الأساس
الإسلامى للتجديد وضوابطه
الشيخ/ الأمين
عثمان الأمين
مفتى
الديار- إريتريا
هذا البحث المتواضع الذى بين أيدينا، يشرح لنا كيف أن
الإسلام يصلح لكل زمان ومكان، وأن طول الزمان أو بعد المكان لا يؤثر فيه، فهو
يساير الجميع كل حسب ظروفه، وأحواله، جاعلا القواعد الشرعية ميزانه، وحتى يكون
المسلمون على بصيرة من دينهم أينما كانوا، سواء كان المسلمون بالولادة أو الداخلون
فيه حديثا فكلهم يحتضنهم ويسعهم ويحل لهم مشاكلهم. وهكذا يتناول البحث مرونة وسعة
الإسلام للجميع وأن لديه حلا لكل مشكلة.
إن اختيار موضوع تجديد
الفكر الإسلامى كان موفقا من القائمين على الشأن، فهو موضوع العصر والشغل
الشاغل لكثير من الناس الذين يظنون أن الدين شىء متجدد باستمرار ويعشقون كل ما
رأوه جديدا فى نظرهم، دون نظر أو تعمق فى مصدره وغايته، أو أثره على الحياة،
والأخلاق، أو أثره فى الدين والتدين ويعجبون بكل ناعق وزاعق بشىء جديد دون ترو، أو
نظر وبحث فيه، ويرون أن هذا الدين الذى بين أيديهم شىء قديم، عفا عليه الزمن ويرون
أن الصحيح أن يأتى دين جديد يناسب هذا العصر، أو أن يترك الناس بلا دين يتقيدون
بتعاليمه، ويلتزمون بسلوكياته.
والرأيان خطيران يخالفان
الفطرة التى فطر الله الناس عليها قال الله تعالى:
( فأقم وجهك للدين حنيفا
فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم، ولكن أكثر
الناس لا يعلمون ) (الروم: 30) فالتدين بدين هى الفطرة السليمة، وأما
ترك الناس لا يدينون بدين، فهو أيضا مخالف لما يريده الله من عباده أن يعبدوه،
وعبادته لا تتصور بلا دين، لأن الخالق الذى أنزل الدين هو الذى يرشد الناس إلى
كيفية عبادته تعالى، قال الله تعالى: ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما
مسرفين) (الزخرف: 5).
الدين
الإسلامى مجدد
فإن الدين الإسلامى جاء
مجددا للأديان السابقة قال تعالى: ( قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يفعل
بى ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى وما أنا إلا نذير مبين) (الأحقاف: 9)،
وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه البخارى
فى الأدب المفرد والحاكم والبيهقى ، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن مثلى
ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية
فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة
وأنا خاتم النبيين) رواه مسلم وأحمد.
تجديد
الدين فى النفس
وأن أهل الأديان السابقة قد حرفوا
ما جاءهم، وانحرفوا عن الطريق الصواب قال الله تعالى: ( ألم يأن للذين آمنوا أن
تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق
ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم
فاسقون) (الحديد: 16)، وفى هذا إشارة واضحة على أن أهل الكتاب قست قلوبهم لما
طالت المدة بينهم وبين أنبيائهم، وألا نكون مثلهم، أو نتأثر بطول المدة، وان نتعهد
قلوبنا بذكر الله والخشوع لطاعته وأن هذه القلوب تقسو إذا لم نتعهدها بذكر الله
وسلوك الطريق السليم والمنهج المستقيم حتى لا يخلق الدين فى نفوسهم، فتقسو قلوبهم
فتكون كالحجارة أو أشد قسوة قال الله تعالى: ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى
كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق
فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون )
(البقرة: 74) وقلوب هؤلاء الناس لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع.
جواز
الاجتهاد فى الأحكام
دليل على جواز التجديد
الاجتهاد فى الأحكام الشرعية
أمر ثابت ومعمول به منذ عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- ودلت عليه الأحاديث، مثل
أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما
أراد أن يبعث معاذا- رضى الله عنه- إلى اليمن أقال كيف تقضى إذا عرض لك قضاء، قال
أقضى بكتاب الله، قال فإن لم تجد فى كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله- صلى الله
عليه وسلم- ، قال فإن لم تجد فى سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا فى كتاب
الله؟ قال أجتهد ولا آلو، فضرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صدره وقال الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله
لما يرضى رسول الله) أخرجه أبو داود والترمذى وأحمد وفى هذا فتح باب الاجتهاد
ومنه ولج الأئمة المجتهدون إلى بحر الاجتهاد وغرفوا منه كل على قدر طاقته وملأوا
منه كل على قدر إنائه، وبثوا ما غرفوا إلى الأمة الإسلامية التى تتناقله من جيل
إلى جيل، وتتواصل اجتهادات أهل العلم، وتغوص لاستخراج الغرر والدرر واللآلىء من
سماحة الشريعة أفقها وما حدث من اجتهاد الصحابة واختلاف آرائهم فى صلاة العصر كما
روى ابن عمر- رضى الله عنهما- قال ( قال صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من
الأحزاب لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة، فأدرك بعضهم العصر فى الطريق فقال بعضهم لا نصلى حتى نأتيها
وقال بعضهم بل نصلى، لم يرد منا ذلك فذكر للنبى – صلى الله عليه وسلم- فلم يعنف واحدا منهم ) متفق عليه، فكل هذا وغيره اجتهاد فى حكم شرعى ،
فلو كان الاجتهاد غير جائز لكان الدين حرجا ومشقة ولا يستطيع الإنسان أن يؤدى ما
فيه حرج ومشقة قال الله تعالى: ( وما جعل عليكم فى الدين من حرج( (الحج: 78) ورد فى الجلالين فى تفسير الآية فى
ص (445): (أى ضيق بأن سهله عند الضرورات كالقصر والتيمم وأكل الميتة والفطر للمرض
والسفر) ويقول الله تبارك وتعالى: ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج )
(المائدة: 6) فالحرج مرفوع من هذه الأمة قال صلى الله عليه وسلم: "إنى لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية
ولكنى بعثت بالحنيفية السمحة" أخرجه أحمد وقوله صلى الله عليه وسلم لما
بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا
ولا تختلفا) متفق عليه، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر ولن
يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشىء
من الدلجة" متفق عليه.
التخفيف
فى التكليف
كل هذه مصابيح مضيئة تنير
الطريق الصحيح إلى التعامل مع الحنيفية السمحة، به يسترشد المسلم ويسير على هدى
مستقيم ، فلا حرج ولا ضيق فى الدين، فلا تصادفه صعوبة، أو مشقة إلا ويجد لها الحل
السريع، والبيان الشافى، فيذهب عنه الحرج والضيق، فإذا لم يجد الماء مثلا فلا حرج،
فالصعيد الطاهر معه يرفع عنه الحدث، وإن لم يستطع الصيام لمرض أو سفر لا حرج أن يفطر
ويقضى عند الاستطاعة ، وإن لم يستطع أصلا لا حرج يفطر ويفدى وهكذا كل التكاليف
سهلة وميسرة وكذا المحظورات أو المحرمات إذا اضطر إليها، لا حرج فله أن يتناولها
قال الله تعالى: ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير
الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) (البقرة: 173) وقد رفع الله عن هذه الأمة
الإصر والأغلال التى كانت على الأمم السابقة ولا تكليف فوق الطاقة قال الله تعالى:
( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا
إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا
ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا علي
القوم الكافرين) ( البقرة: 286) وقد روى: قال الله: قد فعلت، وقال صلى الله
عليه وسلم: ( إن الله تجاوز عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)
رواه ابن ماجة، فهذا الدين السهل السمح لا يليق به أن يكون جامدا متحجرا قاسيا لا
يلين.
أسباب انتشار الإسلام
فلسهولته ويسره، وظهور
عقيدته التى لا تعقيد فيها ولا غموض، ولأنها الفطرة التى فطر الله الناس عليها-
انتشر فى الآفاق بسرعة لم تعهد فى غيره من الأديان اعتنقوه باقتناع، واختيار
واعتنقته الأجيال المتعاقبة، ولازال ينتشر، ويعتنقه كثير من الشعوب والأفراد عن
دراسة ودراية، واقتناع، بالرغم مما أصاب معتنقيه السابقين الذين كانوا ينشرونه فى
كل مكان- من الضعف والتفرق، ماديا، وسلوكيا.
حالة المسلمين لا تدعو إليه
فليس لديهم القوة المادية
التى ترهب العدو وتسر الصديق، ولا السلوك الراقى الذى يدعو الناس إلى التخلق به
والى اعتناق الدين الإسلامى، فالسابقون كانوا يدعون إلى الإسلام بحالهم قبل مقالهم.
لم تستغل الثروة
لصالح المسلمين
وبالرغم من وجود القوة المادية بمعنى الثروة- لدى كثير
من المسلمين، فذلك لا يفيد إذا لم تستغل الاستغلال الصحيح، فى إيجاد القوة التى
ترهب العدو وتوقفه عند حده ويعمل ألف حساب عند إرادة النيل من الإسلام وأهله، ولم
تستغل للدعوة إلى الإسلام بالطرق الصحيحة الشرعية، وليس بالسلوك المشين الذى يمجه
الإسلام ويستنكره يلزم أن نستفيد عن هذه
الثروة التى فى بلاد الإسلام لصالح الإسلام وأهله، ولصيانة عزته وكرامته.
أسباب ضعف
المسلمين ونتيجته
ولكن أصبح أحدنا يستعرض على
أخيه عضلاته ويتعالى عليه ويستعمل ما لديه من قوة ضئيلة ضده ويحارب بها من يحاربه،
ويبدد ما يملك فيما لا يعود عليه إلا بالخراب والوبال، وأصبح المسلمون شيعا
وأحزابا، فأصبح عدوهم ينام قرير العين، ويفعل بهم ما يريد، فقد أصاب المسلمين
الوهن، الذى أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: " توشك
الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟
قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم
المهابة منكم وليقذفن الله فى قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟
قال: حب الدنيا وكراهية الموت"
رواه أبو داود وأحمد، صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقد كان
السابقون يحرصون على الموت حرصنا- نحن المسلمين فى هذا العصر- على الحياة، وبذلك
نالوا سعادة الدنيا بالعزة والنصر، وسعادة الآخرة السعادة الأبدية.
حالة
الداخلين فى الإسلام
فبالرغم من كل ما أصاب
المسلمين- فى العصور الأخيرة- من الضعف المادى والسلوكى فإن الإسلام مازال يزحف
إلى كثير من الأفراد والجماعات عن حسن اقتناع، لأن عقيدة الإسلام وآدابه تدعوان
إليه ولكن الكثير من هؤلاء يأسفون من حالة المسلمين الأخلاقية- التى قرأوها فى الكتب
أو سمعوا عنها ودرسوها- ولا يجدونها فى أخلاق المسلمين، وقد كان أحدهم يمنى نفسه
أن يكون أحد هؤلاء المسلمين الذين قرأ عنهم أو سمع عن هذه الأخلاق العظيمة
للمسلمين، فلا يجدها لديهم فيأسف ويصاب بالإحباط ولكنه يظل متمسكا بعقيدته التى
اعتنقها عن اقتناع، ويسلى نفسه بأن هؤلاء الناس وإن كانوا مسلمين عقيدة، إلا أنهم
لم يلتزموا بأخلاق الإسلام، ويحاول هو نفسه ليطبق الإسلام الذى درسه على نفسه
وأهله. وهكذا صار الإسلام غريبا عند أهله القدماء قريبا من معتقنية حديثا.
الإسلام يسع الجميع
إن الإسلام أصبح يزحف إلى كل
بلد وقطر و إلى كل الفئات والأعراق، وإلى مختلف الأعراف، والتقاليد، و إلى كل مكان
قريب أو بعيد لأنه دين الإنسانية الوحيد الذى يدخل فيه الناس باستمرار و إن
الإسلام يسعهم جميعا و يستوعبهم كلهم لا يضيق بهم ذرعا فيأنسون به ولا يجدون
أنفسهم غرباء عنه، بل كما أشرنا سيجدون أنفسهم من أقرب الناس إليه، فيجدون راحة فى
أنفسهم، واطمئنانا فى قلوبهم، ثم يدعو أحدهم بدوره للإسلام، وإظهار محاسنه، وشرح
ما يشكل على الراغبين فيه مما كان يعانى منه هو نفسه، فيصبح خير داعية لخير دين،
ويكون حثه وشرحه مقبولا ومقنعا لدى الراغبين فى معرفة الإسلام أو اعتناقه.
من دواعى التجديد
اتساع رقعة الإسلام: فقد اتسعت
الأقطار الإسلامية، وتعدد الداخلون فى الإسلام: فى أفكارهم وأعرافهم، ونظمهم وتغير
الزمان و يأتى كل يوم بجديد، من أنظمة، وأعراف لم تكن معروفة، وقد تكون ضرورية
لهم، وأن مصالحهم لا تستقيم بدونها، فالإسلام لا يضيق بهم ذرعا ولا بما فيه مصلحة،
ولا يصادم الشريعة السمحة، ومقاصد الشرع الحنيف، فالتشريع الإسلامى إنما هو لجلب
المصالح ودفع المضار عن الناس، قال الله تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد
بكم العسر) (البقرة: 185) وقال صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار
" أخرجه ابن ماجة وأحمد، وقوله صلى
الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته"
رواه أحمد.
التيسير يتبعه التجديد
وهذا التيسير والسهولة فى
الدين يتبعه التجديد الذى نتحدث عنه لأن فى التجديد طريقا إلى التيسير فى الدين،
فالإسلام كعقيدة لا تجديد فيه وأما التجديد كسلوك، وحياة صاعدة لابد من التجديد
لمواكبة الحياة دائما، فالفكر الإسلامى هو نفس الحياة المتجددة، بل الحياة نفسها
من حيث أنها الفطرة السليمة التى فطر الله الناس عليها، ولا يفرق بين الإسلام
والحياة الصاعدة التى لا تقف عند حد معين على الطريق السليم الذى لا يعتريه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه، ولا حياة سليمة ومستقيمة بلا إسلام ولا إسلام بلا حياة
سليمة مستقيمة، والحياة متجددة والإسلام هو الحياة فهو متجدد فطريا، فالحياة بلا
إسلام حياة بهيمية حيوانية شرعتها شرعة الغاب لا تصلح إلا للقردة والذئاب ومن على
شاكلتهم ممن يلبسون الثياب.
يقول الدكتور/ الزحيلى فى
كتابه: "الاعتدال فى التدين" ص (233): (والحكمة من التيسير
ورفع باب الحرج وفتح الرخص هو التخفيف عن العباد، والاقتصاد فى التدين، والاعتدال
فى الأحكام، والتوازن فى المصالح، والرغبة فى استمرار المكلف بالسير على منهج الله
والصراط المستقيم ).
عموم
الرسالة يستدعى التجديد
وهذا الاتساع فى رقعة
الإسلام وتعدد أجناس الداخلين فيه يصدق فيه قول الله تعالى: (وما أرسلناك إلا
كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (سبأ: 28) فإذا كانت رسالته
عامة للناس جميعا، فأحكامه وتشريعاته عامة لجميع الناس أيضا، وليست لفئة دون أخرى،
بل لكل الناس وفى كل زمان ومكان، إذ لا نبى بعده صلى الله عليه وسلم ولا شرع بعد
شرعه، فهو دين الإنسانية كافة إلى قيام الساعة، وهذا من أهم أسباب التجديد حتى
يساير جميع الإعصار والأمصار ليحتوى التشريع الإسلامى كل الداخلين فيه وتسير على
نهجه كل الشعوب المتعددة وتجعله هاديها تستنير بنوره وتستهدى بهديه، وليس المراد
أن هذه الشعوب الداخلة فى الإسلام أن يضيع معها الإسلام وتخضعه لأعرافها
وتقاليدها، ولو كانت تنافى تشريعه، وتصادم تعاليمه، كلا بل المراد أن ينضوى هؤلاء
الداخلون تحت أحكامه وتشريعه، وإذا كانت هناك أية مشكلة يتعرض لها هؤلاء الناس،
فإنهم سيجدون الحلول الكافية الشافية، دون مساس بتعاليم الدين الثابتة والقطعية،
هذه الحلول لا يتعرض إليها إلا من لهم القدم الراسخة فى العلوم الشرعية، والكفاءة
المعترف بها. قال الله تعالى:( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (
الحجر:9) وقال عز من قائل حكيم: ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم
لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) (النساء: 83).
تجديد الدين
فى المعاملة
بعد أن يجدد الإنسان الدين
فى نفسه بذكر الله والخشوع بعبادته، ويخرج عن دائرة قساة القلوب، ثم يجدد معاملته
مع الناس من حسن إلى أحسن، مسترشدا بكتاب الله ومهتديا بسنة نبيه صلى الله عليه
وسلم التى أرشدتنا إلى خير المعاملات وأفضلهما بمثل قوله صلى الله عليه وسلم:
"الدين النصيحة، قلنا لمن، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"
متفق عليه، وغيرها من الإرشادات والتوجيهات المنبثقة من مشكاة كتاب الله ونور
النبوة، وذلك بأن يعمل ويحاول أن يصلح كل ما يجده قد فسد، أو انحرف عن الطريق
القويم فيما بينه وبين الناس، أو فيما بين الناس بعضهم ببعض، ويدخل فى هذا الأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن النفس إذا لم تجد التذكرة تجدد بها ما ضعف فيها من
الخشوع ولين القلب تخبو فيها شعلة الإيمان والتقوى، ولذلك شرعت لنا الصلوات الخمس
فى كل يوم وخطبة الجمعة التى تذكر الناس فى كل أسبوع (
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) (الذاريات: 55) فالذكرى الأسبوعية تعتبر
تجديدا للدين، وكذا السنوية فى العيدين، فالتجديد كما أن له توجيها وإرشادا إليه
من القرآن الكريم يقول الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله
والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ) (النساء 136) دوموا
واثبتوا على إيمانكم ، كذلك أرشد إليه النبى صلى الله عليه وسلم بمثل قوله صلى
الله عليه وسلم :"جددوا إيمانكم، قيل يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله" رواه أحمد.
المجددون
ولقد اقتضت حكمة الله العلية
رحمة بهذه الأمة وعناية بها أن يبعث لها من يجدد لها دينها، يقول النبى صلى الله
عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها
دينها" رواه أبو داود. وقد ذكر بعضهم عن المجددين للدين فى رأس كل مائة
سنة فالمجدد فى رأس المائة الأولى كان خامس
الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز- رضى الله عنه- وعلى رأس
المائة الثانية الإمام الشافعى- رضى الله عنه- وهكذا فان الأمة لا تخلو عن مجدد أو
مجددين ولا يلزم أن يكون المجدد واحدا فقد يتعدد، ولابد أن يتعدد لزيادة عدد الأمة
الإسلامية وترامى أطراف أقطارها وتنوع المستحدثات التى تحتاج إلى التشريع الجديد،
المبنى على أساس من منابع التشريع الأصلى، والتى تواكب العصر وتحل مشاكله، وتوضح
الطريق الصحيح فيجدون الحلول المطلوبة فى هذا التشريع الجديد، مع الاحتفاظ بأصل
التشريع وعدم الخروج عنه، وإلا فلا يكون تجديدا، إنما هو، ميول عن الحق، وضلال عن
الصراط المستقيم أو تحريف لنصوص ثابتة من الكتاب والسنة وهذا شر ما بعده شر، فنكون
كالأمم السابقة الذين غيروا وبدلوا، بعد أنبيائهم، ولكن الله تعالى قد حفظ هذا
الدين بكتابه- وسنة نبيه وجميع أصوله، قال الله تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر
وإنا له لحافظون ) (الحجر: 9) وأن التجديد الذى أشرنا إليه هو من أسباب هذا
الحفظ لهذا الدين وكتابه المجيد.
ومن أسباب حفظ هذا الكتاب أن
كانت الصلاة لا تصح إلا بتلاوة آيات منه والعجيب أن أى أعجمى لا يفقه شيئا عن
اللغة العربية تجده يقرأ القرآن الكريم على قدر استطاعته، بل إن بعضهم يحفظه
ويرتله ترتيلا، بل وبصوت جميل جيد، وهذا من معجزات وآيات هذا الحفظ لهذا الكتاب،
وأما لو تحدثنا عن حفظه من التغيير والتبديل والشواهد على ذلك فلن نوفيه حقه،
وإنما عرجنا على هذا للإشارة السريعة إلى أن الحفظ المعجز للكتاب هو من مقومات التجديد
الذى لن يحيد عن الكتاب المجيد لأنه محفوظ ولا يتناول ألفاظه وأحكامه المحكمة أى
تبديل باسم أى مسميات تجديد أو غيره.
أحكام
الدين ثابتة
لا يقال: إن الإسلام أحكامه
محكمة وثابتة بالكتاب والسنة، وهذان لا يدخلهما أى تجديد وهو صالح لكل زمان ومكان،
فهو كما كان فى عصر النبوة سيستمر إلى آخر الدنيا وإلى أقصى الدنيا والتجديد يناهض
ذلك. لا يقال ذلك، لأن التجديد المراد ليس نسخا أو تغييرا لأحكام الإسلام المحكمة،
فتلك لا يدخلها تغيير أو تجديد، والمراد من التجديد العمل على مسايرة العصر دون
مساس بالأحكام المحكمة، والمراد بمسايرة العصر، النظر فى الأمور المستجدة والأشياء
المستحدثة، أمور لم تكن فى عصور التشريع، ومن معانى التجديد- فى نظرى- النظر فى
هذه الأمور المستحدثة وأرجاعها إلى ما يشابهها من الأشياء فى العصور السابقة
لإيجاد الحكم المناسب لها حتى لا نقف حيارى فى أمور ديننا، إذ ليس من الحكمة، ولا
من روح الدين الإسلامى الوقوف على القديم وعدم الأخذ بما استجد من معاملات، فإن
ذلك يجعل المسلمين فى عزلة عن العالم الذى يعيشون فيه بل يكون ذلك سببا لعزوف كثير
ممن يرغبون فى اعتناق الإسلام، فيجب على المسلمين أن يظهروا محاسن الإسلام، وأنه
صالح لكل زمان ومكان، فإذا لم يكن هناك سعة صدر لتقبل ما استجد من أمور و إيجاد
الحكم المناسب لها فلن يكون صالحا لكل زمان ومكان، ويقول الدكتور القرضاوى فى
كتابه: "الاجتهاد المعاصر" ص (6): ( فالحاجة إلى الاجتهاد- إذن- حاجة
دائمة مادامت وقائع الحياة تتجدد، وأحوال المجتمع تتغير وتتطور وما دامت شريعة
الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، وحاكمة فى كل أمر من أمور الإنسان)، أ.هـ وليس
معنى التجديد إهمال الأحكام الثابتة المحكمة بل هى الأساس الذى نبنى عليه التجديد
المراد هنا وبدونها فلا تجديد، بل هدم وتقويض لهذا الصرح الشامخ، وهذا محال
بالنسبة لهذا الذكر الذى تكفل الله تعالى بحفظه.
فكلمة هذا الدين صالح لكل زمان ومكان: قد اختلف الناس
بالأخذ بها، فمنهم من أخذها على أن هذه الأحكام الواردة فيها غير قابلة للتغيير أو
التبديل، فهى تؤخذ كما هى نصا، ولا يقاس عليها غيرها، فنأخذ بها فقط ولا نأتى بأى
حكم يشابهها أو يقاس عليها، لذا ننبذ كل شئ سواها. وهذا جميل فى ظاهره، خطير فى
نهايته فجماله من حيث التمسك بهذه النصوص
الشرعية من الكتاب والسنة ونبذ كل ما عداها، وهذا جميل وهو المراد أصلا ولكنه خطير
من حيث أن هذه النصوص لا يقاس عليها، وألا نبحث فى أى شىء مما استجد وننبذه وراءنا
ظهريا، دون نظر إلى مصلحته، أو فائدته أو ضرره
وهذا الرأى ضرره أكثر من نفعه، حيث سيجعلنا فى عزلة تامة عما يجرى من
حولنا، وهو جمود لا يقره الإسلام، ولا يرضى به لمعتنقيه، وخروج عن سنة الحياة
المتطورة التى لا تقف عند حد، بل كل يوم هى فى جديد وتجديد: جديد لم يكن، وتجديد
لما كان. وفريق يرى أن الحياة مادامت كل يوم تأتى بجديد، فهذا الدين الذى قلتم إنه
صالح لكل زمان ومكان لن يكون صالحا مع كل جديد، فالدين ثابت لا يتغير ولا يتطور،
فهو غير صالح لكل زمان، بل لابد أن يأتى كل يوم بجديد جدة الحياة يناسب الحياة
الجديدة، والمتجددة، ولا معنى لوقوفنا جامدين مع القديم لا نعدوه ، وإلا تخلفنا
وكنا فى مؤخرة الركب، بل ولسنا فى الركب- لا فى مؤخرته ولا وسطه بدلا أن نكون فى
مقدمته كما هو حالنا الآن ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وهذا الفريق أخطر من الأول،
فهو بتوجهه هذا، لا يريد الدين أصلا ولا تجديده
إنما يريد هدم الدين والتخلص منه- إن استطاع- فهو إما مدسوس فى الدين، أو
مغتر بما لديه من قشور المعلومات التى لا تتصل بالدين، فالجاهل إن كان كل مرضه هو
الجهل يمكن أن يعلم، ويؤخذ بيده، ويبين له ما خفى عليه، ويعلم ما جهله ويوضح له ما
اشتبه عليه. وأما المدسوس فى الأمة فخطره عظيم، فهو ممن قال الله فيهم: ( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذى أنزل
على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) (آل عمران: 72)، فقد
باع دينه بدنياه، واتبع هوى الجهة الممولة، والمغذية للمشروع، بتأليف كتب مضللة،
أو رد على كتب علمية سليمة، أو القيام بمحاضرات، وترتيب تجمعات، وبناء مدارس لهذا
الغرض ومن مفاسدهم وطرقهم إلى هذه المفاسد الطعن فى الأحاديث الصحيحة للتوصل بها
إلى النيل
من
الإسلام أو تصحيح الأحاديث الضعيفة لنفس الغرض، ثم انتقاد التشريعات الإسلامية،
وزعم أنها غير صالحة فى زماننا هذا، وأمثال هؤلاء إذا كان غير مسلم فأمره هين،
وهدفه بين ولسنا فى حاجة إلى كبير عناء للرد عليه، وتحذير الناس من كلامه، فحاله
دال عليه وظاهره شاهد على هدفه، فهو إنما يريد أن يكيد للإسلام الذى يغيظه ظهوره على
سائر الأديان قال الله تعالى: ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله
إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على
الدين كله ولو كره المشركون ) (التوبة: 32-33)، وأما إذا كان مسلما ومغترا
بحصيلة مزجاة من العلم، فهو الذى نحتاج إلى بعض الجهد للرد عليه أو رده عن ضلاله،
لأنه مغتر بشىء لديه، ولن يتراجع بسهولة، بل قد يشتط فى اتجاهه، وقد يغتر به بعض
البسطاء ، ويجعلونه إماما ومجددا (إلخ..) الألقاب الفضفاضة، لذا يلزم تكثيف الجهد
لحفظ الناس عنه ممن ليس لهم دراية بالدين أو هم متأثرون بثقافات أجنبية، ومعجبون
بها، ويرون فيها المثل الأعلى فى كل شىء: السلوك، والتشريع وغير ذلك وهؤلاء عليهم أن يأخذوا من الثقافة الإسلامية،
والعلم الإسلامى بقدر ما أخذوا من الثقافة الأجنبية، ثم ينظروا محاسن الإسلام، وما
حواه من التشريعات والأخلاق السامية، ويبحث فى كنوزه، ويستخرج درره ويتصل بأهل
العلم ويطالع كتبهم، لعل الله يذهب ما عنده من الاغترار بالثقافة الأجنبية، إذا
اكتشف ما فى هذا الدين من الكنوز الثمينة التى كان يجهلها، فالإنسان عدو ما جهل
قال الله تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (النحل: 43).
الخلاصة
يرتكز الدين على ثلاث ركائز:
العقيدة والعبادة والمعاملة، فالعقيدة محكمة لا يدخلها تجديد ولا اجتهاد، وكذا
العبادات فيما فيه نص قطعى الثبوت وقطعى الدلالة، ويدخل الاجتهاد عدا ذلك مع
مراعاة مقاصد التشريع وروحه.
وأما المعاملات،
فيمكن أن يدخلها الاجتهاد والتجديد فيما لا نص فيه أو فيه نص محتمل إلى غير ذلك
مما توسع فيه العلماء. فقد ذكر العلماء أمورا جعلوها مجالا للاجتهاد، والتوسعة فى
التشريع مثل: الاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وقعدوا قواعد فقهية مثل:
الضرر يزال، والضرورات تبيح المحظورات، ارتكاب أخف الضررين، الضرورات تقدر بقدرها،
إذا تعارضت مفسدتان روعى أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما، الغنم بالغرم، إلى غير ذلك
مما وضعه العلماء جزأهم الله خيرا. وأن أى أمر مما ذكر لا يقرره ولا يطبقه إلا من
له الأهلية من أهل العلم، وبلغوا درجة الاجتهاد، ولا يجوز أن يتحدث فى أمور هذا
الدين كل من هب ودب، فكما لا يتدخل فى أمور الطب مثلا إلا من له الأهلية الكافية
فى الطب، لا يجوز أن يتكلم فى الدين إلا من له الأهلية الكافية له فيه. ولكن
للأسف، أصبحنا نجد من يتكلم فى الدين أكثر ممن لم يتخصصوا فى العلوم الدينية،
ويصدروا آراء وفتاوى لا تمت إلى الدين بصلة، وليس لها مصدر صحيح فى الشريعة، فيجب
أن يمسك من ليس له الأهلية والتخصص فى الدين عن التدخل فيما ليس من اختصاصه، وأن
يعطى القوس باريها.
اقتراحات وتوصيات
ا- أن يمسك بعض الناس الذين
يتكلمون فى الدين ممن ليسوا متخصصين فيه.
2-
على الناس ألا يأخذوا بقول كل قائل، قبل أن يتأكدوا من
المصدر ومن القائل وعن مدى علمه وأهليته.
3-
على العلماء من أهل العلم والكفاءة والتخصص فى الدين، أن يكونوا مجمعا عاما أو
خاصا بهم، ليلجأ الناس إليهم فى كل أمورهم الدينية.
4-
أن ينظر هؤلاء العلماء إلى مشاكل العصر، من الوجهة الشرعية ويصدروا فيها فتاويهم ،
ولا ينتظروا حتى يأتيهم السؤال.
5-
وعليهم أن يدرسوا كل قطر على حدة من الأقطار التى يوجد فيها مسلمون من النواحى
الدينية وينظروا ما يصادفهم من مشاكل دينية، ويصدروا إليهم التوجيهات الشرعية
فيها.
6-
أن يقوم هؤلاء العلماء بدور الدعاة أيضا، فيقوموا بشرح الأمور التى يتخذها أعداء
الإسلام وسيلة للنيل من الإسلام وتشريعه الحكيم. أو بتزوير التاريخ الإسلامى ،
ليشوهوا الصورة الإسلامية الوضاءة، فالكثيرون فى أرجاء العالم لم يصلهم الإسلام
إلا مشوها وعلى غير صورته الحقيقية، كما أن الكثير من المسلمين لا يعرفون من
الإسلام ألا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه .
7-
على أولياء الأمور فى الأقطار الإسلامية أن يهيئوا لهؤلاء العلماء الظروف المواتية
ويوفروا لهم ما يحتاجون إليه لمثل هذا العمل الجليل.
والله ولى التوفيق، وصلى
الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
المصادر والمراجع
1-
القرآن الكريم
2-
تفسير الإمامين الجليلين العلامة جلال الدين المحلى والعلامة جلال الدين السيوطى،
الناشر: دار المعرفة، بيروت- لبنان.
3- الأحاديث الشريفة (الكتب التسعة).
4-
عوامل السعة والمرونة فى الشريعة الإسلامية.
للأستاذ الدكتور يوسف
القرضاوى، اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال الشريعة الإسلامية بدولة
الكويت.
5-
الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط.
للأستاذ الدكتور يوسف
القرضاوى، الناشر دار التوزيع والنشر الإسلامية- القاهرة، طبعة 4 41 1 هـ- 1994 م.
6-
الاعتدال فى التدين فكرا وسلوكا ومنهجا .
للدكتور
محمد مصطفى الزحيلى، الناشر كلية الدعوة الإسلامية بالجماهيرية الليبية، الطبعة
الثالثة.