الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
التجديد فى عرضى طورو العقيدة

                                       

التجديد فى عـرض علوم الـعقيدة

د. عيسى بن عبد الله بن مانع الحميرى

المدير العام لدائرة الأوقـاف والشئون الإسلامية بدبى

دولة الإمـارات العربية المتحدة

الحمد لله الذى خص المسلمين برسالة التوحيد، وهدى الصادقين منهم إلى الطريق السديد، ففقهيهم فى أسس الرسالة، وأنقذهم بها من الغواية والضلالة، والصلاة والسلام على حجة الله العظمى فى إيراد تلك الهداية، سيدنا ومولانا المجتبى والمصطفى، ماحى أباطيل الغواية بالشرع المجيد  ومؤسس أسس الوقاية من الزيغ والتخليط صلوات الله وسلامه عليه، ما تعاقبت الاطوار والدهور وعلى آله مجلى شرعه ومجلى حقيقته، صلوات الله وسلامه عليهم، ورضى الله عن أصحابه البررة السابقين بإحسان ومن جاء على أثرهم، من جعل الله فيهم رموز معانى الإسلام فى كل شأن، وأوقر التوفيق فى نهجهم لمن صدق معهم فى الاتباع والإيمان.

أما بعد، فيقول الحق سبحانه: ( إن فى ذلك لـذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) (ق 37)، لقد أظهر الحق سبحانه وتعالى حقائق هذه الآية فى العصور الثلاثة الفاضلة، ومن تبعهم بإحسان كما قال صلى الله عليه وسلم:

"خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وأمة الإسلام أمة مرحومة لا يحق لأى مسلم أن يستنقصها أو يحقرها من خلال الطعن فى أئمة الإسلام وعلمهم ممن اتفقت الأمة بحق على إمامتهم على حساب ترويج فكر الزائغين عن المحجة، ورفع أسمائهم بأعلى لهجة، حتى أصبح بعض الناس يتخذ هؤلاء الزائغين أئمة يحتذى  بهم، وملجأ يهرع إلى مدارسهم وهم فى التاريخ مثله، كشف أهل الحق عوارهم، وفضحوا منهجهم وأبطلوا حججهم، ولله درّ ابن وهب، والإمام سفيان بما صح عنهما أن الأخذ بالحديث دون الفقه مضلّة، وبما صح عن إمام السًّنة أحمد بن حنبل كما فى طبقات الحنابلة (1/24) وما بعدها ما نصه: (هذه مذاهب أهل العلم أصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبى- صلى الله عليه وسلم -إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائغ عن منهج السّنة وسبيل الحق... ومن زعم أنه لا يرى التقليد ولا يقلد دينه أحدا فهو قول فاسق عند الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- ، إنما يريد بذلك إبطال الأثر وتعطيل العلم والسنة، والتفرد بالرأى والكلام والبدعة والخلاف).

ومصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (1) أصبحنا نرى فوضى وتخليطا فى بيان وعرض الإسلام سواء فى أحكامه أو أهدافه ومراميه، وبالخصوص التخليط والتلبيس فى عرض الإسلام وبيان عقيدته، الأمر الذى يستدعى إصلاحا وتنقية للأتربة التى غطت عليه والشبهات التى أثيرت حول عقيدة السواد الأعظم من أمة سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن المعلوم أن الإصلاح أو التجديد إنما يكون فى طريقة عرض العقيدة وبيانها لا فى جوهر العقيدة ذاتها، لأنها ليست فكرا بشريا يعتريه التغيير والتبديل كما هو حال ما يسمى بالتقاليد والأعراف، لأن التقاليد إنما هى نماذج فكرية لشعب من الشعوب أو أمة من الأمم أما عقيدة الإسلام فهى منبثقـة من نصوص قرآنية وأحاديث نبوية لا مجال للفكر البشرى فى إنشائها وإبداعها، وإنما ينحصر دوره فى اختيار الأسلوب الأمثل فى بيانها وعرضها.

ولقد فهم علماء الإسلام وأعلامه فى صدر الإسلام أن بيان وعرض الإسلام

- وبالأخص عقيدته- يتماشى مع المدارك العقلية للناس، والخلفية الفكرية المتبعة والرائجة، وقد التزم علماء المسلمين عرض عقيدة الإسلام تماشيا مع ما فرضته ظروفهم وزمانهم وهو أن كثيرا ممن دخلوا فى الإسلام بعد الفتح كانوا من ديانات مختلفة كاليهودية والنصرانية والزرادشتية  والمانوية والصابئة والبراهمة، وكان فيهم كثير من علـماء دياناتهم الذين لا تزال راسية فى عقولهم مبادئ دياناتهم وأرادوا صبغ بعض ما كانوا عليه بصبغة إسلامية بنوع من التلفيق كما كان من آثار اتساع الفتوحات الإسلامية، وانتشار الدعوة الإسلامية فى ربوع الأرض أن دخل الآلاف بل الملايين فى دين الله تعالى، وكانوا ينتمون إلى حضارات ويتمتعون بثقافات مختلفة، فظهر فيما بينهم زنادقة أضمروا الباطل الذى كانوا يتبنونه وستروه بظاهر من الإسلام والانصياع إلى أحكامه ظاهرا، ثم أخذوا يدسون باطلهم بدعاية من العلم والمنطق كلما سنحت لهم الفرصة، وقد اقتضى ذلك أن يتصدى لهم علماء المسلمين فيكشفوا للناس زيفهم ويجردوهم عما يصطنعونه خداعا من الحجج والبراهين الكاذبة، وذلك يستوجب- لا محالة- نوعا من الحجاج، والاعتماد على المنطق لم يكن موجودا فيما بينهم من قبل، وهو علم الكلام الذى عرفه ابن خلدون فى مقدمته بقوله: (هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين فى الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة ) انتهى كلام ابن خلدون.

ويخطىء من يظن أن انجرارعلماء المسلمين فى تلك الحقبة إلى التجديد فى أسلوب عرض العقيدة بالاعتماد على الحجج العقلية والأدلة والقواعد المنطقية أنهم بذلك أعرضوا عن منهج القرآن فى عرض العقيدة، وذلك أن القرآن نفسه دربهم على ذلك وعلى أكثر منه إذ وضع أمام أفكارهم نماذج من كيفية استعمال المنطق وأصول النظر فى الكشف عن أحاييل المبطلين، وتعرية مقاصدهم كلما دعا الداعى إلى ذلك، ومن ذلك ما تراه من برهان التمانع فى قوله تعالى ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) (الأنبياء 22)، ومنه ما تراه من برهان بطلان الدور والرجحان بدون مرجح فى قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون) (الطور 35- 36)  ومنه ما تراه من برهان القياس بجامع العلة المشتركة فى قوله تعالى وهو يرد على منكرى الحشر: )كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا  فاعلين ( (الأنبياء 104)   وقوله ردا على النصارى: ) إن مثل عيسى عند الله  كمثـل آدم خلقة من تراب ثم قال له كن فيكون((آل عمران 59)، فهذه الآيات وأمثالها فى القرآن الكريم (2) ترويض لعقول المسلمين وأفكارهم على النقاش والحجاج فى سبيل الكشف عن الحق كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

والتجديد فى عرض وبيان علوم العقيدة يكون لاستخدام جميع أنواع السبل المستحدثة كاستخدام الوسائل المتاحة، السمعى منها والبصرى (أشرطة مسموعة، أو مرئية... إلخ) وبالرغم من أن ذلك متبع إلا أننا نلحظ أن ما يطرح ويعرض على الساحة الإسلامية من عقائد الإسلام لا يخلو من عدم التقيد بالضوابط اللازم التقيد بها، مما سبب بلبلة فكرية ودعوة إلى عقائد لا تمت إلى الإسلام بصلة... أوجدت تفرقا وتشتتا بين المسلمين وذلك لخلو شروط وضوابط أساسية فيمن يعرضها! وهذه الشروط والضوابط التى يجب التقيد بها فى عملية تجديد عرض عقائد الإسلام ليست غريبة عن علماء المسلمين وليست مستحدثة أو مخترعة، بل كان العمل عليها طوال العصور المنقضية، وإنما وقع تناسيها أو إغفالها إما عمدا ممن يريد الكيد للإسلام والمسلمين أو جهلا بها، لذا نرى وجوب التقيد بها فى عملية التجديد فى عرض عقائد الإسلام وذلك كما يلى:

