الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
المحور الرابع
المحور الرابع

النهضة والإحياء

الإسلام والتنوير

الأستاذ الدكتور/ محمود حمدى زقزوق

وزير الأوقاف- مصر

1- تمهيد:

يستخدم الكثيرون فى عالمنا العربى الإسلامى العديد من المفاهيم التى يرددونها دون تحديد دقيق لمضامينها أو توضيح لأبعادها، وكل يستخدمها بما يروق له من فهم دون بذل أى جهد للتحقق من صحة هذا الفهم أو ذاك. ومن شأن ذلك أن يؤدى إلى كثير من الارتباك فى الفكر والاضطراب فى الفهم والخلط بين المفاهيم، ويؤدى بالتالى إلى الخطأ فى إطلاق الأحكام على الناس والأشياء. ومن القواعد المعروفة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فإذا لم تكن القضية المطروحة للبحث قد اتضحت معالمها فى الأذهان وتحددت أبعادها فإن الحكم فيها سيكون حكما بعيدا عن الصواب.

ومن المفاهيم الشائعة منذ عشرات السنين والتى ترددت كثيرا على الألسنة مفهوم التنوير. وهذا المفهوم يعد من المفاهيم التى صادفت الكثير من سوء الفهم فى عالمنا العربى الإسلامى. فقد ارتبط مضمونه فى أذهان الكثيرين بالعديد من السلبيات، واعتبره البعض مرادفا لكل ألوان التحلل من القيم والمعتقدات، ومناقضا للإسلام، ويمثل دعوة إلى التحلل من تعاليمه.

ونظرا لأن مجتمعاتنا العربية الإسلامية لا تزال فى أشد الحاجة إلى حركة تنويرية شاملة فى محاولة لإخراجها من حالة الجمود الفكرى والتخلف المادى التى تسيطر عليها منذ مدة طويلة، فإن نجاح هذه الجهود يعتمد فى المقام الأول على الوعى الصحيح بما تمثله هذه الحركة التنويرية المنشودة.

ومن أجل ذلك نود فى هذا الفصل أن نلقى بعض الضوء على مفهوم التنوير فى كل من التصور الأوروبي والتصور الإسلامى فى محاولة لإزالة ما قد يكون قد علق فى أذهان البعض من لبس، أو ران على بعض العقول من حجب سميكة حالت دون الفهم الصحيح لهذا المصطلح المظلوم.

2- مفهوم التنوير فى الفكر الأوروبي:

ومن المناسب قبل الحديث عن التنوير فى التصور الإسلامى أن نشير أولا إلى المقصود بمصطلح التنوير "enlightenment " فى الفكر الأوروبى نظرا لشيوع استخدام هذا المصطلح بالفهم الأوروبى فى الساحة الفكرية الإسلامية، ثم نتحدث بعد ذلك عن التنوير فى الإسلام كدين ثم فى الفكر الإسلامى المرتبط بهذا الدين.

إن من المعروف أن أوروبا فى العصور الوسطى كانت تعيش فى حالة من الظلام الفكرى الدامس، وكانت واقعة تحت ضغط سلطة كنسية طاغية تتعقب المفكرين أينما كانوا، وقد ظل الصراع هناك محتدما بين العلم والدين، وبين المفكرين واللاهوتيين قرونا عديدة وقد تمخض هذا الصراع عن انتصار الفكر وتقلص السلطة الكنسية واستقلال العلم عن الدين.

وقد قاد الانطلاقة الفكرية فى القرنين السابع عشر والثامن عشر العديد من المفكرين التنويريين، وبخاصة "جون لوك " و "دفيد هوم " و "نيوتن  فى إنجلترا، و"فولتير" و "الموسوعيون " فى فرنسا، و "ليبنتز" و "كانت " على وجه الخصوص فى ألمانيا. وأصبح مفهوم التنوير يمثل حركة عقلية أوروبية رأت فى العقل الوجود الحقيقى للإنسان، وسعت إلى تحرير الحضارة من الوصاية الكنسية والنزعات الغيبية والخرافات، ودعت إلى التسامح، وآمنت بتقدم الإنسانية عن طريق تشكيل الحياة على أسس طبيعية وعقلية وعن طريق البحث العلمى.

ويرجع الفضل إلى الفيلسوف الألمانى"كانت " فى استخدام هذا المصطلح "aufklaerung" فى اللغة الألمانية كتعبير عن الحركة العقلية التى بدأت فى أوروبا فى القرن السابع عشر وبلغت أوجها فى القرن الثامن عشر، وقد امتد تأثيره فى الحضارة الأوروبية كلها وفى الشعوب المتأثرة بالحضارة الأوروبية. ويحدد "كانت " هذا المصطلح بقوله: "إنه خرج الإنسان من مرحلة اللا رشد.. واللا رشد يعنى عجز الإنسان عن استخدام عقله دون معونة من غيره.. وشعار التنوير هو: لتكن لديك الشجاعة فى استخدام عقلك، وليس التنوير فى حاجة إلا إلى الحرية"(1).

ومن الواضح أن مفهوم التنوير كما شاع فى الفكر الأوروبى قد ركز على العقل الإنساني، وضرورة التمسك به، والتحرر من كل شكل من أشكال السلطة المقيدة لحرية هذا العقل بما فى ذلك سلطة الدين نفسه، وليس فقط السلطة الكنسية المتمثلة فى اللاهوتيين. ولكن ذلك لم يعن إطلاقا رفضا للدين من حيث هو دين. وبعد هذا التوضيح لمفهوم التنوير فى الفكر الأوروبى الذى كانت له من غير شك ظروفه الخاصة التى حددت له هذا الاتجاه، ننتقل إلى توضيح مفهوم التنوير فى التصور الإسلامى.

3- مفهوم التنوير فى الإسلام:

إن مصطلح التنوير بالمعنى الذى يستخدم به اليوم مصطلح حديث نسبيا فى اللغة العربية، ولكنه ليس غريبا عنها، فهو مشتق من النور الذى هو ضد الظلام وضد الجهل الذى هو شكل من أشكال الظلام. و إذا بحثنا فى المعاجم العربية سنجد أن التنوير يعنى الإنارة ويعنى الإسفار(2). ويقال: نور الصبح تنويرا ظهر نوره، ونور الشجر تنويرا أخرج نوره أى زهره (3).

والإسلام لا يرفض التنوير الأوروبى- المبنى على العقل الإنساني- ولكنه يرى أنه ليس كافيا. وهذا يعنى أن التنوير فى المفهوم الإسلامى أعم وأشمل من  التنوير فى الفهم الأوروبى. ويمكن القول بأن التنوير فى الإسلام يقوم على دعامتين أساسيتين هما دعامة الدين ودعامة العقل.

أما الدعامة الأولى والتى تتمثل فى الدين بمعناه الصحيح فإنها فى الإسلام تعنى الخروج من الظلمات إلى النور، والنور يعنى الوضوح، وهذا بدوره يعنى فى الدين البعد عن التعقيد والغموض فى العقائد والتشريعات.

وإذا تصفحنا آيات القرآن الكريم سنجد أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل محمدا-صلى الله عليه و سلم- ليخرج الناس من الظلمات إلى النور- من ظلمات الجهل والعقائد الفاسدة والتقاليد البالية إلى نور العلم والعقائد الصحيحة والتقاليد المبنية على صحيح الدين وصريح العقل. وهناك العديد من الآيات القرآنية في هذا الشأن تبين أن الدين بما يشتمل عليه من الوحى الإلهى قد جاء ليضئ للناس طريقهم فى الحياة، وليزيل الغشاوة عن الأعين والقتامة عن القلوب.

وهذا النور الذى يتمثل فى الدين قد جاء معاونا ومساعدا لنور آخر يمثل الدعامة الثانية فى التنوير الإسلامى والتى تتمثل فى نور العقل الإنساني الذى وصفه حجة الإسلام الغزالى بأنه "أنموذج من نور الله "(4)، كما وصفه الجاحظ بأنه "وكيل الله عند الإنسان "، وهكذا يتعاون هذان النوران فى الأخذ بيد الإنسان إلى بر الأمان، ونجد هذا التعاون فى كل العقائد والتشريعات الإسلامية، فلا يوجد فى الإسلام شئ يتعارض أو يمكن أن يتعارض مع مقررات العقل السليم.

ومن ذلك يتضح لنا أن الإسلام فى حقيقته يعد رسالة تنويرية تهدف إلى بناء الإنسان بناء سليما حتى يستطيع أن يؤدى الدور المنوط به فى هذا الوجود على أكمل وجه. وقد جاءت تعاليم الإسلام كاشفة للإنسان عن الطريق الصحيح المؤدى إلى مساعدته على أداء دوره فى هذه الحياة، وهو دور ينبنى علي العلم الذى يفتح للإنسان آفاقا واسعة تؤهله لعمارة الكون وصنع الحضارة فيه.

والحضارة تعنى الرقى المادى والمعنوى على السواء، ومن هنا جعل الإسلام طلب العلم فريضة من الفرائض التى لا تقل فى أهميتها عن الصلاة والصوم والزكاة والحج.

ولم يكن العلم هو السلاح الوحيد الذى سلح الله به الإنسان للقيام بالدور المنوط به فى هذا الوجود، بل كانت هناك ميزات أخرى عديدة حبا الله بها الإنسان، وكلها تجعله قادرا على تحقيق المعجزات فى هذا العالم الذى نعيش فيه، والذى نحن شهود على ما تحقق فيه حتى الآن، وستكون الأجيال القادمة أيضا شاهدة على ما سوف يتحقق فيه فى المستقبل من منجزات تعد فى نظرنا اليوم فى عداد المستحيلات.

ومن الميزات العديدة التى اختص بها الإنسان وحده من بين كل الكائنات ما سبق أن أشرنا إليه (5) من أن الله أراد له أن يكون خليفة فى الأرض، وسيدا فى هذا الكون، وأن الله كرمه وفضله على غيره من المخلوقات، وزوده بالعلم، ومنحه الحرية، وحمله المسئولية، وسخر له الكون كله ليمارس فيه نشاطاته المادية والروحية على السواء. وقد أكد القرآن الكريم كل هذه المعاني فى مواضع عديدة. ولم يبلغ الإنسان هذه المرتبة العليا من التكريم إلا بالعقل الذى اختصه الله به. وقد نوه الإسلام بالعقل والاعتماد عليه فى أمور العقيدة والمسئولية والتكليف. ولا تأتى الإشارة إلى العقل فى القرآن الكريم إلا فى مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه. وذلك ما يؤخذ من كل الآيات القرآنية التى وردت الإشارة فيها إلى العقل.

والقرآن عندما يخاطب العقل فإنه يخاطبه بكل ملكاته وخصائصه. فهو يخاطب العقل الذى يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد، ويتأمل ويعتبر ويتعظ، ويتدبر ويحسن التدبر والروية(6).

ولهذا كانت دعوة القرآن للإنسان لاستخدام ملكاته الفكرية دعوة صريحة لا تقبل التأويل. وقد جعل الإسلام من التفكير- الذى يعد وظيفة أساسية من وظائف العقل الإنسانى- واجبا مقررا وفريضة إسلامية. وإذا كانت ممارسة الوظائف العقلية تعد واجبا دينيا فى الإسلام فإنها من ناحية أخرى تعد مسئولية حتمية لا يستطيع الإنسان الفكاك منها وسيحاسب على مدى حسن أو إساءة استخدامه لها مثلما يسأل عن استخدامه لباقى وسائل الإدراك الحسية.

لقد كان الإسلام منذ البداية حريصا كل الحرص على ضرورة ممارسة العقل الإنسانى لوظائفه التى أرادها الله. ومن هنا كان حرص الإسلام شديدا أيضا على تمهيد الطريق أمام العقل، وإزالة كل العقبات التى تعوقه عن ممارسة نشاطاته. ومن أجل ذلك اتجهت تعاليم الإسلام إلى تحطيم هذه العوائق حتى يشق العقل طريقه إلى الفهم الصحيح والتفكير السليم.

والأمثلة على ذلك كثيرة ومتضافرة ومن أهمها ما يلى:

أولا: رفض التبعية الفكرية والتقليد الأعمى. فالإسلام عندما أمرنا بالنظر واستعمال العقل فيما بين أيدينا من ظواهر الكون نهانا فى الوقت نفسه عن التقليد الذى فيه تعطيل للعقل عن أداء دوره فى الوجود. فالتقليد ضلال يعذر فيه الحيوان، ولا يصح بحال من الأحوال من الإنسان القادر على التفكير والتمييز. ولهذا عاب القرآن على المشركين تقليدهم الأعمى لأعرافهم وتقاليدهم وأسلافهم مستنكرا مثل هذا التقليد. وقد حذر النبى- صلى الله عليه و سلم- أيضا من التقليد الأعمى قائلا: "لا تكونوا إمعة " (7). بمعنى لا تكونوا مقلدين للآخرين تقليدا أعمى. فالنبى عليه الصلاة والسلام لم يرتض للمسلمين أن يكونوا إمعات يسيرون وراء كل ناعق، بل عليهم أن يحكموا عقولهم ويميزوا بين ما يضرهم وما ينفعهم فلا حجية فى الإسلام لأحد بعد كتاب الله وسنة رسوله. ومن هنا كان القول المنسوب للإمام مالك: "كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد ما عدا صاحب هذا القبر". وأشار إلى قبر النبى- صلى الله عليه و سلم -.

ثانيا: القضاء على كل شكل من أشكال الدجل والشعوذة والاعتقاد فى الخرافات والأوهام. فلا ضرر ولا نفع إلا بإرادة الله الذى يقول لنا فى القرآن الكريم إنه أقرب إلينا من حبل الوريد، وإنه قريب يجيب دعوة من يدعوه. والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول:" إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله"(8)، وليس هناك مخلوق يتحكم باسم الدين فى رقاب العباد.

وعقائد الإسلام واضحة وضوح الشمس فى وضح النهار ليس فيها ما يتعارض مع مقررات العقل السليم. وقد وقف الرسول صلى الله عليه و سلم بحزم فى مواجهة مثل هذه المعتقدات. فعندما مات ابنه إبراهيم تصادف أن كسفت الشمس فى ذلك اليوم، فقال البعض من الصحابة لقد كسفت الشمس مشاركة فى الحزن على موت إبراهيم. وقد واجه النبى ذلك على الفور بالرفض القاطع قائلا: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان ولا يخسفان لموت أحد ولا لحياة أحد"(9).

ثالثا: تركيز الإسلام على المسئولية الفردية. فكل فرد مسئول عن أعماله مسئولية تامة، ولا يتحمل أحد مسئولية عمل غيره. وآيات القرآن فى هذا الشأن واضحة وصريحة. وهذه المسئولية الفردية لا تقوم إلا على أساس حرية الفرد واطمئنانه على حقوقه فى الأمن على نفسه وعقله وماله. ومن هنا جعل الإسلام الأمن على العقل والحفاظ عليه من بين المقاصد الضرورية الأساسية التى قصدت إليها الشريعة الإسلامية لقيام مصالح الدين والدنيا. وهذه المقاصد الضرورية هى حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال(10).

رابعا: حرر الإسلام الفرد المؤمن بعقيدة التوحيد من الخوف الذى لا مبرر له، ورفعه إلى مقام العزة التى يقول القرآن فيها (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) (المنافقون 8) وتحقيقا لهذا المبدأ يطلب الرسول صلى الله عليه و سلم من المؤمنين ألا تكون الحاجة سبيلا إلى التنازل عن شئ من كرامتهم حين يقول: " اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس " (11)، كما قرر الإسلام أنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، وأن المؤمن لا يخشى فى الحق لومة لائم.

ولعل الملامح الأساسية للتنوير من المنظور الإسلامى تكون قد اتضحت معالمها من خلال ما عرضناه حتى الآن. ويمكن القول بأن الإسلام بذلك قد أطلق سلطان العقل من كل ما كان يقيده، وخلصه من كل تقليد كان يستعبده، وبهذا تم للإنسان بمقتضى دينه أمران عظيمان طالما حرم منهما وهما استقلال الإرادة واستقلال الرأى والفكر- كما يقول الشيخ محمد عبده فى رسالة التوحيد- وقد كان لهذا الموقف الأساسى للإسلام من العقل أثره العظيم فى صياغة الحضارة الإسلامية والعقلية الإسلامية التى استطاعت أن تقدم للإنسانية حضارة شامخة كانت من أطول الحضارات عمرا فى التاريخ.

4- التنوير فى الفكر الإسلامى:

(أ) التلازم بين العقل والدين:

وفى ضوء هذه التعاليم وجدنا الفكر الإسلامى يشق لنفسه طريقا واضحا مشددا فيه على ضرورة التلازم بين العقل والدين، ولم يجد هناك مبررا لوجود أى تعارض بينهما فالعقل كالأساس والشرع كالبناء- كما يقول حجة الإسلام الغزالى- ولا يمكن الاستغناء بأحدهما دون الآخر. فلا نفع لأساس بدون بناء، ولا ثبات لبناء بدون أساس. فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان، بل متحدان ( 12). ومن هنا يقول الغزالى أيضا: "فالداعى إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل، والمكتفى بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور" (13). وقد سادت هذه النظرة المتوازية فى فكر مفكرى الإسلام.

ومن هنا فإنه لا يجوز من وجهة النظر الإسلامية أن توضع المسألة على أساس أن هناك خصومة بين الدين والعقل، وأن على الإنسان أن يختار بينهما فالحقيقة أنهما عنصران متكاملان لا يتناقضان، وأن الإنسان فى حاجة إليهما معا. والدين الصحيح لا يمنع العقل البشرى من التفلسف، ولا يحجر على حقه فى الفهم والتفكير فى ملكوت السموات والأرض ، وإنما يطلق له العنان فى ارتياد آفاق الكون ملاحظة واستنباطا، ويدفعه إلى ذلك دفعا، بل إن العقل- فى المفهوم الإسلامى- هو مناط إنسانية الإنسان ومعناه وجوهره. فإذا عطل بالجهل والغفلة فإن ذلك يعنى إلغاء إنسانية الإنسان والهبوط به إلى مرتبة أقل من مرتبة الحيوان.

وقد أكد هذه الحقيقة الشيخ محمد عبده فى كتابة "رسالة التوحيد" حين قال: "وتآخى العقل والدين لأول مرة فى كتاب مقدس على لسان نبى مرسل بتصريح لا يقبل التأويل، وتقرر بين المسلمين كافة- إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه - أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل كالعلم بوجود الله وبقدرته على إرسال الرسل " (14). وما يتصل بذلك من إدراك فحوى الرسالة والتصديق بها، "كما أجمعوا على أن الدين إذا جاء بشيء قد يعلو على الفهم فلا يمكن أن يأتى بما يستحيل عند العقل "(15). ومن هنا فإن العقل- كما يقول الشيخ محمد عبده- من أشد أعوان الدين الإسلامى (16).

(ب) التنوير لدى ابن رشد:

وأفضل نموذج نقدمه فى قضية التنوير فى الفكر الإسلامى هو نموذج الفيلسوف ابن رشد. وقد اخترنا ابن رشد بالذات لأنه لا يكاد يكون هناك خلاف على زعامته للتنوير. فقد كان لفكره التنويري دور بالغ فى دعم الحركة العقلية فى أوروبا فى العصور الوسطى وحتى مشارف العصر الحديث، كما أنه لا خلاف على زعامته التنويرية لدى الكثيرين من المفكرين الإسلاميين المعاصرين على اختلاف مشاربهم.

ولكن الأوروبيين فى العصر الوسيط فهموا فكر ابن رشد التنويري على غير ما أراد ابن رشد. فقد ركزوا على جانب العقل وأهملوا جانب الدين. وبذلك أساءوا فهمه وحملوا أفكاره غير ما تحتمل، ومن هنا فإن الأمر يتطلب قراءة جديدة لفكر ابن رشد لإعادة النظر فى الكثير من المقولات الشائعة عنه فى محاولة للتعرف على الوجه الحقيقى لهذا الفيلسوف العظيم بعيدا عن التأثر بأيديولوجيات معينة، وذلك من واقع نصوصه الصريحة الواضحة إنصافا لابن رشد وللتنوير الذى أراده.

وهذا يدعونا لأن نكشف عن جانب آخر من فكر ابن رشد تجاهله الكثيرون ممن كتبوا عنه أو استندوا إلى فكره دعما للتنوير ودعوة إليه. إن ابن رشد الفيلسوف المعروف هو نفسه ابن رشد الفقيه الذى تولى القضاء فى أشبيلية ثم فى قرطبة. ويعد كتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) من أهم الكتب المعتبرة فى الفقه الإسلامى، فابن رشد الفيلسوف- الذى طالب بتحكيم العقل- لم يكن يعنى بذلك بأى حال من الأحوال رفضا للتعاليم الدينية، أو التقليل من شأنها ليس فقط على المستوى النظرى، بل على المستوى العملى والتطبيق الواقعى أيضا، ولم يترك ابن رشد الفقيه شاردة ولا واردة من النظم التى تحكم معاملات الناس فى المجتمع إلا وتناولها فى كتابه المشار إليه مؤصلا لها علي أسس إسلامية.

ومن هنا فإنه ليس من الإنصاف أن نقتطع جانبا من فكره ونهمل الجوانب الأخرى بناء على افتراضات أو أحكام مسبقة. إن ابن رشد الفيلسوف الذى

هاجم الغزالى هجوما عنيفا فى كتابة " تهافت التهافت " مدافعا عن العقل الإنسانى، ومؤكدا لدوره المعرفى، ورافضا لكل إنقاص من دور العقل- ابن رشد هذا هو نفسه الذى يقول فى كتابه " فصل المقال ".

"فإنا- معشر المسلمين- نعلم على القطع أنه لا يؤدى النظر البرهانى إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل وافقه ويشهد له "(17). ومعنى ذلك أن ابن رشد الفقيه لا يتناقض مع ابن رشد الفيلسوف. فالحقيقة لديه واحدة وان كانت لها وجوه عديدة. فليس لديه حقيقة دينية يمكن التسليم بها تتناقض مع حقيقة فلسفية، ولا ينبغى أن يكون هناك تناقض أصلا ما دامت الحقيقة واحدة. فإن بدا أن هناك نصا دينيا يفهم من ظاهره أنه يتعارض مع حقيقة عقلية فيجب تأويل النص لإزالة ما قد يكون هناك من تعارض ظاهرى، وقد ذهب إلى مثل ذلك العديد من مفكرى الإسلام وعلى رأسهم الغزالى نفسه (18).

وقد كان ابن رشد على اقتناع تام بعدم وجود أى تناقض بين الحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية، وقد دافع عن اقتناعه هذا بكل ما يملك من قوة، ولم يشأ ابن رشد أن ينتقص من إحدى الحقيقتين لحساب الحقيقة الأخرى، ولذلك ظلت علاقة كل من الحقيقتين بالأخرى فى فكره متزنة ترتفع فيها كل التناقضات.

فالحكمة كما يقول "صاحب الشريعة والأخت الرضيعة وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة" (19). وبناء على ذلك فإن إثارة أى شكل من أشكال الخصومة بينهما إنما ترجع- بنص كلمات ابن رشد- إلى أصحاب "الأهواء الفاسدة والاعتقادات المحرفة" أو ترجع إلى "الأصدقاء الجهال "( 20). ونصوص ابن رشد هذه صريحة واضحة لا تحتاج إلى تأويل أو اجتهاد فى فهمها، وهى تدلنا على أن تنوير ابن رشد له جناحان: جناح دينى وجناح فلسفى. وكما أن الطائر لا يستطيع أن يطير بجناح واحد فكذلك تنوير ابن رشد لا يجوز أن يفهم فهما أحاديا، فالتنوير العقلى مطلوب، والتنوير الدينى مطلوب أيضا فى الوقت نفسه. ولسنا نبالغ إذا قلنا إن كلا منهما مرتبط ارتباطا وثيقا بالآخر، و أن نجاح أى منهما فى عالمنا الإسلامى متوقف على نجاح الآخر.

ومما سبق يتضح لنا الوجه الحقيقى للتنوير الإسلامى على المستويين العقلى والدينى على السواء، كما يتضح لنا أيضا أن التنوير الرشدى يختلف فى أهدافه ووسائله عن التنوير الأوروبى فى القرن الثامن عشر نظرا لاختلاف الظروف والملابسات التى سادت كلا من المجتمع الأوروبى والمجتمع الذى عاش فيه ابن رشد، ومن هنا اتخذ التنوير الأوروبى طريق العقل مبتعدا عن الدين فى حين انصهر الدين والعقل فى بوتقة التنوير الرشدى فى تركيبة فريدة، وفى تآخ منقطع النظير، وقد ساعدت العقيدة الإسلامية ابن رشد على اتخاذ هذا الموقف. وهذا ما أكده أيضا الشيخ محمد عبده فى مواضع عديدة من مؤلفاته. ومن هنا وجدناه يدعو إلى أن "العقل يجب أن يحكم كما يحكم الدين. فالدين عرف بالعقل، ولابد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معا حتى نستطيع أن نواجه المسائل الجديدة فى المدينة الجديدة، ونقتبس منها ما يفيدنا، لأن المسلمين لا يستطيعون أن يعيشوا فى عزلة، ولابد أن يتسلحوا بما تسلح به غيرهم. وأكثر سلاح فى الدنيا هو العلم، وأكبر عمدة فى الأخلاق هو الدين. ومن حسن حظ المسلمين أن دينهم يشرح صدره للعلم ويحض عليه، وللعقل ويدعو إليه، وللأخلاق الفاضلة التى تدعو إليها المدنية الحاضرة"(21).

وقد كان ابن رشد يدعو إلى موقف منفتح على ثقافات الآخرين. "فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها"كما يقول النبى عليه الصلاة والسلام. ومن هنا يبين ابن رشد فى كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال " أن الاطلاع على كتب القدماء (ومن باب أولى كتب المحدثين بطبيعة الحال) واجب بالشرع، مادام الهدف الذى يقصدون إليه هو ذات المقصد الذى حثنا عليه الشرع، وهو النظر العقلى فى الموجودات وطلب معرفتها واعتبارها، فى ذلك يقول ابن رشد:

"ننظر فى الذى قالوه من ذلك وما أثبتوه فى كتبهم، فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم "(22).

ونعتقد أنه قد آن الأوان لأن ننظر إلى فكر ابن رشد نظرة متكاملة، وهذا يقتضى إعادة قراءة ابن رشد قراءة متأنية متحررة من أثقال المسلمات والمقولات القديمة والحديثة والتى شاعت عن ابن رشد، حتى يتضح لنا الوجه الحقيقى لأفكار ابن رشد إنصافا للعلم و إنصافا لابن رشد نفسه.

ومجتمعاتنا العربية الإسلامية فى العصر الحاضر أحوج ما تكون إلى هذا اللون من التنوير الفلسفى والدينى معا. وذلك من أجل نشر الوعى العقلى السليم ونشر الوعى الدينى الصحيح حتى يمكن القضاء على فكر أصحاب الأهواء الفاسدة.. والاعتقادات المحرفة.. والأصدقاء الجهال؟ كما كان يريد ابن رشد وبنص عباراته، وقد كانت تلك أمنيته فى نهاية كتابه "فصل المقال ". ويعبر عن ذلك بقوله:

" ولهذا كثرت البدع وبودنا لو تفرغنا لهذا المقصد وقدرنا عليه، و إن أنسأ الله فى العمر فسنثبت فيه قدر ما تيسر لنا منه، فعسى أن يكون ذلك مبدأ لمن يأتى بعد، فإن النفس- مما تخلل هذه الشريعة من الأهواء الفاسدة والاعتقادات المحرفة- فى غاية الحزن والتألم، وبخاصة ما عرض لها من ذلك من قبل من ينسب إلى الحكمة"(23).

إن ابن رشد بعد ثمانمائة عام على رحيله كان لا يزال حيا بيننا يشخص أدواء مجتمعاتنا ويصف لها العلاج الناجع، فالذى يرقب أحوال مجتمعاتنا الإسلامية يجد خللا فى الفهم الدينى لدى قطاعات عريضة وبخاصة بين الشباب، كما يجد أيضا كثيرا من الخرافات والأوهام لا تزال تعشش فى عقول الكثيرين من أبناء هذه الأمة.

ومنهج ابن رشد التنويرى- الذى يتفق مع منهج الإسلام- هو المنهج الملائم لمجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة، للأخذ بيدها إلى طريق النور والحرية، حتى ينعم أبناؤها بالخير والاستقرار، وينطلقوا بحرية نحو آفاق رحبة من التقدم والازدهار، وبذلك يواكبون عصرهم ويحافظون- فى الوقت نفسه- على هويتهم التى أصبحت فى عصر العولمة معرضة لأخطار لا يعلم مداها إلا الله.

المراجع

(1)  R. Eisler : Kant – Lexikon. P. 50, Hildesheim 1964.

(2) راجع مختار الصحاح.

(3) راجع القاموس المحيط.

(4) مشكاة الأنوار للإمام الغزالى ص 44 (تحقيق د. أبو العلا عفيفى)-القاهرة1964 م.

(5) راجع ما جاء فى ذلك فى الفصلين السابقين.

(6) راجع فى ذلك: التفكير فريضة إسلامية للأستاذ عباس محمود العقاد.

(7) رواه الترمذى ونصه: "لا تكونوا إمعة: تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا. ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا،.

(8) رواه الترمذى والإمام أحمد بن حنبل.

(9) رواه البخارى ومسلم.

(10) راجع: الموافقات للشاطبى جـ 2 ص 10- دار المعرفة- بيروت.

(11) رواه تمام فى فوائده وابن عساكر فى تاريخه. والحديث معناه صحيح وإن تكلم علماء الحديث فى سنده.

(12) معارج القدس للغزالى ص 59وما بعدها- القاهرة 1927 م.

(13) إحياء علوم الدين جـ 3 ص 16- طبعة الحلبى 1939 م.

(14) رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ص 45 (دار إحياء العلوم- بيروت 1979 م).

(15) المرجع السابق.

(16) المرجع السابق ص 53.

(17) فصل المقال لابن رشد (ضمن كتاب فلسفة ابن رشد) ص 19- بيروت 1982 م.

(18) لا يخرج المبدأ الأساسى لقانون التأويل الذى وضعه ابن رشد- فى جملته- عما سبق أن قال به الغزالى، رغم ما يبدو من خلاف بينهما فى وجهات النظر فى أمور تفصيلية أخرى فالغزالى يقول: "فإن لنا معيارا فى التأويل وهو: إن ما دل نظر العقل ودليله على بطلان ظاهره علمنا ضرورة أن المراد غير ذلك ". (راجع: فضائح الباطنية للغزالى ص 53- القاهرة 1964م).

(19) فصل المقال ص 38.

(20) المرجع السابق ص 38.

(21) زعماء الإصلاح للأستاذ أحمد أمين ص 337.

(22) فصل المقال ص 17.

(23) فصل المقال ص 38.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع