ضرورة التجديد
د. أحمد الطيب
الأستاذ بجامعة الأزهر- مصر
مدخل
لعلى أبدأ بحثى بالوقوع فى المصادرة على
المطلوب لو رحت أقرر منذ البداية
أن التجديد ضرورة ذاتية أو خاصة لازمة لرسالة الإسلام،
إذ الوضع المستقيم- منطقيا- لهذه القضية أن تأتى نتيجة مستدلة فى
آخر البحث لا مقدمة فى التأصيل. لكن قد يشفع لهذا
التقديم أن قضية " ضرورة التجديد"، ربما تتمتع بقدر عال من الوضوح الذاتى يؤهلها لأن تكون شبيهة بالقضايا، التى
تحمل معها براهينها .
ولست أزعم- بطبيعة الحال- أن
هذه القضية قضية أولية مستغنية عن مؤونة الإثبات، وإلا
لما كان ثمة حاجة إلى لفت النظر إليها والتذكير بها فى مؤتمر عالمى بهذا الحجم الذى نشهده الآن. غير أن التأمل الهادئ فى
طبيعة رسالة الإسلام- كبيان من الله للناس يتخطى حدود الزمان والمكان- يبرهن على
أن مسلمة- "التجديد" إن لم تكن هى والإسلام
وجهان لعملة واحدة فإنها- على أقل تقدير- إحدى مقومات الذاتية، إذا تحققت تحقق
الإسلام نظاما فاعلا فى دنيا الناس، وان تجمدت تجمد
وانسحب من مسرح الحياة، واختزل فى طقوس تؤدى فى المساجد أو المقابر، وتمارس على استحياء فى بعض المناسبات بل يثبت هذا التأمل أن تاريخ الإسلام- فى أزهى عصوره- يشهد على هذه العلاقة التى
لا تنقصم بين التجديد وحيوية الإسلام، كما يشهد على العلاقة ذاتها بين الجمود
وانزوائه إلى ركن قصى عن الحياة وعن المجتمع.
ومن الغريب- حقا- أن يظل
مصطلح "التجديد" فى الإسلام، فى عهدنا هذا، من
المصطلحات المحفوفة بالمخاطر والمحاذير، بسبب الاتهامات التى
تكال جزافا،- بحق أحيانا وبغير حق فى معظم الأحايين-
لكل من يقترب من فتح هذا الملف الملغوم، الأمر الذى
يجسد لنا الأهمية البالغة لهذا المؤتمر الشجاع الذى
اتخذ من التجديد عنوانا لفعالياته ونشاطاته، رغم محاكم التفتيش التى تعقدها بعض الأقلام لكل من يجرؤ على فك أغلال الجمود ومغالقه عن روح هذا الدين العظيم. وللأسف البالغ لا تزال بعض
المطبوعات المعاصرة- وبعضها يحمل طابع الرسائل العلمية- تضع كل دعاة التجديد فى سلة واحدة، وتدمغهم بالتلمذة على رائد أوحد فى هذا المجال هو:" سير أحمد خان"(1)
وحتى تأتى هذه الورقة أقرب الى المنهجية العلمية منها إلى الخواطر المرسلة فى هذا الموضوع المترامي الأطراف، رأيت أن أبحث ضرورة التجديد فى إطار عناصر محددة هى: التجديد
وطبيعة الإسلام- التجديد جوهر التراث- من أزمات التجديد- ضرورة التجديد المعاصر.
التجديد وطبيعة الإسلام:
1-
من المتفق عليه عند المسلمين جميعا أن رسالة الإسلام تنفرد عن بقية الرسالات
بخصائص معينة: الأولى: أنها رسالة خاتمة، وأن نبيها آخر الأنبياء ( ولكن رسول
لله وخاتم النبيين ) (الأحزاب: 40)، والثانية: أنها رسالة عامة للناس جميعا،
تتخطى حدود الزمان والمكان الى أن يرث الله الأرض ومن
عليها: ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (سبأ: 28). والخاصية الثانية مترتبة على الأولى
ترتبا منطقيا، إذ ختم النبوة يستلزم بالضرورة عموم الرسالة للناس جميعا (2)، بحيث
لا يختص بها قوم دون قوم، وإلا جاء الهدى الإلهى ناقصا، يفيد منه أناس ولا يفيد منه آخرون، ومع هذا
الافتراض يظل الناس فى حاجة إلى نبوة جديدة، فلا تكون
النبوة التى تحدثنا عنها نبوة خاتمة.
وتقتضى "الخاتمية" استمرار رسالة النبى
الخاتم إلى آخر الزمان، وإلا انقطع هدى السماء وتوقف اللطف الإلهى،
وهذا فى فلسفة الإسلام نقص يستحيل أن يتصف الله به. والقرآن الكريم حين يوجه خطابه للأمم والملل والأديان
إنما يوجهه خطابا مطلقا من أى قيد زمانى
وهذا الإطلاق دليل هيمنة هذه الرسالة وظهورها على الرسالات السابقة: ( هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره
المشركون ) (التوبة: 33).
2- وأمر طبيعى
أن تختلف براهين هذه الرسالة عن براهين الرسالات الماضية، لأن هذه الرسالات إذا
كانت خاصة بأقوام معينين فى أماكن معينة وأزمنة محددة،
فإن براهينها التى تتأيد بها
يجب أن تكون هى الأخرى محصورة بحدود الزمان والمكان، إذ
ليس من الحكمة- فى شئ أن
تكون الرسالة خاصة، ويكون برهانها عاما أو ملزما للناس جميعا، ومن أجل ذلك كانت
معجزات الأنبياء السابقين معجزات حسية يقتصر
تأثيرها على من يراها، ولا يتعداه إلى الآخرين ممن لم يبعث لهم حذا النبى أو ذلك. غير أن الأمر يختلف- كليا- فيما يتعلق بالرسالة
الخاتمة، إذ لا بد فيها من معجزة تشتمل على خاصية ،" الاستمرار"،
والتواصل الممتد، وبحيث تصلح أن تكون حجة دائمة لإقناع الناس بها
فى أى مكان أو زمان يفترض.
ويتعين أن تكون هذه المعجزة من نوع آخر غير معجزات الحس، بعبارة أخرى: لابد أن
تكون معجزة عقلية إذ العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، ومن هنا كانت معجزة نبى الإسلام، هى: "القرآن"،
وهو معجزة عقلية تخاطب عقول الناس على امتداد الزمان. ولعل هذا هو السر فى أن الإسلام لم يعول فى خطابه
للناس على الخوارق الحسية كما عولت عليها الرسالات السابقة، وهو السر أيضا فى انفراد "القرآن " بخاصية الحفظ من
التغيير والتحريف والتبديل.
3-
وقضية عموم الرسالة تقترض ضرورة اشتمالها على ما ينفع الناس فى
أمور الدين والدنيا معا، بحيث تستجيب لحاجاتهم وأمور معاشهم مهما اختلفت أماكنهم
وتغيرت أزمانهم وهذا يعنى أن تكون شريعة
الإسلام "جاهزة" و"مستعدة"- بطبيعتها- لتقديم حلول
و"صيغ"، معاشية متغيرة، تواكب تغير
الحياة وتطورها، وبحيث تنفى عن الناس "الحرج " الذى يولده الصراع الدائم بين الجديد والقديم، وهو ما أكده
القرآن نفسه فى الآيات الكريمة:
( يريد الله بكم اليسر
ولا يريد بكم العسر) (البقرة: 185) ؛ ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج
) (المائدة: 6) ؛ ( وما جعل عليكم فى الدين من حرج )
، (الحج: 78).
4- ولقد حدثنا التاريخ
المنصف عن نزول هذه الرسالة إلى مجال التطبيق ونجاحها فى
هذا المجال، وكانت شريعتها حجر الزاوية فى بناء نظم
حضارية طالت عنان السماء فى زمن قياسى،
ظل موضع دهشة عند علماء التاريخ والحضارة المعاصرين. ولم يكن نجاح هذه الرسالة
رهنا ببيئة جغرافية معينة، بل كما نجحت فى مهدها الأول
نجحت- وبنفس القدر- فى بيئات قصية بعيدة عنها، رغم
اختلافها: لغة وجنسا وعرفا وعقيدة وتاريخا وحضارة. ويثبت التاريخ - أيضا- أن هذه
البيئات الغريبة لم تتقبل شريعة الإسلام تقبل المغلوب لحضارة الغالب، بل تلقفتها
تلقف الغريق لطوق النجاة المنقذ من دمار حضارى محقق(3).
5- ولو رحنا نتساءل عن السر فى
هذا النجاح الحضارى غير المسبوق، والذى
أحرزته رسالة الإسلام بصورة تاريخية معجزة فإننا لن نعثر على إجابة أصدق من أنها:
رسالة صالحة لكل زمان ومكان، وأن صلاحيتها هذه فرع خصوصية أخرى هى: "المرونة والحركة" فى
نظرتها إلى طبيعة الإنسان: الروحية والمادية، إذ تفرق فيها بين ما يكون ثابتا على
الزمان، ولا يشكل للناس عنتا ولا حرجا إذا ما طولبوا به،
وبين ما يتغيرفى حياتهم مما لا يستطيعون له دفعا.
والقدرة على التجديد أو التجدد الذاتى هو التعبير
الدقيق عن خاصية "المرونة" هذه، وهو الوجه الآخر لمعنى صلاحية الإسلام
لكل زمان ومكان، ولولاه ما استطاعت هذه الرسالة أن تنتشر فى
الشرق والغرب بين أمم تتغاير فيما بينها تغايرا جذريا فى
شتى مناحى الحياة. ولو أن رسالة الإسلام صيغت فى شكل بنود ومواد ثابتة لا تقيل التجديد لما كان لعموم
الرسالة أى معنى مضمون محصل، بل ولفقدت كل مبرراتها فى نسخها للشرائع السابقة عليها، اللهم إلا إذا افترضنا أنها
رسالة
تتضمن ثوابت فقط من أمور
العقيدة والأخلاق وحينئذ يؤول الإسلام إلى رسالة روحية لا شأن لها بمعاش الناس
وحياتهم. على أن خطاب القرآن بــ (
يا أيها الناس) هكذا مطلقا لا
يستقيم فهمه ألا فى إطار صلاحية الخطاب للتجدد مع تجدد
الأزمان والأحوال، فالتجديد وعموم الرسالة وجهان لعملة واحدة كما أشرنا إلى ذلك فى- بداية البحث.
التجديد جوهر التراث (العقلى والنقلى)
1-
على أن قانون التجدد أو الصيرورة أو التغير إنما هو فى
الأصل قانون قرآنى، أو مبدأ لفت القرآن أنظارنا إليه
كسنة من سنن الكون التى لا تتبدل ولا تتحول، وقد وضعه
الله شرطا إلى الأفضل فى نصوص قرآنية واضحة وضوح الشمس(
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد: 11)؛ ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ). (الأنفال:
53).
وكنا نظن أن فكرة صيرورة الوجود الطبيعى
وتجدده لحظة بعد لحظة، من مقولات قدامى اليونان أو من تأصيلات
الفلاسفة الغربيين، وأنها غريبة عن الجو الثقافى كما
تصوره أدبيات الإسلام، لكننا- ولفرط الدهشة- وجدناها فى
أمهات التراث عند المسلمين: فالأشاعرة من المتكلمين
يقررون فى مباحثهم الطبيعية أن" العرض " ، لا يبقى زمانين متتاليين، وأن وجود الأعراض إنما يكون بانقضائها
وتجددها لحظة بعد أخرى، والنظام والكعبى- من المعتزلة-
يرددان نفس هذه المقولة، بل يخطو النظام خطوة أبعد، يقرر فيها أن
"الأجسام" أيضا غير باقية، وأنها تتجدد حالا فحالا، والنتيجة التى تنتهى إليها هذه الأنظار المعمقة: أن الكون متجدد وصائر من حال إلى حال فى كل لحظة، سواء كان تجدده بتبدل الأعراض المتغيرة على
جواهرها الثابتة، فيها يقول الأشاعرة ، أو بتجدد الأعراض والجواهر معا فيما يقول
النظام.. ويعذ الفيلسوف المسلم: صدر الدين الشيرازى (
المتوفى 1641م) فيلسوف الصيرورة قبل برجسون الفرنسى (1859م- 1941م) وقبل أنصار الديالكتيك
الطبيعى، وقد تفرد- فى تاريخ
التفلسف المعلى- بالقول بوقوع الحركة فى مقولة
"الجوهر"، وأن الطبيعة الجوهرية غير قارة الذات، وكان الفلاسفة- قبله -
يجترون نظرية أر سطو فى ثبات الطبيعة فى عالميها: السفلى والعلوى، فقلب
هذه النظرية رأسا على عقب، وقال بتجدد الأجرام السفلية والعلوية معا، وله فى هذا المعنى تشبيه أخاذ يقول فيه: "أن حال الشمس
والقمر كحال زيد وعمرو فى تبدلهما وانقضائهما ودثورهما وفنائهما، من جهة اشتمالها على الطبيعة الجرمية السيالة الزائلة (...) وأن
الحمل والثور والسنبلة فى عالم السماء كالحمل والثور
والسنبلة فى عالم الأرض من حيث أن أشخاص الكل متجددة فى كل حين(4).
2-
ولا ينبغى أن نفهم أن أصحاب "الصيرورة"
والتجدد الدائم من مفكرى المسلمين يرددون مقولات
مستجلبة من الخارج، أو مضادة لطبيعة الإسلام، فهم - أنفسهم- يلفتون أنظارنا إلى أن
إشارات من القرآن الكريم كانت مصدر إلهامهم بهذه الأنظار: "فمن اكتحلت عينه
بنور الإيمان وتنور قلبه بسطوع آيات
القرآن- فيما يقول الشيرازى- يجد أعيان العالم متبدلة، وتعيناتها المترادفة متزايلة، خلقا
من بعد خلق، وطورا من بعد طور، سائرة، سائلة إلى طريق الآخرة، متوجهة إلى الله
راجعة إليه (5) ويستند الشيرازى إلى آيات عديدة
يستلهمها فى نظريته فى الكون
المتجدد بالحركة الجوهرية، منها قوله تعالى: ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهى
تمر مر السحاب ) (النمل: 88) وأيضا: ( أفعيينا بالخلق الأول بل هم فى لبس من خلق جديد) (ق: 15). وهذه الآية الثانية ألهمت
الشيخ الأكبر: محيى الدين بن عربى (560هـ- 638 هـ)
بخيال خصيب
فى تجدد الكون فى كل لحظة، يلخصه فى عبارته
الموجزة:" إن الموجود كله متحرك على
الدوام دنيا وأخرى" (6).
وقضية تغير العالم وتبذله من
حركة إلى سكون- وبالعكس- مرتكز أساسا فى باب الاستدلال
على وجود الله- تعالى ! لا يخلو منها كتاب واحد من مئات كتب العقيدة عند متكلمى المسلمين، وكلها تذكر بأن "التغير" علة
الحدوث، وأن الحدوث علة الاحتياج إلى المحدث... هكذا نحفظ، وهكذا نحفظ ، وهكذا
نردد كنا وإن ننسى بعد تمام الدليل أن "تغير العالم " هى مسلمتنا الأولى، لولاها ما تم الدليل، بل وانهار من أساسه.
وما نقصده من هذا الاستطراد
هو أن حديث" التجديد" ليس حديثا غريبا طارئا أو شاذا فى تراث الإسلام، أو هو مجرد "آلة" ملصقة به من الخارج، فالعكس هو الصحيح، إنه جوهر هذا التراث العقلى وروحه وطاقة حركته.
3-
وما لنا نذهب بعيدا فى تلمس الأشباه والنظائر لاكتشاف
أصالة عنصر التجديد فى الإسلام، وبين أيدينا نص قاطع من
نصوص السنة الصحيحة يؤكد على ضرورة التجديد فى الدين
بصورة منتظمة على أيدى النابهين من علماء هذه الأمة،
يقول فيه النبى- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله
يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة منن يجدد لها دينها" (7). وهذا الحديث تناوله الأقدمون
بالبحث والتحليل، وكتبوا فيها رسائل مستقلة( 8)، أثاروا فيها- مسائل
وقضايا علمية جديرة بالتقدير، مثل: المراد برأس المائة، هل هو أولها أو آخرها؟ أو
وسطها على اعتبار أن هذا القيد اتفاقى؟ وما المراد
بالتجديد؟ ومن هم المجددون؟ وهل يكون المجدد واحدا أو أكثر؟... إلى أبحاث أخرى
ذكروا فيها قوائم بأسماء المجددين بدءا من المائة الأولى وحتى القرن التاسع فى قائمة السيوطى أو القرن الرابع
عشر فى قائمة صاحب "وسيلة المجدين ". ونلاحظ
أن مرادهم من التجديد لم يتجاوز دائرة: "إحياء ما اندرس
من العمل بالكتاب والسنة" أو "بيان السنة من البدعة" (9). فلم
يفسروا التجديد فى الحديث بالمعنى المفهوم فى عصرنا الآن، وهو: قراءة "النص الشرعى"،
قراءة جديدة من أجل تنزيله على الواقع والمصالح المتغيرة، وما كان لهم- فى ظل مجتمع إسلامى، قوى ومستقر-
أن يشعروا بحاجة إلى تفسير من هذا القبيل. غير أنهم تركوا لنا فى
شروحهم- رغم خلافاتها- عناصر إيجابية يمكن أن نفيد منها فى
حركة تجديد معاصر، "من "هذه العناصر:
- كلمة"من "فى الحديث تنطبق على أكثر من شخص، ويجوز- تبعا لذلك-
أن يتعدد المجددون فى العصر الواحد والبلد الواحد أيضا، ويكون الحديث- بهذا
المعنى- سندا شرعيا لقيام مجامع علمية معاصرة تضطلع بحركة تجديد جماعى للفكر الإسلامى.
-
لا يشترط أن يكون المجدد مجتهدا، وإن كان
يشترط فيه العلم بالمجال الذى يجدد فيه.
- لا يقتصر
التجديد على علم الفقه، بل يجب أن يشمل التجديد كل ما يهم المسلمين من أمور الدنيا
والدين، ويركزون فى هذا الصدد على الحرب والسياسة
والعدل وحقن الدماء .
- رفض القول المشهور بين الفقهاء، وهو: انقطاع
الاجتهاد بعد القرن الخامس- الهجرى، إذ لا حجة تنهض
لإثباته، ومواهب الله تعالى فياضة فى كل عصر وزمان،
وجوده سبحانه وتعالى ممنوح غير ممنوع، وللسيوطى فى ذلك كتاب سماه: "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن
الاجتهاد فى كل عصر فرض"(10).
4- وإذا كان
التجديد بهذه الأهمية فى تراثنا العقلى
والنقلى، فالسؤال الذى يفرض
نفسه هو: لماذا الجمود إذن؟…
لقد ذكرت فى أسباب هذه الأزمة عوامل عديدة، تقصاها بعض
المعاصرين، وأرجعوها فى الأساس إلى عوامل سياسية واجتماعية،
بعضهم عاد بها إلى النظام السياسى
المستبد الذى ابتدعته الدولة الأموية، الذى أدى إلى تكريس حالة، انفصام، حاد بين العلوم الإسلامية
وواقع المسلمين فبدأ، بتجمد الفقه السياسى والدستورى للدولة، كما
تجمد فقه العلاقات الاقتصادية والمالية، وبدأ يتجمد فقه العلاقات الدولية كذلك
"، والتزم الأئمة الكبار "ناحية فروع الفقه، كما التزم المحدثون رواية
السنن" واكتفوا "بقبول الأمر الواقع، واستفاضوا فى
شروح العبادات والمعاملات على النحو الذى وصل
إلينا"(11). وبعضهم يرصد بوادر هذه الأزمة فى ضعف
الدولة العباسية، خاصة فى ظاهرة فوضى القضاء والإفتاء
والاجتهاد، وجرأة غير المؤهلين- علميا- على اقتحام هذه المراكز الحساسة، الأمر الذى حمل المخلصين من العلماء على التحوط
للدين بقفل باب الاجتهاد منعا للفساد وسدا لباب
الفوضى(12) وربما لم يدر
بخلدهم آنذاك أن الوسيلة التى لجأوا
إليها ستنتهى- فيما بعد- إلى غاية أكثر فسادا وفوضى، إذ
انتهى الأمر إلى تقليد ثم جمود ثم تعصب وهو الثالوث الذى
ضرب خصوبة الفكر الإسلامى فى
مقتل، وقد ظل المسلمون يعانون منه- حتى الآن- " أزمة مركبة"، تتمثل فى أن الثقافة التى تجرى فى عروقهم لا تتناغم مع واقعهم العملى
الذى يعيشون فيه صباح مساء، أو بعبارة أدق: إن واقعهم
هو الذى لا ينسجم مع ثقافتهم، فهم يفكرون بثقافة
ويعملون بثقافة مغايرة، وحسبك بهذا التمزق صراعا وتدميرا لكل إمكانات التنمية، فضلا
عن الانخراط فى أسباب التقدم والرفاهية.
من أزمات التجديد:
ولكن إذا كانت هذه العوامل
السياسية والاجتماعية السابقة عوامل متغيرة، وقد تغير أكثرها بالفعل فى عصرنا هذا، فلماذا ظلت محاولات التجديد الحديث كسيحة متعثرة؟
ولماذا أخفقت فى تطوير الفكر الإسلامى
وإعداده الإعداد المطلوب لمواجهة الفكر الغربى؟... فى سبيل الإجابة على هذا السؤال تطرح عدة أسباب، شكلت ما يشبه
الأزمة فى فعالية التجديد بشكل عام، وأهم هذه
الأسباب:
(أ)عدم
التفرقة- عمليا- بين ما هو ثابت فى الدين وما هو متغير،
إذ من المسلم به عند المسلمين جميعا أن الإسلام- بما هو
دين الزمان والمكان- لابد أن يشتمل على ثوابت خالدة، وعلى متغيرات متحركة، وأنه فى مجال الثوابت جاء بتحديدات خالدة لا تتأثر بتقلبات الزمان
ولا بحركات التطور، وهى قابلة للتطبيق فى عصر الذرة
وسفن الفضاء، مثلما كانت قابلة للتطبيق فى عصر الصحراء
والإبل تماما بتمام(13).. والأمر بالعكس فى مجال
المتغيرات، الذى خوطب فيه الناس بمبادئ عامة ومجملات مرنة ، وظنيات واسعة يمكن أن تنزل على الواقع بوجوه شتى ، تبعا لتطور
ظروف الحياة وعلاقاتها، وعلم الإنسان وتجاربه (14).
وثوابت الدين- التى لا تقبل التغيير- هى العقيدة،
وأركان الإسلام الخمسة وكل ما ثبت بدليل قطعى من المحرمات،
وأمهات الأخلاق، "وما ثبت بطرق قطعية فى شئون
الأسرة من زواج وطلاق وميراث ومعاملات وحدود وقصاص،، أما المتغيرات فهى كل ما يتعلق "بجزئيات الأحكام وفروعها العملية،"(15)،
وأمثلتها لا تدخل تحت الحصر... وهذه الثنائية بين ثوابت ومتغيرات فى رسالة الإسلام تكشف عن إعجاز هذه الرسالة، وأنها- بحق- دين
الفطرة؛ لأن الإنسان- بما هو روح وجسد- كائن مواطن فى عالمين،
ومشدود إليهما بعلاقتين: علاقة بالله –
تعالى:- وعلاقة بوسط مادى، متغير غير مستقر: فما كان
متعلقا بالله من عقائد وعبادات ونظم ثبته الإسلام ، وما تعلق بالجانب المتغير راعى
فيه المرونة والحركة، ولكن فى إطار الأهداف العليا
للإيمان بالله تعالى. من هذا جاءت نصوص القرآن الكريم،المتعلقة بالأحكام العملية
المتغيرة- مثل: الأحكام المدنية والدستورية والجنائية والاقتصادية- متضمنة "
الأحكام الأساسية والمبادئ العامة، التى لا تختلف فيها
بيئة وبيئة، وتقتضيها العدالة فى كل أمة، ليكون أولوا
الأمر- فى أية أمة- فى سعة
من أن يفرعوا ويفصلوا حسبما يلائم حالهم وتقتضيه
مصالحهم (16) ويضرب علماء الفقة
مثلا لذلك : " البيع " حيث تكثر مواده فى
القوانين المدنية كثرة هائلة، بينما لم يذكر فى القرآن
منها إلا أربعة أحكام فقط. وكذلك الأحكام الدستورية لم يقرر
فيها القرآن أ كثر من ثلاثة مبادئ: الشورى والعدل والمساواة. ونفس الشئ بالنسبة للعقوبات والقوانين الاقتصادية وما أشبهها (17)،
هذه المتغيرات تتسع- بطبيعتها- لتطبيقات عدة
وصيغ مختلفة، كلها مشروع ما دام يحقق مصلحة معتبرة فى
موازين الإسلام ولا يصدم مقصدا من مقاصده. وليس بلازم أن تكون صيغة واحدة من صيغ
هذه المتغيرات هى الصيغة المشروعة دون غيرها، وما دام
الإطار شرعيا فليأت المضمون فى أية صيغة يتسع لها هذا
الإطار، والمتأمل فى بعض الآراء الرائجة والمناهضة
للتجديد الآن، يلاحظ فيها خلطا بين هذين الأمرين، وأن صيغة معينة تكتسب،- دائما شرعية
تنفى بها الصيغ- الأخرى التى
تحقق ذات المقصد، لا لشئ إلا لأن هذه الصيغة كانت على
صورة معينة فرضها قانون. الاجتماع المدنى فى عصر معين. ومن أمثلة ذلك أمور يشتد فيها الخلاف الآن إلى
درجة التحزب والانقسام: كالفتوى بحرمة حلق اللحية، أو عدم القيام للقادم، أو الرأى الذى يروج له مؤخرا وهو أن
تعدد الزوجات من السنة.... إلخ هذه الأمور التى روعيت فيها بيئة الحكم وظروف زمانه ومكانه، ولم يراع
فيها المقصد الشرعى وأساس الإشكال فى
هذه الأمور أن الفتوى- فيما يقول بعض المعاصرين- قد تأخذ "السيرة الاجتماعية"
للحكم على أنها "سيرة متشرعية،، وتكون النتيجة-
والحالة هذه- الاضطراب فى فهم مقصد الشارع فى هذه المسألة أو تلك(18) .
وقد ترتب على آفة الخلط بين
ما هو ثابت ومتغير فى الدين آفة أخرى هى الخلط بين ما يعد
تشريعا عاما وما لا يعد كذلك. وقد فصل الفقهاء هذه المسألة بما لا يقبل المزيد، وبينوا أنها كانت من أسباب
الاختلاف المشروع بين الأمة، وكانت مصدر رحمة ويسر فى
الدين، إذ كانت المسألة الواحدة، يراها مجتهد شرعا عاما لا يتغير، بينما يراها
مجتهد آخر حكما مصلحيا يتغير بتغير المصلحة (19) . من
هنا قالوا: "ليس كل ماروى عن الرسول- صلى الله
عليه وسلم- يعد تشريعا ذا حجية ملزمة شرعا للمسلمين(20) ولنا أن نتصور
القفزة الهائلة لتجديد الفكر الإسلامى فيما لو روعى هذا الجانب وتمت عملية فرز دقيقة ومستقصية للعناصر التى يظن أنها ملزمة، بينما هى فى حقيقة الأمر ليست كذلك. وقد نعى الشيخ عبد الجليل عيسى على
علمائنا المعاصرين، عدم عنايتهم بالتحرى عن ظروف كثير
من أوامره صلى الله عليه وسلم وإرشاداته: هل المراد منها أن تكون تشريعا عاما دائما
أو خاصا ببعض الناس دون بعض، أو ببعض الظروف دون بعض ( 21).
(ب)
عدم التفرقة بين الشريعة وبين الفقه، وإضفاء الشرعية على آراء وفهوم
بشرية واعتبارها فى
رتبة النص المعصوم، فالشريعة يجب أن تتميز عن الفقه تميزا حاسما وأن ننحصر- فى المقام الأول- فى نص القرآن والسنة
الصحيحة، أما استنباطات العلماء من فقهاء وأصوليين ومفسرين ومحدثين ومتكلمين فيجب أن ينظر إليها على أنها معارف بشرية، أو
تراث يؤخذ منه ويترك. ولا ينبغى أن يفهم من ضرورة هذه
التفرقة أننا ندير ظهورنا لتراثنا الفقهى، أو نقلل من
أقدار فقهائنا، أو أننا نستبدل به عناصر غريبة عنه تناقض
طبيعته، ولكن هذا شئ ، وتجاوز حدود بشرية هذا التراث شئ آخر فالتراث ليس كله مقبولا، وليس كله مرفوضا، وبتعبير أدق:
ليس كله قادرا على مواجهة مشكلات العصر، وليس كله- أيضا- بعاجز عن التعامل معها،
وهذه ليست سلبية يوصم بها التراث، بل هو منطق الأشياء
وحقائق الأمور، فالحركة المتجددة هى خاصة هذا التراث، وتستلزم- بالضرورة- إلغاء عناصر، إبقاء
عناصر . أخرى، وإضافة عناصر ثالثة حسب الحاجة والمصلحة، والتراث بهذا المعنى تيار
دافق، ونهر سيال لا يكف عن الجريان، أو: هكذا يجب أن
يكون، وإلا تحول إلى ما يشبه ماء راكدا آسنا يضر أكثر مما يفيد. والذين يظنون أنهم
قادرون على مواجهة المستجدات بمجرد استدعاء الأحكام الجاهزة من تراث القرون
الماضية يسيئون- من حيث يدرون أو لا يدرون- لطبيعة هذا التراث العظيم، وهى طبيعة
نادرة، ما أظن أن تراثا آخر عرف بها من قبل، وأعنى بها: القدرة على "التحرك، لمعانقة الواقع المتجدد وتنزيل
الخطاب الإلهي عليه. فالتراث صدى لنصوص الوحى الإلهي،
مفهومة بطريقة معينة فى عصر معين، فإذا اختلفت طريقة
استلهام النص تحرك التراث، وإذا ثبتت ثبت النص وتجمد، وثمتئذ
يكون العيب فى التراث المتوقف لا فى
النص. وما لم يتم، التمييز الدقيق بين الوحى الإلهي
وبين ما أحيط به من معارف، أسست فى
إطار التلقى النسبى للمطلق،
وفى إطار الفهم البشرى لذلك المطلق (...) ما لم يتم هذا الفصل بشكل دقيق، وعلى
سائر المستويات، فإنه يمكن أن يصادر سائر محاولات التجديد والإصلاح التى يمكن أن تقوم بها الأمة،(22).
وقد أدى الخلط بين الفقه
والشريعة إلى الوقوع فى "التقليد" واتخاذه
منهجا ثابتا فى البحث عن حلول لمشكلاتنا المعاصرة، وقد
استبدت هذه الآفة بمسرح الثقافة الإسلامية فى كثير من
تجلياتها فمازلنا نبحث فى آراء القدماء عن إجابات لا
تتطابق مع أسئلة القرن الحادى والعشرين، وريما قصدنا
إلى الرأى
الأكثر حرجا ومشقة، وروجناه بشكلياته وقشوره،
رغبة فى التميز والمخالفة من أجل المخالفة. وهذا
الأسلوب لا يكشف عن شئ من عظمة التراث ولا حيويته، لأن
هذه الحيوية رهن بقدرته على إحداث تجليات جديدة للنصوص، واستيلاد هى خاصة هذا التراث، وتستلزم- بالضرورة- إلغاء عناصر وابقاء عناصر - أخرى، وإضافة عناصر ثالثة حسب الحاجة
والمصلحة، والتراث بهذا المعنى تيار دافق، ونهر سيال لا
يكف عن الجريان، أو: هكذا يجب أن يكون، وألا تحول إلى ما يشبه ماء راكدا آسنا يضر أكثر
مما يفيد. والذين يظنون أنهم قادرون على مواجهة المستجدات بمجرد استدعاء الأحكام
الجاهزة من تراث القرون الماضية يسيئون- من حيث يدرون أو لا يدرون- لطبيعة هذا
التراث العظيم، وهى طبيعة نادرة، ما أظن أن تراثا آخر غرف بها
من قبل، وأعنى بها: القدرة على "التحرك، لمعانقة
الواقع المتجدد وتنزيل الخطاب الإلهي عليه. فالتراث صدى لنصوص الوحى
الإلهى، مفهومة بطريقة معينة فى
عصر معين، فإذا اختلفت طريقة استلهام النص تحرك التراث، وإذا ثبتت ثبت النص وتجمد،
وثمتئذ يكون العيب فى التراث
المتوقف لا فى النص 8 وما لم يتم "التمييز الدقيق
بين الوحى الإلهى وبين ما
أحيط به من معارف، أسست فى إطار
التلقى النسبى للمطلق، وفى
إطار الفهم البشرى لذلك المطلق (...) ما لم يتم هذا الفصل بشكل دقيق، وعلى سائر
المستويات، فإنه يمكن أن يصادر سائر محاولات التجديد والإصلاح التى
يمكن أن تقوم بها
الأمة( 23).
وقد أدى الخلط بين الفقه
والشريعة إلى الوقوع فى، التقليد، واتخاذ منهجا ثابتا فى البحث عن حلول لمشكلاتنا المعاصرة، وقد استبدت هذه الآفة
بمسرح الثقافة الإسلامية فى كثير من تجلياتها فمازلنا
نبحث فى آراء القدماء عن إجابات لا تتطابق مع أسئلة
القرن الحادى والعشرين، وربما قصدنا إلى الرأى الأكثر حرجا
ومشقة، وروجناه بشكلياته وقشوره، رغبة فى التميز والمخالفة من أجل المخالفة. وهذا الأسلوب لا يكشف
عن شئ من عظمة
التراث ولا حيويته، لأن هذه الحيوية رهن بقدرته على إحداث تجليات جديدة للنصوص، واستيلاد
أحكام تلبى حاجات مستجدة،
ليست هى بالضرورة تلك الحاجات القديمة. ومن الحق- كما
يقول د. محمد يوسف موسى- "أن الاعتزاز بتراث الماضين من الأجداد والأسلاف أمر
طبيعى وغريزى فى الإنسان، وأنه من العبث والحمق أن نحاول التنكر لهذا
التراث والاستغناء عنه (...) لكن من الحق أيضا أن الجمود من سمات الموت، وأن
الحركة هى الخاصية الأولى للحياة، وأن القرآن العظيم
نعى فى كثير من آياته على التقليد والمقلدين (23) .
ومن المستغرب- فعلا- أن تركن
الأمة إلى التقليد فى عصرنا هذا، وتتخذ منه ما يشبه
المنهج الثابت فى علاج قضايا العصر، وهى تقرأ فيما تقرأ
من كلام أئمة الفقه تحذيرا واضحا ونهيا صريحا عن التقليد، باعتباره طريقا يفضى- لا
محالة- إلى الجمود وقتل ملكة التفكير وشل حركة التجديد والإبداع، تقرأ كل ذلك فى عبارات لا تقبل التأويل، مثل قولهم: "لا تقلدنى" وقولهم: "خذ من حيث أخذوا"، وقولهم:
"يتبع الرجل ما جاء عن النبى-صلى الله عليه
وسلم- وعن أصحابه، ثم هو من بعد، فى التابعين، مخير". وهذه المأثورات تمثل مرويات صحيحة للإمام أبى حنيفة والإمام أحمد والإمام الشافعى، وقبل ذلك مرويات الإمام
مالك وقد قال له المنصور: "اجعل العلم يا أبا عبد الله واحدا! " فقال
الإمام: " إن أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تفرقوا فى البلاد
فأفتى كل فى مصره بما رأى، وان لأهل البلد (مكة) قولا،
ولأهل المدينة قولا، ولأهل العراق قولا تعدوا فيه طورهم "، ولما قال المنصور:
"إنما العلم عند أهل المدينة" فضع للناس علما" رد عليه الإمام:
"إن أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون فى علمهم
رأينا " (24).
ضرورة التجديد المعاصر:
ولقد لمعت فى سماء تاريخنا المعاصر فرصة لتجديد حقيقى
يضع أقدامنا على طريق نهضة إسلامية حقيقية، اضطلع بها
رعيل من المجددين المحدثين والمعاصرين، ممن حملوا شعلة التجديد- الحديث- فى طول العالم الإسلامى وعرضه ،
بدأها جمال الدين الأفغانى (1897م، ومحمد عبده 1849م – 1905م)(24)، وسار فى
دربها مجددون فى مصر، والهند وتركيا والعراق إيران وسوريا وبلاد المغرب. ورغم أن حركات
التجديد هذه أحرزت نجاحات عديدة لا تنكر(25)، إلا أنها لم تنجح فى تفعيل الفكر الإسلامى بحيث
يواكب المستجدات السياسية والاجتماعية والثقافية، ويتعامل معها- تأثيرا وتأثرا، بل
صار إلى حالة من الوهن والضعف انعكست أثارها مؤخرا على كل بلاد الشرق الإسلامى، وبحيث عاد المسلم يعيش- من جديد نفس الأزمة التى أختنق بها فى القرن الماضى، وعادت أزمة اصطرع
الثقافتين- بعد الصحوة التى تفجرت فى
أعقاب 67 بصورة أعنف أو أشرس مما كانت عليه من قبل لأن الغزو الثقافي الغربي لم يكن فى أوائل القرن الماضى- وحتى
منتصفه تقريبا- بهذه الحدة التى نشهدها الآن، بل كان محصورا
فى قنوات معينة، وغالبا ما كان يترك فى اختراقه لثقافة الشرق هامش أمان من ثقافة إسلامية تقليدية،
يحتمى بها المسلم أو يتحسسها
كلما لاحت له فى الأفق أشباح الضياع والاغتراب، وكانت
عدوى التواصل قاصرة - فى ذلك الوقت- على الوجهاء فقط،
ولم تهبط إلى طبقة الجماهير العاجزة عن تكاليف هذا الاتصال، لأنه كان محصورا إما فى البعثات التعليمية القليلة العدد، أو النخب المرفهة من
القادرين على قضاء إجازات الصيف على شواطئ
أوروبا، أو فيما يترجم من الروايات الأدبية والكتب العلمية وما إليها وفى
كل الأحوال ظلت الطبقة الوسطى- وهى الطبقة المؤثرة- بمنأى عن أى
احتكاك حضارى من هذا النوع الذى
يمس الخصوصيات ويشموه ملامحها وقسماتها.
والآن، وبسبب الطفرة الهائلة
فى تكنولوجيا الاتصال، تحطم كثير من الحدود والحواجز،
وسهل على الغرب- منذ العقدين الماضيين- أن يخترق بثقافته وسلوكياته المجتمع المسلم
والبيت المسلم والأسرة المسلمة، وهو اختراق من نوع جديد، ومدروس بفلسفة-
استعمارية- جديدة، عبرت عن نفسها فيما يسمى الآن بالعولمة، وهو نظام يعنى- فيما
يعنى-، سيطرة دولة واحدة عسكريا وسياسيا واقتصاديا على السوق العالمى،
وكل ما يباع ويشترى فى هذا السوق ممتد إلى كل سوق محلى(26).
على أن جانب المال والثروة والصناعة والتجارة ليس هو كل ما فى
جعبة هذا النظام، بل هناك جانب العلوم والاتصالات والإعلام والثقافة. وقد بدأت
العولمة زحفها على العالم الآخر، وأخذت خطوات عملية فى
هذا الطريق، تبلورت فيما يعرف بمنظمة التجارة العالمية، ومؤتمرات المناخ والسكان، فضلا
عن الصندوق والبنك الدوليين، وبالتوازى بدأ قلق الشعوب
- غير الأمريكية- من هذا الخطر المحقق على هوية هذه الشعوب وثقافاتها وخصائص قومياتها،
وأثار المسئولون فى
فرنسا إشكالية الخطر الذى تتعرض له الثقافة الفرنسية من
الإكتساح الثقافى الأمريكى، فى إشارة إلى الضغوط
الأمريكية على فرنسا لرفع الحمايات، وجعل سوق الثقافة
والفن والإعلام سوقا حرة مفتوحة مستباحة ( 27).
إن الانتشار الثقافى فى هذا النظام مقصود وهو فى حد ذاته من أهداف وغايات الحداثة التى
تقوم أساسا على نظام "المركز والأطراف" أو: المركز والمحيط التابع له وهو نفس نظام الاستعمار والمستعمرات فى القرن الماضى ، ولكن بفارق واحد
هو أن استعمار القرن الماضى كان قسمة عادلة أو جائرة
بين دول عديدة كل منها يختص بحصة معينة- من مستعمرات الشرق، بينما هو فى النظام الحالى استعمار ينقسم
فيه العالم الرأسمالى إلى "مركز، للحضارة الغربية،
والى أطراف تدور فى فلكه وتخضع له خضوع التابع للمتبوع(28).
إن هذه المواجهة الجديدة قد
أحدثت مفارقات فى النظام الاجتماعي الإسلامى
لم يحسب حسابها من قبل ؛ لأن زخما هائلا من ثقافتنا لم يكن مؤسسا على قيم أو أصول إسلامية
محررة، تؤهلها للتعامل مع هذا الوافد المكتسح، بقدر ما كانت أمشاجا وأخلاطا من
عادات وأفكار تقليدية جامدة من ناحية ومن أنماط متحررة أو منفلتة من ناحية أخرى،
وكانت القيم الإسلامية الأصيلة دائما هى الغائب المفتقد
فى هذا الخليط غير المتجانس، وكما كانت صدمة الغرب فى القرن الماضى الشرارة التى أشعلت فتيل التجديد كانت العولمة، أو:" قانون المركز
والأطراف" الصدمة الكهربائية التى وضعتنا- من
جديد- فى مواجهة جديدة، أو محنة من نوع جديد، وهى بلا
شك تستدعى نوعا من التجديد يختلف عن التجديد الذى ساد فى القرن الماضى، وإن تماثل معه فى البحث عن الهوية على أساس من العودة- الواعية الناقدة- إلى
التراث، فالانطلاق من التراث شرط لا مفر منه لأية نهضة حقيقية تبقى فيها الأمة
موجودة على قيد الحياة والذى يلقى نظرة سريعة على الساحة الثقافية- الآن- يظهر له
بوضوح أنها بصورتها الراهنة غير مؤهلة لمواجهة الرياح العاتية التى
تهب علينا من وراء البحار ، فما تزال مشكلة اللب والقشور تعمل عملها فى توجيه ثقافتنا، وما تزال قائمة الأولويات منكسة على رأسها،
وما تزال المرأة- المسلمة- بعد أغر من قرن ونصف من التجديد- تتساءل عن حكم خروجها
من المنزل وعن صوتها، وهل هو عورة؟ وعن تعدد الزوجات، هل هو الأصل أو السنة؟ …
إلخ ما تطالعنا به الجرائد والمجلات(30). وما يزال الخلاف مستعرا بين فريق من علمائنا
ومفكرينا حول مشروعية دخول المرأة مجالس الأمة والشورى، وهل يعد ذلك من الولاية
العامة أو لا يعد ، بل ما- تزال الكتب التى تتحدث عن
الجن وعن عذاب القبر أكثر - بكثير-- من تلك التى تحمل
على عاتقها- بيان المفاهيم الإسلامية التى يفتقر إليها
الأحياء فى البيوت وفى الشوارع وفى مكاتب العمل، وعدنا
- فى هذا
الوضع- فى أمس الحاجة إلى تجديد يعيد الى الأوراق المخلوطة شيئا من التنسيق والترتيب.
والتجديد الذى ننتظره ينبغى أن يسير فى خطين متوازيين:
1.
تجديد الخطاب الإسلامى
المعاصر انطلاقا من القرآن والسنة أولا، وبشكل أساسي، ثم مما يتناسب مع خطاب العصر
من كنوز التراث بعد ذلك. وليس المطلوب- بطبيعة الحال- خطابا شموليا خاليا من تعدد
الآراء ووجهات النظر، فمثل هذا الخطاب لم يعرفه الإسلام فى
أى عصر من عصور الازدهار أو الضعف، وإنما المطلوب خطاب
خال من "الصراع"، ونفى الآخر وادعاء الحقيقة فى
رأى، ومصادرتها عن رأى آخر مماثل.
2- الانفتاح على الآخرين:
علمانيين أو غيرهم، بهدف استكشاف ، عناصر التقاء" يمكن توظيفها فى تشكيل إطار ثقافى عام يفيد منه
الإسلاميون أولا، قبل غيرهم (31)، خاصة فى التغلب على
المرض المزمن الذى يستنزف طاقة أى
تجديد واعد، ويقف لنجاحه بالمرصاد، وأعنى به: الانقسام التقليدى إزاء التراث والحداثة" إلى: تيار متشبث بالتراث
كما هو، وتيار متغرب. يدير ظهره للتراث، وتيار إصلاحى.
وهذا الانقسام- فى حد ذاته- أمر طبيعى
وظاهرة مقبولة، لكن غير المقبول وغير الطبيعى أن يتحول
الموقف من مواجهة خارجية إلى صراع داخلى يترك الساحة
خالية لفرسان أجانب يسحقون الجميع. وقد لاحظنا فى تجربة
القرن الماضى أن أصحاب التيار الأول كانوا يراهنون على
أن "بالإمكان العيش فى إطار التقليد الضيق،
الموروث عمن سلفهم، بإيصاد الأبواب فى وجه أمواج
الحضارة الغربية وثقافتها المتدفقة(32)، غير أن إصرارهم هذا لم يحقق لهم الأهداف
المرجوة، وما لبثوا أن تراجعوا دون أن يهيئوا المجتمع لأن يتعامل مع المتغيرات
العالمية بأسلوب مدروس، وكانت النتيجة أن أصبح المجتمع أعزل أمام ثقافة الغرب.
والشىء نفسه يمكن أن
يقال على "المتغربين "، أو التنويريين- فى
أحدث التسميات- والذين أداروا ظهرهم للتراث، ولم يجدوا حرجا فى
الاستهزاء به والسخرية منه، وكانت النتيجة أن أدارت
جماهير الأمة ظهورها لهم، بعد ما تأكدت أنهم لن يعبروا عن آلامهم وآمالهم، وكانوا-
دائما- كمن يغرد خارج السرب، هؤلاء خسروا المعركة أيضا، ولم يحلوا مشكلة واحدة من
مشكلات مجتمعهم، إن لم نقل: إنهم زادوا الأمور ظلاما على ظلام(33).
أما التيار الإصلاحي "الوسطى"،
فإننا نحسبه التيار المؤهل لحمل الأمانة، والجدير بمهمة " التجديد " الذى تتطلع إليه الأمة، وهو- وحده- القادر على تجديد الدين. لا تشويه الدين ولا إلغائه، ولكن بشرط أن يتفادى صراع الاستنزاف
من اليمين ومن اليسار.
وما أظن أنني بحاجة إلى
التذكير- أخيرا- بأن هذه الورقة ليس من همها أن نتفاعل مع الغرب أو نتناغم مع
ألحانه، فما تزال الحكمة القائلة بأن "الغرب غرب، والشرق شرق، ولن يلتقيا
" تتمتع بقدر هائل من الصدق، والواقعية، وثبات القدمين فى
مهب رياح العولمة والحداثة، وما بعد الحداثة- أيضا-، ولكن هم هذه الورقة- أولا
وأخيرا- هو: ضرورة التجديد، بحثا عن: من نحن؟ ومن الآخر؟ وكيف نحاوره ولا نصارعه؟
المراجع
(1)
انظر على سبيل المثال: مفهوم- تجديد الدين دار الدعوة ، الكويت1405 هـ- 1984 م (رسالة ماجستير). حيث
تبدو هذه الرسالة وكأنها محاولة مقصودة وموجهة- منذ البداية- لتطويق محاولات
التجديد بالطعن فى نوايا أنصاره والمنادين به، وقد أهيل التراب- فى هذه الرسالة- على كل دعاة التجديد، أمثال: محمد عبده، محمد
إقبال، محمد أسد، أمين الخولى ، أحمد كمال أبو المجد،
يوسف القرضاوى، محمد سليم العوا،
فهمى هويدى ، دع عنك: قاسم
أمين وفتحى عثمان والعلايلى..
(2)
وقد أكد النبى- صلى الله عليه وسلم- هاتين الحقيقتين
فقال:"... كان النبى يبعث الى
قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة، (صحيح البخارى، كتاب
التيمم، باب 1) وأيضا: " وأرسلت الى الخلق كافة
وختم بى النبيون"
(الترمذى، كتاب السير باب ما جاء فى الغنيمة). والتاريخ والواقع يصدقان كلام النبى- صلى الله عليه وسلم- فلقد مضى على ظهور"النبؤة الخاتمة"، أكثر من أربعة عشر قرنا لم يظهر فيها
شخص جاء برسالة إلهية ونجح فى حمل الناس عليها، أو
استطاع أن يكون أمة تصدقه فيما جاء به. انظر بحثا
ممتازا ودقيقا فى هذا الموضوع بعنوان: موجز فى أصول الدين تأليف
محمد باقر الصدر، دار الزهراء- بيروت 1987م ، (خاصة، ص 71- 98).
(3) يذكر محمد إقبال فى
كتابه: تجديد الفكر الدينى (ص 173- 175 دار الهداية، القاهرة 1421هـ –
2000م) أن بعض المؤرخين الغربيين وصف حضارة العالم، وقت ظهور الإسلام بأنها- رغم استمرارها أربعة آلاف سنة- كانت
مشرفة على الزوال وأن الجنس البشرى كان
على وشك العودة الى حالة الهمجية، وبات العالم
آنئذ" مفتقرا إلى ثقافة جديدة تحل محل ثقافة العرش ونظم الوحدة التى كانت تستند إلى قرابة الدم ثم يقول المؤرخ الغربى: "ومما يبعث على الدهشة أن تقوم ثقافة كهذه فى جزيرة العرب فى نفس الوقت الذى اشتدت فيه الحاجة- أليها، ووجدت الثقافة الجديدة فى مبدأ التوحيد أساسا لوحدة العالم كله".
(4)
الأسفار الأربعة 1: 234- 235 طهران بدون تاريخ.
(5)
مفاتيح الغيب، 426، مع تعليقات ملا على نورى، طهران 1984 م .
(6)
نقلا عن الأسفار الأربعة، 112:31-113، وانظر تحليلا دقيقا لنظرية ابن عربى فى تبدل العالم فى كل نفس، فى كتابه: فصوص الحكم
(بشرح داود قيصرى)، ص 790- 795، طهران 1375هـ والفتوحات المكية، 3: 348 (ط. بولاق). وانظر ما
يشبه هذه الفكرة عند الكندى" فى
رسالته إلى المعتصم بالله فى الفلسفة الأولى، ص 94-96
تحقيق أحمد فؤاد الأهوانى، القاهرة 1948م، هذا وينبغى أن نلفت النظر إلى أن الحركة التجددية
فى الفلسفة الإسلامية تختلف- جذريا- عن مثيلتها فى الفلسفات الأخرى: المادية أو الروحية، فبينما يرجع التجدد الطبيعى فى هذه الفلسفات إلى مبدأ
داخل الطبيعة نفسها (الذرات، أو التطور الخالق أو صراع
الأضداد فإن الفلسفة الإسلامية ترد التجدد فى الطبيعة
إلى مبدأ مفارق ومتعال على المادة هو الله تعالى فالصيرورة مخلوقة لفه تعالي، وهى فى الوقت ذاته صائرة وراجعة إليه: ( ألا إلى الله تصير الأمور)
(الشورى: 53)،( لا إله إلا هو إليه المصير) (غافر:3).
(7) راجع فى إثبات صحة الحديث: الدكتور يوسف القرضاوى،
تجديد الدين فى ضوء السنة ، مجلة مركز بحوث السيرة
والسنة- قطر، عدد2 ، 1407هـ 1987م ، ص 11.
(8)
انظر على سبيل المثال: السيوطى، التنبئة بمن يبعث الله على رأس كل مائة، ط . مكة
المكرمة 1410هـ –
1990مـ . انظر أيضا رسالة مخطوطة بدار الكتب المصرية (رقم 0 491 تاريخ) بعنوان:
وسيلة المجدين فى شرح التجديد وتراجم المجددين لمحمد
ابن محمد الجرجاوى من علماء القرن الرابع عشر الهجرى، وفى هذه الرسالة إحالات عديدة إلى مصنفات ورسائل
كثيرة فى موضوع التجديد والمجد دين.
(9)
الشيخ القرضاوى تجديد الدين 28- 30، مصدر سابق، وانظر أيضا:
السيوطى، التنبئة...، هامش ص
14.
(10) انظر الباب الرابع عشر من: وسيلة المجدين...،-
مصدر سابق.
(11) الأستاذ الشيخ محمد الغزالى، كيف نتعامل مع القرآن: 75، المعهد العالمى للفكر الإسلامى، 1411هـ - 1991 م .
(12) عبد الحميد متولى، أزمة الفكر السياسي الإسلامى
فى العصر الحديث: 35-40، الطبعة الأولى، مصر 1970 م.
(13)
محمد باقر الصدر، موجز أصول الدين، 101، 102.
(14)
حسن الترابى، قضايا التجديد: 43، دار الهادى، بيروت، 1421هـ –2000
م .
(15)
يوسف القرضاوى، مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية: 246، مكتبة
وهبة، القاهرة 1421هـ- 2000 م، هذا ويدعى بعض العلمانيين بأن كل ما تتضمنه الشريعة
"ثوابت، لا تقبل التغيير ويرتبون على ذلك عدم جدوى تطبيق الشريعة. وقد فند
الدكتور القرضاوى هذه الدعاوى تفنيدا علميا دقيقا.
انظر: 243- 248 من نفس المصدر.
(16)
انظر البحث القيم للشيخ عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الإسلامى
مرنة، مجلة القانون والاقتصاد ص 254- 255، عدد 504إبريل ومايو 1945 م .
(17)
السابق، نفس الموضع.
(18)
السيد محمد حسين فضل الله ، أثر الزمان والمكان فى
الاجتهاد، ضمن كتاب: مناهج التجديد، تحرير: عبدا لجبار الرفاعى،
ص 35-36، دمشق 1421 هـ –
2000 م
.
(19)انظر
كتاب: تعليل الأحكام للشيخ محمد مصطفى شلبى: 319،
القاهرة. 1945م.
(20)
الإمام الأكبر الشيخ شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة. 420، القاهرة
1959م.
(21)
نقلا عن: عبد الحميد متولى،
أزمة الفكر السياسى: 74.
(22)
طه جابر العلوانى، أبعاد غائبة عن الفكر الإسلامى المعاصر، ضمن كتاب: الفكر الإسلامى
المعاصر: 138، تحرير عبد الجبار الرفاعى، دار الفكر، بيروت
1421 هـ- 2000م.
(23) من مقال له بعنوان: كفانا ؛ تقليدا للفقه، مجلة
الأزهر، شوال 1372 هـ ، يونيو 953 ام، ص 1067.
(24)
المصدر السابق، 1068؟ انظر أيضا: مصطفى الشكعة، الإمام مالك
بن أنس: 123- 124 ، الطبعة الأولى، بيروت 1403- 1983 م.
(25)
لمزيد من المعلومات حول ريادة الأفغانى، ومحمد عبده لتجديد-
الفكر الإسلامى الحديث، والفرق بينهما وبين غيرهما من المجددين
الحقيقيين، أو المزيفين، يراجع الدكتور محمد البهى:
الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى، 143 - 151 ؛ مكتبة وهبة- القاهرة 1401 هـ –1981مـ .
(26)
السيد ياسين، رؤى إسلامية عن المواطنة، الأهرام 29 مارس 2001 م.
(27)
منير شفيق، فى الحداثة والخطاب الحداثى،
74، المركز الثقافى العربي، بيروت 1999 م.
(28)
السابق : 104.
(29)
السابق: 30، وفى هذا السياق يضع "منير شفيق" أيدينا على فرق أساسى بين الانتشار الحضارى فى الإسلام والانتشار الحضارى لنظام
العولمة. ففى الحالة الأولى اندمجت الأطراف فى المركز، وتحولت إلى جزء أصيل فيه، فاختفت كليا "إشكاليات،
التبعية والسيطرة، وفرض الأنماط الثقافية. بخلاف الحالة الثانية فإنها تقوم- أساسا-
على الإخضاع والتسلط ، الأمر الذى يؤدى إلى حتمية
الصراع، ثم حتمية الانفصال. ويستدل المؤلف على عنصر الانسجام بين الأطراف والمركز الإسلامى بأن المحاولات التاريخية التى
ظهرت فى شكل أطراف تابعة لمركز إسلامى
انتهت إلى تغير الوحدة الإسلامية، كما يضرب مثالا للاندماج أنموذج الازدهار الحضارى الذى عرفته بخارى وطشقند وسمرقند وصولا إلى مراكز
الفقه والثقافة والحضارة غربا، وكان ذلك فى حالة موازاة"
إن لم يتفوق على ما كلن فى المركز: بغداد.
(30)
انظر- على سبيل المثال- الحوار الذى أجرته مؤخرا مجلة"لأهرام
العربي" مع الدكتور يوسف القرضاوى، عدد 193، 194،
2، 9 ديسمبر 2001م .
(31)
انظر جلال أمين : التنوير الزائف، دار المعارف 1999 م. وهذا الكتاب رغم
توجهه العلمانى إلا أنه يمكن وصفه بالعلمانية المعتدلة
غير المتطرفة، وهو يشتمل على عناصر إنصاف عديدة للإسلام والإيمان بالغيب، بل كثيرا
ما دافع عنه- على استحياء- ضد مزاعم التنوير الزائف.
(32)
محمد خاتمى، مطالعات فى
الدين والإسلام والعصر، 55-0 6، دار الجديد، بيروت، 1999م .
(33)
يتساءل أحد الممثلين لهذا الاتجاه عن سر التخوف من غزو العولمة قائلا: "لما التشاكى والتباكى إزاء ثورة
الاتصال، وتوغل الثقافة الغربية إلى عالمنا العربى الذى ظل قرونا طويلة مغلقا على بلادته وجموده وخرافاته
وأعرافه القاتلة؟ (…)
فليكن الغزو الثقافى الغربى
الصدمة الكهربائية المنقذة من نهايتنا المحتومة، ولتهب علينا رياح الغرب من كل
الجهات، لتغزنا ثقافته، ولتستفزنا قيمه، فريما كان فى
ذلك خلاصنا ويقظتنا من سبات طال، وطال حتى كأنه الموت" . فى
الحداثة والخطاب الحداثى (مصدر سابق)، ص 183، 186.