التجديد فى طريقة
عرض
الإسلام فى الغرب
السيد الأستاذ على بن السيد عبد الرحمن آل هاشم
مستشار رئيس الدولة للشئون القضائية والدينية
دولة الإمارات العربية المتحدة
الحمد
لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد بن عبد
الله وعلى آله ومن والاه.. وبعد
تمهيد
الدعوة الإسلامية هى
دين الله الذى بعث به
الأنبياء جميعاً، تجدد على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله خاتم النبيين، كاملا وافيا لصلاح الدنيا
والآخرة، وهى تستمد بقاءها من أمرين:
1- أنها دعوة من عند الله رب العالمين.
2- صلاحيتها لكل
زمان ومكان، بعد مجيئها على يد خاتم النبيين والمرسلين.
وهذه الرسالة الخاتمة قد استوعبت أصول الرسالات
السابقة، وتتحدث عن الأنبياء والرسلى السابقين، وتعتبر
الإيمان بهم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) أصلا فى
الإيمان بها، وهم جميعا يأخذون من مشكاة واحدة، ويدعون
إلى إله واحد: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى
إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)
(الأنبياء: 25).
فما
هذه الدعوة إذن بعد أن تمت وكملت على يد خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم
إنها
دين
الله الذى ارتضاه للعالمين تمكينا لخلافتهم وتيسيرا
لضروراتهم ووفاء بحقوقهم ورعاية لشئونهم، وحماية لوحدتهم وتكريما لإنسانيتهم،
وإشاعة للحق والعدل فيما بينهم، فهى الحقيقة، وفيها
كافة الضوابط الكاملة للسلوك الإنسانى، وتقرير الحقوق
والواجبات، وهى قبل ذلك وبعده الاعتراف بالخالق، والبر بالمخلوقين.
ولما
كانت الدعوة الإسلامية هى دعوة النبيين جميعا، لذلك فرض
الإسلام الإيمان بالرسل جميعا: ( قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على
إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون
من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون( (آل عمران:84).
ومن
هنا نستطيع أن نقرر أن العالم تجمعه فى الأصل وحدة
دينية واحدة، وأن الفرقة فى الدين من صنع الأهواء
والشهوات، يبرأ منها الأنبياء والمرسلون جميعاً.
ولذلك
يقول جل شأنه: ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم فى
شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ( (الأنعام: 159). إن الدين بنيان واحد
عملت فيه أيدى الأنبياء جميعاً، وما أجمل الإنصاف فى قول النبى- صلى الله عليه وسلم-: "إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتا فحسنه
وجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يلفون به
ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"..
( رواه الشيخان).
إن
رسالة الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم- دعت إلى هذا الأصل الخالد (الإيمان بالله
واليوم الآخر). إن الدعوة الإسلامية تشبه الماء العذب الذى
يجرى فى مجراه الطبيعى، ومن
حق كل إنسان أن يرده حين يرد، فلا يجد من يصده أو يصرفه عن المورد.
والشمس
فى مدارها وعلوها تلقى شعاعها وتبعث ضوءها، ومن حق كل
إنسان أن ينعم بضوئها، وأن ينتفع بشعاعها، فإذا رغب إنسان عن النهر وزهد فى النور فله ما أراد، ولن يكرهه أحد على هذا أو ذاك، أما من
صد عن الماء أو حاول أن يفسده أو أساء لمن فى الضوء أو
حاول أن يحجبه، فمن حق الظامىء أن يطلب الرى، ومن حق المبصر أن يرى الضوء، وأن يمنع الحاجب، بل من حق
الناس جميعاً أن ينعموا بالحياة فى فطرتها السمحة، وما
الدين إلا فطرة الله: ( فطرت الله التى فطر الناس
عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم:
30).
بعد
هذا التمهيد نود أن نبين أن الدعوة إلى الله تعالى وعرض الإسلام قد ضبط القرآن
الكريم معالمها فى آيات كثيرة حتى أصبح عرض الإسلام على
الناس فى غاية اليسر والوضوح، وتوضيح ذلك فيما يأتى:
أولا:
إن الذى يعرض الإسلام ويدعو إلى الله سبحانه وتعالى
وبخاصة بين غير المسلمين لابد من أن تتوافر فيه الأهلية والصلاحية المطلوبة
والضرورية لهذا الأمر، منها أن يدعو إلى الله عز وجل ملتزما الحكمة، سالكا مسلك
اللين، بعيدا عن العنف والتنفير لقول الله تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى
أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) (النحل: 125).. فهذا
توجيه عام لكل من يدعو إلى الله ويعرض الإسلام على غيره.
ثانياً:
أن يكون الداعية إلى الله- تبارك وتعالى- على بصيرة من أمره، ودراية تامة بما يدعو
إليه لقول الله تعالى: ( قل هذه سبيلى أدعو إلى الله
على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من
المشركين) (يوسف 108 ).. فهذا النص القرآنى الكريم
يلزم الدعاة إلى الإسلام، والذين يبلغون رسالات الله للناس أن يكونوا على بصيرة
ومعرفة تامة بأحكام الإسلام أولا، ثم العلم التام بأحوال من يدعونه مراعين كل
الظروف والملابسات التى تحيط بالدعوة التى وفقهم الله إلى سلوك طريقها.
ثالثاً:
أن يكون الداعية مأذونا فيما يدعو إليه الناس؟ لقول الله
تعالىJ يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً
ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيرا(.. (الأحزاب: 45- 46)..
فهذا قيد على كل داعية لابد أن يكون مأذونا وإذا كان النبى-صلى الله عليه
وسلم- قد منح الإذن من الله فإن
نوابه وورثته الداعين إلى الله والمأذونين منه صلى الله عليه وسلم
، قد خولتهم الشريعة
الغراء أن يأذنوا لمن يرونه أهلا للدعوة أن يقوم بالدعوة إلى الله، وهذا الإذن من
صلاحية العلماء، ومما خص الله به العلماء وميزهم به أن يجيزوا ويأذنوا لكل داعية صالح للدعوة، لقول النبى- صلى الله عليه وسلم- "يحمل هذا العلم من كل خلق عدوله ينفون
عنه تحريف الغالبين وانتحال المبطلين".
رابعا: يجب على الداعية إلى الله تعالى أن يكون فى دعوته مبشرا لا منفرا، وميسرا لا معسرا، مراعيا ظروف كل
بيئة وما تتميز به، وأن يختار من الأساليب والوسائل ما
يعينه على نشر دعوته، وبذلك يتحقق القبول لها ممن يدعوهم، متجنبا المسائل
الخلافية، سالكا الطريق المثلى فى المناقشة والحوار،
متحليا بالرفق واللين، وقد ذكر لنا القرآن الكريم ما وصى الله به
موسى وهارون- عليهما سلام الله- فى دعوة فرعون فى قوله تعالى: ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى . فقولا له قولا
لينا لعله يتذكر أو يخشى ).. (طه: 43- 44).. فهذا التوجيه القرآنى
العظيم يحتم على الداعية أن يسلك مسلك اللين مع من يدعو، مهما كانت ظروف المدعو،
ولهذا قال المولى تبارك وتعالى لنبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم:( فبما
رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم
وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب
المتوكلين ).. (آل عمران: 159). فإذا كانت هذه مبادئ وشروط عامة أوجبها الله سبحانه وتعالى على من يقوم
بعرض الإسلام فى كل زمان ومكان، فإن تغير البيئات وتنوع
الثقافات المتعددة من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، ومن قوم إلى قوم، فإن هذا
الأمر يتطلب أيضا بالإضافة إلى ما سبق خصوصيات معينة تتلاءم مع كل بيئة، وإذا كان
من المسلمات عند المسلمين أن الإسلام رسالة عامة عالمية مخاطب بها
الكون كله حيث قال عز وجل: ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن
أكثر الناس لا يعلمون ) (سبأ: 28).. وقال جل شأنه: ( تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا).
(الفرقان: 1) .. وقوله: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين..) (الأنبياء: 107).. وقوله تبارك وتعالى: ( قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا الذى له
ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى
يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) ( الأعراف: 158).. وقول النبى صلى الله عليه وآله وسلم ضمن حديث طويل: "كان
كل نبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"..
وقوله صلوات الله وسلامه عليه: "إنما أنا رحمة مهداة".
فمن هذه النصوص يتضح
أنه يجب على المسلمين أن يتخذوا من الوسائل والأساليب ما يمكنهم من القيام بعرض
الإسلام على شعوب الأرض جميعا التزاما وانسجاما مع هذه النصوص التى
توجب عليهم ذلك.
وإذا كانت القارة الأوروبية هى جزء حيوى وفعال فى هذا العالم فإنه يجب
على المسلمين أن يعرضوا الإسلام على هذا الجزء الحيوى
من العالم، مراعين فى ذلك الخصوصية التى
تمتاز بها أوروبا من التقدم العلمى،
وامتلاك أحدث وسائل التقنية الحديثة، وسيطرة القوة المادية على شعوبها مع شدة
احتياجها للمدد الروحى والإيمانى،
فهى وان كانت قد تقدمت تقدما مذهلا فى
الاكتشافات العلمية واستطاعت السيطرة شبه التامة على البيئة إلا أنها فقيرة جدا فى ميدان البناء الإنسانى وقيمه
الرفيعة.
إن
هذا الأمر يجب ملاحظته عند عرض الإسلام فى الغرب، فإننا
إذا استطعنا أن نخاطبهم من هذا المنظور، فإنهم سيجدون فى
الإسلام بغيتهم من الدواء الناجع لأمراضهم، والبلسم الشافى
لما يشكون منه.
إن العالم العربى والإسلامى يشكل أكبر حشد بشرى واقتصادى
على الساحات العالمية، بل إن موقع العالم العربى والإسلامى يمثل قلب العالم ونقطة الارتكاز العامة والأساس فى حركة التوازن والاستقرار فيه، لذا لابد أن يدرك المسلمون
أهمية وخطورة مكانتهم، وأهمية دورهم على الساحة العالمية، مع إدراك واجب التكليف الربانى، وقد اكتسبوا به موقع الريادة للبشرية جمعاء، ولتحقيق فعالية الوجود الإسلامى.
إن حاجة الناس إلى نظام عالمى يقيم
حياتهم على العدل والأمن والرخاء، والسلام مطلب قديم تحدث بشأنه الفلاسفة
والمصلحون عبر الزمان وتصوره (أفلاطون) فى
مدينته الفاضلة، وتنادى به العرب فى
جاهليتهم إلى حلف ينصرون به المظلوم، ويضعون حدا للظلم
والجور فى مجتمعاتهم.
وجاء الإسلام فلبى حاجة فطرة الإنسان، وحقق للناس أحلامهم،
ووضع لذلك قواعد ومبادىء وقيما، وأحل سلوكيات وأدبيات،
وعاش الناس فى ظل ذلك قرونا طويلة ينعمون فى الأرض بالرخاء والعدل.
ثم حدث خلل خطير حجب الإسلام عن حياة الناس، فكان اضطراب كبير فى الأرض، وأشعلت حروب أكلت الأخضر واليابس، مما فرض على صناع
القرار من عقلاء الأمم أن يتنادوا إلى نظام يجذب البقية الباقية من الأرض إلى
(هيئة الأمم المتحدة) لتكون الإطار المؤسس للنظام العالمى
يومئذ، ووضعت لهذه الهيئة أسس وهى:
المساواة، وحب السلام، والعضوية مفتوحة للجميع، وفى إطارها
وضع(ميثاق الأمم المتحدة) الذى استدرك على قيمه ومبادئه
أصحاب التحكم بموازين القوى، فقيدوا فاعليته، ووأدوا خيريته
بما ميزوا به أنفسهم من حق سموه (حق الفيتو)
الذى أعطاهم حق رفض الحق إذا تصادم مع أهوائهم ومصالحهم، وعاش الناس مع هذا
الخلل الكبير على أمل الإصلاح والتغيير إلا أن الزمن أخذ يؤكد للجميع أن هذا
النظام معطل ولا يلبى حاجة أكثر الناس من الأمن والسلام، وأعلن ذلك رسميا بقرار
مشهور من الأمم المتحدة اتخذته فى دورتها لعام 1974م
جاء فيه أن النظامين السائدين (الشيوعية والرأسمالية) عاجزان عن تحقيق الأمن
والعدل والسلام بين الناس، ولا يوجد نظام عالمى جديد
يحقق للناس آمالهم وينهى آلامهم، ويحقق لهم الأمن والعدل والسلام.
وفى
الدورة التالية سنة 1975م طلب إلى اليونيسكو باعتبارها المؤسسة المعنية بمثل هذا الأمر أن تضع
تصورا لنظام عالمى يحل محل النظامين السائدين
والمتحكمين بميثاق وقرارات الأمم المتحدة، ثم قدمت مذكرتها للأمم المتحدة عبر
تقرير مفصل يقوم على أسس ثلاثة للنظام العالمى الجديد:
1-
وجوب الاعتراف بوحدة الأسرة البشرية وحقها فى التعايش
بأمن وسلام.
2-
العمل على تطوير مشترك للتنمية مما يحقق انتعاشا
اقتصاديا للجميع.
3-
إحقاق عدالة التوزيع فى الأرض.
إلا
أن (هيئة الأمم المتحدة) عجزت عن التعامل بجدية مع هذه المبادىء
بسبب الحرب الباردة الدائرة بين المعسكرين الشيوعى والرأسمالى.
وبعد
هذا الفشل والعجز من الأمم المتحدة والمعسكرين المتصارعين فى
العالم
فى تحقيق السعادة والاستقرار للعالم، فإن الأمل معقود على (
النظام الإسلامى) لتحقيق السعادة والاستقرار لجميع دول
العالم.
ما هى مسئوليتنا نحن المسلمين نحو
المستقبل الذى ينتظر البشرية؟
يمكننا نحن المسلمين المساهمة الفعالة فى
إصلاح وإسعاد العالم ضمن الإطار المنهجى والفكرى للدعوة الإسلامية وفق الثوابت والمنطلقات التى جاء بها القرآن والسنة،
واضعين فى اعتبارنا أن القرن القادم هو قرن (التواصل
البشرى وقرن التحاور الثقافى)، وهذا توجه مهم ومفيد
يحتم علينا التعامل معه بإيجابية وموضوعية لأن منهجية الحوار بالبيان والحكمة
منطلق أساسى فى القرآن
الكريم والسنة المطهرة، وأدبيات الدعوة إلى قيم الإسلام التزاماً بالتوجيه الربانى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)
(النحل: 135). ونحن المسلمين مطالبون بالسعى لمخاطبة
الناس بما يحقق وضوح الرؤية ويجمع الكلمة على المبادىء
والقيم الربانية الخالدة تحقيقاً لقوله تبارك وتعالى: ( قل يا أهل الكتاب
تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله فإن تولوا
فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون( .. (آل عمران: 64).
وغنى عن البيان أن إيمان المسلم يتحقق
بإيمانه بالكتب السماوية التى أنزلت على الأنبياء
والرسل جميعاً، وأن المسيح ابن مريم نبى الله
ورسوله وأن نبينا محمداً صلى الله عليه
وآله وسلم هو دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى عليه السلام، قال تبارك وتعالى: ) ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد ( .. (الصف:6).
كما أن الإسلام الذى
نفهمه وفق النصوص الثابتة هو دين الله الذى أرسل به الرسل جميعاً منذ آدم عليه السلام حتى سيدنا محمد خاتم
الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فنحن أمة تحكم علاقاتنا وحواراتنا مع الآخرين قاعدة تقوم على
أساسها صحة كل علاقة وسلامة كل حوار، وهى التزام مبادئ وقيم دين الله، وهذا بين
واضح فى قوله تبارك وتعالى: ( واحذرهم أن يفتنوك عن
بعض ما أنزل الله إليك ).. (المائدة: 49).
ومنهج الدعاة إلى الله وهو عرض مبادىء
الإسلام تحكمه قيم وآداب لا يجوز لنا تجاوزها أو مخالفتها، ولا يصح معها تجريح
وسباب الآخرين، عملا بقوله
تبارك وتعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله
عدوا بغير علم) (الأنعام 108).
وعلى
الداعية أن يلتزم بالعدل والإنصاف حتى مع من يخالفه فى
العقيدة، أومن كانت بينه وبينه خصومة أو شحناء، لقول المولى تبارك وتعالى: ( ولا
يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب
للتقوى واتقوا الله) (سورة المائدة
الآية 8).
ويعلمنا
القرآن ويؤكد علينا أن البشرية مدعوة لأن تلبى أمر ربها جل شأنه، للتعارف والتعايش
وفق القيم والمعايير الربانية رغم اختلاف أجناسهم وأعراقهم وأديانهم، قال جل شأنه:
) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل
لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات: 13).. وإننا فى تعاملنا مع
غيرنا من الناس نسعى صادقين لتحقيق مصالح العباد وجلب النفع لهم.
وإن
دين الله تعالى يقوم على إقامة العدل بين الناس وشيوع قيم الإحسان بينهم، والعمل
على مكافحة الفحشاء والمنكر، ومحاربة البغى فى حياتهم، قال عزوجل: ( إن
الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن
الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون )
(النحل: 90). ونعتقد بمشروعية التدافع الإنسانى، ونؤمن
بأن منهجية التدافع بين الناس القائمة على أساس التنافس فى
جلب المصالح ودرء المفاسد كفيلة بتحقيق الحياة الأفضل لهم جميعاً، وتوفير الأمن
والاستقرار، وصرف الفساد عن الأرض، قال الله تبارك وتعالى:( ولولا دفع الله
الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) (البقرة: 251).
ومن مفاخر الفقه السياسى فى
الإسلام أن الشرائع جاءت لتحقيق مصالح العباد حيث أن مبناها يقوم على تحقيق أكمل
المصلحتين ودفع أكبر المفسدتين.
وأن
الله سبحانه عز سلطانه ألزمنا بمنهج الوسطية، وحمَّلنا أمانة الشهود الحضارى على الناس، ومسئولية الهدى الربانى
لهم جميعاً، قال عز وجل: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس )
(البقرة: 143). ونعلم نحن المسلمين بأننا شركاء مع غيرنا فى
منهج الاستخلاف فى عمارة الأرض، ولسنا محتكرين لهذا
المنهج، وأن غياب المسلمين أو تغيبهم عن الاستخلاف أو تجريد هذا المنهج من القيم
الربانية يؤدى لا محالة إلى فساد الأرض ودمار الناس عليها، وفى اندحار الشيوعية
ومعسكرها الإلحادى دليل على ذلك.
وفهمنا
فى منهج الاستخلاف فى عمارة
الأرض يقوم على خاصية التكامل الثقافى بين قيم الإسلام
ومقصوده فى تحقيق مصالح العباد، وهذ
التكامل الثقافى هو الذى
يميز الأمة الإسلامية بهذا المعتقد فى فهم منهج
الاستخلاف فى عمارة الأرض، وبشكل أدق فإن الاستخلاف فى الأرض يقوم على التكامل بين مرتكزين، الأول فى قوله تبارك وتعالى:) فاعلم أنه لا إله إلا
الله) (محمد 19).. والثانى: ( فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (الملك 15).. وفى
سياق هذا التكامل التام يستقيم منهج الاستخلاف الأمثل فى
عمارة الأرض وهو الطريق الأمثل لدعوة الناس لهذا المنهج.
ومن
قيم الإسلام وتعاليمه ألا نبخس الناس أشياءهم، ولانحتقر
كدحهم وجهدهم فى
كل عمل بناء يحقق الأعمار والإبداع الحضارى، ونحترم
ونقدر كل عطاء خير فى ميادين القيم والسلوكيات، وفى
ميادين الماديات والوسائل والمهارات، قال عز من قائل: ( ولا تبخسوا الناس
أشياءهم ولا تعثوا فى الأرض مفسدين) (الشعراء:
183).
وإن
حرية الأديان والاعتقاد مكفولة ومصانة وقائمة على أسس وثوابت ومنطلقات منهج
الإسلام فى الحكم، وأن الشرعية الإسلامية لا تحتكر
القرار السياسى فى تحقيق
المصالح ودرء المفاسد لأتباعها دون غيرهم من أتباع الديانات الأخرى، فالجميع سواء فى حقوق المواطنة فى ظل أحكام
الشريعة الإسلامية، كما أن ثوابت الشريعة الإسلامية لاتسمح
بفرض المعتقدات على الآخرين بالإكراه
والقوة، قال عز سلطانه: )
لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد
من الغى) (البقرة 256).
بل إن الأحكام السلطانية فى العصور
الزاهرة للمسلمين قد أعطت فى ظل سيادتها من الحقوق
والاستقلالية الدينية لغير المسلمين ما لم تكفله لهم القوانين أو التنظيمات
البشرية، لا فى ماضيها ولا فى
حاضرها المعاصر، وان واقع التاريخ الإسلامى يصدق ذلك
ويؤكده، فقد حكم الإسلام الهند لقرون طويلة، وكذلك فى
بعض الأقاليم فى إفريقيا، ومع ذلك بقى المسلمون هم
الأقلية.
هذا وإن أداء الحقوق وإقامة العدل بين الناس- كل الناس- على
اختلاف أديانهم وأجناسهم وقومياتهم وألوانهم هو أساس مقاصد الشريعة الإسلامية
الغراء، قال جل وعلا:( إن الله يأمركم أن تؤدوا
الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً) (النساء: 58).
وبعد ما تقدم ذكره فإن الأمة الإسلامية تختزن فى أرضها كمّاً هائلاً من الطاقة تشكل مرتكزاً أساسياً فى توازن المصالح العالمية وتنوعها جغرافياً واقتصادياً،
وكمّاً بشرياً له دوره الفعال فى الموازنات السياسية
العالمية، وإنها أيضا تمتلك مخزوناً أجل وأعظم أهمية وأكثر نفعا للمسيرة
الإنسانية، مخزوناً فريداً من القيم والمبادىء، وثروة
ضخمة من الفقه التشريعى يسهل على الإنسانية مهمتها فى الحياة الواعية الراشدة القائمة على العدل وموازين القسط
بين الناس.
وينبغى علينا ونحن نعرض مفاهيم وتعاليم الإسلام على الساحة الأوروبية
ونحوها بأن نتيح لهم فرصة الإدراك بأن أى مشروع جاد
لتحقيق نظام عالمى عادل يبقى عاجزاً عن تحقيق غايته
المجدية، مع غياب أو تغير مشاركة
ومساهمة
الفاعليات العربية والإسلامية، أو تجاهل تلك الكفاءات
والطاقات التى تمتلكها.
إذ
مما لاشك فيه ولا ريب أن الإسلام قدم قيماً ومبادىء
كلية لضبط مقومات التعايش البشرى، والتعارف الإنسانى،
ووضع ثوابت ومنطلقات لضبط حركة مصالح الناس حيث أقام علاقة دقيقة ومتزنة على مستوى
الأفراد والجماعات، ومن تراثنا الاجتماعى: (الناس
شركاء فى ثلاثة: الماء والكلأ والنار).
إن
القيم والمبادىء الإسلامية ليست أحلاماً وأمانى بل هى قيم موضوعية وواقعية،
لم تكن قط مستعصية على ميادين الواقع والحقيقة، والتاريخ المنصف هنا وهناك يحدثنا
عن الروائع الحضارية التى كانت بفضل شريعة الإسلام
وقيمها، إننا عندما نتحدث عن الإسلام لغير المسلمين لا نتحدث من فراغ ولكن نتحدث
عن حقائق تاريخية، وعن واقع معاصر يصدق ويؤكد جدية وفاعلية القيم الإسلامية، وعلى الداعى إلى الله أن يسلط أضواء كاشفة ومتجددة على محاسن
الإسلام وشريعته السمحة.
وبهذا
فإن المسلمين وفق هذا المنهج الربانى العادل، وفى ضوء
قدراتهم المعنوية والمادية والسياسية سيجدون أنفسهم مؤهلين كل التأهيل لأداء
مهمتهم لإقامة نظام عادل، ينهى حالة القلق والذعر التى تحياها بعض المجتمعات المعاصرة، ويصرف أسباب الفساد عن الأرض،
ويضع حداً لتدهور العلاقات الدولية فى أكثر من موقع،
ويزيل عوامل الإضراب والجشع السياسى والاقتصادى بين الأمم، ويضبط حركة التدافع الإنسانى، ويقيم موازين القسط من أجل التعايش والتعاون
البشرى، ويرتقى بمنهجية التبادل والتكامل الثقافى بما
يحقق للناس تطلعاتهم لحياة إنسانية آمنة مطمئنة، تنعم بالأمن والاستقرار والعدل
والسلام، وعلماء الإسلام ودعاته من أجل هذه المهمة الجليلة، أعتقد أن مؤهلاتهم
وقدراتهم بعون الله عز وجل تمكنهم من شرح هذه القيم والمبادىء
وتجسيدها من خلال الدعوة والحوار البناء الذى يفتح
بفاعلية طرقاً فسيحة للسير بالإنسانية نحو الخير والفلاح.
وبما
تقدم وعلى ضوئه يمكننا أن نخطو بالفكر الإنسانى خطوات
واسعة نحو تجديد وتحديث المفاهيم وتقويم المناهج الدعوية التى
نرى فى بعضها بُعدا عن الجادة التى
يتغياها الصالحون والمصلحون من علماء هذه الأمة.
والله يقول الحق وهو الهادى إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد
وآله..
والحمد لله رب العالمين.
المراجع
مراجع ومصادر البحث
1- القرآن الكريم.
2- التفسير الوسيط.
3- صحيح البخارى وشروحه.
4- بذل المجهود فى حل سنن أبى داود.
5- الإسلام
والنظام العالمى الجديد.
6- نحن وحوار الحضارات.
7- هذا ديننا.
8- الإسلام كما
عرضته الكتب المدرسية الدينية فى أوروبا.
9-
مع الله فى الدعوة والدعاة.