغيرهما من
المراكز فى عموم أنحاء أوروبا.
ويمكن
اعتبار رحلة جربير دى أورياك إلى قرطبة فى عهد الخليفة المستنصر بالله الحكم
الثانى بن عبد الرحمن الثالث طلبا للعلم وعودته إلى أوروبا المسيحية لينشر فيها ما
تعلمه عن العرب بداية لانتقال العلوم العريية إلى أوروبا. فقد تتلمذ الأوروبيون
على أيدى العرب فى مختلف العلوم ودرسوا فى مدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم فى
البصرة والكوفة وبغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة، إذ تقدم العرب قرونا فى العلم على
أوروبا، فلأول مرة استخدموا المرقد فى تخدير المرضى فى العمليات الجراحية
واستخدموا أمعاء الحيوان وأوتار العود لخياطة الجروح واخترعوا آلات جراحية جديدة،
وشخص محمد بن زكريا الرازى أمراض الحصبة و
الجدرى ووضع كتاب الحاوى فى الطب الذى يعتبر أهم مصادر العصر فى تشخيص الأمراض وقد
ترجم إلى اللاتينية بعنوان Liber dictus Elhavi مثله فى ذلك مثل كتابه المنصورى الجامع لعلوم تشريح
الجسم الذى ظل حتى القرن السابع عشر مرجعا للعلماء فى مدارس الطب الأوروبية فى
مونبلييه ونابولى وبولونيا وبادوا وأورليان وأكسفورد وكامبردج التى كانت تعتمد
كليا فى مناهجها على المصادر العربيه(24). وترجم جيراردو الكريمونى الى اللاتينية
كتاب "التصريف لا الموسوعى فى الطب للقرطبى أبى القاسم الزهراوى ( 1013 –936م
) أكبر جراحى القرن العاشر، وكان طبيبا للخليفة المستنصر بالله الحكم الثانى،
وأعيدت ترجمة التصريف إلى لغات أخرى وظل مرجعا للأطباء الأوروبيين جميعا طوال
العصور الوسطى (25)
، وكتاب "الأدوية البسيطة" للطبيب الطليطلى عبد الرحمن بن الوافد ( 997-1074 )، الكريمونى هو أول من ترجم فلسفة ابن سينا
إلى اللاتينية (26) إليها ترجم أيضا كتاب "القانون، الذى جمع فيه الشيخ
الرئيس الطبيب الفيلسوف أبو على ابن سينا (بخارى980- همذان 1037 ) . سبعمائة وستين عقارا واعتمدته الجامعات الأوروبية كواحد من مصادرها العلمية
الهامة وتمت ترجمته خمس عشرة مرة حتى شاعت مصطلحاته الطبية مثل العنبر والكافور
والزعفران والتمر الهندى والمسك فى اللغات الأوروبية.
ويعتبر
العرب المؤسس الأول لعلم الكيمياء الذى لم يوله اليونان اهتماما كافيا، وجابر بن
حيان صاحب "أسرار الكيمياء" و"أصول الكيمياء، و"علم
الهيأة" و"المكتسب " هو أشهر الكيميائيين العرب ومكتشف الصودا الكاوية وماء الذهب وطريقة فصل الذهب عن
الفضة، ومن مشاهير الكيميائيين العرب أيضا أبو بكر الرازى.
كما
تجاوز العرب بمسافات عظيمة المنجزات اليونانية
و الهيلينية المتواضعة
فى
علم الطبيعة (الفيزياء) وكانت أعمال أبو على الحسن بن الهيثم البصرى
(965-1029 م ) نبراسا اهتدى به الغرب فى تطوير علم
الطبيعة، إذ استخدم الغرفة المظلمة فى رصد ظاهرة الخسوف، وترجم كتابه المناظر فى
علم البصريات (المرايا بأنواعها) إلى اللاتينية بعنوان
Optical thesaurus al
hazeni aranis libri septem nune primum editi
ونقل
دومنغو غونديصالبو من العربية الى اللاتينية أعمالا من التراثين اليونانى والعربى
للفارابى (ت 950 هـ ) والغزالى ( ت 505 هـ/1111م ) وابن سينا الذى نقل له كتابه "النفس
"(27) . وفى عهد ألفونصو الحكيم ترجمت العشرات من كتب الفلك، فبالترجمة
انتقلت معارف الخوارزمى فى علم الفلك إلى عموم أوروبا ومنها النظام العشرى فى
الحساب اللوغريتمات
– Alguarism
,
والصفر
cifna ترجم الإنجليزى أديلارد الباثى "زيج "
الخوارزمى بعنوان
Tablas astronomicas وترجم ماركوس شماس طليطلة
القرآن الكريم وبعض كتب جالينوس وكتبا فى علم التوحيد الإسلامى.
وقد
اغتنت طليطلة فى عهد ملوك الطوائف بالكتب المجلوبة من المشرق وبالكتب الأندلسية
وبخاصة بعد نقل قسم كبير من مكتبة الخليفة المستنصر بالله الحكم الثانى.
وارتقى
الفكر فى الأندلس حتى لانكاد نجد علما لم ينبغ به الأندلسيون فتتلمذ عليهم
الأوروبيون كما حدث لرامون يول ( 1235 –
1315 ) ودونس سكوتو (1270-1308 ) اللذين تأثرا بفلسفة محمد بن مسرة القرطبى(269/319 هــ 883/ 931 م). وترجم أسقف البيرة
(غرناطة) العالم الفلكى واللغوى المستعرب ريثيموندو المعروف عند العرب بربيع بن
زيد
Recemundo سفير عبد الرحمن الثالث الكتب العربية إلى
اللاتينية ومنها تقويم فلكى للفلكى والطبيب القرطبى- كاتب الخليفة المستنصر بالله
الحكم الثانى- عارب بن سعيد الكاتب (305/369هـ ـ 908/980م) الذى اشترك معه فى وضع
التقويم القرطبى "كتاب الأنواء".
واهتم
مطران طليطلة رايموندو الساوبيتاخىRaimundo de Sauvetage
(
1126-1152) بترجمة العديد من كتب العلوم العربية، منها تعليق أبى القاسم مسلمة
المدريدى على خريطة بطليموس القارئة سنة 1143 حتى نقل تراث العرب واليونان وغيرهم،
معوضا بذلك مالم يتمكن لا مارثيانو كاتيا فى القرن الخامس ولا القديس إيسيدرو فى
القرن السابع فى ظل ملوك القوط من تحقيقه بجهودها المتواضعة فى هذا المجال.
وبالرغم
من التقدير الذى لاقاه دور طليطلة فى الترجمة وبخاصة فى عهد مطرانها رايموندو فإن
البعض كان يرى فى صقلية مزية كبرى لأنها كانت ثقافيا لاتزال تمثل جزءا من العالم
العربى، كما كانت على اتصال بالشرق اليونانى. ففى صقلية دون غيرها كان يمكن دراسة
الحضارتين العريية والإغريقية مباشرة والمقارنة والجمع بينهما (28)، فقد تميزت
فترة السيادة العريية على الأندلس وصقلية إجمالا بالتسامح الدينى والارتقاء
الحضارى والازدهار الزراعى والنشاط التجارى (29) .
ولما
استولى النور مانديون على صقلية ، اعتمدوا على عرب الجزيرة فى إدارة شئونها وفى
إدارة شئون بلاطهم، فتواصل الازدهار الذى أدى إلى قيام حركة النهضة الأوروبية، ولم
يستطع النور مانديون التخلص من جاذبية الحضارة العربية، إذ اهتم الإمبراطور فردريك
الثانى مثله مثل جده رجار الثانى بالعلوم العربية وتحصيلها عبر علاقته بالسلاطين
المسلمين فى المشرق والمغرب، وكان على اتصال مع كبار العلماء المسلمين المبرزين فى
الفلك والرياضيات والمناظر والفلسفة، وخاصة عندما حل بعكا- فلسطين سنة 1228 حيث اتصل بالسلطان الأيوبى الكامل سائلا إياه
إرسال من يعلمه علم الهيأة (الفلك)، فسير إليه قيصر الحنفى (مصر 1178- دمشق 1251 ) المعروف بتعاسيف، أعلم علماء عصره فى علم
الفلك
(30)
، وقد انفق فردريك أموالا طائلة على تحصيل العلم وترجمته من مصادره العريية وجند
له إمكانيات مملكته، حتى أصبحت صقلية بحق ملتقى الحضارات وصورة مصغرة للحضارة
الأوروبية فيما بعد. ولو لم تكن اللاتينية لغة النورمانديين لكانت الجزيرة تتكلم
اليوم لغة قريبة من اللغة المالطية وهى لهجة عربية(31). ويشهد مؤرخون غربيون أن
"صقلية كانت خلال القرنين الحادى عشر والثانى عشر، الوطن الوحيد الذى تسود
فيه حرية المعتقد. فالأديان السماوية الثلاثة المسيحية والإسلامية واليهودية كانت
تعيش هناك جنبا إلى جنب، فى أمن وسلام... وقامت هناك مدنية ضخمة شامخة، ذات طابع
مختلط، كانت ثمرة ما أظهره الملك رجار من عبقرية سياسية، وضعته فى صف الإسكندر،
وتيودوريك الكبير... ونشأت هذه المدنية بفضل حكومة سمحت لليونانيين والمسلمين
والطليان، بأن يعمل كل على شاكلته، وكانت تشجع الجميع على حد سواء. وهكذا كانت
صقلية تاريخيا وجغرافيا، الملتقى الطبيعى للمدنيات الإغريقية والرومانية والعربية.
كذلك اجتمع فيها، فى تجانس مدارس الفن الهندسى المعمارى البيزنطى، والعربى،
والرومانى، والنورماندى ، فشكل من كل ذلك
النورماندى الصقلى، وهو زبدة أربع مدنيات(32).
فقد كانت اليونانية
والعربية واللاتينية لغات رسمية ثلاث فى صقلية النورماندية التى منها راح يتسرب
التأثير الحضارى العريى إلى الحياة اللاتينية، وكان العرب قد أدخلوا الى ممالكهم
فى أوروبا الآلات مثل سواقى المياه البابلية الهوائية الخشبية التى نقلها الشاميون
إلى قرطبة، وأنواعا من أشجار الفواكه ومن بذور الحبوب، كما أدخلوا إليه النخيل
وقصب السكر ودودة القز لصناعة الحرير وورق البردى(33).
كما
نقل العرب إلى أوروبا عن طريق ممالكهم فى الأندلس وصقلية صناعة الورق التى أخذوها
عن الصينيين منذ القرن الثامن الميلادى فى سمرقند (34) ، وإليها نقلوا أيضا صناعة الصابون التى طوروها،
وصناعة السكر، حيث ظل الأوروبيون يستخدمون العسل للتحلية حتى القرن الخامس عشر
الميلادى، وحتى يومنا هذا ظلت المفردات الزراعية العربية حاضرة فى اللغات
الأوروبية وبخاصة اللاتينية منها (35) .
كانت
الأندلس بمثابة مشتل للأبحاث الزراعية يعتمد الأسس العلمية فى الغرس وتوفير الظروف
الملائمة لنمو النبات، وفيها نشطت زراعة النباتات الطبية وذاع صيت علمائها فى هذا الحقل مثل يحيى بن محمد
بن العوام صاحب كتاب الفلاحة وابن البصال وابن الأشبيلى والحاج الغرناطى، ويعتبر
ابن الوافد الطليطلى أشهر علماء الزراعة فى الأندلس فى القرن الحادى عشر، وقد وضع
"كتاب الزراعة " الذى شرح فيه آخر التقنيات العلمية الزراعية فى عصره
وقد ترجم إلى الأسبانية وظل مرجعا رئيسيا لعلماء الزراعة فى أوروبا حتى القرن
السادس عشر الميلادى.
وفى
إطار الترجمة من العربية إلى اللاتينية مباشرة، ذكر دور قسطنطين الإغريقى الذى درس
الطب فى تونس ثم تنصر وترهب فى دير مونت كاسينو البنديكتى، حيث ظل يترجم الكتب
الطبية التى أحضرها معه من تونس إلى أن توفى فى الدير المذكور سنة 1087 م
بعد أن ترجم العديد من الكتب والمقالات ناسبا إياها إلى نفسه مثل مقالة
المالينخوليا لإسحاق بن عمران.
ورسالة
النسيان وعلاجه وكتاب زاد المسافر لابن الجزار القيروانى، إلا أن أهم عمل ترجمه
على الإطلاق وكان له أكبر الأثر فى أوروبا هو كتاب "كامل الصناعة
الطبية" المعروف بالكتاب الملكى Liber
Regius
لعلى ابن عباس المجوسى أنطس أطباء عصره فى القرن العاشر الميلادى. ويمثل الكتاب
خلاصة ما وصل إليه الطب العربى فى عصره، وقد أعاد إسطيفان البيزى الأنطاكى أثناء وجوده فى أنطاكية سنة 1127 م
ترجمة الكتاب الملكى من العربية إلى اللاتينية(36).
أما
فرج بن سالم الصقلى Faragut وهو آخر مترجمى العصور
الوسطى من العربية إلى اللاتينية فقد ولد فى مدينة جرجنت وتعلم فى مدرسة الطب
بسالرنة وترجم سنة 1279 م كتاب "الحاوى" الضخم فى الطب للرازى، ويقع فى 23 سفرا. ومثلت
هذه الترجمة المرجع الأساسى فى الطب لكافة مدارس الطب وكلياته فى أوروبا العصور
الوسطى(37) . كما ترجم يوجينيوس البلرمى كتاب بطليموس "المناظر، من العربية
إلى اللاتينية رغم معرفته بالإغريقية(38) .
وكانت الثقافة العربية
المترجمة إلى اللاتينية تدرس فى الجامعات الأوروبية فى العصور الوسطى، فانتقلت
فلسفة أبى الوليد محمد بن رشد (قرطبة 1126- مراكش 1198 ) عبر أسبانيا إلى أوروبا، وبسبب نزعتها المتحررة فقد حجر
الفاتيكان ومجلس علماء بارشى على تداولها. فقد ترجم المستشرق الاسكتلندى ميخائيل
سكوت (
1175-
1235 ) من العريية إلى اللاتينية العديد من شروح ابن رشد وبعض أعمال ابن سينا كبير
أطباء عصره وعميدهم فى دمشق، كما ترجم كافة كتب أرسطو فى علم الحيوان، وبخاصة كتاب
De Animalbus الذى ترجمه سنة 1232 م
مع تعليق ابن سينا عليه. وترجم إسطيفان المسينى من العربية إلى اللاتينية رسالة
أعمال عديدة فى التنجيم والفلك.
ثم تحول الاهتمام بترجمة علم الفلك العريى ودراسته إلى الاهتمام بالإسلام
وترجمة القرآن الكريم وتفسيره، فترجمه القس ماركوس الطليطلى بتكليف من رئيس أساقفة
طليطلة السيد رودريغو إلى الرومنثية الأسبانية التى كان لها أكبر الأثر فى تكوين
الروح الأيديولوجى الحاقد ضد الإسلام والعرب، ثم ظهرت بعد ذلك كتب ينبعث من
عناوينها الحقد الدفين مثل كتاب "تفنيد آيات القرآن والعرب لريكولدو دامونت
كروس، وكتابات الراهب الدومينيكانى توماس الاكوينى (إيطاليا 1225 - فرنسا 1274 ) إذ عمد
القائمون على ترجمات النص القرآنى إلى تشويهه بتجاهل ترتيب آياته وإقحام سيرة
الرسول الشخصية فيه وتغيير بعض الكلمات وقلب الجمل كما كشف عن ذلك المستشرق إدوارد
دينسون روز، وتجسد هذا التعمد فى محاولات رودول الذى يمثل عقلية القرن التاسع عشر
الحاقدة فى مجال ترجمة القرآن الكريم وتفسيره. فما كادت تتراءى لمسيحيى الغرب
أهمية القرآن ودوره فى قوة المسلمين والعرب حتى دأبوا على معرفته مستعينين باليهود
ونصارى فلسطين والشام، وأوفد الأب بطرس المبجل رئيس صومعة كلونى (جنوب فرنسا)
للرهد PETER
OF CLUNYالمعروف بحملته الانتقادية الشعواء على الإسلام
عددا من أتباعه لهذا الغرض، فقضى هرنان أحد كبار قساوسة
وكانت الثقافة العربية المترجمة إلى اللاتينية تدرس فى الجامعات الأوروبية
فى العصور الوسطى، فانتقلت فلسفة أبى الوليد محمد بن رشد (قرطبة 1126- مراكش 1198 ) عبر أسبانيا إلى أوروبا، وبسبب نزعتها المتحررة فقد حجر
الفاتيكان ومجلس علماء بارشى على تداولها. فقد ترجم المستشرق الاسكتلندى ميخائيل
سكوت (
1175-
1235 ) من العريية إلى اللاتينية العديد من شروح
ابن رشد وبعض أعمال ابن سينا كبير أطباء عصره وعميدهم فى دمشق، كما ترجم كافة كتب
أرسطو فى علم الحيوان، وبخاصة كتاب De Animalbus الذى ترجمه سنة 1232 م
مع تعليق ابن سينا عليه. وترجم إسطيفان المسينى من العربية إلى اللاتينية رسالة
أعمال عديدة فى التنجيم والفلك.
ثم تحول الاهتمام بترجمة علم الفلك العريى ودراسته إلى الاهتمام بالإسلام
وترجمة القرآن الكريم وتفسيره، فترجمه القس ماركوس الطليطلى بتكليف من رئيس أساقفة
طليطلة السيد رودريغو إلى الرومنثية الأسبانية التى كان لها أكبر الأثر فى تكوين الروح
الأيديولوجى الحاقد ضد الإسلام والعرب، ثم ظهرت بعد ذلك كتب ينبعث من عناوينها
الحقد الدفين مثل كتاب "تفنيد آيات القرآن والعرب لريكولدو دامونت كروس،
وكتابات الراهب الدومينيكانى توماس الاكوينى (إيطاليا 1225 - فرنسا 1274 ) إذ عمد
القائمون على ترجمات النص القرآنى إلى تشويهه بتجاهل ترتيب آياته وإقحام سيرة
الرسول الشخصية فيه وتغيير بعض الكلمات وقلب الجمل كما كشف عن ذلك المستشرق إدوارد
دينسون روز، وتجسد هذا التعمد فى محاولات رودول الذى يمثل عقلية القرن التاسع عشر
الحاقدة فى مجال ترجمة القرآن الكريم وتفسيره. فما كادت تتراءى لمسيحيى الغرب
أهمية القرآن ودوره فى قوة المسلمين والعرب حتى دأبوا على معرفته مستعينين باليهود
ونصارى فلسطين والشام، وأوفد الأب بطرس المبجل رئيس صومعة كلونى (جنوب فرنسا)
للرهد PETER
OF CLUNYالمعروف بحملته الانتقادية الشعواء على الإسلام
عددا من أتباعه لهذا الغرض، فقضى هرنان أحد كبار قساوسة صومعة دلماطيا Dalmatia
ثلاثة وعشرين عاما فى الشام لدراسة العريية والإسلام عاد بعدها لتدريس العربية فى
مدرسة الآباء المسيحيين فى صومعة ريتينا بالأندلس.
وقبل أن تشهد اللغات الأوروبية تطورها الحديث وكانت اللاتينية وحدها لغة
العلم والثقافة ترجم المستشرق الإنجليزى رئيس شمامسة بمبلونة الآب روبرت التشترى
الكيتينى من صومعة ريتينا (بالاشتراك مع قساوسة آخرين من صومعة دلماطيا) القرآن
إليه لأول مرة سنة 1143
وهى أول ترجمة لمعانى القرآن إلى لغة أوروبية، وقد تمت بتكليف من الأب بطرس
الكلونى المبجل الذى بقيت فى صومعته إلى أن ظهرت المطابع بعد أربعمائة سنة قطعها
الناشر السويسرى ببلياندر فى مدينة باسل سنة 1543 ثم نقحها وأعاد
طباعتها سنة 1550 ، ومنذ ذلك الحين شاع
استعمالها فى أوروبا اللاتينية والأب التشترى مستشرق معروف بترجماته لعديد من
الأعمال العلمية العريية فى الرياضيات والفلك والكيمياء والجدل إلى اللغة
اللاتينية.
فقد فشل المستشرقون فى تحليل القرآن الكريم حسب منهج الفقه اللغوى الذى
اعتمدوه فى دراسة اللغات الكلاسيكية وتحليلها، فلم يجدوا فى الأدب الجاهلى نص
واحدا متكاملا يمكن مقارنته بآيات الذكر الحكيم فاشتبه عليهم تأثر القرآن
بالمسيحية واليهودية أو أنه من صنع محمد كذلك أدى بهم استخدامهم للمنهج سابق الذكر
فى دراسة الفلسفة الإسلامية إلى قياس خاطئ حملهم إلى ربطها بالفلسفة اليونانية
متجاهلين خصوصية الفكر الفلسفى الإسلامى واليه استيعابه لعلوم الأولين وتطويرها
وليس هذا السلوك الاستشراقى بغريب علينا. فقد "كانت حركة الاستشراق تسير جنبا
الى جنب مع التحولات والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى سادت العصور
التى عاش فيها أولئك المستشرقون " (39).
"فالفكر الأوروبى المعاصر الذى سادت فيه العلوم الإنسانية والتى تحدد
منهجها على يد شلير دلتاى وغيرهم اكتشف عن طريق دراسة علماء الغرب لعلماء الحديث
المسلمين، المنهج يلى الفهم والتفسير، وأن تراث الإسلام الذى كون نهضة أوروبا
واكتشف، عن طريقه ونسب لغير أهله، اكتشافات عديدة كاكتشاف الدورة الدموية لابن
النفيس، والكوميديا الإلهية التى نسبت لدانتى، واكتشاف القاعدة الثانية لحركة
القمر لأبى الوفا. والكوجيتو الديكارتى وهو فى الأصل لابن سينا واحتمالية القوانين
الطبيعية للإمام الغزالى الذى قيل أن عبقرية ديفيد هيوم هى التى صاغته كل هذا كان
من ضمن التراث الذى استغله الغرب فى إثراء حضارته ".
وتكتسب الترجمات الأسبانية والعربية أهمية كبرى فى حالة ضياع الأصول التى
ترجمت عنها، إذ حفظت لنا الترجمة العريية لكتاب "كليلة ودمنة"مضمونه بعد
أن ضاع أصله السنسكريتى وترجمته الفارسية. وأصبحت الترجمة العربية المحكمة للنص
مصدرا لترجمته لأربعين لغة آسيوية وأوروبية وكانت الترجمة الأسبانية هى أول ترجمة
أوروبية للكتاب المذكور، وقد أمر بها الملك الفونصو الحكيم فى سنة 251ام، ثم تلتها
الترجمة الإنجليزية فى سنة 1571م عن الإيطالية. وهكذا انتشرت هذه الجوهرة الأدبية
وأثرت فى الآداب العالمية. كما حفظت لنا الترجمات الأسبانية تراثا عربيا بعد أن
ضاعت أصوله العربية كما حدث لمؤلفات لعلى بن خلف وأخرى للقاسم السمح فى علم الفلك.
وبينما أتت يد الزمان على شروح ابن رشد فقد حفظتها لنا ترجمات سكوت اللاتينية،
!الى سكوت يرجع الفضل أيضا فى تعريف الغرب بأرسطو عن طريق العرب.
نقلت الترجمة بجدارة لشعوب العالم جمعاء- ومنها الشعوب الأسبانية- التراث
العريى من علوم وفلسفة وآداب مخترقة الحدود الثقافية والقومية، فالترجمة اغتنى
العرب من تراث الإغريق والهنود والفرس والسريان والمصريين القدماء وغيرهم من
الشعوب المجاورة، فقد تمثل العرب نقولهم عمن سبقهم فاستوعبوها وأنضجوها. وبالترجمة
من العربية اغتنت شعوب أوروبا ونهضت من سباتها الذى استمر طوال العصور الوسطى.