أولا.. الأخذ عن أهل الاختصاص فى علوم العقيدة:

الفقه فقهان، فقه أكبر وهو العلم بالأمور العقدية، وفقه أصغر وهو العلم بالأحكام الشرعية العلمية. ومن الغلط الكبير الذى وقع فيه الكثير من الناس، فاضلهم  ومفضولهم، أن  يأخذ عن الرجل ما لا يحسنه بحجة أن له الإمامة فى فن آخر أحسنه، وكثيرا ما يكون الرجل إماما فى علم الأصول وهو متوسط أو دون ذلك فى علم الفروع، وبالعكس، وإماما فى الحفظ ونقد الرجال ومتون الأحاديث والعلل، وهو فى غير ذلك نازل كل النزول، حتى إنك لتعده فيه من العامة، وأنت إذا أحكمت الفكر وأطلعت على طبقات الرجال وعرفت أحوال أهلها رأيت لما قلنا شواهد كثيرة لا تدع مدخلا للشك إلى نفسك فى ذلك، ولو شئنا لذكرنا لك كثيرا من أهل العلم كان لهم التقدم الفائق فى الفن والفنين، فإذا تكلموا فيما أحسنوا رأيت منهم أئمة سادة، ونقدة وقادة، وإذا نطقوا فى غيره شاهدت غرا. تتدهش له وعامية لا ينقضى منها عجبك، ومن هنا تعلم السر فيما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم: " أنزلوا الناس منازلهم" (3) فمن كان إماما فى حفظ الحديث فليؤخذ عنه ما هو مبرز فيه من الحكم بصحة الأحاديث أو حسنها أو ضعفها، أما بقية علوم الحديث دراية كاللغة والصرف والنحو وما إلى ذلك من علوم العربية والفقه بقسميه فلا يؤخذ عنه. فإذا أفتى وألف فلا يغرنك منه ذلك فإنه تكلم فى غير فنه الذى أتقنه وعرف به، وإذا أنت أردت ميزانا صادقا تعرف به حقيقة دعوى الرجل فدونك هذا الميزان : ترجع إلى أقوال أهل الفن المتقنين العدول الذين تكلموا فتنظر ما قدر الرجل عندهم فبشهادته هم تأخذ،فهم الأخصائيون بالفن ، والذين يتميز لديهم الدعى من الصادق ويستحيل فى العادة أن يجمع أهل الفن على القدح فى رجل حسدا وبغيا ، هذا ولا يسقط الرجل عن إمامته إذا تبع غيره فى فن لم يضطلع فيه فيرد قوله فى الفن إذا هو تكلم فيما ليس له بأهل وتاريخ الجهابذة ، حافل بأخذ كل فن عن إمامة .   

   مثال : هذا الإمام تاج الدين السبكى كان الذهبى من شيوخه فى الحديث  وشهد السبكى لشيخة الذهبى بالحفظ ، ولم يكن يتبعه فى آرائه الخاصة التى انفرد بها ، فقد وصفه بعدما أثنى على حفظه بأنه  

( قليل المعرفة بمدلولات الألفاظ) (4) وهذا ما نراه فى بعض عبارات الذهبى فى ( الأسماء والصفات ) فالرجل كان حافظا مؤرخا وبلغ فى ذلك مرتبة الإمامة ، ولم تكن إماما فى  (أصول الدين ) وفى المثل ( رحم الله امرأ عرف قدره ولم يتعد طوره ) ، وهذا هو دأب الذين يريدون أن يحيوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم   ويأتوا البيوت من أبوابها .

  مثال آخر : ممن لا يرجع إليه فى علم العقيدة لأنه ليس من أهل الفن   تقى الدين ابن تيمية ، إذ أن له مخالفات عدة بأخذه بالظواهر لدرجة الجنوح إلى التشبيه والتجسيم ، وإنزال الآيات التى أنزلت فى المشركين والكفار على المؤمنين مما أدى به إلى ابتداع واختراع تقسيم غريب لم يعهد من قبله ولم يذهب إليه غيره . ثم هو باطل فى ذاته كما بينته  فى كتابى ( تصحيح المفاهيم العقدية فى الصفات الإلهية ) وكذلك فإنة خالف قواعد علماء الأصول فى إطلاق اسم الحقيقة الشرعية حيث إنه يطلقها بدون عنان على ما يروق له من حقائق لغوية لبث فكره ، فينخدع الناس بأنها صفات شرعية كالبدعة والتوسل فإنه يطلق عليه تعريفا لغويا ، ويسمية حقيقة شرعية . مع العلم أن الحقائق الشرعية كالصلاة  مثلا ـ لا تطلق إلا عن طريق سـير الأدلة من الكتاب والسنه واتقاق الأئمـة على ذلك .

ثانيـا.. الأخذ والالتزام بمذهـب أهل السـنة والجماعة:

يجب الأخذ بمذهب أهل السنة والجماعة، والتأكيد على أن عقـيدة الإسلام هى التى يمثلها أتباع المذاهب الإسلامية المتبعة والتى عليها السواد الأعظم من أمة سيد الخلق- صلى الله عليه وسلم- وهم أتباع المذاهب الأربعة، المالكية، والأحناف، والشافعية، وفضلاء الحنابلة، وهى عقيدة إمامى أهل السنة والجماعة أبى الحسن الأشعرى، وأبى منصور الماتريدى، والذى  نؤكد عليه فى عملية التجديد فى عرض عقائد الإسلام هو أن الإمام الأشعرى لم يكن مبتدعا مذهبا بل كان نصير مذهب أهل السنة والجماعة، وما يظنه كثير من الناس أنه ابتدع هو الآخر مذهبا لنفسه- كما هو الحال بالنسبة للمعتزلة والجهمية- ودونه فى كتبه فاجتمع الناس عليه فنسبوا إليه لأخذهم بأقواله فقيل عنهم أشعريون، وهو فى الحقيقة وهم كبير، فإن الإمام الأشعرى لم يبتدع لنفسه مذهبا ولا رأيا، بل لفت نظره ما يعتقده رجال السنة والحديث، ومعهم الفقهاء فى مسائل أصول الدين وهو الاعتقاد الذى ورثوه من جيل التابعين، وورثه التابعون من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مأخوذا من نصوص الكتاب والسنة، وعلى الرغم من أن سواد الأمة وجمهرة علماء المسلمين كانوا على هذا المنهج يسيرون، وبهذا المعتقد يتمسكون، إلا أن ظهور الفرق الأخرى بخصوماتها وجدالها مع دعوة كل منها إلى ما يروق لها من بدع جديدة ساعد بعض أولى الأمر على ترويجها، ودعمت بأمور أخرى من بعض النافذين فى عصور مختلفة حجب ذلك المنهج عن الأنظار وصرف الأسماع عنه إلى تصحيح تلك المناقشـات والمجادلات، فعادت عقيدة جمهور المسلمين فى غمرة تلك الصراعات أشبه ما تكون بالجادة العريضة التى تكاثرت عليها الأتربة والحجارة والرمال، فضاع على الناس معالمها وتاهوا عن حدودها، فكان عمل الإمام أبى الحسن الأشعرى محصورا فى إزاحة ذلك الركام عن تلك الجادة العريضة وتجليتها أمـام الأنظـار، وتنبيه الناس إلى اتبـاع ما عليه جماعة المسلمين منذ عصر النبوة مدعوما بنصوص الكتاب والسنة، وفى ذلك يقول الإمام السبكى رحمه الله: (اعلم أن أبا الحسن لم يبتدع رأيا، ولم ينشئ مذهبا وإنما هو مقرر لمذاهب السلف مناضل عما كان عليه صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدى به فى ذلك، فالسالك سبيله فى الدلائل يسمى أشعريا).

وقد ذكر الشيخ المجمع على إمامته عز الدين بن عبد السلام رحمه الله: أن عقيدة الأشعرى اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة ووافق على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية فى زمانه أبو عمرو بن الحاجب وشيخ الحنفية جمال الدين الحصرى) (5) انتهى كلام السبكى.

ونقل السبكى عن العز قوله فى العقيدة الأشعرية ما ملخصه: (واعتقاد الأشعرى- رحمه الله- مشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون التى سمى بها نفسه فى كتابه وسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وأسماؤه مندرجة فى أربع كلمات هن الباقيات الصالحات وهى: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله، وقد فصلها تفصيلا مفيدا فليرجع إليها من أراد) (6).

ثالثا.. الرجـوع إلى أساليب العرب فى التخاطب:

لابد من التركيز فى عرض عقائد الإسلام على أن القرآن الكريم نزل بلسان عربى مبين، واعتمد أساليب العرب فى الإفصاح والإبانة والاستعارة والمجاز. والأدلة على ذلك فى القرآن كثيرة، وهو مما أطبق عليه علماء اللغة وعلماء المسلمين من مفسرين وفقهاء وغيرهم، وقد ذكرناهم وذكرنا أقوالهم بتفصيل كبير فى كتابنا (الإجهاز على منكرى المجاز)، لذا يجب التأكيد على الرجوع إلى أسـاليب العـرب فى التخاطب لأننا نسمع مزاعم فيما يعرض من عقـائد من المشاغبين والمتفيهقين أن كل نظم قرآنى يجب الإيمان به على ظاهره ولـو أدى ذلك إلى التناقض بينه وبين قواطع النصوص من القرآن والسنة، ويحيلون تعسفهم إلى مهزلة منع المجاز فى اللغة أحيانا، وفى القرآن أحيانا أخرى، لـذا ظهرت دعوة صريحة إلى التشبيه والتجسيم مناقضة لعقيدة الإسلام القائمة على التنزيه والتقديس فى باب الإلهيات، وقد أورثت هذه الدعوة بلبلة فكرية وصراعات حادة وتهما بالتجهم والتعطيل لأهل السنة والجماعة والسواد الأعظم، متجاهلين أو جاهلين أن القرآن نزل بلغة العرب، وتخضع معانيه لاستعمال أساليب اللغة العربية من استعارة ومجـاز.

رابعا.. إرجـاع المتشابه إلى المحكـم:

يجب التركيز فى عرض عقيدة الإسلام على أن لله صفات قديمة لائقة به. فالله خالق قبل أن يخلق، ورازق قبل أن يرزق، والصفة لغة: هى معنى قائم بالذات دال عليها كدلالة اللفظ على الكلمة، لا تنفك عن الذات، ولا يقال عنها: إنها الموصوف أو غير الموصوف، ولا تنفصل عن الموصوف.

والاسم، والنعت، والصفة، معالم للذات فلا يكون الاسم والنعت والصفة إلا لذى ذات، ولا يكون ذو ذات إلا مسمى منعوتا موصوفا، والنعت والوصف لا يصح أن يطلقا على الذات العلية إلا من باب الإضافة لا من باب الصفات: لأنهما لا يبينان معنى ولكنهما يحددان شكلا وصورة تفصيلية عن ذات معينة، وقد نهينا نهيأ قاطعا بالآيات المحكمة والأحاديث المتواترة عن جعل النعوت صفات لله تعالى على الحقيقة، فالتحديد والوصفية لا يتأتيان إلا فى الصورة والأشكال والجواهر والأعراض، والله سبحانه منزه عن ذلك كما روى عن الإمام مالك رحمه الله: "كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك " والصفة شـىء وآثار الصفة شىء آخر، فأهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبت الله لنفسه، لا يعطلون ولا يكيفون ولا يمثلون. بل يفوضون أو يؤولون ما اشتبه من النعوت والأوصاف والأخبار الإضافية.

وقد خلط من جعل فعل الصفة- أى أثرها- عين الصفة، لأن فعل الصفة من الإحياء والإماتة والإيجاد وغير ذلك حادثة لها تعلق صلوحى قديم أى لها تعلق بالصفات القائمة بذات الله عز وجل، وجميع ما ورد من الأخبار الإضافية الموهمة للتشبيه تعود إلى الصفات القديمة المحكم معناها، فاليد تعود إلى صفة القدرة، والقدرة أصل لكثير من الصفات الإلهية كالإيجاد والنصرة والرزق والكرم فكلها بقدرة الله تعالى، والعين تعود إلى صفة العلم والسمع والبصر، وهكذا، وبهذا التقرير يتضح كلام أهل السنة:

"جميع النعوت الإلهية تعود إلى الصفات الأم المحكمة وهى الوحـدانية، الوجود، العلم، قيامه بالنفس، مخالفته للحادث، الحياة، السمع، البصر، القدرة، الإرادة" وكونه تعالى عالما، حيأ، سميعا، بصيرا، قادرأ، مريدا، متكلما.

فقول من قال من السلف: "إن اليد صفة بلا كيف " مراده أنها تدل على صفة من حيث معناها العائد إلى الصفات الأم المحكمة، ويثبت أهل السنة والجماعة صفات المعانى السبع وهى: القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والكلام، والبصر، وينفون عنه ظواهر ما تشير إليه الأخبار الإضافية التى تحتمل معانى الوصفية والجسمانية، كما نبه إلى ذلك الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزى فى كتابه "دفع شبه التشبيه " ويردون معانيها إلى صفات المعانى لأنها أصل، ولأنها أليق بالذات العلية التى ليس كمثلها شئ ، وهذا ما قرره أئمة المسلمين خلفا وسلفا.                                                       

 ولتجنب الوثتية والتشبيه والتجسيم المتفشى عند البعض ممن يدين به ويعرضه على الساحة الإسلامية: يجب إرجاع المتشابه من النصوص وهو: (ما التبس معناها ولم تظهر دلالته جزما) إلى المحكم وهو: ( الواضح المعنى، الظاهر الدلالة إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره) ويجب التركيز فى عرض عقـيدة . الإسلام على بيان إجماع السلف وممن يعتمد قوله من الخلـف على أن الأصل فى المتشابه هو التفويض وحده عندهم وهو (إمرار الأخبار الإضافية كما وردت من غير تحريف ولا زيادة تنزيها لله تعالى وأعتقاد أن الظاهر غير مراد) وهذا التفويض هو فى الحقيقة يتضمن تأويلا إجماليا حيث إنهم لا  يعتقدون ظاهر اللفظ فى حق الله تعالى، وينزهونه عن ذلك، قال الإمام السيوطى فى الإتقان ( 3/ 12) : (ومن المتشابه آيات الصفات وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا  له عن حقيقتها). انتهى وقال الكمال بن الهمام فى (المسامرة بشرح المسايرة) ص 32: (وقال سلفنا فى جملة المتشابه: نؤمن به ونفوض تأويله إلى الله تعالى مع تنزيهه عما يوجب التشبيه والحد بشرط ألا يذكر إلا ما فى القرآن ولا نبدله بلفظ آخر). وقد وجدنا قوما يشنعون على أئمة الإسلام لأنهم أولوا بعض الآيات التى يستحيل ظاهرها، وغاب عنهم أن التفويض والتأويل كلاهما مذهب السلف، وإليك بعض ما صح فيه التأويل عن السلف، وهو فيض من فيض ومن أراد الزيادة فعليه بمراجعة تفسير الطبرى وكتابنا (تصحيح المفاهيم العقدية فى الصفات الإلهية):

(أ) أخرج ابن أبى حاتم فى تفسيره بإسناد لا بأس به عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى: (  فأينما تولوا فثم وجه الله ­­) (البقرة 115) قال: قبلة الله أينما توجهتم شرقا أو غربا(7)  

وهذا من آثار دعوة النبى- صلى الله عليه وسلم - لابن عباس- رضى الله عنهما- "اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل "(8)

 (ب) سئل ابن عباس- رضى الله عنهما- عن قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق ( (القلم 42) فأول الساق بالشد ة (9).

قال الطبرى فى تفسيره (12/ 197): (قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل ( يبدى عن أمر شديد) (10) انتهى. وممن أول (الساق) بالشدة من أئمة التفسير: مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم (11).

(ج) قال الله تعالى: ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) (الذاريات  47) قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: بقوة (12).

(د) ونقل الطبرى فى تفسيره تأويل لفظ (الأيد) الوارد فى قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون )، بالقوة أيضا عن جماعة من أئمة السلف منهم: مجاهد، وقتادة، ومنصور بن المعتمر، وابن زيد، وسفيان (13).

(هـ) قال الله تعالى: ( فاليوم ننساهم كما  نسوا لقاء يومهم هذا)، (سورة الأعراف الآية 51) قال ابن عباس- رضى الله عنه- النسيان هو الترك، ووافقه على ذلك مجاهد وابن جرير الطبرى (14) ولم يقولوا كما قال الحشوية: الله ينسى على الحقيقة، وهى صفة من صفاته، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

(و) قال الله تعالى: (وجاء ربك) قال الإمام أحمد فى تفسيرها: أى جاء ثوابه، قال البيهقى: هذا إسناد لا غبار عليه (15).

خامسا: الأخذ فى العقيدة بقطعى الثبوت والمتواتر دون الآحاد والمراسيل والموضوعات :

يشترط فى عملية التجديد فى عرض عقيدة الإسلام فى الله تعالى مما هو غير متبع للأسف عند طوائف معاصرة  ما يلى:

يشترط لإثبات الصفات لله تعالى أمور ثلاثة:

الأول: أن تكون فى نص مقطوع بثبوته (قطعى الثبوت).

الثانى: ألا يدخله احتمال التأويل وذلك بأن يكون نصا قطعى الدلالة. الثالث: إذا كان حديثا ألا يدخله احتمال نقله بالمعنى.

وتفصيل ذلك وبيانه كما يلى:

الأمر الأول: قطعى الثبوت: فنعنى به ما ثبت فى كتاب الله أو تواتر فى السنة المطهرة، فلا نثبت لله صفة بخبر صحيح آحاد فضلا عن ضعيف، أو موقوف على الصحابة، أو نحو ذلك.. بل المطلوب أن يكون قطعيا ثابتا ثبوت الجبال الرواسى، ولا يشتمل على الأحاديث الصحيحة الآحاد الظنية فضلا عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة فى باب الصفات.

 الأمر الثانى: وهو ألا يدخله احتمال يصرفه عن ظاهره: مثال ذلك قوله تعالى( إن الذين عند ربك) (الأعراف 206) ( من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه ) (البقرة 255) (عند مليك مقتدر)، (القمر 55) )ابن لى عندك بيتا فى الجنة( (التحريم 11) وقد ثبت ذلك كثيرا فى السنة.

كقوله  صلى الله عليه وسلم  عن ربه عز وجل: "أنا عند ظن عبدى  بى" (17). كل ذلك ليس المراد به: (عندية الجهة) بل: (عندية الشرف والكرامة والإعانة) لا عندية الحيز والمكان. فإن كون الله تعالى عند الإنسان باعتبار الجهة والمكان محال بالإجماع، ولكنه قرب كرامة.

وكقوله تعالى: )عند مليك مقتدر( قال القرطبى (17/ 150 ): (عند هاهنا عندية القربة والزلفة والمكانة والرتبة وكرامة المنزلة، وهكذا )

الأمر الثالث: وهو إذا كانت الصفة أو الإضافة حديثا فلا يكون هذا الحديث مرويا بالمعنى وفيه لفظة توقف عندها العلماء، وذلك أنه إذا ثبت أن الراوى روى بالمعنى فلا يمكن إثبات صفة لله به لأن المعنى من الراوى  ظنى والظن لا يثبت به صفة لله سبـحانه وتعالى.

فيجب مراعاة هذه الأمور الثلاثة بعناية فى عـرض عقيدة الإسلام فيما يجب لله تعالى من صفات، وقد أخطأ طريق الجـادة من لم يراعها فى عرضه لعقيدة الإسـلام .                       

سادسا.. عدم دمج وفصل ما ليس بالعقائد بـه:

يجب أن يتجلى الـتجديد فى عرض عقيدة الإسلام فى الفصل وعدم دمج ما هو من الأحكام الفرعية الفقهية مما مظانه كتب الفروع، فى باب أصول الدين والفقه الأكبر، والإيحاء إلى العوام والطغام أن تلك المباحث هى من صلب العقائد والأصول، بينما هى فى حقيقة أمرها فروع فقهية لا يتجاوز حكمها الإباحة أو الكراهة والحرمة لا كما يزعمه من يعرض عقيدة الإسلام من المغرضين والجاهلين من أنها من صميم العقائد، وأن المخل ببعضها أو الفاعل لبعضها الآخر أخل بركن التوحيد ودخل باب الشرك والردة عن الدين، فيجب التركيز على هذا الجانب وعدم إهماله لإرجاع الأمور إلى نصابها أولاً، وللقضاء على بدعة التكفير للأمة وإدراجها فى الشرك ظلما ثانيا، وللقضاء على ظاهرة التفرق والتمزق والتحزب بين مسلمى هذا العصر من جهة ثالثة، وذلك ببيان أن مباحث (الحلف بغير الله تعالى)، (الذبح للأولياء)، (النذر لهم)، (بناء القباب على القبور) .. مظان هذه المباحث كتب الفقه والفروع كما يظهر لمن اطلع على كتب الفقه للمذاهب الأربعة التى عليها سواد الأمة بل وعند المذاهب الفقهية الإسلامية الأخرى كالزيدية والجعفرية..

ويدخل فى هذا الباب تعريف العبادة وبيان معناها، والفرق بينها وبين القرية، وتعريف البدعة عند علماء المسلمين حسب ما تعارفوا عليه فى كتبهم قبل ظهور ذوى الشذوذ بشذوذهم وخرقهم لما هو متعارف عليه وما عليه العمل.

سابعا.. الرجال يعرفون بالحق، لا الحق يعرف بالرجال:

فى عرضنا لعقيدة الإسلام بضوابطها السالفة يجب التأكيد على أن الرجال إنما يعرفون بالحق لا العكس بأن يعرف الحق بالرجال مهما علا كعبهم فى العلم أو علت شهرتهم وذاعت، فالعصمة للرسول- صلى الله عليه وسلم-  ، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا سيد الخلق عليه وعلى آله الصلاة والسلام إنما هو إجماع مجتهدى أمة سيد الخلق عليه وعلى آله الصلاة والسلام لا قول فرد منهم، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم   فى الحديث المتواتر " لا تجتمع أمتى على ضلالة".

ثامنا.. الاستعانة بذوى الاختصاص فى العلوم العصرية فى عرض عقيدة الإسلام:

وذلك بالاستعانة بما توصلت إليه البحوث العلمية الدقيقة فى مختلف مجالات العلوم المعاصرة فى مجال الفلك والفيزياء والطب.. إلخ، سواء فى بيان حكمة الله تعالى فى مخلوقاته أو فى الرد على الفرضيات التى لم تكتمل فيها شروط الحقيقة العلمية مما قد يوهم التناقض أو التعارض مع ما تنص عليه نصوص شرعية كبيان تهافت نظرية النشوء والارتقاء سواء بالكشوفات الأثرية أو بما أثبته علم الأجنة من حقائق حول الموروثات (الكروموزومات).

المراجع

(1) أخرجه البخارى فى صحيحه، (100) ومسلم فى صحيحه (2673).

  (2) كحديث سيد الخلق (من أعدى الأول؟) فى إنكـار التسلســل اللانهـائى .

  (3) ذكره مسلم معلقا (1/6) ووصله أبو داود فى سننه (4842) وابن خزيمة وأبو يعلى والبيهقى كما               

       فى المقاصد للسخاوى رقم (179) وحسنه.

  (4) طبقات الشافعية للسبكى ( 2/ 14).

  (5)  نفس المصدر (3/ 361).

  (6)  نفس المصدر.

  (7) أخرجه ابن أبى حاتم (346- 347).

  (8) أخرجه أحمد فى المسند بإسناد صحيح ( 1/ 266).

  (9) الحاكم (2/499 ـ 500)، والطبرى ( 12/197 )، وحسنه الحافظ فى الفتح ( 13/ 428 )       

 ورواه  البيهقى فى ا لأسماء (748) وإسناده صحيح.

  (10) الطبرى (12/ 197).

  (11) الدر المنثور (8/255- 257).

  (12) الطبرى ( 11/ 472).

  (13) المصدر السابق.

  (14) الطبرى (5/ 510) وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى فى الأسماء والصفات كما فى الدر              

         المنثور (3/  470 )

   (15) البداية والنهاية لابن كثير (10/419).

   (16) أخرجه البخارى رقم (6505) ومسلم رقم (2675).

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع