الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
الوسطية أساس التشريع الإسلامى

دور العقل فى الخطاب الدينى

الأستاذ/  بو عبد الله غلام الله

وزير الشئون الدينية والأوقاف

الجزائر

الخطاب الدينى- من حيث كونه خطابا- يستند فى أسسه ومنطلقاته إلى الوحى، ويعتبر مقابلا للخطاب الإنساني الوضعى الذى يستند إلى العقل المحكوم بقدراته والمحدود بمصادره فى النظر إلى مسائل الوجود، والحياة، والإنسان ومصيره إلى غير ذلك.

لقد بعث الله سبحانه وتعالى ختاما لرسله وأنبيائه محمدا- صلى الله عليه وسلم- نبيا أميا، فى مجتمع بسيط، وسط حضارتى الفرس والروم، ليؤكد للبشرية أن عقل الإنسان مهما ترتق  مداركه لا يمكن له أن يهتدى وحده إلى هذه الأسرار والحقائق التى يستقل بها وحى السماء وحده.

فالخطاب الدينى هو المتميز بانطلاقه من الحقيقة الكاملة، من الجوهر الثابت ليتعامل ويتفاعل بعد ذلك مع الفرع المتغير فى الزمان والمكان، أى مع تطور حياة الإنسان والمجتمع، من أجل ذلك تميز القرآن الكريم فى التعبير عن مصدر الحقيقة فى الإنسان. فلم ينسبه إلى العقل وحده، إذ لم ترد هذه اللفظة فى صيغة المصدر أبدا  وإنما وردت دائماً فى صيغة الفعل، إشارة إلى أن مصدر الحقيقة فى الإنسان ليس العقل وحده، وإنما العقل والقلب معا:

( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) (الإسراء:  36 ).

والخطاب الدينى بعد ذلك هو الدعوة إلى الله، وإلى الإيمان بالرسل، والاقتداء بهم، واقتفاء نهجهم فى إقامة الدين الحق، واتباع أوامر الخالق واجتناب نواهيه، وتربية الخلق وتنظيم حياة المجتمعات، وتوطيد التعامل الإيجابي مع مقتضيات الأحوال المتغيرة التى تطرأ على الحياة الاجتماعية فى مستوياتها المختلفة، والهدف الذى يتوخاه المؤمن من اقتفاء أثر الرسل والسير على هديهم هو الارتقاء بالوجود الإنسانى وتحقيق الكمال الخلقى فى المجتمع الذى هو غاية الدين، وجوهر الإيمان، وهو المقصد الأسمى من التربية التى هى وظيفة الرسل. ومحتوى الرسالات السماوية التى جاءت لهداية البشر عن طريق إذكاء وعيهم، ولتحريرهم من ضعفهم وجهلهم، وأوهامهم، وسيطرة غرائزهم، وتخليصهم من النوازع التى تميل بهم عن الحق والخير والعدل، وتدفعهم إلى ما يضاد إنسانيتهم، ويحط من كرامتهم.

هذا هو الخطاب الدينى الذى ينطلق مما شرعه الله لعباده، وارتضاه لهم عن طريق الرسل ليكون لهم عونا على فهم أنفسهم، ونورا لأبصارهم، وهداية لبصائرهم، وتوجيها لعقولهم وسموا لأخلاقهم، ورفعة لحياتهم، مصداقا لقوله تعالى:

( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) (المائدة: 15- 16)

فالخطاب الدينى هو الذى يوجه العقل لإدراك المقاصد فى الدين، وفى الأحكام التى يدعو إليها، من حيث إنه يضئ له طريق الحق ويهديه سواء السبيل، ويوجهه إلى التفكير الصحيح والتدبر الواعى الذى يقود إلى استنباط الأحكام، ويشعره بالحاجة إلى المعرفة الحقة، وفهم الحقائق التى تحكم هذا الكون، ويعطيه مفاتيح البرهنة والاستدلال على وجود القوة المدبرة لهذا الكون، ويمكنه من فهم المنظومة الأخلاقية التى تشكل دستور الحياة الجماعية والاجتماعية باعتبارها المجال الذى تنتظم فيه العلاقات الإنسانية وتتحدد فيه مسئوليات الأفراد والجماعات وترسم ضمنه الحقوق والواجبات التى تضممن التوافق والتكافل بين الناس، وتقود إلى بناء المجتمع المتماسك والمتكافل.. تلك المنظومة التى يقرها الشرع، ويهتدى إليها العقل السليم  ليجعل منها المنطق لبعث حياة منسجمة وكريمة.

إن حقوق الإنسان، والحريات العامة، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، ومكانة المرأة فى المجتمع، ودور الرجل ونظام العائلة، وقيمة العمل والإنتاج، والحرية والمسئولية، والكرامة الإنسانية والحوار المتكافئ ، ودور العلم والعلماء، وتربية النشء على حسن الخلق.. هذه كلها عناصر تشكل جانبا من المنظومة الأخلاقية، التى تستمد من العقيدة الإسلامية ومقاصد الشريعة.

دور العقل :

إن مجال العقل واختصاصه هو البحث فى أسرار الكون والطبيعة، أما مجال الدين والأخلاق ومعنى وجود الإنسان على الأرض ورسالته فيها، فمن شأن الخالق وحده، سبحانه يبينها لخلقه عن طريق الوحى.

إن الله سبحانه لم يهيئ للإنسان يوم خلقه رؤية مباشرة للقانون الذى تسير به السماوات والأرض، فيتيح له بذلك سرعة مذهلة فى إنجاز الأشياء دون تعب أو عناء، ويقفز إلى الحضارة الخارجية دون تدرج وتطور، ولو كان الأمر كذلك ما شهد التاريخ البشرى هذه الجهود الإنسانية العظيمة، والسعى الدؤوب نحو الكشف والابتكار، بدافع من ذلك التحدى الأبدى بين الإنسان والطبيعة، ولنا خير مثال على ذلك: المسلمون فى تاريخهم الطويل ؛ فهم يوم احترموا اختصاص العقل وسخروه فى حدود اكتشاف أسرار عوالم المادة للتحكم فى قوانينها كانوا روادا فى مجال الرقى الاجتماعى والتقدم العمرانى،  ولما قصروا جهد العقل على الغيبيات، وكبلوه دون مجاله المهيأ له تاهوا وسقطوا فى ميزان الريادة الحضارية.

إن العقل فى الشريعة الإسلامية هو محور الخطاب الدينى،  والركيزة التى يقوم عليها، والهدف الذى يتوجه إليه، إذ العقل مناط التكليف وأساس المسئولية، به يدرك الإنسان الأمور، ويميز بين نافعها وضارها وصوابها وخطئها، وبه يعى الإنسان ذاته والحكمة من وجوده، ويستوعب أحداث الحياة المحيطة به.. وقضايا الكون، ويفقه مجموع المعتقدات والأحكام التى تتعلق بالحياة وما بعد الحياة، ولا يمكن للإنسان الاستفادة من هذه القدرة الخلاقة المبدعة إلا بإعمال النظر فى جميع المحسوسات والمعقولات وفق ما أمرنا الله تعالى به فى كتابه.

ونظرا لهذه المنزلة التى يحتلها العقل فى الدين الإسلامى،  والدور الفعال الذى يناط به فى تحديد ضوابط التجديد والتأويل فى مجال الدعوة والإعلام، وطريقة عرض الإسلام، والتنويه به فى المجتمع غير المسلم. نظرا لهذا يوجه القرآن الكريم اهتمامنا إلى توظيف القدرة العقلية التى وهبها الله للإنسان وميزه بها، والتى لا يذكرها القرآن إلا فى مقام التكريم والتنبيه إلى وجوب العمل بها والرجوع إليها قال تعالى: ( إنما يتذكر أولوا الألباب ) . (الرعد: 19) قال الله تعالى: ( ولقد زرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم

قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ) (الأعراف: 179)

وقد ذكر الله تعالى السمع والبصر مع العقل لأنهما المنفذان اللذان يقدمان له المدركات التى ينطلق منها من ممارسة مهمة الاستدلال.

وبهذا يتأكد أن للعقل دورا أساسيا فى فهم الخطاب الدينى (بإعطائه الدلالة الحقيقية التى بها يعى الإنسان ما له وما عليه) وتطويره والبحث عن أساليب التبليغ التى تنسجم منهجا ودلالة ولغة مع الأوضاع المتطورة، والظروف المستجدة فى حياة المجتمعات الإنسانية، تلك الظروف التى أصبحت تميز عصرنا، وتطرح أمامنا إشكالات تستوجب تحديث نظرتنا إلى علاقة الدين بالدنيا، وتجديد طرائق التبليغ والبحث عن الأدلة المقنعة التى تنسجم مع المقاصد السامية للشريعة بحيث لا يجد الإنسان المؤمن أى تعارض بين العلم والدين، ولا بين الرغبة فى التطور الحضارى وبين الارتباط بالحقيقة الدينية، ولا بين فهم المسائل الفقهية والأحكام الأصولية وبين الضغوط التى تفرضها وقائع الحياة؛ لأن الفكر الإسلامى الصحيح يقوم على التكامل والتوافق بين الجوانب العقلية التى وظيفتها التدبر والتأمل والاستدلال، وبين الجوانب الروحية الوجدانية التى وظيفتها الإيمان والامتثال والالتزام، إذ البحث العقلى واجب الإنسان المسلم، وجوب الإيمان بمقاصد الشريعة.

وقد أوضح ابن رشد أن ما يؤدى إليه البحث العقلى الصحيح لا يخالف ما يقرره الشرع، وإذا كانت هناك جوانب دينية غيبية لا يهتدى إليها العقل إلا عن طريق الرسل والمتواتر من النصوص النقلية. فإن ذلك يرجع إلى الإيمان، أى إلى أساس السلوك الدينى؛  لأن الدين يخاطب العقل والقلب معا، والعقل هو الذى أشعرنا بحاجتنا إلى التدين والى الإيمان، فالإنسان الذى يعطل تفكيره إنسان محتقر لعقله. مستخف بقدراته لأنه حرم نفسه من التأمل فى قوانين الوجود ودقائق الكون (أى حرم نفسه من المعرفة)، لذلك وصف القرآن الكريم الذين عطلوا عقولهم بقوله: ( أولئك كالأنعام  بل هم أضل )  (الأعراف: 179).

فالمؤمن الحق يُطلب  منه شرعا أن يُحكم عقله فيما يأخذ ويترك، لأن تعطيل القوة العقلية ينتج عنه الجهل والحرمان من نور العلم الذى هو أساس الإيمان الحق، والاعتقاد الصحيح، والمعرفة اليقينية، وقد نهانا الله عن اتباع ما ليس لنا به علم، سواء فى القول أو الفعل أو الاعتقاد. فلا يجوز أن نفعل أو نقول أو نعتقد إلا ما نعلم أنه حق.

وهذا ما أكدته الآية القرآنية:

( ولا تقف  ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )  (الإسراء: 36)

ويذكر الزمخشرى: أن المراد من هذه الآية هو النهى عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم (الكشاف).

فالحديث عن دور العقل فى الخطاب الدينى وتأويله التأويل الصحيح وتبليغه للناس يحتم علينا أن ننقد الآراء التى تستخف بالعقل أو تسخر منه أو تدعو إلى الاكتفاء بالنص، وتلك التى تجعل العقل والنص فى تعارض أحيانا، إن هؤلاء الذين يتمسكون بحرفية النص، ويعتمدون فى كل أحكامهم على النقل، ويهملون شأن العقل حتى ولو كان  ظاهر النص يقتضى التأويل، إنما يعطلون هذا النور الذى كرم الله به الإنسان، ومما لاشك فيه أن هذا التعطيل يؤدى مع الزمن إما إلى إغفال الدين لممارسة الحياة، أو إلى التقهقر فى شئون الحياة، والتحجر فى قوالب مغلقة تنافى روح الإسلام ومقاصده.

إن كتاب الله ملىء بالأحكام والاستدلالات العقلية، سواء فيما يتعلق بالأمور الغيبية مثل قوله تعالى:

( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)  (الأنبياء: 22)

وقوله تعالى: ( ما اتخذ الله من ولد وما كان  معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) (المؤمنون: 91).

أو فيما يتعلق بأمور الحياة الاجتماعية والاقتصادية مثل قوله تعالى: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) (الأنفال: 46)

وقوله تعالى (  يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) (البقرة: 172)

وآيات الأحكام التى تمثل نسبة معتبرة من القرآن جاءت كلها فى تنظيم المجتمع، مهتمة بحياة الفرد مفردا وعضوا فى جماعات الأسرة والإنتاج والتنظيم الاجتماعى والسياسى  إلخ..

ويغفل الحرفيون المتمسكون بظاهر النصوص أننا فى عصر سيادة العلم. وهو نتاج العقل،  وإن العولمة الزاحفة إنما تنتشر وتطغى باسم العلم، وإذا كنا لا نشارك العالم بعقولنا التى نعطلها فمما لا جدال فيه أن مكانة المسلمين فى العالم سوف تتدهور إلى أدنى مما هى عليه اليوم، إذ لم يعد بينهم وبين غيرهم ما هو مشترك إن هم أصروا على توقيف العمل بعقولهم.

إن هؤلاء ينسون أننا فى عصر تتصارع فيه قوى فكرية مختلفة واتجاهات حضارية متباينة وتحديات علمية كبيرة؛ ومجتمعنا الإسلامى عرضة لهذه القوى المتصارعة، ويعيش فى كل لحظة هذه التحديات التى تستهدف ابتلاعه أو اقتلاعه من جذوره، فإذا لم نستثمر عقولنا ونوظف أفكارنا فيما هو مسخر لنا ومتاح أمام قدراتنا، ونسعى إلى الأخذ بأسباب التقدم فلن يكون لنا وجود حقيقى فى المستقبل، ولن تكون لنا المكانة التى نتطلع إليها، بل قد تبلعنا العولمة التى تكشر عن أنيابها فى أيامنا هذه وتسعى لمحونا  وإزاحتنا من الوجود.

إن ما يطلبه الخطاب الدينى هو أن يعيش الإنسان الحقيقة الدينية عقيدة وفكرا وسلوكا وعملا، ويسعى إلى تجسيمها فى تعامله مع الناس ومع وقائع الحياة التى يحياها حتى يبرهن على أنه جدير بوظيفة الاستخلاف التى كرمه الله بها.

والأمر هنا يتعلق بمقاصد الشريعة التى ينبغى أن يؤسس عليها تفكيرنا. فالموازنة بين الأحكام هى التى تحدد ما ينبغى أن يُفهم من بعض المسائل التى لا يطرح فيها التأويل والاستنساخ  والاجتهاد أى إشكال عقائدى والتى يجب أن نعمل على تحيينها لتتلاءم مع التطورات ومع الظروف المتغيرة التى نعيشها.

إن إعمال الفكر فى المسائل الدينية المطروحة على مجتمعاتنا اليوم يحتم على العلماء القادرين على الاجتهاد أن يطوروا الأحكام، وأن يجعلوا من الأصول الدينية أصولا لحياتنا الفكرية والمادية، وسبيلا من السبل التى تكفل للمجتمع حياة كريمة وازدهارا قائما على الانسجام بين العقيدة والعمل بين الجانب الروحى وبين الجانب المادى للحياة يرفع شأنه بين الأمم.

إن إرادة التغيير نحو الأحسن جزء من الدين، ولكن هذا التغيير له ضوابط وسنن  يجب اتباعها، لأن هناك أسسا ثابتة لا يمكن للعقل الإنسانى أن يجرؤ على تغييرها أو تأويلها وإعطائها تفسيرا مخالفا للنص المتفق عليه . ولكن هناك أمورا متغيرة تتغير مع الزمان ومع الظروف ووفق تطورات الاكتشافات العلمية.

هذه الأمور هى التى يتوجه إليها الاجتهاد وتنصب عليها إرادة التغيير، فالقضايا التى تطرح فى المجتمع الزراعى القديم مثلا غير القضايا التى تفرض نفسها فى المجتمع الحديث الذى تحكمه ظروف متميزة وأوضاع خاصة، فالمجتمع الحديث يتميز- فى جوانب عديدة- عن المجتمعات التى عاشت فى العهود السابقة، فالقضايا التى يطرحها تنظيم البنوك والمؤسسات الاقتصادية وظروف التجارة ووسائل المواصلات وعلوم الاتصال تعد من المميزات التى لم تكن فى المجتمعات الزراعية. لذا يجب أن يراعى هذه الأوضاع فى التعامل مع المسائل الدينية بحيث تسن قوانين وأحكام ونظم مناسبة من غير أن يمس ذلك جوهر العقيدة، أو يحرف أصلا من أصول الشريعة، وحتى لا يترك المجتمع يتخبط فى قضايا مستجدة وقد لا يجد لها المواطن العادى حلا موافقا للآراء الغابرة، يجب أن ندفع بجهود الاجتهاد الجماعى إلى الأمام. بحثا عن الحلول المناسبة للعصر لأن الدعوة إلى هذا النوع من البحث الاجتهادى دعوة مشروعة يفرضها الواقع المتغير وتستوجبها تطورات وسائل الاتصال، وبفضل هذا الاجتهاد يتدخل العقل فى استخراج الأحكام المتعلقة بالمسائل الحياتية التى ترتبط بأمور التعايش والمبادلات والعلاقات وأنماط المعاملات.

مساوئ التبليغ:

ومما يعوق الخطاب الدينى عن تحقيق أهدافه والنفوذ إلى أعماق الإنسان الذى هو الهدف من هذا الخطاب ما يرجع إلى مساوئ التبليغ من جهة، وجهل الدعاة بروح الشريعة من جهة أخرى، فمن مساوئ التبليغ:

(1) حرص الدعاة على فرض الأفكار والقناعات الخاصة من غير أن يعتمدوا فى ذلك على الإقناع والمحاجة المنطقية والدليل اليقينى الذى يرتفع عن الظنون  والأوهام.

إن هذا النوع من التبليغ يرفضه القرآن ويتناقض مع الإرادة الحرة، فالقرآن يجعل الإكراه فى الدين أمرا مرفوضا لقوله تعالى:

( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى) (البقرة: 256)

وقوله تعالى:

( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (يونس: 99)

وقوله تعالى:

( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ) (الشورى:48)

(ب) طريقة التبليغ:

كثيرا ما يكون الأسلوب اللغوى المستخدم عائقا من عوائق فهم الخطاب الدينى، وكذلك المنهج المتبع فى عرض الحقائق الدينية والبرهنة عليها.

(جـ) تعطيل الاجتهاد:

فالداعية الذى يسعى لرفض التأويل وإعمال الفكر فى تحليل الخطاب الدينى والتقيد بحرفية النص هو إنسان يسعى لتعطيل الاجتهاد، وإلغاء العقل وتجميد الدين وعزله عن الحياة الاجتماعية.

(د) التضخم اللفظى والاندفاع العاطفى الذى لا يضبطه فكر ناضج ولا تخطيط دقيق للواقع المتميز بمناخه وتضاريسه وملابساته، تخطيط يراعى تمايز المخاطبين وتفاوت درجات وعيهم الفكرى، ونضجهم وحسهم الاجتماعى والحضارى.

ثانيا: جهل الدعاة:

- فالدعاة الذين يتطوعون فى الدعوة إلى الله قد يجهل بعضهم أساس الدعوة ومضمونها، والغاية التى يستهدفها الخطاب الدينى، فتكون دعوته مضللة.

- الجهل بالطرق والأساليب: قد يجهل بعضهم طريقة عرض الحقيقة الدينية وشرح الأحكام، فيستخدم أسلوبا منفرا، أو خاليا من أى منهج تربوى مما يكون سببا فى خلق الصراع بدل التفاهم والانسجام.

- إن الجهل بنفسية السامع أو المتلقى هو وجه من أوجه التبليغ السىء الذى لا يصل إلى هدفه.

- وهناك فرق بين المجتمع المسلم والمجتمع غير المسلم، فالأسلوب التبليغى الذى يستخدم فى هذا المجتمع، غير الأسلوب الذى يستخدم فى ذلك المجتمع، إذ الأسلوب الذى ينتهج فى المجتمعات الإسلامية هو الأسلوب الذى يقدم على تحليل النصوص واستخلاص الأحكام، وتأويل ما يقبل التأويل أو ما يجوز فيه التأويل، ويتوافق مع الأصول والمقاصد، وتلعب اللغة والتاريخ وغيرهما من العلوم الإنسانية دورا أساسيا فى اكتشاف المعانى واستنباط الحقائق وفهم الأحكام، أما الأسلوب المنتهج فى المجتمعات غير المسلمة فينبغى أن يقوم على الشرح الوافى لروح الإسلام، واستعراض مزاياه ومقاصده مع التركيز على الحوار وتحرى أساليب الإقناع المنطقى فى إطار ما يسمى بحوار الحضارات والديانات، ولا يمكن أن يكون كل ذلك إلا بالاعتماد على التفكير العقلى الصحيح.

فالخطاب الدينى الذى يتوجه إلى غير المسلم وإلى من ينكر الديانات أصلا يحاول تبصيره بحقيقة الإسلام كديانة سماوية ورسالة حضارية إنسانية؛ يعمد هذا الخطاب إلى حشد الأدلة التاريخية التى تؤكد أن محمدا صلى الله عليه وسلم- كان أميا، ثم يستعرض بعد ذلك ما ينطوى عليه القرآن الكريم من إشارات إلى حقائق علمية باهرة لم تكتشف إلا بعد قرون، كل ذلك لتأكيد إعجازه ومصدره الإلهى. هذا الخطاب يفتقر إلى منطق العصر الذى يراعى ذهنية المخاطب، لأنه يفترض فى هذا المخاطب أنه يؤمن ويسلم بالنبوة وبالوحى، ولكنه ينفيهما عن الرسول صلى الله عليه وسلم- بينما هو لا يؤمن بهما أصلا، لذلك يقتضى منطق العصر أن نبرهن له أولا بأن "الوحى" حقيقة لا تعارض العقل ولا تناقض العلم، وأن ليس هناك معرفة يقينية إلا فى الدين، أما فى غير الدين فإن الشىء الوحيد المؤكد هو النسبية، وأن العلم اليوم أصبح يستنير بحقائق الدين ويعلن عجزه عن تجاوز الوصف إلى التفسير، سواء فى تعامله مع الإنسان أو الكون والطبيعة.

إن التكوين الدينى فى المجتمعات الإسلامية يجب أن تتكفل به المناهج الدينية، إذ هى التى تربى الوعى الخلقى والدينى، وترشد السلوك الاجتماعى، وتوجه التفكير الملتزم، وترسخ العقيدة وتهذب الغرائز، وتبنى الشخصية المتكاملة التى يستطيع مجتمعنا المعاصر أن يواجه بها تحديات القرن الحادى والعشرين.

فعلى علمائنا ومفكرينا أن يعمقوا نظرتهم إلى واقع مجتمعاتنا، ويحاربوا من يسعوا إلى تجميد العقول وتهميش البحث ويجتهدوا فى البحث عن الوسائل والأساليب التى تمكن مجتمعاتنا من إيجاد قاعدة علمية متينة نواجه بها زحف العولمة، ونكون جيلا واعيا قادرا على مقاومة الجمود والانحرافات ومظاهر اليأس المتفشية فى المجتمع ليتمكن من الإسهام فى تغيير واقع أمته فى الاتجاه الذى يحقق لها العزة والكرامة.

إن الجيل الذى ندعو إلى إعداده هو الجيل الذى يبنى ذاته بذاته، ويستلهم فى ذلك أصول حضارته، ولا يدير ظهره أو يتجاهل حقائق الحياة من حوله، بل يتفتح على التجارب الإنسانية المفيدة التى تستجيب لحاجاته المتجددة من غير أن يفقد ذاته أو يخونه وعيه فيما يأخذ أو يترك (1)

وهذا هو الجيل الذى كان يناضل من أجله علماء الإسلام فى المشرق والمغرب. ونكتفى بالإشارة هنا إلى الأفكار التجديدية التى كان الشيخ "عبد الحميد بن باديس " فى الجزائر يركز عليها فى نشاطه الإصلاحى وجهوده التربوية، فلقد كان هدفه الأول هو الحركة التى خاضها مع جمع من العلماء وهو"بعث روح التجديد فى الفكر الإسلامى؛ وتحريره من الجمود" بحيث يصبح تفكير المسلمين واقعيا حديثا خالص من كل الشوائب، مستوعبا الأصول الدينية الصحيحة، وحقائق الحياة المعاصرة، وقائما على المزاوجة بين ما يقتضيه العقل، وما يرتضيه الشعور الدينى (الإيمان)، وفى هذا المجال ظل ابن باديس يصحح المفاهيم الدينية الخاطئة، وينقد التأويلات التى لم تكن قائمة على أساس صحيح، وليس لها سند علمى ولا تاريخى ولا منطقى، كما كان يهيب بالعلماء والمفكرين إلى استخدام العقل والمنطق والتاريخ حتى تصبح مواقفهم وآراؤهم جديرة بالاهتمام ومستمدة من الأصول الصحيحة. ومتوافقة مع العقل، وكان هدفه من كل هذا هو أن يسترجع الدين قوته وصفاءه ونفوذه على النفوس (2)

".. إن نظرة الإمام ابن باديس إلى الإسلام نظرة دقيقة وواقعية، قلَّ أن نجدها عند الكثير من العلماء، ذلك أن الحقيقة الإسلامية بالنسبة إليه لا تنحصر فقط فى العقائد والعبادات التى يلتزم بها الفرد التزاما شخصيا. ولا فى المعلومات والتعاليم التى تلقن للناس، ويوجه الاهتمام فيها إلى تربية وجدانهم، وتقويم سلوكهم، وتهمل فيها الجوانب المتعلقة بتنظيم حياة الناس، وتدبير شئونهم، وتحديد المسئوليات، وأساليب التحرك داخل المجتمع ومعه، والعلاقات التى تربط الفرد بغيره وبالمحيط الذى يعيش فيه، فالإسلام من هذا المنظور ليس اهتماما بالماضى والتراث، وإغفالا للحاضر والمستقبل، وليس انغلاقا على الذات وانقطاعا عن الدنيا والمتع والمشتهيات المباحة، فهو عند ابن باديس كما يقول: "دين البشرية التى لا تسعد إلا به لأنه يخدم الإنسانية فى جميع أجناسها، ويعترف بالأديان ويحترمها، ويمقت التعصب ويدعو إلى الأخوة والتعاون والكرامة الإنسانية لجميع الأجناس ويأمر بالعدل العام " (3)

إن هذه النظرة تنطلق من حقيقة تاريخية ودينية هى أن الإسلام ليس دينا خاص بالعرب أو سكان قارة من القارات أو جنسية من الجنسيات. إنما هو دين الإنسانية:

( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) (سبأ: 28).

فهو من هذه الزاوية يوازى العالمية لا بوصفه دينا يجب أن يأخذ به جميع الناس، ولكن بوصفه دينا يسع جميع الأجناس والمعتقدات. (4)

إن التجديد الذى يدعو إليه المفكرون والعلماء لا يمكنه أن يتم خارج العقل، أو يأتى مجانا للمصلحة الجماعية، أو منافيا للمنفعة الإنسانية، فالجانب النفعى يتمثل فيما جاء به الدين من أخلاق وعدالة وقيم، ولكن العقل هو الذى يستدعيها ويحدد دلالاتها ونوع النفع المستفاد منها، وهو الذى يطورها ويحين النظرة إليها إذا اقتضى الأمر.

الخلاصة:

لا يستطيع الخطاب الدينى أن يحدث الأثر المنشود فى المجال الفكرى والوجدانى والأخلاقى والحضارى إلا إذا كان الدعاة والممارسون للعمل التربوى والقائمون على نشر الفكر الإسلامى عالمين بفن القول وأساس التبليغ، وأصول الحوار، وكانوا يملكون القدرة العلمية والمنهجية التى تتيح لهم فهم الآخرين وإفهامهم، وتقديم البراهين التى تقنع غير المقتنع، وتعلم من ليس له علم، وتدفع المعارض إلى تغيير موقفه وتصحيح فهمه، وتجديد نظرته إلى الدين وإعطائه الدلالة الإيجابية التى تفرق بين ما هو من الإسلام بحسنه وبرهانه، وما ليس منه "بقبحه وبطلانه ".

إن الدعاة الذين يحتاج إليهم مجتمعنا اليوم هم الذين يسيرون فى تحليلاتهم وفى خطاباتهم وفق مقياس المنفعة والمضرة، والصواب والخطأ، إذ يمكن أن نجعل هذا المقياس منطلقا لتحليل بعض المسائل الدينية فى علاقتها بالمواقف الحياتية، تلك المسائل التى تطرح نفسها بهدف اتخاذ موقف منها.

فحينما نقول: إن ما ينفع الناس ويفيدهم فى حياتهم هو الحق، والحق جزء من الدين، وما يضر الناس ويؤذيهم، أو يقلل من شأنهم، فهو الباطل والباطل مناف للدين، وكذلك مقياس الخطأ والصواب، فيمكن أن نربطه بالمنفعة أو المصلحة العامة، فالذى يضر الإنسان هو الجهل والإلحاد والكفر وهى صفات منافية للدين، لأن الذى يوصف بهذه الأوصاف السلبية يفتقر إلى العلاقة الحميمة التى تربطه بخالقه، وإلى علاقة التعاون التى تربطه بالمجتمع كما يفتقر إلى التفكير الصحيح الذى ينتج العلم المفيد، هذا العلم الذى يرفع شأنه ويبصره بالطريق الذى يسلكه ويمده بالمعرفة التى تنهض بفكره، وترسم له النهج الذى يجعله يستجيب لدواعى الحياة المتفتحة المزدهرة العاقلة مصداقا لقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييك) (الأنفال: 24)

المراجع

(1) إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس. د. فضل ص 171.

(2) إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس. د. فضل ص 17.

(3) إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس. د. فضل ص 17.

(4) محمد الميلى: ابن باديس وعروبة الجزائر ص 84.

 

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع