التجديد فى مجال الدعوة والإعلام
الإمام/ محمد المهدى يونس
رئيس اتحاد
الأئمة
جمهورية تشاد
إن الدعوة والإعلام يتطلبان تجديدا
مستمرا ليتناسب البلاغ مع المدعوين وأن التغيير الاجتماعى
لابد أن يسبقه تأمل وتفكر، من شأنه دراسة العصر المخاطب ومدى فكر المخاطبين، لذا
فنحن مأمورون أن نخاطب الناس على قدر عقولهم. أما الإعلام فيجب أن يضاهى إعلام
التيار المعاكس للدعوة إلى الإسلام، وأن يتسع ليشمل وسائل الإعلام المختلفة
المسموعة والمقروءة والمشاهدة وغيرها فى هذا العصر الذى صار فيه العالم كقرية صغيرة بسبب التطور التكنولوجى الرهيب. فالمحور الثالث الذى
نتحدث عنه يشتمل على ثلاثة مواضع هى:
ا- التجديد فى
عرض علوم العقيدة وفى طريقة عرض الإسلام فى الغرب.
2-
دور العقل فى الخطاب الدينى.
3-
الحفاظ على الهوية الإسلامية فى إطار التجديد.
الموضوع الأول: التجديد فى عرض علوم العقيدة وفى طريقة عرض الإسلام فى الغرب.
إن العقيدة الإسلامية عقيدة واضحة
بسيطة لا تعقيد فيها ولا غموض، تتلخص فى أن وراء هذا
العالم البديع المنسق المحكم ربا واحدا خلقه ونظمه،وقدر كل شئ
فيه تقديرا، وهذا الإله الرب ليس له شريك ولا شبيه ولا صاحب ولا ولد: (بل له ما
فى السماوات والأرض كل له قانتون) (1)
وهذه العقيدة دعا إليها رسل الله
عليهم السلام بما فيهم نبينا خاتم النبيين محمد صلى الله عليه و سلم وبين القرآن الكريم أن أفضل ناطق يقول فى هذه الحياة من دعا إلى العقيدة الصحيحة وتعاليمها وعمل
صالحا، قال تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال
إنني من المسلمين)
(2)
والدعوة إلى العقيدة تكون موجهة للفرد
وللجماعة بقصد التأثير فيهم و إقناعهم إلى الدين الحق الذى
لا يشوبه زيف ولم يأته باطل وهو الدين الإسلامى، حيث
يقول المولى عز وجل: ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين)
(3) فالداعية المسلم يجب عليه أن يتحرى الحكمة فى دعوته، ذلك لأن الداعية يواجه بدعوته جماهير متباينة
المشارب والأهواء مما يحتم عليه تغيير أسلوب العرض وتجديده، فعلى الداعية أن يعلم
أن الهادى هو الله سبحانه وتعالى وأن عليه أن يجتهد
ويتحمل الأذى، وليضع بين حناياه قول الله تعالى:
( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى
أحسن) (4) وأمر الدعوة يتطلب فى جوهره دعوة ذاتية للداعية نفسه، ذلك لأن الظل لا يستقيم ما
دام العود أعوج.
والدعوة ينبغى
أن تراعى المتغيرات، وعلى الداعى أن يهيئ نفسه ويكيفها،
كى يتمكن من الولوج فى قلوب
المدعوين ليعقلوا دعوته ويفقهوا قوله، إذ أنه يواجه فى
دعوته مجتمعات امتلأت بوسائل مغرية للتسلية واللهو المحرم والمباح، وتفنن أصحاب الملاهى فى تزيينها وتسهيل تناولها
بإمكانيات هائلة وجهود جبارة، فأفقر سوق العلماء وتحول عنهم الأتباع إلى تلك
الوسائل والمغريات، ولذا يجب على الدعاة أن يلجوا هذه الوسائل ويدخلوا بابها، فإن
الحق من عادته يستطيع أن يجتث جذور الباطل إذا لبس رداء العلم وتوشح بثوب الحكمة
وتزين بالحلم والصبر والمثابرة.
فسلاح العلم والإيمان بالمبدأ
وحدهما لا يلقيان الباطل بل لابد لهما من معينات تسترشد بالقرآن الكريم
والسنة المطهرة. فالنبى صلى الله عليه و سلم عندما كلف
بهذه الدعوة زوده المولى عز وجل بنصائح وإرشادات، منها ما جاء فى
قوله تعالى فى صدر الدعوة:( إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا.
إن ناشئة الليل هى أشد وطئا وأقوم قيلا. إن لك في النهار سبحا طويلا. واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا. رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو
فاتخذه وكيلا. واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا) (5)
وهذه الآيات التى أنزلت فى بداية الدعوة تتطلب
تمعنا ووقفات لكى نستوعبها معنى وفهما وعملا، فهذه
الأشياء هى التى يفتقدها
كثير من الدعاة إلى العقيدة مما أدى إلى إحداث جفوة بين طرفى
الدعوة من دعاة ومدعوين، وإذا نظرنا إلى أسلوب موسى عليه السلام فى عرض العقيدة فقد لجأ إلى ربه طالبا المقومات التى يتمكن بها من سياسة قومه،
وإخراجهم من الظلمات إلى النور ولكى يستعين بها خلال هذه المهنة الشاقة.
قال موسى: (رب اشرح لى صدرى( سأل الله أن يشرح صدره لأداء الرسالة حتى تصبح عنده هواية أو متعة
تهون معها الشدائد.
-
وسأله تيسير الأمر وتذليل العقبات،
قال موسى: ( ويسر لى أمرى).
- وأوضح موسى أنه مؤمن بربه راغب فى رضاه ( كى
نسبحك كثيرا . ونذكرك كثيرا. إنك كنت بنا بصيرا) (6)
فموضوع عرض علوم العقيدة يتطلب علما
وعملا، وحكمة وإخلاصا، شأن الداعى إلى العقيدة الصحيحة
شأن رجل عاقل يحاول إقناع شخص جاهل يود أن يقذف بنفسه فى
هاوية ظنا منه أنه التجديد فى طريقة عرض الإسلام فى الغرب. إن دعوة غير المسلمين إلى الإسلام واجب شرعى وضرورة إنسانية تبدو فيها عالمية هذا الدين:( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) (7) وما أرسلناك إلا
لعموم الخلق مبشرا ومنذرا، قال تعالى ( : وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين) (8) إنما هو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فكانت هذه الرحمة هداية
للناس بعد ضلالة، وتعليمهم بعد جهالة، فكان رحمة للعالمين، وقال تعالى: (قل يا أيها
الناس إني رسول الله إليكم جميعا
)(9) وان دعوة غير المسلمين لأمانة فى
العنق من قصر عنها سئل عنها. والدعوة الإسلامية لا تخص قوما دون قوم، ولا فريقا
دون فريق و إنما هى دعوة الإنسان متى وجد وأين وجد، قال
تعالى تبارك الذى
نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا
(10) وقال جل شأنه: (قل أي شىء
أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هذا
القرآن لأنذركم به ومن بلغ )
(11) ذلكم كتاب الإسلام يجلو صفحته ويكشف عن طبيعته.
فإذا ذهبت إلى السنة وجدت الترجمة
العملية.
ولا نزاع فى
أن الإسلام عالمى النزعة، إنسانى،
ولا يتم هذا إلا وفق عمل مخطط وفى مراحل وفق منهاج محدد وبخطط مرسومة، وهذا رسول
الله صلى الله عليه و سلم يبدأ بنفسه يأخذ بآداب السماء يربيها تربية ربانية
خالصة، لقد آمن بالله وبكلماته وامتلأت روحه بقيم الإسلام ومبادئه التى ظهرت فى شخصيته صلى الله عليه
وسلم علما وعملا، وفكرا وسلوكا، شرعية ومنهاجا، وعقيدة وخلقا ثم تفيض من حولها
خيرا وبركة.
والمنهج العلمى
يقتضى أن تبدأ بنفسك إذ فاقد الشيء لا يعطيه- ثم بمن حولك، فالأسرة المسلمة،
فالمجتمع المسلم، فالدولة المسلمة التى وظيفتها الدعوة
إلى الله. ومن ثم يتكون جيل للدعوة يحمل همومها وينشرها فى
الأرض. إن واجب الدعوة الإسلامية لغير المسلمين إنما يتكفل
به المسلمون الذين يحملون هم الرسالة فأين هم الآن؟
إن الأمة الإسلامية أمة ذات تاريخ
ضارب وماض عريق ولكننا طال علينا الأمد، فقست قلوبنا ونسينا حظا مما ذكرنا به فحلت بنا سنة الله فى خلقه فكان
التأخر مكان التقدم وحل الشقاق محل الوفاق، تحسبنا جميعا وقلوبنا شتى فأين نحن من
واجب الدعوة لغير المسلمين؟ وعلينا أن نقدم الإسلام للآخرين صافيا نقيأ بغير تحريف
ولا تبديل، إذ أنه دين ربانى فى
وسائله وغاياته، ويحتاج إلى حكمة لتبليغه، وفقه الدعوة لا بد منه ويتضمن:
1-
معرفة موضوع الدعوة- وهو دين الإسلام- بخصائصه من شموله و عمومه ووسطيته وجلبه للمصالح.
2- الداعى من حيث وظيفته وهى الدعوة والبلاغ بصورته الفردية
والجماعية.
3-
معرفة أحوال المدعو، فالإسلام عام لكل البشرية، وبين الناس تفاوت عظيم فى الأديان والأفكار والعقول والطباع، فلابد من مراعاة كل
ذلك، ويبدأ بإصلاح النفس ثم الأهل ثم المجتمع ثم غير المسلمين، وعرض ذلك يكون من
خلال الدعوة العامة والخاصة، وتوجيه طلاب العلم وتنشئتهم على التعاليم الإسلامية،
والاهتمام بالمهتدين وتقديم الكتاب الإسلامى لغير
المسلمين، والتحاور معهم بالتى هى
أحسن، والتنسيق مع الجاليات المسلمة فى بلاد غير
إسلامية أو فيها أقلية مسلمة باعتبارهم أدرى بظروفهم واحتياجاتهم، وتفرغ دعاة فى هذه البلاد ممن لهم دراية ومعرفة بأحوال تلك البلاد، ثم
يلزمنا أن نوليهم من العناية نصيبا ومن الرعاية كفلا، ولاشك إذا قمنا بمثل هذا
الدور كان لنا قدرة إلى تبليغ الإسلام إلى غير المسلمين، إذ أنهم أعرف منا
بالطريقة التى يفكر بها
القوم، وأكثر إلماما بالمشاكل النفسية التى يعانونها.
الموضوع الثانى:
دور العقل فى الخطاب الدينى:
العقل منحة كبرى من الله عز وجل
للإنسان، فبه يدرك الحقائق، وبه
يبحث الظواهر الكونية، وبه يناقش المسائل العلمية، وبه فضل الله الإنسان وكرمه وميزه على كثير من المخلوقات،
والعقل لا يستحق كل هذه المنزلة ولا نكن له تلك المكانة العظيمة إلا إذا وظفه
الإنسان لأداء ما خلق له، والعقل الذى يفضل الإنسان هو
العقل السليم المنتج المؤثر، والمبدع المفكر الذى لا
يزال فى نمو مضطرد بالبحث والمناقشة والتجديد.
ومن هنا كان احتفاء الإسلام بالعقل
وتكريمه العقلاء، ومن هنا كانت مخاطبة الإسلام دائما للعقل، وكان اهتمامه الدائم
بالعقلاء، فالقرآن الكريم يخاطب فى الإنسان عقله وحثه
على النظر والتدبر والتأمل فى هذا الكون، ويرسم له خطة
البحث ليبتدع ويخترع.
ولنقف ولنتأمل قليلا قول الله تعالى: ( إن فى خلق السموات والأرض واختلاف
الليل والنهار لآيات لأولى الألباب. الذين
يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى
خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) (12)، فالقرآن الكريم هنا يخاطب العقلاء لأولى الألباب يثير اهتمامهم
إلى النظر والتأمل والتدبير ( إن فى خلق السموات والأرض واختلاف
الليل والنهار) (ويتم خطة البحث) (ربنا ما خلقت هذا باطلا). وهذا التعبير القرآنى الرفيع يوضح لنا
أن البحث المبنى على النظر والتفكير لابد أن ينتج ثمرات إيجابية وأن تكون غايته
حقائق واقعية، إذ ليس المقصود من استعمال العقل الوصول إلى نتائج مهما كانت
ثمراتها، ولكن الهدف الحقيقى الذى
ينشده الإسلام هو الوصول إلى الحقائق العلمية التى يؤدى
إليها النظر الصحيح، والفكر المستقيم فطالما العقل ينظر ويفكر فى
هذا الكون الواسع لا بد أن ينتج ويثمر، ثم إن الله تعالى الذى
منح الإنسان العقل أعطاه حرية التدبر والتفكير، وزاد على هذه الحرية بأن حثه على
النظر، وأدخله ضمن من سماهم أولى الألباب. وهدد الإسلام بالعقوبة المؤلمة الذين يعطلون عقولهم ولا ينظرون إلى الآيات الكونية مع قدرتهم
على النظر فيها.
روى ابن مردويه
بسنده، عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ويل لمن قرأها ولم
يتفكر فيها"، قال الإمام ابن كثير رحمه الله عند تفسيره قوله تعالى ( إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى
الألباب) إن
هذه فى اتساعها وارتفاعها، وهذه فى
انخفاضها وكثافتها وما فيها من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب وثوابت، وبحار،
وجبال، وقفار، وأشجار، ونبات، وزرع وثمار، وحيوانات ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان
والطعوم والروائح والخواص (واختلاف
الليل والنها ر)
أى تعاقبهما
وتعارضهما للطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من
هذا فيطول الذى كان قصيرا ويقصر الذى
كان طويلا، وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم؛ لهذا قالت الآيات: (لأولى الألباب) أى العقول التامة الذكية التى تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها
وليسو كالصم البكم الذين لا يعقلون، قال الله تعالى فيهم (وكأين
من آية فى السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون.
وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (13). وللعقل دور كبير
فى الخطاب الدينى، ولذلك
كانت أحكام الشريعة الإسلامية منوطة بالعقل، وأن
التكليف يسقط عن غير العاقل، وهى تساق للعقلاء فقط لأنهم المخاطبون بالتكليف
وتطبيق الأحكام. وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم "رفع
القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى
يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل " والله سبحانه وتعالى يكلف الناس فى حدود البشريةL
لا يكلف الله نفسا إلا
وسعها) (14).
وغير المكلف لا يسعه أن يؤدى ما يتوجب
عليه من أحكام الشريعة، فكان التكليف من شأن العقلاء. والخطاب الدينى
ينبغى أن يكون دائما مع الناس على قدر ما تعى عقول المخاطبين. روى البخارى فى صحيحه، عن أم المؤمنين، عن على
بن أبى طالب- رضى الله عنه- قال: (حدثوا الناس بما
يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟) أى بما يمكن أن
يعرفوه وتبلغه عقولهم حتى لا يفتتنوا. وفى هذا الأثر عن على- رضى
الله عنه- دليل على أنه إذا خشى ضرر من تحديث الناس
ببعض ما يعرفون فلا ينبغى تحديثهم به،
وليس ذلك على الإطلاق، وأن كثيرا من الدين ألفت بجهله الناس، فإذا حدثوا به كذبوا بذلك وأعظموه، فلا يترك العالم تحديثهم بل يعلمهم
برفق ويدعوهم بالتى هى أحسن،
وقال الحافظ ابن حجر- رحمه الله : (وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغى أن يذكر عند العامة). قال الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله : (ومن الحكمة فى
الدعوة ألا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه، بل ندعوهم رويدا رويدا حتى تستقر عقولهم).
ومثل قول على- رضى الله عنه- ما رواه مسلم فى
مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود- رضى
الله عنه- قال: (ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).
وهذا الإمام الشافعى- رحمه الله- يقول: "لو أن محمد بن الحسن كان
يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه ولكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه "،
الله أكبر.. لو استعمل الدعاة هذا الأسلوب فى دعوتهم
وتعليمهم لنجحوا كثيرا، ولغيروا ما على الأرض من أباطيل ومنكرات، وجاءت الشريعة
الإسلامية تأمر بحفظ ضرورات الإنسان الخمس
وهى متفق عليها بين كل الشرائع، وهى: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل،
ويتمثل نظام حفظ العقل فى أمرين:
ا- تقدير الإسلام للعقل أى حفظه، ومعنى حفظ العقل: أى
حمايته من أن يدخل عليه خلل فيفسد.
2-
إعطاؤه قدرا من الحرية.
ولذلك حرم الإسلام الخمر والمخدرات بأنواعها
حتى لا يذهب العقل أو تؤثر فى مجريات تفكيره وتوازنه،
ومن أبرز ما تمتاز به رسالة الإسلام عن غيرها أنها
تخاطب فى المدعو عقله وروحه معا، فلا يطغى فى دعوتها له الجانب العقلى على
الجانب الروحى ولا الروحى
على العقلى، لأن هذه الرسالة من لدن حكيم عليم، يعلم
السر وأخفى، ويعلم أن كيان هذا الإنسان يشتمل على العقل والروح. وقد راعت الدعوة
الإسلامية فى المنهج أمورا عدة للتعامل مع الناس، فراعت
سنة التدرج، وراعت المصطلحات الحديثة، وراعت مخاطبة الناس بما يعرفونه- كما تقدم فى أثر على وابن مسعود رضى الله
عنهما- والذى ينبغى أن تعرض
الدعوة الإسلامية على الناس على نحو يلائم طبائعهم،
وباللغة التى يفهمونها على لسان رجل منهم يخاطبهم بما
يلامس أفئدتهم ويوافق أغراضهم، لتحقيق الغاية المرجوة إن شاء الله، ونسأل الله أن
يوفق القائمين على الدعوة إلى ما فيه صلاح البشرية جمعاء.
الموضوع الثالث: الحفاظ على الهوية الإسلامية فى إطار التجديد
هذا الموضوع يجب الاعتناء به
كثيرا نظرا لأهميته البالغة لأن حفاظ المسلم على هويته يعكس الصورة الحقيقية
للسلوك الإسلامى، وذلك من خلال خلقه التى تشربها من تعاليم الإسلام، ومظهره الذى
أمره به الإسلام ونلخص هذا الموضوع فى
الآتي:
ا- نظرة الإسلام إلى الإنسان
والمجتمع.
2-
الحفاظ على الهوية الإسلامية وكيان المجتمع.
3-
الأسباب التى تؤدى إلى ضياع هذه الهوية.
4-
الضوابط التى يجب العمل بها
للحفاظ على هذه الهوية.
1-
نظرة الإسلام إلى الإنسان والمجتمع:
إن معرفة واقع البشر وواقع خلقه
وبدايته ومنتهاه تخط له طريقا فى الحياة، والإنسان فى الإسلام مركب من روح وجسم قال تعالى ( فإذا سويته
ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين) (15) ولكى تتم السعادة للجسم لابد من توجيه الروح وفى روح الإنسان
طاقتان: طاقة ذاتية هى الجهل وقد تعوذ بالله منه على
لسان موسى عليه السلام ( قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين)
(16). وطاقة موهوبة للروح وهى العقل وقد خص الله سبحانه وتعالى
العقول السليمة التى تفكر فى
خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار بأنها مبصرة تستطيع أن تستنتج من هذا
التفكر دليلا وآية لوجود الله تعالى ووحدانيته، يقول الله تعالى:( يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما
يذكر إلا أولوا الألباب ) (17) وللبشر الإرادة التى ترجح إحدى
الطاقتين عن الأخرى (الجهل أو العقل) وأن حب الذات يؤدى إلى حب الدنيا وعبادة
المادة، ومن حب الدنيا تنشأ الشهوات وهى التى تسبب
الرذائل، والإنسان ذو اللب يتبع الحكمة التى تجعل
الإنسان يتبع الحق، وباتباع الحق يتحلى الإنسان
بالفضائل، وهى تتلخص فى مراعاة حقوق الآخرين واتباع الحق، والناس باتباع عقولهم
يضمنون لأنفسهم الحريات الأربع وهى:
- حرية الفكر: بالارتفاع عن
الخضوع للشهوات أو التعصب والتقليد.
-
حرية السياسة: باتباع من يسوس الناس على الاستقامة والحق.
-
حرية الاقتصاد: كل فرد يكتسب كما يشاء شريطة ألا يسبب شقاء لنفسه أو الناس.
- وحرية الشئون الشخصية: بأن يعمل بما شاء وكيف
شاء وضمنها حرية السفر والإقامة.
2-
الحفاظ على الهوية الإسلامية وكيان المجتمع الإسلامى:
وهى تعنى الحفاظ على المبادئ
الإسلامية، وتتمثل فيما يلى:
ضرورة التمسك بمبادئ الإسلام السامية،
والتخلق بالأخلاق الحميدة والآداب الطيبة الرشيدة، والحفاظ على الثقافة الإسلامية،
والمعاملة الحسنة بين الأفراد والجماعات، فالشرع يأمرنا
بالمحافظة على المبادئ الإسلامية والحفاظ على هذه الهوية باتباع
رسول هذه الأمة محمد- صلى الله عليه وسلم-، حيث كان عليه الصلاة والسلام كما ذكرت
السيدة عائشة عن خلقه قائلة: "كان خلقه القرآن"، وإن التأسى بالرسول- صلى الله عليه وسلم- يكسب الكيان الإسلامى فى المجتمع المسلم صورة
مشرقة تؤلف بين قلوب المسلمين وتحبب الإسلام لغيره، فتنشرح صدورهم له ويكون
المجتمع المسلم سببا فى ولوجهم جماعات ووحدانا فى الإسلام.
3- الأسباب التى
تؤدى إلى ضياع الهوية الإسلامية:
إن فى ظل
التغيرات العالمية الجديدة، وفى ظل العولمة الجديدة والإعلام الموجه لإفساد
المجتمعات وإفساد هويتها، وأسباب فقدان الهوية يرجع لسببين رئيسيين:
1- الجهل بحكم الله تعالى وسنة رسوله
صلى الله عليه و سلم.
2-
ضعف الإيمان وضعف الإرادة، بحيث تغلب الإنسان شهوته أو تغلبه ظروفه فيقع فى المحظور.
فمعالجة الجهل: بالتعليم والتفهيم وربط
المسلم بالنصوص الشرعية ابتداء من البيت فالمدرسة ثم المجتمع، ووسائل الإعلام
المختلفة بإقامة الندوات والمحاضرات فى شتى المواضيع التى تهدف إلى ربط المسلم بدينه وتعاليمه.
4-
الضوابط التى يجب العمل بها
لحفظ هذه الهوية:
-
العمل بمبادئ الإسلام، وعدم الخروج عنها فى حياة المسلم
اليومية، كمنهج عملى للسلوك الفردى
والعلاقات بين الأفراد فى المجتمع الإسلامى
بعيدا عن الجدل والمراء، وقريبا إلى الأسلوب المبسط فى شرح هذه المبادئ.
-
ضرورة محاربة الجهل والأمية بواسطة الدعاة والمعلمين
ووسائل الإعلام المختلفة.
-
صرف نظر المسلم عن الإنتاج الثقافى الغربي الهادف إلى
إضلاله، ووضع البديل لذلك عبر التلفاز والسينما والمسرح والدوريات.
-
توجيه المسلمين للأخذ بمبادئي الإسلام فى توجيه ذاتهم
لتكوين الضمير القائم على الخشية من الله والإيمان به
وحده.
-
على المسلم أن يهتم بالعبادات لأنها تدعو إلى الخلق، وبها
تتهذب النفس وتستقيم، لأن العبادة فى الإسلام فى جوهرها تنعكس فى سلوك المسلم
وخلقه - محاسبة الضمير ورقابته والابتعاد
عن الجرائم الاجتماعية والانحرافات الأخلاقية الفردية.
- أن
يعرف المسلم أن منهج الإسلام هو منهج الحياة المستقيمة فى
المسجد وفى المكتب، وميدان العمل وفى توجيه الفرد والأسرة والمجتمع.
-
التماسك والترابط بين أفراد المجتمع المسلم، ونبذ الخلافات، وأن يكون المجتمع
المسلم كالجسد الواحد، كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "مثل
المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد
الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
المراجـــع
- القرآن الكريم.
- السنة المطهرة.
-
الفكر الإسلامى فى مواجهة
حضارية.
-
كيف ندعو الناس.
-
الإسلام مقاصده وخصائصه.
-
الإسلام فى حياة المسلم.
_______________
(1) البقرة:116
(2)
فصلت الآية: 33
(3) آل عمران: 85
(4) النحل:125
(5)
المزمل:5-10
(6)
طه 33- 35
(7) سبأ: 28
(8)
1لأنبياء: الآية: 107
(9) 1لأعراف: 158
(10)
الفرقان1
(11) الأنعام 19
(12)
آل عمران: الآية 190- 191.
(13)
يوسف:105-106.
(14)
1لبقرة: 286
(15)
الحجر: 29
(16) البقرة:
269
(17)
1لبقرة 67