التجديد فى
مجال الدعوة و الإعلام
و طريقة عرض الإسلام فى
الغرب
السيدة/ سامية حسين
عثمان
رئيس جمعية الحوار الإسلامى/ المسيحى السويسري
وعضو اللجنة الفيدرالية لمكافحة
العنصرية
سويسرا
إن المحور الذى
أثار انتباهى فى موضوعات
المؤتمر هو المحور الثالث، والذى يدور حول التجديد فى مجال الدعوة والإعلام، وخاصة العنصر الثانى
الذى يتناول التجديد فى
طريقة عرض الإسلام فى الغرب، خاصة وأنى من جيل
المهاجرين منذ ثلاثين عاما للغرب.
اسمحوا لى
فخامتكم أن أنوه فى البداية عن بساطة وتواضع إمكانياتى فى تناول هذا العنصر
نظرا لضيق الوقت الذى لم يساعدنى
على القيام ببحث وكشف ودراسة عميقة، ولذا اسمحوا لى أن
أعتمد فى بحثى على معايشتى وخبراتى فى هذا المجال.
إننى من خلال تجاربى و مشاهداتى على مستويات عدة
فى دول الغرب الناطقة باللغة الألمانية سواء على
المستوى الجامعى أو على مستوى المؤسسات الدينية
والسياسية وعلى مستوى القاعدة الشعبية ساءنى نظرة هذا
العالم للإسلام وتعامله معه، وأثار فى نفسى دائما التساؤل عن الأسباب لهذه النظرة، وفى البداية كنت
أوجه اللوم كل اللوم للغرب فقط، ولكن مع مرور السنوات واكتساب خبرات أكثر توصلت
للواقع الفعلى، ألا وهو أيضا التقصير من جانب العالم الإسلامى على المستوى الشعبى والرسمى فى التعامل مع الغرب بشأن
ا لإسلام والمسلمين.
فقد اكتفى الكثيرون بالتعامل مع الغرب
الأنجلو فرانكفونى فقط،
وطبقوا دراساتهم وأبحاثهم وعمموها على الغرب كافة، على حين أن مراحل التاريخ
الحديث تدل على أن كل دولة غربية مرت بتطورات سياسية واجتماعية واقتصادية مستقلة،
وأنها قد تعاملت مع بلدان العالم الإسلامى تعاملا
منفردا، فمنهم من تعامل مع العالم الإسلامى بأسلوب
الاستعمار المحتل، ومنهم من حاول التقرب للعالم الإسلامى
بالاتفاقيات الثنائية، وتبادل المنافع، والمشاركات السياسية الدولية، فليس من
المعقول أن تعامل أسبانيا مثل إنجلترا المستعمرة وأمريكا المهيمنة، أو سويسرا مثل
فرنسا المحتلة.
ولذلك إذا أردنا وضع أسس لطريقة عرض
الإسلام فى الغرب فلابد من وضع عنصر الصلات التاريخية التى تربط الغرب بالعالم الإسلامى
موضع اهتمام ودراسة عميقة.
ولذلك فنحن بحاجة إلى:
أولا: إنشاء معاهد لدراسة تاريخ الغرب
منذ العصور اليونانية والرومانية وحتى الآن. وأن تشمل المناهج الدراسية دراسات (استغرابية) على غرار معاهد دراسات الاستشراق
فى الغرب، فالواقع المؤلم الذى
فرض نفسه فى العصر الحاضر- إن أردنا أم لم نرد- يؤكد أن
الحضارة الغربية الحديثة هى ذات السيطرة العليا على
العالم أجمع، ولذلك فإنه لابد من فهم مقوماتها وأصولها حتى نستطيع أن نتوجه إليهم
بالحديث، فهم مثلهم مثل سائر البشر يتفهمون الخطاب الموجه فى
سياق خلفيته الحضارية، وندلل بمثال نشتقه من نظام التعليم فكلمة "جامعة"
مشتركة ولكن المدلول مختلف تماما فى الحضارتين.
إذن فلابد أن نوجه الخطاب للغرب من
وجهة نظره هو.
هناك شئ
مهم فى هذا الخطاب ألا وهو الخروج من أسلوب الخطاب
الموجه من قفص الاتهام، فنحن دائما نقع فى مصيدة المتهم
الذى لابد أن يدافع عن نفسه، وعندما يكون الشخص فى موقف الدفاع عن النفس فإنه يشعر بشيء من الضعف وهذا ينعكس
على أسلوب الخطاب فيسيطر عليه أسلوب تقديم المبررات والأدلة على صحتها، ولذلك يجب
أن تكون إدارة الخطاب متصفة بالهدوء والسيطرة على النفس كقوله تعالى : (ادع إلى
سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن) (النحل 125).
وبالتالى تتوافر لدينا القدرة على
العرض العقلانى للأمور.
إننا كذلك لا يجب أن نفهم أن أسلوب
الهجوم الذى يتبعه الغرب على أنه مسألة شخصية نتعامل
معها من هذا المنظور، ففى واقع الحال الغالبية العظمى
من مواطنى الغرب ليس لديهم نزعة عدوانية تجاه العالم الإسلامى والإسلام، ولا نوازع شخصية مضادة، ولكن لا تتوافر
لديهم المعرفة الموضوعية السليمة، وبالتالى فهم بمثابة
أسرى لخلفيتهم التاريخية والتوجه السياسى الحاضر، وهنا
لا يأتى الهجوم عليهم بنتيجة مثمرة بناءة ولكن سيؤدى
إلى عكس ذلك، لذا يتعين علينا بدلا من الإساءة إلى المهاجم أن نناقش قضيته بشكل موضوعى وبحكمة بالغة (وجادلهم بالتى
هى أحسن) ولو اقتصرت مواجهتنا على معاداة
المستشرقين والمؤثرين على الرأى العام فسوف نخسر
المعركة بلا شك.
وللأسف يلجأ الكثير من الكفاءات
البشرية من مثقفى العالم الإسلامى
إلى هذا الأسلوب سعيا
منه لإرضاء الجمهور العربي غير المثقف، أو حفنة قليلة من ذوى المصالح الشخصية.
ثانيا: معاهد الاستغراب
يجب أن يكون تعاملها مع المراجع الأصلية، وهذا يتطلب إدراكا كبيرا للغتين
اللاتينية واليونانية، لأن من أهم واجباتها دراسة تاريخ العلاقات بين الغرب المسيحى والشرق الإسلامى، فإننا فى المشرق العربي إذا تعرضنا لتاريخ العلاقات الإسلامية
المسيحية الغربية فنحن ولابد أن نتعرض له من خلال المراجع التى
كتبت عن المستشرقين ورجال اللاهوت والمفكرين، الغربيين وهذه المراجع معظمها غير
مترجم إلى اللغة العربية.
وبهذه المناسبة لا يفوتني أن أنوه بأن
غالبية الأعمال القيمة والتي تستشهد بآراء المستشرقين تكون منقولة من مراجع ثانوية،
وينقصها الإشارة إلى المراجع الأصلية باللغة الأصلية مما يسبب للقارئ العربي صعوبة
شديدة فى التوصل، إلى المرجع الأصلى
ومثال على ذلك موسوعة أ.د. عبد الوهاب المسيرى الأخيرة.
ثالثا: إننا نأخذ
المصطلحات الغربية بدون تمعن وتفحص وروية، مثل مصطلح "الفوندمنتاليزم
" FUNDAMENTALISM الذى فوجئنا بأن الإعلام العربى الإسلامى قد ترجمه إلى لفظ،
"الأصولية" مثلما وقع فى نفس الخطأ فى بداية القرن الماضي ، وظهور مصطلح "الراديكالية
" الذى ترجم إلى "الأصولية".
لذلك يتعين علينا أن ندرك الظروف والملابسات التى أدت فى الغرب
إلى ظهور هذه المصطلحات التى تنطبق على وضع واتجاه معين نشأ عندهم، فال FUNDAMENTALISM حركة بروتستانتية نشأت فى
أمريكا فى أواخر القرن التاسع عشر تعتمد على:
-
الأخذ بظاهر اللفظ فى الإنجيل.
-
عدم الاعتراف بنظرية التطور.
-
رفض الأسلوب النقدى فى ترجمة
الإنجيل.
-
رفض اللاهوت النقدى.
ولو قارنا ما سبق بالإسلام نجد أنه فى الإسلام:
-
القرآن غير مترجم ولدينا النص العربى وبذلك تنتفى نظرية نقد الترجمة.
-
بالنسبة للنقد الفقهى فنحن لدينا ما يسمى نقد الحديث فى علم الجرح والتعديل، وعلم الرجال للتأكد من الإسناد.
-
بالنسبة للأخذ بظاهر النص فنحن لدينا تفسير ظاهرى ،
وتفسير باطنى، وتفسير عقلانى،
وكذلك التفسير المبنى على الحديث، والتفسير
المأثور المأخوذ عن الرسول صلى الله
عليه و سلم والصحابة، وكل هذه التفسيرات تسير مع بعضها.
نستخلص مما عرض أن الخلفية
لمصطلح ال FUNDAMENTALISM
تختلف كليا وجزئيا عن أى مفهوم إسلامي فى قضية متشابهة.
إذن فلا داعى
فى مثل هذه الحالات للترجمة، ويمكننا الاكتفاء بتعريب
المصطلح. لقد وصل الأمر للبعض عندنا بأنه استخدم المصطلح فى
نفس السياق الذى استخدمه الغرب فى
فترة من فترات ظهور حركات العنف وأدرج " الأصولية" فى
سياق التشدد- التطرف- المغالاة والعنف، والبعض الآخر فى
عالمنا الإسلامى كان يتكلم بطريقة تأكيد ال FUNDAMENTALISM على أساس اعتبارها تأكيدا للأصولية الدينية دون
أن يعى أن الغرب أشاعها بيننا، ودون أن يدرك أننا حينما
نتكلم عن"الأصولي" فنقصد بها "الباحث
فى أصول الدين ".
وهذا يؤكد أننا نعيش مرحلة فى غاية الخطورة ألا وهى: أن الغرب يفرض علينا مصطلحاته.
والأمثلة الدالة على ذلك كثيرة ومنها:
أنه فى
الفترة التى كنا نتمتع فيها بالثقة بأنفسنا عام 1956م
كنا نتحدث عن العدوان الثلاثى على مصر، فى حين أن الغرب بدوره تحدث عن أزمة قناة السويس، ووصل الأمر
اليوم بأن العالم العربى يتحدث عن أزمة قناة السويس،
ونسى بدوره واقع أحداث 1956 م
على أنها حرب وعدوان ثلاثى من دول معادية، قامت بالهجوم
وانتهاك سيادة دولة مستقلة مسالمة، وبالتالى فإذا
تحدثنا للنشء من منطلق أزمة قناة السويس التبس عليه الأمر و فهمها على أنها أزمة
محلية لا علاقة للغرب بها، ولكن حينما أكلمه عن العدوان
الثلاثى فإنني بذلك أنشط تفكيره وسيفكر من هم المعتدون
الثلاثة؟… ما سبب عدوانهم؟... ما هى الآثار التى ترتبت على العدوان؟... إلخ.
مثال آخر:
الغرب لجأ فى
الفترة الأخيرة إلى استخدام لفظ "ISLAMSUS"
"
الإسلامية" كبديل عن FUNDAMENTALISM ، والخطورة
تكمن فى أنه يعبر بهذا المصطلح عن الحركات المتطرفة
والإرهابية فى العالم الإسلامى،
بينما التطرف المسيحى لا ينسب إلى الكاثوليكية
والبروتستانتية. إنه بذلك أكد تلازم التطرف مع الإسلام، وألصق بالمسلمين عامة صفة
الإرهاب.
إذن فالعملية أن الغرب يفرض علينا مصطلحاته، ونحن- وبدون أن نعى ذلك
-
نأخذ هذه المصطلحات دون فهم ودراسة ونقد.
إن المرحلة الراهنة تحمل فى طياتها تحديات كبيرة تجاه الإسلام والعالم الإسلامى، ولابد من مواجهتها والاستعداد لها بتسخير كل
الوسائل والقدرات البشرية، وهذا يتطلب منا تطوير وتجديد مناهجنا وأساليبنا
وتوسيعها بالخروج من حيز الوسائل التقليدية، فالدين والتراث الإسلامى
لم يستغل بعد الاستغلال الكافى، ومازالت ثرواته غنية
بالمزيد من التجديد والتطور، إن المناهج التقليدية لإعداد الكوادر البشرية كالأئمة
والدعاة وكذلك الإعلاميين لاتفى بمتطلبات العصر الحاضر،
وهذا نلمسه بوضوح فى اللقاءات الإسلامية- المسيحية التى تتم اليوم فى أوروبا، فهناك
تفاوت ملحوظ فى المستويات. فبينما يشارك فيها بعض
المسلمين غير المؤهلين للمواجهة وإدارة الحوار، نجد الطرف الآخر يسعى باستمرار إلى
إعداد الكوادر الأكفاء فى حين أننا لا نملك فى الغرب منابر إسلامية يعمل بها
أناس مؤهلون لتوجيه الخطاب ليس فقط للغرب إنما أيضا للمسلمين الذين ولدوا ونشأوا فى ربوع الغرب، ولم يمنعهم
ذلك من الاعتزاز بدينهم وتراثهم وحضاراتهم ولديهم ملكة الأخذ والاستفادة من جوانب
القوة لدى الآخرين.
وأيضا على الصعيد الإعلامى،
فعلى الرغم من الطفرة الإيجابية التى حققتها أجهزة
الإعلام- وخاصة المرئية الفضائية فى الدول الإسلامية-
إلا أن خطابها يتسم بالخطاب التقليدى ذات الطابع الإقليمى الموجه فى حد ذاته
للعقلية الشرقية المتأثرة بالظروف البيئية التى ولد
ونشأ وتعلم ويعيش فيها، ولكنه لا يجد طريقة إلى العقلية الشبابية فى بلاد المهجر، هذا الكنز البشرى الذى
سيكمل المسيرة بإذن الله تعالى.
إن المنطقة الألمانية تحتاج إلى
معاملة خاصة، وإلى المعاهد الإسلامية العليا والتى يقوم
بدعمها وتمويلها مؤسسة إسلامية مكونة من عضوية جميع الدول الإسلامية، يتداول
رئاستها ومقرها بين الدول الإسلامية لضمان الحيادية وبذلك نضمن ألا ننزلق إلى
المنعطف الذى انزلقت إليه بعض المنظمات ذات المقر
الثابت والتى صبغت بصبغة دولة المقر، والميول للهيمنة،
وسيادة مبادئه وأفكاره ومذاهبه، وخير مثال على ذلك منظمة الأمم المتحدة وما وصلت
إليه من أحوال فى الوقت الحالى.
المنطقة الألمانية تعانى من انتشار
الصراعات المذهبية والفرق والطوائف بين أبناء الجالية الإسلامية خاصة المهاجرين من
عديد من البلدان الإسلامية تحت ظروف مختلفة، وكل مجموعة تقف وراءها دولة أو منظمة
ما، تساندها وتدعمها بالأموال الطائلة لإرساء منهجها
ودحض منهج الآخرين، مما أدى بالجالية الإسلامية هناك إلى الفرقة والتشتت وإلى
فقدان الجيل الثانى والثالث وفقدان الثقة فى هذه المؤسسات والواقفين وراءها مما أساء إلى صورة الإسلام،
وأيضا تسبب فى فقدانهم للمصداقية فى
بلاد المهجر.
وبالتالى لم يعد الخطاب الموجه
موضع جدية وثقة لدى ذوى الأمر من المسئولين فى الدول
الغربية.
إن المطلوب من جميع المنظمات
الإسلامية والشعوب الإسلامية أن تجنب الجاليات الإسلامية فى
بلاد المهجر الخوض فى متاهات الاختلافات والصراعات
الداخلية، وأن تحترم طبيعة وتكوين كل مجتمع وظروفه.
ونحن نعلم أن خير مثال على ذلك كان
الإمام الشافعى رضى الله عنه
الذى كان يراعى فى فتواه
ظروف وطبيعة كل إقليم.
وأن نضع نصب أعيننا مصلحة الإسلام
أولا وأخيرا، ونسير على مبدأ نبينا المعلم العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم
"اللهم وحد أمتى على كلمة لا إله إلا الله محمد
رسول الله ".