الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
الأساس الإسلامى للتجديد وضوابطه

مفاهيم التجديد والاجتهاد والإبداع

سماحة الشيخ/ عبد الأمير قبلان

نائب رئيس المجلس الإسلامى الشيعى الأعلى

المفتى الجعفرى الممتاز فى الجمهورية اللبنانية- لبنان

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

وبعد، ففى أجواء البهجة والحبور أجواء رحمة السماء لأهل الأرض وولادة الخلاص من الضلالة والعمى، بمولد النبى الهادى والضياء الباهر، البشير  النذير والسراج المنير، الطهر الطاهر والعلم الزاهر، سيدنا ونبينا تفديه مهجنا وأرواحنا، الحبيب محمد عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والسلام، يسعدنا أن نسهم فى هذا المؤتمر الذى ينعقد فى أجواء مولده الشريف وتحت سقف رسالته السامية وشريعته الغراء.

نشكر بامتنان هذا المؤتمر الكريم فى أرض الكنانة وفى أحد أهم مرابط الإسلام والعروبة، ويشرفنا أن نوجه عبره ومن منبره تحية تقدير وإكبار كبرى إلى المساهم الأكبر فى حمل هموم المسلمين والعرب والراعى للمسلمين فى مؤتمر هم سيادة الرئيس محمد حسنى مبارك بارك الله جهوده ومساعيه. كما نوجه تحية تقدير وثناء إلى سيادة وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فى جمهورية مصر العربية الأستاذ الدكتور محمود حمدى زقزوق وإلى صاحب الفضيلة شيخ الأزهر الإمام الأكبر الدكتور / الشيخ محمد سيد طنطاوى و إلى مفتى الديار المصرية فضيلة الدكتور نصر فريد محمد واصل وإلى نيافة الأنبا شنودة بابا الأقباط وإلى الأخوة السادة المشاركين.

ونغتنم المناسبة لنتذكركما فى كل أوقاتنا أهلنا وأخوتنا وأبناءنا وأخواتنا وبناتنا فى فلسطين الحبيبة التى تقدست بأقصاها وبجهاد أبنائها وجراحاتهم وبالشهادة فى أرجائها لنطلق دعاء صارخا بأن يكون فى المستقبل القريب لقاء مماثل فى أرجاء الأقصى.

وموضوع حديثنا هو التجديد فى الفكر الإسلامى، ونتناول فيه:

* الثبات فى أحكام الله، الاجتهاد دعوة إلى فتح باب الاجتهاد، التجديد، الإبداع، خاتمة.

ونبدأ بالقول بعون الله وتسديده أن الثبات ميزة أساسية من مميزات الشريعة الإسلامية، ويشمل ذلك جميع المفاهيم والأحكام الإسلامية، ثبات العقائد، ثبات الحقائق، ثبات القيم، ثبات التشريعات. وهذا الثبات ليس له معنى الجمود والتقوقع والركود، كما يدعون، وكذلك، لا يعنى عدم قدرة الإسلام على مواكبة التطورات التى تطرأ على الحياة البشرية فى مختلف جوانبها الفكرية والنفسية والاجتماعية، بل و إن هذا الثبات يستند إلى معطيات وأدلة محكمة لا يعتريها أى شك أو تردد وأهمها:

إن هذا الدين هو صنع الله الذى أتقن كل شئ، وهو سبحانه عارف بالحاجات الحقيقية للنفس الإنسانية، عارف بما ينفعها ويضرها، عارف بما سيطرأ عليها، من تطورات وتغيرات عبر التاريخ. ومن خلال هذه المعرفة الكاملة بالإنسان، وضع سبحانه هذا الدين بما يلائم هذه الحاجات ويلبى رغباتها السليمة، وجعله سبحانه وتعالى علاجا لما يعترى النفس البشرية من أمراض وأوهام وانحرافات.

كما أودع سبحانه وتعالى فى الإنسان غرائز ثابتة، وفطره على مبادئ وقيم ومثل تكفل له سعادته وفر له فيها كل الخير والمصلحة إذا التزم الإنسان بها ولم يحد عنها، وهذه المثل والقيم هى عامة إنسانية يؤمن بها كل الناس و تنطوى عليها فطرته ويطمئن بها قلبه، إذا ما بقيت النفس نقية صافية، لا تشوبها شائبة ( ونفس وما سواها  فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) (الشمس: 7- 10)، وكيف لا يكون ذلك، وهو سبحانه خالق الإنسان وبارئه ومصوره، ولذا نرى كثيرا من العقلاء والمفكرين والمصلحين ورواد العلم والحضارة يتوافقون جميعا على قيم ثابتة وحقائق لا تتغير، مهما تغيرت الأزمان والظروف، فالعدل مثلا يبقى حسنا والظلم يبقى قبيحا مهما كانت الأحوال والأوضاع والأزمان، وكذلك الصدق والكذب وغير ذلك من القيم التى لا تتغير أحكامها وصفاتها ولا تتبدل عند الإنسان على مدى الأزمان.

إن التغيرات المادية والابتكارات فى الوسائل من أجهزة ومعدات واختراعات لا يمكن أن تجعل من الحق باطلا ومن الصدق كذبا، ويبقى الإنسان فى خضم الآلات والأجهزة المتطورة هو الإنسان بنفسه ولحمه ودمه، و إذا تغيرت نفسيته فهذا يعنى تلوثه بالمحيط الذى يعيش فيه ولا يعنى تغيرا جوهريا وحقيقيا فى كيانه.

هذه الحقيقة أكد عليها الإسلام، وثبتها فى قلوب المسلمين من خلال الآيات القرآنية والسنة النبوية الشريفة، يقول سبحانه: ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ) (الأنعام: 115) ويقول سبحانه ( فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا(  (فاطر: 43) ( لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم) (يونس: 64).

ويقول النبى محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة".

مفهوم التجديد

يحمل التجديد، فى الشكل بعدا مفاهيميا جميلا، ولكن ماذا يقصد به فى المضمون والهدف هل هو عودة إلى تجديد نظرتنا فى تراثنا وأفكارنا وماضينا؟ أم هو انقلاب على هذا الماضى وهدمه؟

فالتجديد هو مقاربة للأفكار، ولا تولد تلك من العدم واللاشئ، بل هى سياقات يتحكم فيها الزمان والمكان وتحكمها الثوابت فى العقيدة والأحكام، والإسلام كرسالة خاتمة للرسالات السماوية يدعو البشرية  للانفكاك من القيود التى تعيق وتمنع حركتها نحو التقدم، ويهيب بالإنسان أن ينفتح على الآراء والأفكار المختلفة ليكتشف الأفضل منها إذا ما احتاج إليها مع مراعاة مشروعيتها  (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (الزمر: 18).

والإسلام يذم عقلية الركود وحالة الجمود، لأنها تنتهى بالإنسان إلى التخلف عن ركب الحياة، وقد ورد فى رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، "من اعتدل يومه فهو  مغبون ومن كان فى غده شرا من يومه فهو مفتون، ومن لم ينفعه النقصان من نفسه دام نقصه، ومن دام نقصه فالموت خير له" بحار الأنوار- محمد باقر المجلسى.

وورد فى السياق نفسه الحديث الشريف "العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس، ومن عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد، ومن استقبل الأمور أبصر ومن استدبر الأمور تحير"

فالتجديد روح وحالات داخلية قبل أن يكون ظروفا وإمكانيات خارجية ، فإذا ما سرت هذه الروح فى جسد أمة بعثت فيها حركة ونشاطا، ولذلك يركز القرآن الكريم على أهمية تغيير ما فى النفس، ويعتبره الشرط الأساسى لتغيير الواقع الخارجى ، فالانطلاق يبدأ من داخل الأمة والإنسان، من النفوس، يقول الله تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد: 11)

وفى آية كريمة ثانية يؤكد البارى عز وجل  على أهمية داخل الإنسان، وما تنطوى عليه أعماق نفسه بقوله ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) (الأنفال: 23).

والعلاقة بين حركة التطور وحرية التفكير قائمة ووثيقة ولا يمكن أن يتم تجديد أو تحديث أو تطوير، فى حالات الإرهاب الفكرى والقمع والتهديد. فإذا قمعت حرية العقول رهبة أو رغبة، وسادت أجواء الكبت والإرهاب الفكرى، ولم يعط الإنسان فرصة الطرح والمناقشة، حينئذ تتعطل مسيرة التجديد وتنعدم أية إمكانية أو سبيل للتطور.

إن حرية الفكر والرأى حق أساسى، ومن أهم حقوق الإنسان، بها يشعر الإنسان بإنسانيته ويستثمر أعظم نعمة وهبها الله تعالى له وهى نعمة العقل، وعبرها يتمكن من تسخير الكون وإعمار الحياة حيث أراد الله تعالى منه ذلك،  و إذا كان الدين يأمر بالتفكير وإعمال العقل فلا يرضى بمصادرة حرية الرأى، ولكن هناك ضوابط لحرية الفكر والعقل. وتقع المسئولية على العابثين والمغرضين الذين يسيئون استخدام هذه الحرية فى حال تحولت إلى مآرب وغايات قد تمس بالدين والعقيدة. وتعاليم الإسلام توجهنا إلى التطلع والطموح الدائم فى مختلف المجالات، ففى دعاء مكارم الأخلاق للإمام زين العابدين على بن الحسين رضى الله عنهما وعليهما السلام تذكير للإنسان بالتفكير، وبالتقدم على صعيد الإيمان والمعرفة والعمل، ويأتى هذا التوجيه على شكل دعاء وطلب، يقول الإمام" وبلغ بإيمانى أكمل الإيمان واجعل يقينى أفضل اليقين وانته بنيتى إلى أحسن النيات وبعملى إلى أحسن الأعمال".

لقد واكبت العلوم الشرعية تطورات الحياة ولم يقتصر اهتمام علماء الإسلام على العلوم التى بدأوا بها كالتفسير والحديث والفقه بل تتالت نشأة العلوم، فنشأت علوم العربية وعلوم القرآن وعلوم الحديث وعلم أصول الفقه والسياسة الشرعية  والجدل  والمناظرة والأخلاق وفلسفة التاريخ.

فالتجديد مفهوم يضيق بقدر ما يتسع ومحاكاة العصر وتمثله على صعد

الحياة من فكر وثقافة واجتماع وتراث وحضارة ينبغى أن يبقى ضمن أطر وأسس حضارتنا وثقافتنا الإسلامية وتطلعاتنا، وكل تجديد مبنى على هذا الأساس هو حياة للأمة وإعزاز لها، وقد لمسنا نحن ذلك وعشناه فى لبنان ولمس آثاره جميع إخواننا المسلمين والعرب عندما حقق المجاهدون المؤمنون المنطلقون من إيمانهم العميق بالله المجزى والمثيب، وبالجهاد بأنه باب من أبواب الجنة، ذلك النصر المبين والعز الذى ما بعده عز، وهو عز بالله عندما كنسوا الصهاينة المحتلين من ديارهم، وهذه الأيام هى أيام الانتصار والتحرير، وها نحن فى هذه الأيام نشهد أيضا الجهاد المجدد فى أرضنا الحبيبة فلسطين، وهو تتجدد حلقاته عند إخواننا وأشقائنا المجاهدين لتحرير المسجد المقدس (الأقصى) والأرض المباركة حيث قال سبحانه وتعالى عن المسجد الأقصى   لذى باركنا حوله­ )، فكل تجدد قائم على الأسس الدينية وراكز على الإيمان بالله تعالى هو تجديد ناجح وصالح، و إلى مثل هذا التجديد تحتاج الأمة والفكر، لذلك ندعو المسلمين جميعا فى مختلف أقطارهم ومن خلال هذا المؤتمر الجليل إلى العمل على مثل هذا التجديد.

مفهوم الاجتهاد

تعريف:

1- الاجتهاد فى اللغة كما عرفه ابن الأثير فى نهاية اللغة "بذل الجهد فى الأمر وهو افتعال من الجهد والطاقة، وقد يأتى الجهد (بضم الجيم) وهو يدل على معنى الوسع والطاقة وتأتى الجيم مفتوحة لتدل على الوسع والطاقة والمشقة أيضا.

وقد اختلفت فيه اللهجة  فمنهم من يضم الجيم ومنهم من يفتحها، وسواء قلنا بوحدة اللهجة أو بتعدادها فإن كلمة اجتهاد على كلا الحالين تدل على بذل  الوسع والطاقة وهو المعنى المناسب لمعنى الاجتهاد فى المصطلح الشرعى المطلوب فيه بذل غاية الوسع ونهاية الطاقة للخروج من عهدة المسئولية أمام لله تعالى.. إذا الاجتهاد الشرعى قيام المجتهد بالبحث عن الحكم الشرعى بكل ما يمتلك من قدرات علمية وطاقات ذهنية ورصيد ثقافى فالمعنى الذى يتناسب مع هذا هو بذل الوسع والطاقة .

والاجتهاد كما عرفه العلامة الحلى فى مبادئ الوصول إلى علم الأصول هو استفراغ الوسع فى النظر فيما هو من المسائل الشرعية"على وجه- لا زيادة فيه- إلى أن يقول: "للعلماء استنباط الأحكام من العموميات فى القرآن والسنة وترجيح الأدلة المتعارضة".

وفى معالم الدين للشيخ العاملى يقول:" وأما فى الاصطلاح فهو استفراغ الفقيه وسعة فى تحصيل الظن بالحكم الشرعى"والاجتهاد باعتباره صفة هو الملكة والقدرة العلمية على استنباط الحكم من الدليل "إن دور المجتهد فى النظام الإسلامى ليس التقنين، فهو لا يضع قانونا ولا يلغى قانونا إلا أن الوصول إلى القوانين الإلهية واستخراجها من مصادرها يحتاجان الى من تتوفر فيهم عناصر الخبرة والتخصص والعلم والمعرفة حتى يستطيع استنباط الأحكام الإلهية من الكتاب والسنة والعقل والإجماع.

ويحظى الاجتهاد باهتمام أكبر فى المذهب الشيعى الإمامى أكثر مما هو عليه فى باقى المذاهب الفقهية الإسلامية، وفقهاؤهم يدركون أنهم ليسو اكثر من علماء بالأحكام الإلهية المنصوص عليها ومستنبطين لغيرها من المصادر الظنية المعتبرة التى لم يرد فيها نص، والاجتهاد عندهم ما هو إلا وسيلة لمعرفة واجبات العباد وتكاليفهم الشرعية وليس   مصدرا من مصادر الأحكام.

2- شروط المجتهد الذى يصح اتباعه: وأخذ الحكم والتكليف منه عند الشيعة الأمامية والمعروف بالمرجع أى من- ترجح الأمة إليه فى أحكام الشرع فيما يتعلق بأمر دينهم ودنياهم بالإضافة الى معرفته بالقرآن والسنة واللغة وأصول الفقه وقواعده وعلم المنطق , أن يكون مؤمنا بالغا ورعا عاقلا عادلا عالما طاهر المولد وألا يكون مقبلا على الدنيا.

وأورد الشهيد الثانى زين الدين الجبعى العاملى فى الروضة البهية فى شرح اللمعة الدمشقية:، أن الاجتهاد يتحقق بمعرفة المقدمات الست وهى: الكلام والأصول والنحو والصرف ولغة العرب وشرائط الأدلة والأصول الأربعة وهى:

الكتاب والسنة والإجماع والعقل.

3- تقسيم الاجتهاد:

قسم الاجتهاد باعتبار المجتهد الى قسمين، وهو المشهور بين العلماء قديما وحديثا:

(أ)المجتهد المطلق: هو من كان لديه ملكة الاستنباط والقدرة على تحصيل الحجة على حكم شرعى ما، مسبوق بالنظر أو مستحدث  فى جميع أبواب الفقه ومسائله، لضلوعه بالمعارف الأولية اللازمة لعملية الاجتهاد وأدواتها ووسائلها.

(ب) المجتهد المتجزئ: هو من له القدرة على تحصيل الحجة على الحكم الشرعى فى بعض المسائل دون بعضها الآخر على أن هذه المرحلة من الاجتهاد هى مقدمة للاجتهاد المطلق.

4- الاجتهاد من حيث موارده:

(أ) لا اجتهاد مع النص القطعى الثبوت والدلالة :

ففى هذا المورد وسواء كان من المسائل العقائدية للمسلمين أو من المسائل الفرعية للأحكام، فقد أجمع المسلمون قولا واحدا وبجميع مذاهبهم ومدارسهم على منع الاجتهاد فيه  ولا يجوز بأى حال من الأحوال البحث فى مسألة جوازه أو التساؤل فيه، وهذا ما اتفق عليه الجميع عندما قرروا أن لا اجتهاد فى مورد النص.

(ب) الاجتهاد فى دلالة النص:

يعنى ذلك أن يجتهد الفقيه فى فهم النص الدال على الحكم سواء فى الكتاب

أو السنة، سواء أكانت السنة متواترة أو ورد القول فيها عن طريق الخبر الواحد، وقد عمل علماء الشيعة بهذا القسم من الاجتهاد مشترطين فى ذلك أن يكون النص ظنى الدلالة بالظن المعتبر شرعا، وعليه يبحث المجتهد عن الدلائل والقرائن التى توصله، وبمعرفته بالقواعد العامة، إلى حكم يعتبره حجة عليه.

(ج) الاجتهاد بالظن المعتبر وفيما لا نص فيه من الكتاب والسنة معتمدا فى ذلك على الأصول المقررة شرعا كأصل البراءة والاستصحاب وغيرهما، أو بحكم العقل كمسألة تقديم الأهم على المهم عند التزاحم، ومسألة وجوب مقدمة الواجب حيث لا يتم الواجب إلا بأداء تلك المقدمة فتكون هى بدورها واجبة بحكم العقل

مفهوم الإبداع

أعطى الدين الإسلامى الإنسان الحرية التامة فى التأمل فى الموجودات والوصول الى حقائق الكون والحياة من خلال إعمال العقل والتفكير. إننا  مع الإبداع الإنسانى الذى يثري حياتنا معرفة وحيوية وجمالا، وفى ذلك ينبغى ألا تتحرك إبداعات المبدعين فى المس بالعقيدة والثوابت والمسلمات، بل تبقى خاضعة للبحث فى سلامة التأويل من حيث المنهج العلمى فى فهم النص، وربما يقودنا الحوار الموضوعى إلى حقائق جديدة و قناعات معرفية متميزة كما أننا ندعو إلى ذلك لا من موقع العقدة من التجديد والإبداع والتنوير بل من موقع الرغبة فى أن تكون لنا حالتنا الثقافية ومرجعيتنا الحضارية.

لذلك ينبغى أن ندرس الإسلام ونتعرف على أحكامه من خلال نصوصه ومفاهيمه وتطبيقاته، أما الوقوع تحت تأثير التطور الوافد والذى يتحرك من خلاله قواعد فكرية غريبة عن الإسلام، فهو أمر يؤدى الى الإساءة إلى الإسلام، فالإبداع هو اجتهاد مشروط ومقيد، هو نشاط فكرى داخل النص القرآنى، ولا يمكن أن يكون فى مقابله.

وأول الإبداع، السؤال والجدل الإنسانى أو ( وجادلهم بالتى هى أحسن) (النحل: 125)، والإنسان بحسب المنظور الربانى أكثر الكائنات جدلا ( وكان الإنسان أكثر شىء جدلا) (الكهف: 54).

فالسؤال يمنحنا التحفز ويدفعنا للبحث، فأسلوب السؤال هو الذى يحفز المبدعين والمفكرين على إبداعاتهم، ومن خلال هذا ألفهم تتشكل بذور الإبداع فى مسيرة الإنسان، وعبر النصوص القرآنية الخالدة والسنة المطهرة الثابتة يساهم فى دعم وإسناد وتفجير الطاقات الإنسانية فى سبيل رقى الوجود الإنسانى  وبهذا تتكامل صورة الإبداع وفق المنظور الدينى وحينما يتحرك الوعى البشرى لإدراك حقائق النص الدينى يغتنى بالقوة والإدراك ويصبح مؤهلا للاستيعاب والإبداع .. وهكذا فإن الدين لا يعطل روافد اغتناء الوعى والمعرفة فى سبيل إغناء مضامين الإبداع الإنسانى فى مختلف المجالات.

إن المطلوب فى ممارستنا لحريتنا ألا نجدف فى الدين، ويخطئ من يتصور أن لا حرية مع احترام قيم الدين ومقدساته، فكما أن الحرية مقدسة بذاتها كذلك الدين، فلا يجوز بأى شكل من الأشكال معاداته أو أن تكون الحرية على حساب الدين وثوابته المقدسة. ومع إصرارنا وتأكيدنا على أن المشكلة ليست مع ثوابت الدين، كما يحاولون أن يصوروا الأمر، وخصوصا وبالذات إذا أدركنا أن احترام مقدسات الدين ومصالح المجتمع العليا، فلا حرية بدون مسئولية، كما أنه لا مسئولية بدون حرية، فهما قيمتان متكاملتان. وعندما يرى الإنسان إنجازات الآخرين وإبداعاتهم يندفع تلقائيا باتجاه العمل على تفجير قدراته وطاقاته، فهو إنسان مثلهم، يمتلك ما يمتلكون من عقل وإرادة، وكما استخدموا عقولهم، وأبدعوا، فعليه أن يفعل مثل ذلك لكى يبدع وينتج.

هذا هو المنهج الصحيح، بيد أن بعض الناس، على العكس من ذلك، ينبهرون بإنجازات غيرهم إلى حد فقدان الثقة بأنفسهم، فتتوقف عقولهم وطاقاتهم عن الإبداع، ويصبحون أسرى المحاكاة والتقليد وبهذا تتوقف الحركة، ويتعذر الانطلاق، ونقد الذات.

سيظل الإبداع دون التحديد والثبات فهو زائغ ومتغير. والموقف- حاليا- أكثر حدة بلا شك نظرا إلى ما يتعرض له الإبداع فى نواح معينة، من هزات عنيفة، بفعل المتغير المعلوماتى-  و إذا كان الإبداع ينهل من ثقافته ومن لغتها وتراثها وقيمها وتاريخ نضالها- وينفذ إلى عمق صراعاتها، لا يعنى ذلك أن الإبداع متغير تابع لثقافته، فكثيرا ما ينشق عنها، فيعلن القطيعة مع التراث ويتمرد على اللغة، ويعترض على القيم السائدة، ولا يتحرج المبدع من أن يضرم النيران فى الجسور التى أوصلته إلى ما هو فيه، وينأى عن نقاط البداية التى انطلق منها، وينقلب على من اهتدى بهديهم، ممن سبقه، وينشق على المدارس الفكرية التى كان انتسابه إليها بطاقة المرور إلى عالم إبداعه، بل كثيرا ما يضاد الإبداع نفسه.

إن على الإبداع مسئولية أكبر من النهوض بمجتمعاتنا الإسلامية والعربية. ولا يمكن للإبداع أن يدرك أبعاد هذه المسئولية بصورة واضحة، ويحدد توجهات خطابه الاجتماعى، دون مراجعة شاملة لموقع الإبداع داخل منظومة الثقافة، وتحديدا علاقته بكل من عناصر هذه المنظومة، الفكر الثقافى، اللغة، التربية، الإعلام، التراث، ونظام القيم والمعتقدات، وغير ذلك..

ضرورة التجديد

إن محاولة الدخول فى مفهوم التجديد وضرورته، يفرض علينا أن نحدد أولوياتنا من خلال علاقتنا بالعصر. فالتجديد بنظرنا محكوم بالشريعة والعقيدة والأعراف والزمان والمكان والتاريخ، فإذا كان التجديد بنظرنا هو ضرورة للتأهيل والتطوير والانتقال من الجمود إلى  الحركة- ومن الانغلاق إلى الانفتاح ومن الانقطاع إلى التواصل، فبإمكان الفكر الإسلامى من خلال ثوابت الدين وأحكامه، أن يظهر قدرة مميزة على التجديد والتطوير عندما يحسن الاستفادة بطرائقه ونظمه وقواعده الاجتهادية والمنهاجية الأصولية، بصورة فعالة ومتجددة.

 فالاندفاع نحو التجديد، ظاهرة لها تجلياتها الشاخصة على الكتابات الإسلامية

الجديدة. والمشهد الثقافى الإسلامى مشغول بها، فأى مفهوم هو نسبى، تتحدد دلالاته من سياق أحداثه ومتغيراته، وكل تغيير يطرأ على مفهوم ما يلقى بظلاله على أسلوب التحليل وبنيته، وعلى ما يتمخض عنه من نتائج وتخمينات.

إذا، هناك عوامل تتحكم فى شكل المفاهيم ومضامينها وفى تأثيرها مستقبليا على مفاهيم أخرى مستجدة، حتى تصل إلى استقرار نسبى فى المصطلح. فالتجديد من خلال نسق المفاهيم، هو عملية تابعة للزمان والمكان، ونابعة من كليهما، فما هو جديد، فى وقت من الأوقات، لا يبقى جديدا فى أوقات أخرى. والجديد قد لا يكون ابتكارا، بل هو إعادة بناء لمفاهيم مضت، واستدعت ضرورات الأمة وخياراتها، أن تعيد النظر بها، على ضوء المعطيات والأفكار الجديدة.

فضرورة التجديد، هى ضرورة مرتبطة بالقوانين الإلهية، فى الفكر الإسلامى، وبمصلحة الأمة ودرء المفاسد، والتجديد لا يأتى من العدم، ولا يكون بناء على الرمال، إنما هو تواصل وارتباط وليس انقطاعا أو غربة.

والتجديد فى أى شئ يحتاج إلى أهل خبرة ودراية فى ذلك الشئ جملة وتفصيلا، لأن الحاجة إلى التطوير- والتحديث هى مطلب عام. غير أن الذى يحق له الإقدام وإبداء الرأى هم العارفون العالمون بالأمور التى تحتاج إلى تطوير وتحديث، لا أن يقدم غير مقدام أو يقتحم غير فارس. إذ تنعدم الثقة فى غير ذلك، وينعدم معها الاطمئنان.

 

الأساس الإسلامي للتجديد وضوابطه

إن النظام المعرفى الإسلامى لا ينفصل بحال عن نظام الاعتقاد والقيم  بل ينبع منها بقدر ما نتبع منه، وهذه الدائرة الكاملة تعبر عن فلسفة الفكرة القرآنية، فى أعمق صور التجريد والتوحيد، ( وإليه يرجع الأمر كله ) (هود: 123 )

( وإلى لله ترجع الأمور) (البقرة: 210).

لذلك كان التطور التاريخى المدخل، وأن تغيير أشكال الحياة، وتجدد انعطافات الوجود، والإدراك والعلم، وتفجر أحداث العالم ومستحدثاته، بما لم يكن فى الحسبان، وتصاعد إنجازات العقل، واهتزاز شبكات القيم، وتجلى حقائق جديدة، وما تبع ذلك من خلخلة فى فضاء الوعى، لا ينال ذلك كله من جذرية الأصول الراسخة للمعرفة الإسلامية، ولا يراهن عليها، لأنها مفتوحة بطبيعة تكوينها على المبدأ الثابت.

ينبغى لحركة التجديد أن تكون حركة ابتعاث  حركة لتصحيح المعرفة، وليست حركة لقولبة الواقع، فقد أثبتت قولبة الواقع أنها تولد دوما ردود فعلها المضادة بعكس الاتجاه.

إن تحقيق التلاؤم بين الواقع والقيم هو مناط النجاح فى إدارة أى مؤسسة من أى نوع كانت صغرت أو كبرت.. من العائلة الى الدولة، فالوطن والأمة، وهذا الأمر ليس باليسير فى ظروف عالمنا المعاصر، ولكن ليس بالأمر المستحيل. فتجديد الرؤية وابتكار الحلول والاجتهاد، أمور يضمنها جميعا النظام الإسلامى المعرفى، ويؤكد الحاجة إليها، فيما يخص الوقائع التقديرية، والمستحدثة، والقاعدة فى ذلك قوله سبحانه وتعالى فى محكم كتابه ( اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) (المائدة: 35).

وقول رسول الله- صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-:" لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام".

إن التشريع الإسلامى فى أصوله وأحكامه، وفى كل ما يستنبطه المجتهدون، يتوجه الى سعادة الإنسان ومصلحته والى دفع الأذى والضرر عنه، فحيثما تكون منفعة الإنسان ومصلحته وخيره، فالإسلام يوجب ذلك ويحث عليه، وحيثما يكون ضرر وسوء فالإسلام يحرمه ويمنعه وذلك من خلال قوله سبحانه وتعالى ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) (الأعراف: 157).

وقول رسول الله- عليه أفضل الصلاة والسلام-: "خير الناس أنفعهم للناس".

إن الإسلام دين الفطرة البشرية: ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) (الروم: 30).

فالإسلام جاء بالدين والدين فى كيان الإنسان، بل هو فى فطرته التى فطره الله تعالى عليها. وقد حصن الله تعالى هذه الفطرة بتعاليم الدين وأحكامه وجعلها السياج الحامى ، فكان الخروج عن الدين خروجا عن الفطرة والقوانين والأحكام التى تلائم الفطرة تماما، وقد وهب الله سبحانه وتعالى الإنسان المنزلة العظيمة فى هذا الكون، فهو محور الحركة وخليفة الله على أرضه يتحرك وفق مشيئته و إرادته، والنبى محمد- صلى الله عليه وسلم- استقبل الوحى بكلمة ( أقرأ)  التى أسست لمفهوم العلم مقابل مفهوم "الجهل" ويقول الله سبحانه وتعالى:  ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء ) (النحل: 89 ) وفى الحديث الشريف: "ما من حادثة إلا ولله حكمة فيها".

أيها الأخوة والأخوات

إن الخوف والتوجس من عملية التطوير هو خوف على الشريعة من أن تطالها أيدى المقنتين غير الملتزمين بالإسلام وتصبح خاضعة لتحكم السياسيين، وثمة خشية من أن يؤدى القبول بالدعوة إلى التجديد إلى إضعاف مكانة الفقه بإنزاله من مكانه المقرر له، أو بتهميش دور الفقهاء.

إذا، يجب أن يكون أساس التجديد مبنيا على الحكم الشرعى وأن نتفحص رؤيتنا بعمق ( وما يعقلها إلا العالمون ) (العنكبوت: 43 )،( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) (الكهف: 57).

( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط  ) (النساء: 135 )

( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) (البقرة: 143).

ألا يكون التجديد باستعادة نموذج المدينة السياسى، ونجاحات المسلمين الأخرى حيث ارتبطت الهجرة بتكوين مجتمع اسلامى متعاقد ومتآلف بين المهاجرين والأنصار بديلا لنموذج الحداثة الإرشادى البالغ الانحناء الذى يطل علينا من جهات عدة.

ألا يمكن استخدام التاريخ لصنع المستقبل؟، ألا يجب أن تكون دعوتنا للتجديد مؤثرة وليست متأثرة وأن نكيف خياراتنا فى كل مناحى الفكر وأن يكون همنا الحفاظ على هويتنا الإسلامية المتمثلة بالدين الحنيف: ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم) (الأنفال: 42). فالدين مغروس فى كيان الإنسان، ولذلك وضع الله سبحانه وتعالى الإنسان فى المراتب الشريفة والعظيمة.. فهو خليفته فى الأرض ومقتضى الاستخلاف إنصاف المستخلف بصفات المستخلف: ( وإذا قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة) (البقرة: 30) وكرمه تكريما لائقا  (ولقد كرمنا بنى آدم ).. وأورثه الأرض ( أن الأرض يرثها عبادى الصالحون ) (الأنبياء: 105) وأعطاه العقل زينة الوجود ومفتاح المعرفة، وعلمه البيان وهو الإفصاح والإيضاح والتعبير، ويمكن أن نضيف إليه التبيين.. وسخر له ما فى الأرض فى برها وبحرها.. والكواكب والشمس والقمر..

ولم يترك سبحانه وتعالى هذه الفطرة النقية تحت رحمة الأهواء والإغراءات والمستجيرات والمستحدثات فرسم الشرائع وأرسل الأنبياء وختمهم بسيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- وشريعته الغراء فى سبك متين ومعقد متماسك مترابط بتعاليمها ومفاهيمها، وأحكامها وقوانينها وكان ذلك كله من أجل صيانة الفطرة والحفاظ على نقائها وصفائها.

اتجاهات المجددين فى الإسلام فى العصر الحديث

تمحورت اتجاهات المجددين فى الإسلام فى العصر الحديث فى ميادين الثقافة والتفسير والفقه وجرت داخل الفكر الإسلامي محاولات لتقديم الإسلام برؤية معاصرة بعيدا عن التلفيق والانتقائية، بل من خلال منهج أصيل ومتجدد من نخب تحاول تجسيد التواصل بين الأصالة والمعاصرة، وبين المعرفة بالعلوم الإسلامية والعلوم الحديثة، وقد تناولت عناوين أبحاثهم وكتاباتهم متطلبات التغيير الاجتماعى تبعا لمتغيرات العصر، وفى مقابل ذلك شهدت نهاية القرن العشرين موجة كبيرة من الإنجازات والابتكارات على مختلف الصعد الحياتية من الاختراعات والأفكار ابتداء من الأغذية المصنعة الى التطور الذى طرأ فى حقل العلم على عمل الأطباء من نقل الأعضاء وزراعتها الى التلقيح الصناعى والاستنساخ والتلاعب بجينات الإنسان وهندستها الوراثية وتغيير الجنس  كل هذه المسائل فرضت نفسها على واقع حياة المسلمين فكان على عاتق الفقه وعلمائه مسئولية الفتوى فى جوازها، منعها، قبولها، أو التحذير منها وبيان رأى الشرع فيها، وذلك كله لا يتأتى عمله إلا بفتح باب الاجتهاد والذى هو ركن من أركان الشريعة يمثله الفقيه العالم العادل العارف بالأصول.

وفى هذا السياق حاول كثير من العلماء أن يربط الفقه بالعلوم فى أبحاثه الفقهية الاستدلالية وقد كتبوا فى فقه الاقتصاد والحقوق والقانون كما أفردوا أبحاثا جديدة مستقلة تحت عنوان "مسائل مستحدثة"، وتشكلت فى جامعة مدينة قم الإيرانية لجنة خاصة لتحديد الأحكام الفقهية حول المسائل المعاصرة والجديدة.

وفى اتجاهات المجددين تنهض مسألة الحريات والحقوق من العناوين وتفرض نفسها باستمرار فى الخطاب الإسلامي وتساؤلات كثيرة لمعرفة الرأى والتصور الإسلامي فى قضية الحريات والحقوق، وهذا برأينا يحتاج الى تدعيم وتأصيل معرفى معمق، وتطبيقى من خلال منهجنا الإسلامى الذى كرم الإنسان وأعطاه حقوقه  وهناك محاولات تحت عناوين الحوار وقبول الآخر، والتقريب بين المذاهب والأديان، و إن كان الاختلاف شكليا لا يمس الجوهر، والحوار القائم بين المجتمع السياسى والمجتمع المدنى الأهلى الذى يجب أن يبقى ضمن إطار المواطنة والحفاظ على الهوية والانتماء خدمة للمصلحة العليا للوطن والدولة.

خاتمة:

لما كانت مصادر الشريعة محفوظة فى الكتاب الكريم وفى السنة النبوية، فمن الطبيعى أن يبقى الاجتهاد ويستمر كتخصص علمى فى فهم تلك المصادر واستخراج الأحكام الشرعية منها، ومن الطبيعى أيضا أن تنموا خبرات المجتهدين وتتراكم لفتاتهم وانتباها تهم على مر الزمن وتكون للمجتهد المتأخر دائما رصيدا أكبر وعمقا أوسع بالاستنباط، وحينما حضت الشريعة على الاجتهاد كمبدأ مستمر فى الكتاب والسنة وفرضت المجتهد محورا ومرجعا للآخرين فى شئون دينهم ودنياهم استعملت كل الأساليب الكفيلة بإنجاح هذا المبدأ أداء رسالتها الدينية باستمرار وقد أوجبت الاجتهاد وجوبا كفائيا وحثت على طلب العلم ودراسة علوم الشريعة , قال الله سبحانه وتعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (التوبة: 122).

ومن ناحية أخرى حثت على التمسك بالعلماء والسؤال منهم، قال سبحانه وتعالى:  (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (الأنبياء: 7).

وقد جاء فى الأحاديث الشريفة التأكيد على المعنى العملى لاستمرار مبدأ الاجتهاد إضافة إلى استمراره الشرعى، وأن الدين لن يفقد أبدا العلماء القادرين على استيعابه والتفقه فيه وتفهيمه للآخرين ورفع الشبهات عنه، فقد جاء فى الحديث الشريف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يحمل هذا الدين فى كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الضالين وانتحال الجاهلين كما ينفى الكير خبث الحديد".

وفى الواقع فإن الدين الإسلامي يحمل رؤى وأفكار ومواقف وتصورات عن الوجود والحياة والإنسان والتاريخ، وهذه تتراوح بين النص التفصيلى الدقيق وبين المبادئ الكلية العامة وتتماسك فى مدار منهجى متكامل، وبهذه الدلالة نفهم قوله تعالى: ( إن الدين عند الله الإسلام) (سورة آل عمران 19) الذى يعنى أن الإسلام هو التسليم لمقام الربوبية فى المعارف والأحكام بما هى نظام شمولى وتفصيلى للحياة فى آن معا، أى بما لهذا النظام من حضور تشريعى واحد مودع فى النظرة الإنسانية. وهو فى حقيقته أمر واحد وإن اختلف كما وكيفا فى شرائع الأنبياء والرسل.

إن الرهان معقود على الإنسان نفسه بوعيه وإرادته وطبيعة تصوره عن الكون والحياة من حيث كونها ساحة عمل وفرصة محدودة للفعل وللقيام بالإنجازات الطموحة والمسئولة.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع