ضرورة الاجتهاد وضوابطه
الأستاذ/ عبد المجيد الخونى
الأمين العام
لمؤسسة الخوئى الخيرية
لندن-
المملكة المتحدة
مقدمة:
الاجتهاد هو النبع الفياض والرافد الغزير الذى لابد منه، ولا يمكن الاستغناء عنه بوجه من الوجوه حيث
يمد الدين وأحكامه بالحياة والاستمرارية فى البقاء، ولا
يمكن التصور لبقاء واستمرارية شرع لا يمكنه تلبية حاجات معتنقيه بما يتماشى مع
تجدد العصور وتجدد الوقائع والحوادث، وخاصة ما نراه فى
عصرنا الحاضر من سرعة التحرك والنمو المطرد فى مجالات
الحياة المختلفة ومن جوانبها المتعددة الإنسانية والسياسية والاقتصادية
والاجتماعية والغذائية والدوائية وما إليها، وسرعة التطور التكنولوجى
باستحداث الآلات والأدوات التى تسير المجتمعات وتسهل
عليها ما كان يعتقده البعض فى
الماضى القريب بأنه من المستحيلات، مع معرفتنا بأنها-
وفى جوانب أخرى كثيرة- أصبحت تعقد وتكدر العيش السليم للفرد والأسرة والمجتمع.
فقضايا حقوق
الإنسان ومعاملات البنوك الربوية ، وموضوع التأمين على
الحياة أو الأموال، ومشاركة عموم الناس فى السياسة
والحكم وغيرها من المسائل كأنواع الأغذية المنتجة من الكيماويات، والأدوية التى تشتمل على المحرمات إلى مسألة نقل الأعضاء من إنسان إلى
آخر يحتاجه، فضلا عما يعرف بالهندسة الوراثية وعلم الجينات وتغيير الجنس،
والاستنساخ البشرى وغيرها من المواضيع المستجدة التى لا
حد لها ولا حصر فضلا عما ستواجهنا مستقبلا، كلها من المسائل التى
تفرض نفسها على واقع المسلمين وعليهم التعايش والتعامل معها وضرورة معرفة
مشروعيتها من عدمها.
ويقع على عاتق علمائهم مسئولية البحث فيها والوقوف على
تفاصيلها واستنباط الأحكام الشرعية لها من الأصول العامة للفقه الإسلامى المتمثل فى مصدريه
الأساسيين القرآن الكريم والسنة، لإيجاد الحلول المناسبة لهذا الواقع وبيان رأى الشرع فيها، وما ينبغى على
المسلمين عمله تجاهها. وهذا هو الاجتهاد الذى لا مفر
ولا مناص عنه و إنما هو ضرورة لا محيص عن الرجوع إليه، شئنا أم أبينا، ولكن بمعرفة
قواعده وتفاصيل أحكامه وأنواعه ومن يجوز له البحث والاجتهاد دون غيره والشروط
اللازم تحققها فيه.
ومن هذا نعرف
معنى التجديد والتغيير فى بعض الأحكام الاجتهادية من
قبل بعض الفقهاء السابقين واختلاف آرائهم التى أصبح من
الواضح بطلان بعضها وعدم إمكانية قبولها بحال، حيث الرأى
لا يستند إلا بالأدلة فلو ظهر بطلان بدليل أقوى فلا مناص من الأخذ بالدليل وإمعان
النظر فيه، وهذا لا يخرج الحكم عن شرعيته وإنما هو رأى شرعى
مستنبط مقابل رأى، ومن هذا نعرف عدم إمكانية الاكتفاء والوقوف على ما حكم به السلف لمجرد أنهم أسبق منا زمانا، فلربما
نتفق معهم أو نختلف حسب الأدلة والبراهين لهم أو عليهم، كما هو شأن من يأتى من بعدنا.
وبحث هذه الأمور
كلها إنما هو لمواكبة العصر و إثبات أن الإسلام حى صالح
لكل زمان ومكان، وأنه خاتمة الأديان، ولا يتأتى إلا بفضل الاجتهاد وضرورة فتح بابه
الذى هو ركن عظيم من أركان الشريعة حيث به دوامها وحيويتها وتفاعلها مع كل التطورات المستجدة. كما هو
السبب المهم فى انتشار الدين فى
المجتمعات، وهو من أفضل ما يتقرب به العلماء إلى الله
سبحانه وتعالى.
وإذا كانت الظروف السياسية قد حكمت علينا بمنعه وغلق
بابه لأسباب قد نعلم بعضها ونجهل بعضها الآخر وفى زمن سابق على زماننا أكثر من
عشرة قرون نأمل فى زماننا هذا، ومن خلال هذا المحضر
الشريف الذى يضم نخبة مميزة من علماء المسلمين ومفكريهم
من المذاهب والمدارس المتعددة ومن هذا المكان المبارك، الأزهر الشريف، المدرسة
الإسلامية العريقة، أن تتم الدعوة إلى الإعلان عن فتح باب الاجتهاد من جديد،
وضرورة الاستمرار فيه وحث العلماء على القيام بدورهم اللازم فى
إثراء الفقه الإسلامى باستنباط الأحكام وبيان أدلة
الأحكام من الأصول العامة ببذل الجهد والبحث والتدقيق لتعريف الأمة مسائل دينها
وما يرتبط منها بأحكام دنياها، والذى لا يمكن التغافل
عنها بحال أو الاكتفاء بما صدر من علمائها فى غابر
الأزمان، وهى أمنية تراود معظم المسلمين إن لم يكن جميعهم.
كما وأدعو الأزهر الشريف إلى
المبادرة لوضع دراسة معمقة لفتح كلية الاجتهاد فى
جامعتها بوضع الشروط والقواعد، لضبط المنهجية العلمية الدينية اللازمة لهذه
العملية، ضمانا لعدم إفلات زمام المبادرة من المركز الصحيح إلى العموم ليتدخل فيه
كل من هب ودب، ولتختلط النوايا السليمة بنوايا من يتربصون بهذا الدين وبأمته، وبالتالى العمل على خلط الأوراق الصحيحة بالفاسدة للنيل من
الإسلام وأحكامه على أساس أنهم مجتهدون يحق لهم إبداء الرأى
والنظر مقابل الآخرين.
أحكام الدين والاجتهاد:
منذ ظهور الإسلام ونزول
دستوره- الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه-
على صدر النبى الأكرم محمد- صلى الله عليه وسلم- من قبل الله سبحانه وتعالى، عن طريق الوحى بواسطة الأمين جبريل وإعلام الرسول ذلك إلى أمته لبيان
أحكام دينهم ومستلزمات حياتهم فى جميع شئونها، وكان
بحضوره بين الناس هو الحكم الفصل فيما يرتئيه وفيما قد يختلف حوله المسلمون، فهو
مبين أحكام الدين بقوله وتصرفاته، وموافقته على ما يعمله الآخرون ما لم ينههم،
فأصبح بذلك القرآن وسنة رسول الله قولا وفعلا وتقريرا هما الحكم الشرعى بعينه، إلا أن الخلاف قد حصل بعد وفاته صلى الله عليه وسلم حول من ينبغى أخذ
الأحكام منه؟ وكيف
يمكن للمسلمين معرفة حكم المستحدثات من المسائل؟ فاجتهد قوم وخالفوهم فى ذلك آخرون فانقسم المسلمون سنة وشيعة.
وقد بدأ الاجتهاد عند
المسلمين فى الحكم على أساس الشورى مستندين فى ذلك إلى النص القرآنى( وأمرهم
شورى بينهم ) (1) وباعتبار عدم وجود نص صريح من النبى-
صلى الله عليه وسلم- على من يخلفه فى نظرهم، وجواز الاجتهاد بالرأى،
مستمرين فى ذلك وواضعين له أسسا وقواعد وشروطا اتفق
عليها بعض واختلف حولها آخرون، فكان هناك أئمة ومدارس فقهية متعددة لكل منهم
اجتهاده فيما يراه وفق شروطه فى استنباط الأحكام من
المصدرين الأساسيين حتى أمر القادر بالله العباسى سنة
381هـ أربعة من العلماء أن يصنف كل واحد منهم مختصرا على مذهبه، فصنف الماوردى الشافعى كتاب الإقناع
وصنف أبو الحسين القدورى مختصرا على مذهب أبى حنيفة،
وصنف أبو محمد عبد الوهاب بن محمد نصر المالكى مختصرا،
ولم يعرف من صنف على مذهب أحمد بن حنبل. ولما عرضت على القادر قبلها وأمضى العمل عليها
(2). وقبل فعل ذلك لئلا يوجب كثرة الخلاف بين العلماء فى
الآراء قلة الوثوق بالشريعة المقدسة، فتلحق بالأناجيل المبتدعة، فتقررت المذاهب
الأربعة عند الدولة رسميا ومنع الاجتهاد فى غير هذه
المدارس. ومن هنا بدأت مسألة غلق باب الاجتهاد عند السنة .
أما الشيعة الذين رفضوا
الاجتهاد ابتداء لاعتقادهم بوجود النصوص الدالة على ذكر الأوصياء من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وهم الأئمة إلا ثنى عشر
المعصومين من آله صلى الله عليه وسلم. فهم الذين لهم
الحق وحدهم فى بيان الأحكام وعلى الآخرين جميعا اتباعهم، حتى زمن الغيبة الكبرى للإمام الثانى
عشر بوفاة رابع السفراء أبو الحسن على بن محمد السيمرى
المتوفى سنة 329هـ ومن ثم انقسموا بين متحفظ ومتوقف على الأخبار الواردة عن النبى صلى الله عليه
وسلم والأئمة فقط، ولم يفسح المجال لإبداء الرأى والنظر فى غيرها من المسائل
وعرفوا بالإخباريين.
إلا أن أكثر الشيعة اعتبروا
ضرورة الاستمرار لمعرفة الأحكام المستجدة بفضل وجود الكتاب المصان من الزيادة
والنقصان، وبفضل الأحاديث الراوية لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده. وفيها
قواعد واضحة للاتباع فى
الحصول على الأحكام الفرعية من الأدلة التفصيلية بفضل عملية الاجتهاد فى المسائل التى لا نص فيها،
وعرفوا بالأصوليين.
ومن المعروف أن أول من فتح
باب استنباط الفروع من أدلتها التفصيلية العامة وهذبها ووضع لها قواعد وأحكاما من
الشيعة هو محمد بن أحمد بن الجنيد المعروف بأبى على الكاتب الإسكافى المتوفى
سنة 381هـ على ما هو معروف من تنظيم الاجتهاد بهذا النحو المتعارف عليه من
تقسيماته وشروطه وضوابطه حيث أن البعض يرجعه إلى زمن الرسول- صلى الله عليه وسلم- ، وزمن الأئمة من آل بيته رضى الله عنهم وحثهم أصحابهم عليها.
كما يقول آية الله
الشيخ محمد إسحاق الفياض، بعد ذكره لمقدمات بحث الاجتهاد وبيان ضرورته وواقعيته
بسرد الأدلة والشواهد حتى يخلص إلى:
(أن عملية الاجتهاد، وتحديد
الوظائف العملية تجاه الشريعة- من النصوص التشريعية- ليست عملية مستحدثة فى عصر الغيبة، بل إنها موجودة فى
عصر التشريع على طول الخط غاية الأمر أن وجودها فى ذلك
العصر كان وجودا بدائيا بسيطا وغير متطور ومعقدا) ( 3).
فالاجتهاد بمعناه العام الذى هو إبداء الرأى والنظر فيما
لا نص فيه، أو قياس حكم على حكم آخر قد بدأ عند المسلمين السنة ثم توقف، وبدأ عند
الشيعة كوسيلة للحصول على الحكم الشرعى فيما لا نص فيه
أو فيما اختلفت النصوص حوله، واستمر مع ما تجدد فيه واستحدث له من قواعد وشروط،
وهو من المسائل الهامة التى تفرض نفسها اليوم على واقع
المسلمين فى جميع جوانب الحياة، غير متوقف على معرفة
الأحكام الفرعية الفقهية و إنما هو من المسائل التى لا
غنى عنها ولا مفر من أخذه بعين الاعتبار مع وجود الاختلافات فى
شروطه وقواعده ومواقع الاستفادة منه وحدوده فى جميع
جوانب الحياة الاجتماعية.
كما أنه لاشك فى أن الاجتهاد بالمعنى العام، هو عملية قائمة اليوم كحركة
فكرية عملية موجودة ومتداولة يستفاد منها لمعرفة بيان الأحكام عند جميع علماء المسلمين سنة وشيعة، مع اختلاف فى النسبة من حيث الاستعمال والالتزام، وإن اشتهر عند الناس
انسداد بابه عند السنة وانفتاحه لدى الشيعة.
تعريف الاجتهاد:
الاجتهاد لغة: مأخوذ من الجهد
بضم الجيم وفتحها، وهو المشقة. أى بذل الوسع والطاقة
حسب المتعارف للحصول على أمر ما. وقوله
تعالى: ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم) ، أى بالغوا فى اليمين واجتهدوا (4) وقال
ابن الأثير: قد تكرر لفظ الجهد والجهد فى الحديث، وهو
بالفتح المشقة، وقيل المبالغة والغاية، وبالضم الوسع والطاقة، وقيل هما لغتان فى الوسع والطاقة.
الاجتهاد فى مصطلحات علماء أهل السنة:
ذكر العلماء تعريفات كثيرة
للاجتهاد لا يسع هذا المختصر ذكر جميعها، إن كانت معظم تلك التعريفات لا تختلف مع
بعضها إلا فى التعبير عنها، وقد التمس الأصوليون فى ذلك مسالك عدة، منها خلافاتهم فيما يبدأ به التعريف، ومنها ذكر بعض القيود وعدم ذكرها، ومنها هل أن
الاجتهاد هو فعل المجتهد أو هو صفته؟ وعلى هذا الأساس مثلا فقد اختلفوا فى تصدير التعريف بذكر (بذل الجهد واستفراغه)
فيكون فعلى المجتهد. أو ذكر أن الاجتهاد (ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية) فتكون صفة للمجتهد، ومن تلك
التعريفات:
1-
ما عرفه القاضى البيضاوى بـ : (استفراغ الجهد فى درك الأحكام الشرعية).
2-
ما عرفه الغزالى بـ : (بذل
المجتهد وسعه فى طلب العلم بأحكام الشريعة).
3-
ما عرفه ابن الحاجب بـ : (استفراغ
الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعى).
4- ما ذكره الكمال بن
الهمام بـ : (بذل الطاقة من الفقيه فى
تحصيل حكم شرعى عقليا كان أو نقليا قطعيا كان أو ظنيا).
الاجتهاد عند الشيعة الإمامية:
هو (استفراغ
الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعى) فقد ورد هذا التعريف
عند علماء الشيعة وهو مأخوذ من تعريف علماء السنة حدث فيه اعتبار شرعى للظن فى الأحكام الشرعية وهو
مخالف لما عليه الفكر الشيعى بعدم الاعتبار بالظن
مطلقا، أو إنما العبرة بما جعلت له الحجية شرعا سواء كان ظنا أو غيره، ولذا فقد
عرف الاجتهاد عند المتأخرين من علماء الشيعة بأنه (ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية)، وقد ناقش هذا
التعريف أيضا سيدى الوالد الإمام الخونى
رضى الله عنه المتوفى سنة 1413 هـ ، ذلك بأن الاجتهاد بهذا
المعنى ليس من أطراف الوجوب التخييرى الثابت للاجتهاد
والتقليد والاحتياط، حيث الواجب على كل مكلف أن يكون فى
جميع عباداته ومعاملاته مجتهدا أو مقلدا أو محتاطا، لعلمه الإجمالى
بوجود تكاليف ملزمة له من الله سبحانه وتعالى وعليه الإتيان بها.
والاجتهاد بمعنى الملكة لا يترتب عليه إلا من العقاب ولا
يكون عدلا للتقليد والاحتياط حيث بحصول الملكة عند الفرد يتعين عليه وجوب
الاستنباط ولا يكون مخيرا، بل لا يجوز له التقليد.
وعليه فقد عرف الخونى رضى الله عنه الاجتهاد بـ (تحصيل الحجة على الحكم الشرعى)
وبهذا التعريف يمكن الوفاق بين الأصوليين والإخباريين من الشيعة، حيث لا يستلزم
الاجتهاد هنا تحصيل الظن بما هو ظن والذى لا يجوز عند
الشيعة العمل على طبقة، كما فى قوله تعالى ( وما
يتبع أكثرهم إلا ظنا، إن الطن لا يغنى من الحق شيئا ) (5)، وقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا
اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم )(6) وغيرها من الآيات الدالة على عدم اعتبار
الظن مطلقا (7).
ولما اعتقد الشيعة الإمامية بلزوم الوصى بعد النبى- صلى الله عليه
وسلم- وتعيين الإمام على بن أبى طالب- رضى الله عنه وكرم الله وجهه- فى
مقام الإمامة والولاية على الأمة من قبل الرسول الأعظم- صلى الله عليه وسلم- فى يوم الغدير وغيرها من المواقع والمواقف، وكذلك تعيين
الأئمة الأحد عشر من أبنائه بعده واعتقادهم بعصمتهم كما هو الحال مع النبى- صلى الله عليه
وسلم - فإنهم توقفوا على إبداء الرأى والنظر فى الاجتهاد فى الأحكام على ما يتلقونه مباشرة أو عن طريق الرواة الثقاة
من المعصوم ولم يجز لهم شرعا إبداء الرأى مقابل تلك
الأحكام، وإنما التزموا بما وصلهم أو حفظوه عن أئمتهم عليهم السلام. ومن بعد
الأئمة فقد بادر علماؤهم على جمع ما وصلهم من الأحاديث فى
موسوعات كبيرة مما ورد فى الأصول الأربعمائة (8). وأهمها
مجموع فى الكتب المعروفة عندهم بالكتب الأربعة وهى:
1-
الكافى، لمحمد بن يعقوب الكلينى،
المتوفى ببغداد سنة 329هـ.
2-
من لا يحضره الفقيه، لمحمد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه، المتوفى بالرى مدينة قم
حاليا- سنة 381هـ .
3-
التهذيب، لمحمد بن الحسن بن على الطوسى، المتوفى
بالنجف الأشراف فى العراق سنة 460هـ ، الملقب بشيخ
الطائفة.
4-
الاستبصار لمحمد بن الحسن بن على الطوسى شيخ
الطائفة.
ومن بعد ذلك فقد جمع هذه
الكتب الأربعة مع بعض الشروح عليها وضم بعض الأخبار الأخرى إليها العالم الجليل
ملا محسن الكاشى المعروف بالفيض الكاشانى
المتوفى فى كاشان من مدن
إيران سنة 1901هـ فى كتاب أسماه ب: (الوافى).
كما جمع تلك الأصول مع بعض
الأحاديث من كتب أخرى، العالم الجليل محمد ابن الحسن الحر العاملى،
المتوفى فى خراسان سنة 1104هـ فى كتاب أسماه بـ (وسائل الشيعة إلى
تحصيل مسائل الشريعة)، ومن بعده استدرك على ما فاته من بعض الأخبار العالم الجليل الميرزا حسين النورى المعروف بـ (خاتمة المحدثين)
المتوفى فى النجف الأشراف سنة 1320هـ فى كتاب أسماه (المستدرك على الوسائل).
كما أن العالم الجليل محمد
باقر بن محمد التقى المعروف ب (المجلسى) المتوفى فى أصفهان سنة 1110 هـ
والذى كان قد توفرت لديه معظم جوامع الأخبار
الشيعية، وفى الحقول المختلفة من الحديث والفقه والرجال والسيرة والعقيدة وغيرها،
وقد عمل على جمعها فى كتاب ضخم أسماء بـ (بحار الأنوار) وطبع أخيرا فى 110 مجلدات من الحجم المتعارف.
فهذه الكتب التى طبعت لمرات عديدة والمنتشرة فى
المكتبات العامة والخاصة هى الأساس لجميع الاستنباطات التى يمكن للمجتهد الشيعى أن يعمل
جهده فى الحصول على الحكم الشرعى
منها، ولا يعنى ذلك أن جميع ما فى هذه الكتب من
الأحاديث هى صحيحة وملزمة للشيعة، وإنما هى جميع ما نقل ووصل إلينا من الأئمة رضى
الله عنهم، ولا يشك أحد من عوام الشيعة فضلا عن علمائهم أن فيها الصحيح والحسن كما
فيها الضعيف والمرسل وغيرها، وعلى العالم الفقيه المجتهد أن يبذل جهده فيها
ليستنبط منها ما يصل إليه باجتهاده بعد عرضها على كتاب الله أولا، ومن ثم عرضها
على سنة النبى صلى الله عليه وسلم ، بعد التأكد
من صحة سندها ودلالتها وعدم معارضتها بحديث صحيح آخر، وبمعرفة عامها من خاصها، ومطلقها من مقيدها وهكذا.
فقد تطور الاجتهاد عندهم
وأضيف له شروط وقواعد، وحذف بعضهم منها ما أثبت بطلانه وإن صح عند غيره، ومن ذلك
على سبيل المثال: اتفاق علماء الشيعة على كون الرواية الضعيفة السند فيما لو اشتهر
بين الأصحاب العمل بها، كان عمل المشهور عندهم جابرا لضعف سندها ولا يجوز مخالفتها إلا أن الإمام الخونى رفض هذا المبنى واشترط فى
الاجتهاد أن يقف كل مجتهد عند إفتائه للحكم على دليل صحيح عقلى
أو نقلى يثبت عنده هو، ولا يمكنه الاعتماد على غيره فى
ذلك الحكم وإن كان مشهورا بين الأصحاب فرد بذلك جبر ضعف السند بعمل المشهور، اللهم
إلا أن يثبت صحة ذلك الحكم بطريق آخر.
كما أن العالم الجليل
والمرجع الكبير آية الله السيد حسين البروجوردى المتوفى
المتوفى 1380 هـ . 1961 م كان قد أمر مجموعة من
الأفاضل على جمع ما فى تلك الكتب وتنظيمها وتبويبها
وفهرستها بما يسهل الوصول إلى الحديث المطلوب للطالب وللعالم فى
كتاب أسماه بــ (جامع أحاديث الشيعة). وقد تم طبع جزء
واحد من الموسوعة (كتاب الطهارة) فى حياته رضى الله عنه وحيث توقف المشروع بوفاة ذلك الفقيه الكبير فقد
أمر الإمام الخوئى رضى الله
عنه بتشكيل لجنة من العلماء للإشراف واستمرار العمل على إكمال المشروع، فتم وطبع
تمام أجزائه.
المجتهد:
هو العالم العارف الواقف على
أصول الأحكام الشرعية الذى يتمكن من تحصيل الحجة على
حكم شرعى فيما لم يرد فيه نص صريح واضح الدلالة وصحيح
السند. وذلك لمعرفته بأصول الشريعة وما تنطوى عليه من
أحكام من الكتاب والسنة، كما يعرف مواضع الإجماع ويميز آيات الأحكام وغيرها، وله
خبرة فى موضوع الرجال وبحث الأسانيد للوقوف على صحيح
الرواية وضعيفها، الملم بما يمكنه من معرفة موارد
الخلاف وما يعارضها.
ومن هنا قسم الاجتهاد
باعتبار المجتهد إلى قسمين:
1- مجتهد
مطلق
2-
مجتهد متجزئ
والمجتهد المطلق هو من كان
لديه ملكة الاستنباط والقدرة على تحصيل الحجة على حكم شرعى
ما- أى حكم- مسبوق بالنظر أو مستحدث وفى جميع أبواب
الفقه ومسائله، لضلوعه بالمعارف الأولية اللازمة لعملية الاجتهاد وأدواتها
ووسائلها.
أما المجتهد المتجزئ فهو من له القدرة على تحصيل الحجة
على الحكم الشرعى فى بعض
المسائل دون البعض الآخر، وذلك كمن بذل جهده فى الوقوف
على أدوات ووسائل الاجتهاد ومعرفة العلوم اللازمة لها وعمل جهده فى جمع جميع ما يتعلق بموضوع من المواضيع كأحكام الصلاة مثلا
ومن ثم اجتهد فى بعض مسائلها فيكون بذلك عارفا وواقفا
على باب كتاب الصلاة فى الفقه ومجتهدا فيه دون الخوض فى المسائل الأخرى.. وهكذا، على أن هذه المرحلة من الاجتهاد هى مقدمة للاجتهاد المطلق.
كما ينقسم الاجتهاد باعتبار موارده إلى أقسام
1-
الاجتهاد مقابل النص:
هو أن يبذل المجتهد جهده
للاجتهاد برأيه فى مسألة ورد فيها النص الشرعى صحيحا وواضح المعنى. وبقول آخر: هو الاجتهاد بالرأى فى قبال
نص قطعى الثبوت والدلالة، وقد اتفق المسلمون على وجود
ذلك النص يقينا لوروده فى الكتاب مثلا أو فى السنة التى تواترت الأخبار عن
ثقاة رواة المسلمين بها ولا يمكن تطرق الشك والريبة
إليه ولا يحتمل التأويل وهذا هو المراد من قوله تعالى: ( وما أتاكم الرسول
فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (9)، فلو ثبت لزوم حكم واضح وصريح من آية فى كتاب الله تعالى أو من سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ففى هذا المورد وسواء
كان فى المسائل العقائدية للمسلمين أو من المسائل
الفرعية للأحكام، فقد أجمع المسلمون قولا واحدا بجميع مذاهبهم ومدارسهم على رفض
الاجتهاد قباله أو فيه ، ولا يمكن البحث بحال من
الأحوال فى مسألة جوازه أو التساؤل فيه.
وفى هذا المورد ورد ما اتفق
عليه الجميع أن: لا اجتهاد مقابل النص، وأن الاجتهاد لا يكون إلا فى المسائل النظرية المختلف فيها سواء لتضارب النصوص حولها أو
لعدم ورود نص صريح فيها، فالاجتهاد فى مثل المورد
المتقدم يؤدى إلى محق الدين وتعطيل النصوص والأحاديث، ويستلزم بالتالى
جحود الإسلام، حيث أن معنى ذلك فى الواقع هو أن يقول المجتهد: قال الله ، أو قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأقول أنا.
يقول الدكتور الشيخ محمد سيد
طنطاوى شيخ الأزهر الشريف (وما دام الاجتهاد فى الأحكام الشرعية لا يصادم نصا
شرعيا محكما ولا يتعارض مع ما ثبت من الدين بالضرورة فمرحبا به،
لأنه دليل على سعة شريعة الإسلام وعلى يسرها وسماحتها وعلى خصوبتها. ومرونتها وعلى
صلاحيتها لكل زمان ومكان) (10).
وعلى أساس جواز الاجتهاد فى تحصيل حكم ما لا نص فيه. استدل الدكتور محمد سيد طنطاوى على جواز الاجتهاد بالرأى
بعد البحث والتنقيب عن نص في الحكم من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، بما أخرجه أبو داود فى
سننه من أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: "كيف تقضى إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بكتاب الله، قال: فإن لم نجد فى كتاب الله؟ قال: فى سنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم تجد فى
سنة رسول الله ولا فى كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيى ولا آلو. فضرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صدره
وقال: الحمد لله الذى وفق رسول الله لما يرضى رسول الله"(11)،
وفيه دلالة واضحة على أن المصير إلى الاجتهاد إنما يكون بعد فقدان النص .
وقد ذكر الإمام الشافعى المتوفى عام 204هـ ، والذى
يعتبر مؤسسا لعلم أصول الفقه، أن الاجتهاد مرادف للقياس فيقول: (نحكم بالإجماع ثم
القياس وهو أضعف من هذا ولكنها منزلة ضرورة لأنه لا يحل القياس والخبر موجود) (12)
كما إنه فى استدلالاته على صحة القياس يقول: (فمن أين
قلت يقال بالقياس فيما لا كتاب ولا سنة ولا إجماع؟ أفبالقياس
نص خبر لازم؟ قلت: لو كان القياس نص كتاب أو سنة قيل فى كل ما كان نص كتاب هذا حكم الله، وفى كل ما كان نص السنة
هذا حكم رسول الله ولم نقل له قياس، قال: فما القياس أهو الاجتهاد؟ أم هما
مفترقان؟ قلت: هما اسمان لمعنى واحد) (13) .
فيظهر أن الجميع متفق على
أنه لايجوز الاجتهاد بالرأى
أو بالقياس على حكم فيه نص من الكتاب أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا اجتهاد مقابل النص على
أن الشيعة لا يجيزون الحكم بالقياس المطلق، كما أنهم يعتبرون النص الواضح الصريح الذى لا يجوز الاجتهاد مقابله سواء أكان من الكتاب أو السنة
الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن الأئمة الأثنى
عشر رضى الله عنهم، ومن هنا كان تحريمهم للاجتهاد بالرأى بادئ الأمر، حيث اعتقادهم بوجود النص الواضح الصريح من
قبل الرسول- صلى الله عليه وسلم- بوجوب اتباع الأئمة رضى الله عنهم من
بعده.
2-
الاجتهاد بالرأى فيما لا نص فيه:
أن يجتهد المجتهد فى مسألة أو فى حكم شرعى لا نص فيه من الكتاب أو السنة، معتمدا فى ثبوته على ما ينقدح فى خاطره وذهنه من مناسبة بين الحكم والموضوع، أو من حكم
مشابه له مستنبط فى موضوع آخر نص عليه الشارع، ويندرج
تحت هذا القسم من الاجتهاد القياس والاستحسان وبقية المرجحات التى
تعتمد على الحدس، فهى بالتالى
كلها أحكام ظنية مبتنية على رأى شخص المجتهد وظنونه،
وقد حرمه الشيعة مطلقا كما حرموا الاجتهاد فى مقابل
النص. ذلك لأن فى كلتا الحالتين يعتمد الأمر على ما
يقرره المجتهد بظنه لاثبات حكم شرعى،
ومن ثم اعتبار ذلك الظن مصدرا تشريعيا وحكما دينيا مع العلم بأن الأحكام الشرعية
لا تناط بالظنون، وقد أجاز السنة مثل هذا النوع من الاجتهاد وعمل به أئمتهم قبل إيصادهم باب الاجتهاد، والتوقف على اجتهاد
الأئمة الأربعة فقط، فى القرن الرابع الهجرى كما تقدم.
3-
الاجتهاد بالظن المعتبر فيما لا نص فيه:
أن يجتهد فى مسألة لا نص فيها من الكتاب أو السنة، معتمدا فى ذلك على الأصول المقررة شرعا كأصل البراءة وغيرها أو
الاعتماد على الظنون المعتبرة شرعا كالاعتماد على خبر الثقة الواحد، أو بحكم العقل
كمسألة تقديم الأهم على المهم عند التزاحم، ومسألة وجوب مقدمة الواجب حيث لا يتم
الواجب الأصلى إلا بأداء تلك المقدمة فتكون واجبة بحكم
العقل ومنها القياس فى حكم منصوص العلة، وهو نوع من
أنواع القياس الذى يجيزه الشيعة، كما يعتبر ذلك حكما
عقليا، حيث أينما وجدت العلة وجد المعلول، وذلك كحرمة شرب الخمر الثابت فى الشرع لأنه مسكر، فبحكم العقل
نفهم أن كل ماء ثبت فيه الإسكار حكم بحرمته، وهذا القسم
من الاجتهاد قد أجازه علماء المسلمين عموما على اختلاف فى
بعض صوره .
4-
الاجتهاد فى دلالة النص:
أن يجتهد فى فهم النص الدال على الحكم سواء فى
الكتاب أو السنة وسواء كانت السنة متواترة أو منقولة إلينا عن طريق الخبر الواحد،
وقد عمل علماء الشيعة بهذا القسم من الاجتهاد مشترطين فى
ذلك أن يكون النص ظنى الدلالة بالظن المعتبر شرعا،
فعليه يبحث المجتهد عن الدلائل أو القرائن التى توصله
بمعرفته بالقواعد العامة إلى حكم يعتبره حجة عليه، وإن خالف فى
ذلك جميع من تقدم عليه أو وافق أحدهم بشرط الاستدلال على الحكم فى كلتا الحالتين.
وقد كان علماء المسلمين
عموما يعملون بهذا النوع من الاجتهاد وهو جائز عندهم، حتى توقف الاجتهاد عند رأى
الأئمة الأربعة، فلم يجيزوا لمجتهد آخر أن يجتهد برأى
يخالف فيه أحد هؤلاء الأربعة، يقول الكرخى (المتوفى سنة
340هـ ):( كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ ) (14) "
فكيف برأى المجتهد؟.
5-
الاجتهاد فى صحة السند:
أن يجتهد فى السنة إثباتا أو نفيا فيما لم يرد فيه التواتر. أى الاجتهاد فى صحة سند الخبر
الواحد. وقد أجاز الشيعة هذا القسم من الاجتهاد بشروط وقواعد،
كما كان معمولا به عند بقية علماء المسلمين حتى منعه.
شروط المجتهد:
اختلف العلماء فى تحديد
الشروط اللازم توفرها لدى المجتهد المتصدى للإفتاء
للمسلمين، حيث أن الاجتهاد بحد ذاته نوع من العلوم التى
يمكن تحصيلها لمن أراد الوصول إلى الاجتهاد لمجرد الاستنباط ومعرفة العلم، فهذا
كما هو واضح لا يحتاج إلى أى شرط سوى التعلم.
أما المجتهد الذى يريد الإفتاء ويجوز للمسلمين الأخذ بآرائه فهو الذى وضعت الشروط عليه، والشروط المتفق عليها بينهم هى: الإسلام، والعقل، والبلوغ. وهناك شروط أخرى كثيرة
وضعها بعضهم ولم يشترطها آخرون ومن أهمها:
1- أن يكون ملما بعلوم
اللغة العربية.
2-
حافظا للقرآن أو لمقدار معتد به
منه.
3-
على قدر كبير من المعرفة بالسنة النبوية وأحكامها.
4-
مدركا لمقاصد الشرع وعرف
الناس.
5-
على دراية بالفقه وأصوله.
6-
واقفا على مواضع الإجماع ومعرفة مواضع الخلاف.
كما أنه ذكر بعضهم شروطا
أخرى كثيرة اعتبرها الآخرون من المرجحات أو الشروط التكميلية غير اللازمة، ومنها:
1-
معرفته بعلمى المنطق والكلام.
2-
رصانة الفكر وجودة الملاحظة.
3-
ثقته بنفسه وشهادة الناس بالأهلية.
4-
موافقة عمله مقتضى قوله.
5-
حسن الطريقة وسلامة المسلك.
6-
أن يكون ورعا عفيفا.
وغيرها من الشروط أو المرجحات.
أما الشيعة الإمامية فإنهم يشترطون فى المجتهد
المفتى الذى يجوز اتباعه والمعروف عندهم بــ
(المرجع)، أى من ترجع الأمة إليه فى
أحكام الشرع فيما يتعلق بأمر دينهم أو دنياهم، فإنهم
اعتبروا مضافا لما هو المطلوب من الشروط اللازمة تحققها عند الفرد حتى يكون مجتهدا
كمعرفته باللغة العربية والقرآن والسنة عارفا بأصول الفقه وقواعده، ملما بعلمى المنطق والكلام وغيرهما، وكذلك الشروط العامة المتفق
عليها لدى المسلمين فيمن يتصدى للإفتاء- الإسلام والعقل مايلى
:
1- الإيمان.
2- الذكورة.
3 - العدالة.
4- طهارة المولد.
5- ألا يقل ضبطه عن المتعارف.
6- الحياة فلا يجوز تقليد
الميت ابتداء.
7- فى حال وجود الخلاف فى الحكم بين المجتهدين، فعلى المقلد الفحص ووجوب تقليد
الأعلم من بينهم.
مصادر الاجتهاد:
1- القرآن الكريم:
اتفق المسلمون
جميعا على أن المصدر الأول والأهم فى الأخذ بأحكام
الدين والعمل على ضوئه هو القرآن الكريم كلام الله الذى
أنزله على صدر خاتم أنبيائه والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، والذى لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو مجموع ما بين الدفتين اليوم وبيد
المسلمين عموما، من دون زيادة أو نقصان، كما تعهد بذلك رب العباد حيث يقول
عز من قائل: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (15).
وبالفعل فإن عهد
الله ووعده كانا من وراء حفظ كتابه المجيد من دسائس اليهود والمنافقين وغيرهم ممن
أراد الكيد والمكر للإسلام والمسلمين بمحاولة التحريف والتزييف أو الزيادة فيه
والنقصان منه:( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) (16) فالقرآن
الكريم هو أساس الشريعة وينبوعها الخالد الذى منه يستمد
المسلمون عموما وعلماؤهم خاصة معرفة الأحكام. بل وتعود أغلب المصادر الأخرى إليه.
2- السنة النبوية الشريفة:
اتفق المسلمون
جميعا على أن سنة رسول الله- صلى الله عليه
وسلم- قولا وفعلا وتقريرا هى مصدر للتشريع، فهو صلى الله عليه وسلم مبين أحكام
الله للعباد، معصوم من الزلل والخطايا، ومن الغفلة والنسيان. ومن أهم الآيات
القرآنية التى يمكن الاستدلال بها
على ذلك قوله تعالى: ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (17).
وقوله تعالى: (
وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى ) (18). وآية التطهير التى فضل وشرف الله تعالى بها
رسوله وأهل بيته الكرام بقوله عزمن قائل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت ويطهركم تطهيرا ) (19). وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على عصمة النبى صلى الله عليه
وسلم ووجوب اتباعه فى جميع أقواله وأفعاله وما أقر العباد عليه كقوله تعالى: (
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم
ذنوبكم ) (20).
إنما وقع الخلاف
ولازال فى أن بعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول- صلى
الله عليه وسلم- هل هى صحيحة السند أولا؟ وهل هى تامة الدلالة على المطلوب ثانيا ؟ وهل
هناك ما يعارضها من كتاب الله أو من حديث آخر، أو هل هناك ما يقيدها ويخصصها؟ وهكذا. وهذا هو نفس محل ومعنى
الاجتهاد كما تقدم. كما أن الشيعة الإمامية يعتقدون بأن
ما صدر عن الأئمة الاثنا عشر من آل الرسول- صلى الله عليه وسلم- نقلا عن جدهم رسول الله أو
بيانا للحكم منهم مباشرة، إنما هو استمرار للسنة الواجب اتباعها
فالقرآن والسنة هما الأساس والقاعدة الأصليتان ومصدرا الأحكام، وفيهما ومنهما يكون
الاجتهاد فيما عدا النصوص الصريحة وواضحة الدلالة، ومضافا إلى الكتاب والسنة فقد
اختلف علماء المسلمين فيما يمكن أن يكون من غيرهما مصدرأ
للأحكام الشرعية يعول عليها المجتهد فى اجتهاده.
فقد ذهب أبو حنيفة إلى
الالتزام بالقياس فيما لم يكن فيه نص من الكتاب أو السنة فالمصادر عنده على النحو التالى:
(أ)
الكتاب.
(ب)السنة.
(ج)
القياس إن فقدا.
وذهب مالك بن أنس إلى اعتبار
المصادر للاعتماد عليها فى الفتيا
على النحو التالى:
(أ)
الكتاب.
(ب)السنة.
(ج)
الاستحسان.
(د)
الاستصحاب.
(هـ)
المصالح والذرائع .
(
و) العرف والعادة.
وذهب أحمد بن محمد بن حنبل
إلى اعتبار ما يلى:
(أ)
الكتاب.
(ب)السنة .
(ج)
ما كان من فتوى أصحابه، يقرب من صياغته فى النص.
(د)
الاستصلاح.
وذهب محمد بن إدريس الشافعى إلى اعتبار التسلسل التالى:
(أ) الكتاب.
(ب) السنة.
(ج) الإجماع مطلقا، أى من
دون اختصاص ذلك برأى أهل المدينة.
(د) القياس على نطاق ضيق ولم يعتبر الاستحسان والمصالح
المرسلة. (21)
أما علماء الشيعة
الإمامية، فإنهم لم يعتبروا جميع ما تقدم بعنوان
المصادر للاجتهاد فيما عدا الكتاب والسنة فقط، وقد أضاف عليهما بعضهم الإجماع
والعقل، وقد قبلت من قبل علمائهم باعتبار أن مردهما إلى الكتاب والسنة أيضا حيث
القرآن الكريم الأمر بالتدبر واستخدام العقل الذى جعله
الله مناطا للإيمان والتوحيد وميزانا للثواب والعقاب، فلا يعقل أن يمنع الإنسان من
الاستفادة منه لمعرفة الأحكام التى جعلها الله منهجا
للحياة، بالتالى فلا يمكن للدين أن يأمر بما يخالفه
العقل السليم، وأما الإجماع فهو راجع إلى السنة كما هو واضح فيكون مصادر التشريع
عندهم كالآتى:
(أ) الكتاب.
(ب)السنة .
(ج) الإجماع .
(د) العقل.
وهذا هو مختصر
البحث حول جذور الاجتهاد وضرورة العمل له فى موارده
وبيان تعريفه وأقسامه وشروطه ومصادره عند علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم
ومدارسهم الفكرية، أسأل الله تبارك وتعالى أن يأخذ بأيدى
العلماء الأعلام لهذه الأمة إلى ما فيه خير وصلاح الدين والمجتمع، وأن يوفق ويسدد
خطى جميع العاملين والساعين إلى إعلاء كلمة الله وتوحيد صف الأمة وهدايتهم إلى ما فيه خير الدارين.
التوفيق
"التقريب" بين المذاهب الإسلامية :
إن الدعوة والعمل
من أجل توحيد الكلمة وتقريب وجهات النظر بين المسلمين هما ضرورة ملحة يقتضيها
الظرف الذى تمر به الأمة وهى
لاتزال مثخنة بالجراح من أعدائها، وللأسف الشديد حتى من
قبل بعض أبنائها تعصف بها القطيعة والتدابير وتسودها
العلائق المتشنجة التى تكاد أن تقذف بها فى مؤخرة الركب الإنسانى الحضارى لتقعدها عن أداء
رسالتها التى أرادتها لها السماء، وكأنها لم تكن هى الأمة التى وصفها القرآن الكريم
بأنها خير أمة أخرجت للناس وكأنها نسيت ذكر نعمة الله عليها حيث أنهى العداء
بينها، فألف بين القلوب بنعمة الإسلام وأصبحنا بتلك النعمة إخوانا وكأننا نسينا
حتى تلاوة قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن
إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (22).
وكل مطلع على فجر الإسلام
الأصيل يعلم يوم كان المسلمون لا يملكون إلا سد الرمق، ولم تكن الإمكانات التى بين أيدينا اليوم موجودة عندهم، رغم ذلك ملأوا الدنيا فتوحا و زحموا ركب الحضارات حتى كانوا فى مقدمتها وقد أسسوا تراثا لا تزال الدنيا تنهل منه، واليوم
ونحن نعيش هذا الانحسار والتمزق فى أصيلنا مع توفرنا
على إمكانيات بشرية ومادية لا يستهان بها، هذا والقرآن الكريم هو ذلك القرآن الذى
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهدى النبوة هو نفسه، ووسائل العمل
وأدواتها ميسرة والظروف ليست مما يتعذر اقتحامها إن حفلت ببعض الصعاب، فإن الأمم
قد تمر بفترة استرخاء، ثم لا تلبث أن تستعيد نشاطها، ونحن بعون الله تعالى، نأمل
أن يستعيد المسلمون وفى مقدمتهم علماؤهم الأفاضل وقادة الفكر منهم لنشاطهم ترفدهم فى ذلك همم الغيارى لتواصل الأمة مسيرتها فى
دربها الرحب مسيرة دينية علمية إنسانية ميممين وجه الله تعالى، عاقدين العزم على
خدمة ديننا الحنيف حتى نتخطى الصعاب ونصل إلى الأهداف المتوخاة
ألا وهى إعلاء كلمة الحق ووحدة الأمة.
ونحن نعيش عصرا نرى فيه
بموازاة التطور التكنولوجى المذهل، عمل الجهات الأخرى فى اندماج مؤسساتهم وتجمعاتهم، واهتمامهم الدؤوب
لتشكيل تكتلات أضخم وأكبر، والدعوة الى الحوار والتفاهم
والتأليف لغد أفضل سواء على المستوى التقنى والاقتصادى والسياسى أو على مستوى
الأديان والمعتقدات، فى حين لا يزال العمل لدى المسلمين
فى هذا الاتجاه ضعيفا إلى حد عدم وجوده أحيانا، رغم
وجود نداءات هنا وهناك وعقد ندوات ومؤتمرات بين كل عدة أعوام من قبل بعض الجهات،
إلا أن هذا العمل الجبار على ضرورته يحتاج إلى نوع من الالتزام المنظم والاستمرار
لتوعية الأمة إلى معرفة هذه الضرورة بوضع أسس وقواعد تسيرها لتصل إلى ما ينبغى الوصول إليه.
و إذ لا أجد نفسى فى هذا المحفل الكريم بحاجة
إلى أن أذكر أهمية هذه اللقاءات وضرورتها والآثار الفكرية والعلمية العملية التى تنتج عنها وقيمة الدراسات والأبحاث التى
نقدمها من خلال حضور ولقاء ومشاركة أصحاب السماحة العلماء والأئمة وقادة الفكر الدينى من مدارس فقهية مختلفة فى
عصر اتخذ فيه أعداء الأمة والدين الحنيف من اختلاف بعض وجهات النظر والاجتهادات
بين علمائنا ذريعة لبث روح الفرقة والتباعد فيما بين الأخوة من دين واحد، وذلك
بتكريس الطائفية المقيتة والعصبية العمياء.
فإنى ومن خلال هذا
المؤتمر المبارك أيضا أدعو الأزهر الشريف إلى التعهد والالتزام بالقيام بهذا العمل
كما كان سباقا إليه فى الأربعينات من القرن الماضى، والذى تعثرت وللأسف الشديد
جهوده واضطر إلى غلق باب مركز التقريب بين المذاهب لأسباب سياسية كما كان الحال مع
الاجتهاد، ولقد تكررت عندنا عبر التاريخ أكثر من تجربة مرة، ما نزال نعيش بعض
ذيولها من تشرذم وتمزق، ساعدت الأيدى الأجنبية من أن
تلعب لعبتها الخبيثة والتى كان من أثارها ديار ضاعت
وشمل تمزق وكرامة هدرت وهكذا.. أفما آن الأوان أن نستفيد من التجارب ونستعيد
مناعتنا لندفع عنا الداء.
فالأمل يحدونا إلى بذل غاية
المجهود لتفعيل دور مركز التقريب وإصدار أدبياته من جديد، ومؤسسة الإمام الخونى الخيرية إذ ترى فى هذا
العمل واجبا دينيا وضرورة اجتماعية وعقلانية، تمد يد العون وتعلن عن تمام
استعدادها للأزهر الشريف بالعمل على التنسيق والتعاون لتأسيس مركز علمى ثقافى للتقريب بين
المذاهب، حتى يتحقق الهدف المنشود بتوحيد كلمة الأمة وتنظيم صفوفها والعمل يدا
واحدة فيما يخدم الدين والأمة.
وإذ لنا فى هذا المجال بعض
التجارب المتواضعة، وكان آخرها المؤتمر العام الذى عقد
بدمشق لوضع استراتيجية للتقريب بين المذاهب الإسلامية
بحضور معظم المراكز الدينية المهمة فى العالم العربى والإسلامى ، وفى مقدمته
الأزهر الشريف... اسمحوا لى أن أستعرض هنا بضعة أمور لا
أعتقد أنها جديدة عليكم، ولكنها مجرد خواطر للذكرى بين الدعوة إلى جمع الكلمة ولم
الشمل.
1-
إن كل مذهب من المذاهب الإسلامية تقوم أحكامه على الكتاب الكريم والسنة الشريفة
وتقوم خطوطه العامة- فى أصول العقائد والقواعد الفقهية-
على أساس منهما فمثله لا يفتقر فى شرعيته إلى اعتراف،
ومن هذه الحقيقة ومن منطلق إخاء إسلامى خلص من الشوائب
ينشد روح الإسلام وتجسيد ما أمر الله به من وحدة
واعتصام بحبله، تدور تطلعاتنا الواضحة والمتصفة بالصراحة على أن نعمل جميعا يدا
واحدة ننشد ما وعد الله تعالى به العاملين من النجاح
والفوز برضوانه.
2-
لما كان من نافلة القول أن غطاء الإسلام ينبسط على كل مسلم يقر بالشهادتين ويعترف بضرورات الإسلام، وأنه عضو فى
هذا الجسد وفرد من هذه الأمة، إذن ما بالنا ومنذ مئات السنين تتعثر وحدتنا ويتمزق
شملنا، ونجد بين حين وآخر كلما اقتربنا أو حاولنا الاقتراب من بعضنا بروز أصوات
مشبوهة تكفر وتتهم البعض بالآخر، أفلا يدفعنا ذلك للبحث عما هو وراء هذا الإصرار
على التمزق والتشرذم؟
3-
ونحن فى مسعى التقريب لا نطلب الاندماج، كما لا نطلب من
الشيعى أن يكون سنيا وإن كان متعبدا فعلا بالسنة، ولا
نطلب من السنى أن يكون شيعيا وإن كان مواليا لآل البيت-
رضى الله عنهم- بالقطع وهكذا المنتمين إلى غيرهما من
المذاهب، وإنما نريد أن يعامل بعضنا بعضا على أنه مسلم له ما للمسلمين وعليه ما
عليهم، فلا ينبذ مسلم ولا يشتم ولا تسد فى وجهه الفرص
وتفتح أمام الآخرين من دون وجه حق إلا لانتمائه إلى مذهب معين، وألا يمنع مسلم من
أداء شعائره ما دامت منسجمة مع خطوط الإسلام. وبالتالى
نريد التساوى فى الحقوق
والواجبات، وذلك هو ما يحتمه علينا انتماؤنا الإسلامى، وقوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم
فاعبدون) (23) .
4- ضمانا
لاستمرار العمل ودوامه، ينبغى فى
هذا المجال إبعاد الموضوع كليا عن الجوانب السياسية ومصالح الحكومات وعلاقاتها.
وضرورة الاعتماد فيه على جهود المراكز الدينية والعلماء
المخلصين للأمة. والله سبحانه وتعالى يصف المؤمنين أن نورهم يسعى بين أيديهم فهم يقرأون الماضى ويستشرفون المستقبل،
فلماذا لا نستعبر ما وعيناه وما رأيناه بأم أعيننا، ولانفهم
المستقبل وما يراد بنا وما يحاك حولنا من مؤامرات؟.
وآخر دعوانا أن
الحمد لله رب العالمين، ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل
علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم
الكافرين ) (24)
المصادر ومراجع البحث
1-
القرآن الكريم.
2-
محمد تقى الحكيم- تاريخ التشريع الإسلامى.
3-
عبد الهادى الفضلى- تاريخ التشريع الإسلامى.
4-
الدكتور محمد سيد طنطاوى- الاجتهاد فى
الأحكام الشرعية.
5- يحيى محمد- الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر.
6-
الدكتورة نادية شريف العمرى- الاجتهاد فى الإسلام.
7-
ميرزا على الغروى- التنقيح فى
شرح العروة الوثقى.
8-
عبد المحسن فضل الله- مصادر التشريع الإسلامى.
9-
مرتضى العسكرى- معالم المدرستين.
10-
أبو القاسم الخونى- منهاج الصالحين.
11-
سليمان بن الأشعث- سنن أبى داود.
12-
ياقوت الحموى- معجم الأدباء.
13-
الفيروز أبادى- القاموس المحيط.