الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
التجديد بين الدعض والإعلام

التجديد بين الدعوة والإعلام

الدكتور/ محمد على الجوزو

لبنان

يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" رواه أبو داود والحاكم والبيهقى وغيرهم بإسناد صحيح.

فتجديد الدين ثابت بالنص، ولكنه ليس هو الاجتهاد بعينه وإن كان الاجتهاد فرعا منه، ولونا من ألوانه، فالاجتهاد تجديد فى الجانب الفكرى والعلمى. أما التجديد فيشمل الجانب الفكرى. والجانب الروحى ، والجانب العملى، وهى الجوانب التى يشملها الإسلام، وهى العلم والإيمان والعمل "(1).

التجديد قضية مصيرية بالنسبة لأمتنا اليوم، لأن أمتنا تشعر أنها قد تقاعست عن مواكبة حركة التطور العلمى، والتطور الفكرى، وأن أجيالنا تشعر بخيبة أمل كبرى بسبب الفارق الحضارى الشاسع بيننا وبين غيرنا.. ولذلك لابد من ثورة علمية ترافقها حركة تجديدية داخل إطار الفكر الدينى الملتزم بمصادر التشريع الإسلامى: الكتاب، والسنة، والقياس، والإجماع.

"وأمتنا أحوج ما تكون اليوم إلى من يجدد إيمانها، ويجدد فضائلها، ويحدد معالم شخصيتها"، ويجدد حيويتها وإبداعها فى مجال العلوم التجريبية التى كانت السباقة فى ميدانها، عندما كانت أمة رائدة فى ميدان العلم.. رائدة فى ميدان الكيمياء، وفى الطب، وفى ميدان الرياضيات.

لابد أن يتحرك العقل المسلم فى الاتجاه الصحيح الذى يثبت أن الإسلام دين حيوى يرفض الجمود. ويأبى التحجر. والدليل هو ما اتسم به الإسلام من مرونة فى معالجة القضايا الاجتماعية والإنسانية، كما أن الرسول-  صلى الله عليه وسلم       فتح باب الاجتهاد منذ بداية عهد الدعوة الإسلامية.

وها هو معاذ بن جبل رضى الله عنه يروى كيف بعثه الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن، فقال له: "يا معاذ ماذا تصنع إن عرض لك قضاء؟ "، قال: أقضى بما فى كتاب الله قال: "فإن لم يكن فى كتاب الله؟" قال: فبسنة رسول الله-   صلى الله عليه وسلم-، قال: "فإن لم يكن فى سنة رسول الله؟ " قال: اجتهد رأيى لا آلو. قال معاذ: فضرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صدرى ثم قال: "الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله ".(2)

يقول الشيخ على حسب الله فى كتابه (أصول التشريع الإسلامى): "ويلاحظ

فى الأدلة الشرعية أمران:

1- إنها نوعان : نقلى وعقلى.

فالنقلى: الكتاب والسنة، والعقلى: الاجتهاد فرديا كان أو جماعيا، وكل واحد من النوعين مفتقر إلى الآخر، لأن الاستدلال بالمنقول لابد من النظر والتدبر بالعقل، والأدلة العقلية لا تعتبر شرعا إلا إذا استندت إلى النقل. وقد يدلك هذا على أن الأدلة النقلية هى الأصل فى الاستدلال، ولذلك يستدل بها على الأحكام الجزئية الفرعية. ويستدل بها على القواعد الكلية التى تستند إليها الأحكام الفرعية"(3)

ولما كان العقل مدار التكليف. فإن القرآن الكريم يخاطب العقل والعقلاء، ويرفع من قيمة الفكر والتفكير، ويخص أولى الألباب- أى أصحاب العقول المميزة والذكية- بالمدح والإطراء عندما يصف هؤلاء بالحكمة.

) يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب((4)

) إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار( (5).

إنها دعوة إلى النظر فى ظواهر الكون الطبيعية المكانية والزمانية واكتشاف القوانين التى تحكم حركة الوجود. للاستدلال على وجود الخالق.

إنهم يتفكرون فى خلق السماوات والأرض، ليدركوا أن عظمة هذا الكون، ودقة تركيبه، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه لم يخلق صدفة ولا عبثا،  بل خلق لغاية أسمى من ذلك.

( ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ) أى تنزه الله جل جلاله عن العبث واللهو فى خلق هذا الكون..

ويستخدم القرآن المنطق العقلى لنفى وجود الكون مصادفة، بل استحالة هذه الصدفة فيقول المولى عز وجل:

( أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون)

هل خلق البشر صدفة من لا شئ؟ أم خلقوا أنفسهم بأنفسهم؟

وكلا الفرضين يستحيل حدوثه.. فتكون النتيجة أن للكون خالقا عظيما هو الله، وهكذا نجد أن العقل ركيزة أساسية فى الاستدلال القرآنى على وجود الله.. وذلك من خلال التأمل والدراسة والنظر فى الكون والاستنتاج المنطقى والعقلى..

فلماذا توقف العقل عن الخوض فى القضايا المستحدثة، ولم يحاول إيجاد الحلول الشرعية لها؟! وأين إبداع العقل المسلم فى مواكبة التطور العلمى وما نتج عنه..؟

هناك تحد سافر لعلمائنا الأجلاء فى العصر الحاضر.

هناك من يسأل ويلح فى السؤال: أين البديل الإسلامى؟ أين الحلول الإسلامية فى قضايا الاقتصاد والصناعة والتجارة؟

إننا نحتاج إلى رؤية إسلامية جريئة وواضحة وشاملة. رؤية نقدية لا تتهيب المواقف، تعيد قراءة ما لدينا من رصيد فكرى وفقهى، وتنقيته مما علق به من سلبيات وغيبيات جدلية عطلت انطلاقته لمواكبة التطور العلمى العالمى، لأق العلوم الكونية التى تتصل بالقوانين المادية لا يجوز أن تظل حكرا على غير المسلمين، يستفيدون منها فى تسخير قوى الطبيعة لصالحهم ويسيطرون بها على شعوب العالم فكريا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا.

إن التقدم التكنولوجى- وهو أمر  يتصل بالمنهج الفكرى- لم يعد قاصرا على الغرب وحده، بل إن بعض البلاد الآسيوية الوثنية كاليابان والصين وتايوان وكوريا عرفت كيف تضع منهجا علميا يمكنها من منافسة دول الغرب فى مجال الصناعة، لأنها خاضت التجربة العلمية بجرأة وشجاعة أثارت إعجاب العالم.

 فأين نحن من هذا كله؟!

إن مشروع التجديد إذا تحول إلى حيز التطبيق لا يجوز أن يقتصر على الجانب الفقهى.. بل لابد من "أسلمة المعرفة".. ولابد أن نضع برنامجا إسلاميا متكاملا يتناول جميع القضايا الفكرية والعلمية. برنامجا يتيح للعقل المسلم أق يلعب دوره الإنسانى والعلمى على ضوء تراكما العقلى المتجدد والذى كان له دور ريادى فى الانفتاح على الواقع، والتفاعل مع جميع الحضارات التى وجدت فى الماضى، فلماذا لا يكون هذا التفاعل مع حضارة العصر، دون التنازل عن الثوابت الإسلامية والأخلاق والقيم..؟

لابد أن نكون على مستوى التحدى الذى يواجه أمتنا، والذى يهدد وجودنا وعقيدتنا وحضارتنا وقيمنا إذا ظلت أمتنا تقف مكانها. تفضل الجمود على الحركة والتطور. وتتمسك بقشور الماضى دون لبابه؟

التجديد فى عرض علوم العقيدة

يقول الشيخ محمد الغزالى- رحمه الله- فى كتابه (ليس من الإسلام): (6)

إن القوم شغلوا بما هو أعظم من ذلك، شغلوا بأداء رسالة الإسلام الصحيح، إن العمل المجدى والإنتاج الموفور، همهم الأول والأخير.

حتى إذا ضعفت موجة هذا النشاط الرائع، وقعد الناس فى مجالسهم ، كنين، اتجهوا إلى أصول الإسلام وفروعه، يجعلون من تقليبها على وجوهها شقيقها وتشريحها، عملا يتقربون به إلى الله.

أو قل: يقضون به أوقات الفراغ.

وقد انفتحت على الإسلام أبواب الشر من هذا الترف العقلى..؟!

وخاصة بعد أن ترجمت مسائل الفلسفة الإغريقية. ولقيت من عناية المسلمين حظا كبيرا.

فإن لفيفا من المفكرين لم يجد حرجا فى خلط أصول الإسلام بمناهج التفكير اليونانى فى الإلهيات.

وبذلك اتسع ميدان الجدل، وطال وعرض، وأمسى العلم الذى يتعرض لموضوعات العقيدة يسمى "علم الكلام ".

وانشغل علماء المسلمين بأمثال هذه المباحث:

- هل الوجود عين الموجود، أم صفة خارجية؟

- هل صفات المعانى هى الذات. أم هى لا هو ولاغيره؟

- هل القرآن- كلام الله- قديم أم حديث؟

- هل رؤية الله ممكنة أو مستحيلة؟

هل تعاد الأجسام بعد البعث بأعيانها أم بأشباهها؟

هل؟.... هل..؟؟

ونحن لا نهتم بتحديد الحق فى هذه الإجابات قدر ما نهتم بالإبانة عن أن هذه البحوث كلها لغو من القول...؟

ثم يقول: "وأكثر الفلسفات المتصلة بما وراء المادة، هذيان وتخبط، لأنها لا تخضع لوسائل يحكمها العقل السليم أو تتمشى مع منطقة الحكم ".

ومقتضى ذلك أن نتلقى بالتسليم ما جاء به الشارع من حقائق غيبية. وأن نتيح للعقل فرصة الاجتهاد والإكتشاف فى ميدان الكون الرحيب.

لاشك أن انشغال العقل الإسلامى بهذه البحوث غير المادية. كان على حساب تقصيره المعيب فى البحوث المادية نفسها.. "

وهكذا نجد أن عرض علوم العقيدة فى الماضى اتجه اتجاها سلبيا؛ مما عطل دور العقل المسلم فى الانصراف إلى البحوث العلمية المجدبة، فانصب اهتمامنا على العلوم النظرية، بينما انطلق غيرنا إلى ميدان الاكتشافات العلمية، فتقدموا وتخلفنا..

ويجب أن نقر ونعترف أن الإسلام كان يدعونا منذ البداية أن نفكر وأن ندرس وأن نتأمل وأن نعمل عقولنا فى عالم الشهادة وليس فى عالم الغيب:

( سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)(7)

( وفى أنفسكم أفلا تبصرون ) (8)

وقد كانت أول آية فى كتاب الله "اقرأ"

( اقرأ باسم ربك الذى خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذى علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم ) (9)

لقد ربط القراءة بالمعرفة والعلم، معرفة المعجزة بالعلم الذى نكتسبه من وراء هذه القراءة.

وتحت عنوان " العلم واستعمال العقل " يتحدث الأستاذ عبد الحليم الجندى فى كتابه (القرآن والمنهج العلمى المعاصر) فيقول: والله تعالى يقول: ( هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ويقسم بالقلم، وينادى مدارك البشر جميعا من فطرة احساسات وعقل لترى وتسمع وتدرك أسرار الكون وحقائق الوجود، وتجتنى خيرات الطبيعة دون تقييد على الناس، بل يهديهم إلى سبيل الرشاد ليسلكوها بمنهج مرسوم، فيزدادوا علما وقوة ليضيف كل إنسان بسعيه وبمعرفته شمعة يتألف من ضوئها وضوء نظائرها وهج الحضارة العظيم. بل قل: نور الخلافة لله فى الأرض.

وأمر القرآن باجتهاد العقل ليفتح الأبواب واسعة؟ لإدراك الحقائق ونص التقليد على المقلدين كى لا يستنيم العقل إلى اتباع قول إلا أن يقوم عليه دليل. وطالما قدم القرآن الحجج وطالب بها الناس ليهتدوا دائما بالدليل " (10)

من هنا فإن لغة العصر هى لغة العلم، وقد عزف الشافعى الفقه بأنه العلم، فالإسلام دين العلم، دين يحض الإنسان المسلم على التزود بالعلم والاستزادة منه، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذ بها، فكيف إذا وصل العلم إلى ما وصل إليه فى عصرنا هذا؟

من خلال ما تقدم نقول: يجب أن نستخدم فى عرض علوم العقيدة لغة علمية تتناسب وما وصل إليه الإنسان من اكتشافات علمية ووسائل علمية.

وأذكر أننى عندما كنت طالبا فى كلية دار العلوم- جامعة القاهرة، وكان أستاذى فى الفلسفة الإسلامية الدكتور عبد الحليم محمود الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر. بعد ذلك- وقد أردت أن أقدم له بحثا فى مجال الفلسفة الإسلامية، فوجهنى إلى كتاب "العلم يدعو للإيمان " لمؤلفه الأمريكى "أ. كريسى موريسون " رئيس أكاديمية العلوم فى نيويورك- آنذاك- وكان عنوان البحث "الوجود بين المصادفة والعناية".

ووجدت نفسى أمام موسوعة علمية. تصول وتجول فى مختلف علوم العصر. من كيمياء وإحياء.. وفلسفة.. وعلم وراثة. وأمام تحليل علمى رائع لظواهر وجود ا لكون.. والإنسان.. والبحار.. والأنهار.. والجبال.. والماء.. والهواء.. والأشجار.. والنبات.

وهو يبدأ بداية سهلة وبسيطة للدلالة على استحالة المصادفة فى الوجود فيقول:

"خذ عشر بنسات. كلا منها على حدة. وضع عليها أرقاما مسلسلة من ا إلى

10، ثم ضعها فى جيبك وهزها هزأ شديد أثم حاول أن تسحبها من جيبك حسب ترتيبها من ا إلى 10.

إن فرصة سحب البنس رقم واحد هى بنسبة ا إلى 10، وفرصة سحب رقم ا ورقم 2 متتابعين هى بنسبة ا إلى 100، وفرصة سحب البنسات التى عليها أرقام أو 2 و 3 متتالية هى بنسبة ا إلى 1000، وفرصة سحب ا و 2 و 3 و 4 متوالية هى بنسبة ا إلى 000. 100، وهكذا حتى تصبح فرصة سحب البنسات بترتيبها الأول من ا إلى 10 هى بنسبة ا إلى 10 بلايين.

والغرض من هذا المثل البسيط هو أن نبين كيف تتكاثر الأعداد بشكل هائل ضد المصادفة (ولابد للحياة فوق أرضنا هذه من شروط جوهرية عديدة. بحيث يصبح من المحال حسابيا أن تتوافر كلها بالروابط الواجبة بمجرد المصادفة على أى أرض فى أى وقت " لذلك لابد أن يكون فى الطبيعة نوع من التوجيه السديد، والغرض من هذا الكتاب هو أن نبين بعض التنظيمات العجيبة، وأن نعرض الهدف الذى وراء وجود الإنسان "(11)

لابد من الاستفادة من ثقافة العصر، ولابد من استغلال التقدم العلمى لصالح الدعوة الإسلامية، واعتماد المنهج العلمى فى عرض هذه الدعوة.

الأفلام العلمية وسيلة من وسائل الدعوة، "الفيديو" الذى يستخدم فى شرح الظواهر العلمية وسيلة من وسائل الدعوة، "الإنترنت " وسيلة من وسائل الدعوة.. وهناك من العلماء من لجأ إلى هذا الأسلوب من أمثال الدكتور مصطفى محمود فى برنامج "العلم والإيمان "، والشيخ عبد الله المصلح رئيس هيئة الإعجاز فى رابطة العالم الإسلامى. وهناك الكثير ممن يلجأ إلى استخدام "الإنترنت " اليوم. ولكن هناك من الفرق الشاذة والمبتدعة من يحاول أن ينشر أفكاره الخاطئة عبر "الإنترنت " مما يحتاج إلى متابعة ومناقشة وكشف الأخطاء التى يبثها بواسطة هذه الأداة الخطرة.

الإلمام باللغات الأجنبية، ودراسة العادات والتقاليد للشعوب التى نود نشر الدعوة فى أوساطها، لندرك كيف نخاطب هؤلاء؟ لأننا مطالبون أن نخاطب الناس على قدر عقولهم.

وأسلوب التدريس فى المدارس والجامعات يجب أن يتغير، على ضوء ما يحصله هؤلاء الطلبة من علوم، فيكون هناك تكامل بين العلوم التى يدرسها الطلبة وبين طريقة عرض الدعوة الإسلامية بين هؤلاء الطلبة..

يجب أن تتغير وتتبدل وسائل الدعوة مع تغير الزمان والمكان، وتغير وسائل المعرفة!!

لابد من تهيئة الدعاة الذين يتقنون لغة العصر إلى جانب ثقافتهم الدينية، ويمتلكون الخبرة والمعرفة، ويجيدون استخدام المنهج العلمى الذى يوائم بين الدعوة وبين الواقع، ويجعلهم على صلة بما يحدث من ثورة فى مجال المعلومات والاتصال.

وعلى الداعية أن يتزود بمكتبة ضخمة تضم كتب كبار الكتاب الدعاة المحدثين ممن يمتلكون ناصية العلوم، وتعرضوا للابتلاء وأصبح لديهم خبرة وتجربة فى ساحة الدعوة، الى جانب ذلك مراجع أجنبية تساعد الدعاة على القيام بدعوتهم، منها على سبيل المثال لا الحصر كتب من أمثال كتاب "الإنسان ذلك المجهول " لمؤلفه الطبيب والفيلسوف الفرنسى "الكسيس كاريل "، وكتاب "العلم يدعو للإيمان "، وكتب الكاتب الفرنسى الذى أشهر إسلامه- "روجيه جارودى"، وكتب الداعية الألمانى -"مراد هوفمان " وكتب كثيرة تعج بها المكتبة العصرية اليوم.

 

التجديد فى عرض الإسلام فى الغرب

إذا كنا قد تحدثتا عن أهمية استخدام الأسلوب العلمى فى عرض علوم العقيدة على الناس، فإن الأولى فى استخدام هذا الأسلوب هم الدعاة الذين يعملون على نشر الدعوة فى الغرب، لأن العقل الغربى أصبح مشبعا بالمنهج العلمى، والقرآن العظيم يمد الداعية بمدد كبير فى هذا المجال. لأن الآيات التى تخاطب العقل، وتحثه على التأمل والتفكير فى الكون بمنطق عقلى وتستخدم المقدمات الصادقة لتصل إلى النتائج اليقينية، تنتشر فى ثنايا كتاب الله.. شرط أن يحسن الداعية عرضها بأسلوب يتناسب والفهم الغربى لهذا العرض.. أى أن يكون الاستشهاد أقرب إلى المنطق العقلى المادى منه إلى الخطاب الدينى..

وقد بينا مثالا لذلك على استحالة وجود الإنسان مصادفة فى قوله تعالى: ( أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون )

والتى يمكن استخدامها وشرحها مع استخدام المنطق الذى لجأ إليه "أ. كريسى موريسون " فى كتاب "العالم لا يقف وحده " بالنسبة لاستحالة سحب الأرقام من 1: 10 بالتتالى والتتابع من ا إلى 10 بلايين.. فيأخذ الداعية مثالا من القرآن.. ومثالا من المنطق العقلى العلمى، ليقرن بينهما فى الدلالة على استحالة المصادفة فى وجود الكون والإنسان.

هذا مثال، كما أن الغرب الذى يعيش فراغا نفسيا كبيرا بسبب سيطرة الفلسفة المادية على حياته كلها، والذى تنتشر فى أوساطه الأمراض النفسية... هذا الغرب يتعطش اليوم لمن يعرض عليه أفكارا  تنتشله من القلق النفسى الذى يعانيه، والوسيلة إلى ذلك هو الحوار العقلانى، وليس الخطاب الدينى الذى يقوم على التكفير والتنقير والغلظة، لأن المجتمع الغربى فى غالبيته يميل إلى الحوار العقلانى ويتقبله إذا عرفنا كيف نتجنب التشنج والغلو فى هذا الحوار..

لقد عشت هذه التجربة فى فرنسا، لمدة أربع سنوات، وأقمت لفترة فى فندق صغير للرهبان، وكنت أزور الكنائس فى الحى اللاتينى وغيره مع بعض الطلبة المسلمين، ونجرى حوارا حول الإسلام- والمسيحية، وكان الحوار يتميز بالمنطق العقلى والعلمى، يسيطر مجليه الهدوء فى كثير من الأحيان، وترتفع حرارة الحوار فى أحيان أخرى، وكانت النتائج تنتهى بنا لصالح الإسلام دائما.

الغربى متعطش للمعرفة، وعقله البارد يستقبل الحوار بهدوء ورغبة فى الفهم، وعندما يكون العرض سهلا ميسرا غير منفر، يمكن للإنسان المسلم أن يزيل ما علق فى ذهن الغرب من تشويه لصورة الإسلام، ويمكنه أن يجد عند بعض الأشخاص الاستعداد لقبول الآخر.

وهذا المنهج الذى أمرنا به الله عز وجل فى قوله تعالى:

( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن )

وأفضل الطرق فى عرض الإسلام فى الغرب هى أن يتولى الدعوة إليه من أسلم من أبنائه. لأن هؤلاء يجيدون مخاطبة قومهم باللغة التى يفهمونها. مثال لذلك الداعية والكاتب الألمانى المسلم "د. مراد هوفمان " فهو أقدر على مخاطبة الشعب الألمانى من الدعاة المسلمين الذين يأتون إلى ألمانيا من المشرق العربى أو آسيا أو أفريقيا.. إلا من أوتى موهبة خاصة فى مجال الدعوة إلى الله من هؤلاء...

وينطبق الأمر على الشعوب الأوروبية الأخرى كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، والبلاد الاسكندنافية وغيرها، فالغربى الذى يدخل الإسلام من أبناء هذه البلاد لابد أن نهتم به، ونؤهله لحمل الدعوة، بتزويده بالعلم الضرورى الذى يمكنه من فهم الإسلام فهما جيدا وإبلاغه لأبناء قومه.

مثال لذلك المسلمون "الزنوج" فى أميركا فهم أقدر على نشر الدعوة الإسلامية بين أبناء بلدتهم من غيرهم، شرط أن نعمل على تزويدهم بالعقيدة الصحيحة وربطهم بالإسلام ربطا جيدا. ومساعدتهم على حمل الرسالة نقية صافية بعيدا عن الخرافات والبدع التى وصلت إلى بعضهم بطرق ملتوية.

أهل مكة أدرى بشعابها :

وأهل البلاد الأصليون فى أى دولة من دول العالم مؤهلون أكثر من غيرهم للقيام بعبء الدعوة إلى الله فى بلادهم، لذلك يجب تأهيلهم لهذا الدور علميا وماديا حتى يستطيعوا النهوض بأداء الرسالة.

والحقيقة أن هناك حماسا شديدا لدى الزنوج فى أميركا. وقد شهدت بنفسى كيف يدعون إلى الإسلام بحرارة المؤمنين الجدد. وكيف أن أعدادا كبيرة منهم يدخلون الإسلام، ولكن هذا يحتاج إلى متابعة لتمكين هذا المسلم من معرفة دينه، وفهم الإسلام فهما جيدا حتى لا يرتد بسرعة كما دخل الإسلام بسرعة، وهذا يتطلب من الجمعيات الإسلامية فى الغرب نشاطا منظما فى هذا المجال، لإقامة صلة وثيقة مع هؤلاء المسلمين الجدد من أجل مساعدتهم على تأدية دورهم فى خدمة الدعوة الإسلامية.

الدعوة والإعلام :

ليس جديدا أن نقول إن الدعوة الإسلامية قامت بدور إعلامى منذ البداية،

لأن الرسالة الإسلامية جاءت إلى الناس كافة.

( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا أو نذيرا )  (12)

( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (13)

( يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرآ. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) (14)

هذه الآيات تبين أن الدين الإسلامى دين دعوة. والدعوة عمل إعلامى بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالدعوة عمل إعلامى يخاطب العقل ويستند إلى المنطق والبرهان، ويعمل على الكشف عن الحقيقة، فإذا استعرضنا التعريف العلمى للإعلام نجده متطابقا مع مفهوم الدعوة بمعناها الأصيل- فالإعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة التى تساعدهم على تكوين رأى صائب فى واقعة من الوقائع أو مشكلة من المشكلات، بحيث يعبر هذا الرأى تعبيرا موضوعيا عن عقلية الجماهير واتجاهاتهم وميولهم.

وتتضح لنا مكانة الإعلام فى الدين الإسلامى من خلال استعرا ضنا للحقائق الإعلامية الثابتة، والحقائق الدينية الثابتة التى تؤكد المكانة المرموقة والأهمية البارزة للعمل الإعلامى فى الإسلام.

إن الحياة الإعلامية الحافلة التى عاشها الرسول محمد   صلى الله عليه وسلم       وما حققه فى غضونها من منجزات مذهلة فى حقل الدعوة الإسلامية استجابة لنداء ربه وتحقيقا للمهمة التى كلف بها هى مهمة إعلامية بالدرجة الأولى (15).

يقول المولى عز وجل: ( ما على الرسول إلا البلاغ) (16)

ويقول جل وعلا:

( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)  (17)

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن) (18)

لذلك وجب على المسلمين الالتزام بالمنهج الربانى فى الدعوة إلى الله، واستخدام الوسائل المتاحة لهم لإبلاغ الرسالة إلى كل إنسان يمكن أن يصل إليه هذا البلاغ، وبأفضل الطرق العصرية وأكثرها تأثيرا على الناس. فكريا. وعمليا. وعقليا، ودينيا، وأخلاقيا..

فالدعوة تحتاج إلى الإقناع بالحسنى وليس بالعنف، بالقدوة الحسنة وليس بالسلوك الخشن أو الغلظة فى القول، بالحكمة والحوار واستخدام المناهج العلمية الحديثة فى التربية والتوجيه، حتى يقبل الناس على الإسلام. بالحب والرغبة. والطواعية ، وبالإيمان واليقين.

وهذا يفرض علينا أن نقدم المثل والقيم الإسلامية فى برامج وقوالب جديدة حيوية ومتحركة وليست جامدة أو ضيقة الأفق، مع الحفاظ على أصالتنا والثوابت من عقيدتنا وعدم التفريط بشىء منها. وذلك لحماية أجيالنا الناشئة من الإعلام الوافد إلينا من الخارج، والذى يحمل معه برامج جنسية وأفلام خلاعية أو إجرامية تغرس فى نفوس الشباب روح الإجرام والعدوان، وتلقنهم دروسا فى السطو والقتل والبغى، وتقدم لهم أساليب العصابات والمافيا، المنافية كليا لمناهجنا الأخلاقية ومبادئنا الدينية.

الإعلام بين الصحافة والتليفزيون:

لا شك أن وسائل الإعلام الإسلامى ما تزال تقليدية تحكمها عوامل دينية تجعلها مقيدة بقيود صارمة فى عرض الموضوعات والدراسات التى تقدمها. وإن كانت هناك محاولات للاستفادة من التقدم التكنولوجى فى مجال الإعلام، ولكن هذه المحاولات ما تزال متواضعة، وهى تحتاج إلى تضافر الجهود بين شتى القوى والهيئات الإسلامية العاملة على الساحة الإعلامية من أجل أن تتطور وسائل الإعلام وترتفع إلى مستوى العصر، وأن يكون هناك خطة للنهوض بالإعلام الإسلامى لكى نتمكن من إيصال رسالة الإسلام إلى العالم.

الصحافة الإسلامية لا تجد إقبالا عليها. لا من القراء ولا من المعلنين، ولذلك فهى لا تكاد تغطى نفقاتها. ولاتجد من المؤسسات الإسلامية نفسها دعما أو عونا لها، فكيف بمن هم خارج إطار العمل الإسلامى؟! أضف إلى ذلك أن الإمكانات الفنية غير متوفرة لها، وقد فشلت عدة تجارب لإصدار مجلات دينية إسلامية. ليس فى الدول الفقيرة فحسب بل فى الدول الغنية كالسعودية وغيرها..

فإذا انتقلنا إلى الإذاعة أو التليفزيون.. وجدنا أن تجربة القنوات الإسلامية تجربة لا تشجع على الاستمرار، لأن رجال الاقتصاد يبحثون عن الريح المادى؛ والقنوات الإسلامية تسبب الخسارة ولا تغرى بالربح المادى؟ لأن المعلنين المسلمين أنفسهم يفضلون القنوات الخاصة التى تقدم برامج غنائية راقصة، والتى تضج بالتهتك والخلاعة كالفضائيات اللبنانية على سبيل المثال، على أن ينشروا إعلاناتهم عبر القنوات الإسلامية.. بينما نجد القنوات التبشيرية فى أميركا- أو الغرب عموما- تحظى بدعم مادى كبير. وتجد لها مؤيدين بالملايين يساعدونها على تأدية مهمتها، بينما لانجد ذلك عند أغنياء المسلمين.

الدعوة إعلام، والإعلام الإسلامى دعوة. ومع ذلك فإن الدول لا تهتم كثيرا بدعم الإعلام الإسلامى، وكذلك المؤسسات التجارية الكبرى والشركات الإسلامية تقصر تقصيرا كبيرا فى هذا المجال.

من هنا يجب أن تنظم حملة إعلامية واسعة بجن أغنياء المسلمين والشركات الإسلامية، والهيئات الإسلامية، عن أهمية دعم الإعلام الإسلامى وتشجيعه، وأنه دعم للدعوة الإسلامية، خاصة فى هذا العصر الذى تحتاج فيه الدعوة إلى استخدام هذه الوسائل الإعلامية الحديثة لنشر الثقافة الإسلامية والتعريف بالإسلام، وعرض الإسلام على كافة الشعوب فى العالم بأسلوب مميز جديد. يقول الله عز وجل: ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين)(19)

 الدعوة إلى الله جهاد فى سبيل الله، والذى يعمل على إنجاح هذه الدعوة بالإنفاق على العاملين فى مجال الإعلام الإسلامى له أجر المجاهد.

هذا ما يجب أن نبينه للأغنياء والأثرياء، والجهات الرسمية التى تهتم بالإعلام فى العالم الإسلامى، ذلك أن المعركة بيننا وبين أعداء الإسلام هى معركة إعلام. إعلام على مستوى السينما، و إعلام على مستوى التليفزيون، !علام على مستوى الإذاعات التبشيرية، إعلام على مستوى الصحافة.. خاصة تلك التى تخضع للتأثير الصهيونى..

ولابد من أن ينتقل الإعلام الإسلامى من إعلام محلى إلى إعلام دولى عالمى.. و لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بوضع خطة إسلامية موحدة للوصول إلى هذه الغاية.

المراجع

1- حول قضايا الإسلام والعصر.. دكتور يوسف القرضاوى. (ص 86) .

2- أصول التشريع الإسلامى.. على حسب الله. (ص 12).

3- المصدر السابق. (ص 16).

4- سورة البقرة: آية 269.

5- سورة آل عمران: الآيتان 190- 191.

6- ليس من الإسلام.. الشيخ محمد الغزالى. (ص 175- 177).

7- سورة فصلت: آية 53.

8- سورة الذريات: آية 21.

9- سورة العلق: الآيات من 1- 5.

10- القرآن والمنهج العلمى المعاصر.. عبد الحليم الجندى. ص(31).

11- "العلم يدعو للإيمان "، ترجمة لكتاب "العالم لا يقف وحده " لمؤلفه

أ. كريسى موريسون. ص 51-52.

12- سورة سبأ: آية 28.

13- سورة التوبة: آية 122.

14- سورة الأحزاب: الآيتان 45- 46

15- وسائل الاتصالات الحديثة وأثرها على المجتمعات الإسلامية.. مقال: "تخطيط السياسات الإعلامية الإسلامية وتطويرها، للدكتور محمد شلبية، رئيس قسم الصحافة والإعلام جامعة اليرموك- الأردن.

16- سورة المائدة: آية 99.

17- سورة المائدة: آية 67.

18- سورة النحل: آية 125.

19- سورة فصلت: آية 33.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع