الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
التجديد فى الفحرالإسلامى

التجديد فى الفكر الإسلامى

عند الإمامية فى إيران والعراق

الأستاذ / محمد واعظ زادة الخراسانى

إيران

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطاهرين وصحبه الميامين، أيها الأخوة والأخوات الحضور السلام عليكم ورحمة الله وبعد:

حينما دعيت إلى مؤتمر (تجديد الفكر الإسلامى) لبيت الدعوة بكل شغف وسرور، واغتنمت الفرصة لعرض موجز عن التجديد الإسلامى عند الطائفة الإمامية أتباع أهل البيت فى القرنين الأخيرين، إلى جانب ما حدث من التجديد عند المذاهب الإسلامية الأخرى، ليعلم المؤتمرون، وكل من يطلع على آرائهم أن التجديد فى الفكر الإسلامى لا يختص بقطر أو بمذهب من المذاهب، وليس حكرا على طائفة، بل يشمل بحكم الطبيعة جميع الأقطار والمذاهب الإسلامية عامة، مع ما بينها من الاتصال، والعلاقة الوثيقة فى أسلوب التجديد، . بل فى المبدأ والمصير فى بعض النواحى، ولا سيما فى جانب السياسة والاجتماع، وكذلك الاختلاف فى الاتجاهات وفى مقدار النجاح بينها.

تمهيد:

وقبل البحث فى صميم الموضوع لابد من الإجابة عن سؤال يخطر بالبال، وهو ما المراد بالتجديد الإسلامى؟ فنقول: من ضروريات الإسلام كماله وتمامه وكذلك دوامه، وأنه خير دين لخير أمة ختم الله به الدين كله، فلا نبى بعد نبى الإسلام، ولا شريعة بعد شريعته، ولا تبديل ولا بديل لأحكامه، فليس المراد بالتجديد الإسلامى أو التجديد فى الفكر الإسلامى- وهو أقرب إلى الصواب يقينا انقطاع الشريعة وتبديلها بشريعة أخرى إلهية أو بشرية، فحلال محمد صلى الله عليه وسلم  حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة، 

) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (1).

لكن هذا الأصل الضرورى المتفق عليه بين الأمة الإسلامية لا يمنع من حدوث التحول والتجديد فى طريقة استنباط أحكام هذا الدين من التفقه فى الدين واستمرار بقائه حسب الحاجات، وعند تبدل الحالات، وتغير الظروف، بل هذا التحول- كضمان لاستمرار الشريعة والاحتفاظ بها- شىء لازم، وهو أيضا أصل من أصول الشريعة الغراء من خلال التعمق فى نصوصها، ورعاية أحوال المكلفين، وهذا هو المراد "بالاجتهاد"، فالاجتهاد يوسع الشريعة ويطبقها على مقتضيات العصر ويسايرها فى جميع الأحوال مدى الدهور والأعصار. ولولا الاجتهاد لأصبحت الشريعة بتراء، ولبقيت الأمة حيارى أمام المشكلات.

فالمراد بالتجديد، عرض جديد للإسلام فى عصر العلم بما يناسب الحضارة الجديدة والحياة المستجدة، مع الاحتفاظ بأصول الإسلام والمسايرة مع نصوص الكتاب والسنة.

ونحن نعلم أن التجديد والتحويل يلازمان الاجتهاد فى الدين. وقد بدأ عصر النبى صلى الله عليه وسلم  مباشرة، وتوسعت دائرة الاجتهاد عند الصحابة والتابعين شيئا فشيئا حتى حدثت فى أواسط القرن الثانى قفزة إلى الأمام فى حقل الاجتهاد بظهور المذاهب الفقهية، بل الكلامية، مع الاختلاف فى أصولها وقواعدها، فظهر هناك تعارض وتسابق بينها، ومن أبرزها تلك المقابلة بين مدرسة الرأى فى العراق، وكان على رأسها الإمام أبو حنيفة، وبين مدرسة الحديث فى المدينة وكان على رأسها الإمام مالك.

وفى هذا الزمان بالذات، شكلت مدرسة آل البيت الفقهية وقد كان لها جذور منذ عصر الإمام على كرم الله وجهه، وكان على رأسها الإمام محمد بن على الباقر، ثم ابنه الإمام جعفر بن محمد الصادق، وكانت هذه المدرسة من حيث رفضها للقياس واعتمادها على العقل فى فهم الكتاب والسنة وفى تبيين العقيدة كالواسطة بين هاتين المدرستين. ومع احتسابها فى عداد المذاهب الأخرى ومنها المذهب الزيدى الذى كان مبنيا على السياسة أكثر من الفقاهة ، صارت المذاهب ثلاثة أو أربعة فتقدمت جنبا إلى جنب إلى الأمام، وتوسعت فى الفروع مع ما كان بين أئمتها من الروابط والوشائج، ولاسيما بين الإمامين أبى حنيفة ومالك، وبين الإمامين الباقر والصادق، كما يظهر من كتاب الموطأ لمالك، ومن جامع المسانيد الحاوى لروايات الإمام أبى حنيفة، ففى هذين الكتابين وغيرهما أحاديث يرويها الإمام مالك عن الإمام الصادق، والإمام أبى حنيفة عن الإمامين الباقر والصادق كليهما، مما يشعر بوجود الوداد بينهم، وأن الإمامين أبا حنيفة ومالكا يكنان الاحترام لهذين الإمامين من آل البيت.

ثم استحدثت آراء جديدة وتحول عظيم فى كل من تلك المذاهب، أما عند أهل السنة فقد برز شئ من التجديد على يد الإمام الشافعى، وتجديد أكثر على يد الإمام أحمد ابن حنبل، حيث رفض المذاهب كلها، ولاسيما التى بنيت على الرأى والقياس، وكانت همته مصروفة للرجوع إلى طريقة الصحابة والتابعين قبل ظهور المذاهب، وإلى الاعتبار بالحديث أكثر من ذى قبل. فظهر عند أتباعه مذهب جديد باسم المذهب الحنبلى. ثم برزت بعده عدة مذاهب، أشهرها مذهب الإمام داود بن على حيث أنكر القياس رأسا، واكتفى بالنصوص باستخراج الفروع منها، ومذهب الإمامية من هذه الجهة شبيه بهذا المذهب.

وآخر من استقل بمذهب منهم هو الإمام الطبرى (224- 310 هـ ) وبعده أغلق باب الاجتهاد المطلق، وإن جرت ودامت فى كل مذهب جهود مشكورة واجتهاد محدود على رأى إمامهم: واستدام الأمر كذلك حتى العصر الأخير الذى ظهر فيه التجديد فى الفكر الإسلامى الذى كان من أبرز آثاره فتح باب الاجتهاد عند كثير من علماء المذاهب.

أما المذهب الإمامى فظل فى عصر الأئمة عن آل البيت وما بعده إلى أواسط القرن الرابع الهجرى مكتفيا بالكتاب، وما روى من السنة عن الأئمة، مع شىء قليل من تفريع الفروع وإعمال القواعد الأصولية، فكأن الفقهاء هذا الوقت أقرب إلى  أهل الحديث من أهل الاجتهاد. وفى هذا الوقت توسعت طريقة الاجتهاد وعملية تفريع الفروع على يد رجال، كالشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (336 – 413= 947-1022 م) والشريف المرتضى على بن الحسين الموسوى (355- 436= 966-1044م) والشيخ أبى جعفر محمد بن الحسن الطوسى( 385- 460هـ = 995-1067 م)، ومعاصريهم ومن تتلمذ عندهم واقتفى آثارهم، فحينئذ تبدلت طريقة أهل الحديث بطريقة أهل الاجتهاد، وظهرت مؤلفات لهؤلاء و غيرهم فى علم أصول الفقه.

فهذه مرحلة من التجديد فى الفقه الشيعى الإمامى، ومن أبرز الفوارق بينها وبين المرحلة السابقة أن الفقه كان فى المرحلة الأولى مبنيا عنى دليل: الكتاب والسنة، ومحصورا فى النصوص، وفى هذه المرحلة انضم إليهما دليل ثالث هو الإجماع، ثم فى القرن السادس انضم إليها دليل رابع هو العقل بصورة رسمية، وكان له جذور فى المذهب، ولاسيما فى حقل العقيدة. فأصبحت الأدلة الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع ، والعقل مدارالاجتهاد والاستنباط عند فقهاء الإمامية إلى هذا العصر، مع ما ظهرت من التحولات فى كل عصر من قبل الفقهاء العظام فى الفقه الاجتهادى .

ولابد لنا من بيان المراد بهذه الأدلة الأربعة، فالكتاب متفق عليه بين جميع المذاهب، أما السنة فالمراد بها سنة النبى صلى الله عليه وسلم إلا أنها رويت من طريقين: طريق الصحابة، وهى ما دونت فى الصحاح والمسانيد وتمسك بها أهل السنة، وطريق أهل البيت، وهى ما جمعها الإمامية فى كتبهم وهى السنة الغالبة عندهم، استنادا إلى حديث الثقلين عن النبىصلى الله عليه وسلم : "إنى تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتى". وهذا حديث مشهور، بل متواتر إلى جانب حديثه آخر عنه صلى الله عليه وسلم ، وجاء فيه "كتاب الله وسنتى"، وللبحث عن هذين الحديثين مجال واسع. هذا مع أن فقهاء الإمامية إذا بلغهم شىء من سنة النبى- صلى الله عليه وسلم-  من غير طريق العترة بسند موثوق به يأخذون به وهذا كثير فى الفقه.

والمراد بالإجماع عندهم اتفاق جماعة يكون الإمام المعصوم من جملتهم، دون اتفاق الفقهاء كما عند أهل السنة، ولهم فى بيان ذلك، وفى أقسام الإجماع باع طويل فى علم الأصول.

أما المراد بالعقل عندهم فليس العمل بالقياس ولا الاعتبار بالمصالح المرسلة- لأنه تشريع محرم عندهم- بل المراد به ما استقل به العقل عند فقدان الدليل واعوزاز النص، فحينئذ يرجعون إلى ما حكم به العقل فى هذه الحالة، ويعبرون عنها بالأصول العملية التى تختلف مجاريها بحسب الحالات، وهى البراءة والاحتياط، والاستصحاب والتحييز وقسم كبير من أصول الفقه عندهم خاص بهذه الأصول ومواردها وأقسامها. وهذا التفصيل أيضا من ثمرات التجديد الذى نشرحه هنا.

بداية التجديد فى الفكر الإسلامى عند الإمامية:

وبعد هذا العرض السريع لطريقة الاستنباط عند الإمامية وخلفياتها نقول: منذ قرنين- أى من أواخر القرن الثانى عشر إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجرى- برز التجديد عند الإمامية فى ناحيتين: فى طريقة الاستنباط الفقهى، و فى حقل السياسة والاجتماع والقانون.

1- التجديد فى الاستنباط الفقهى:

كانت طريقة الاستنباط كما سبق مبنية على الأدلة الأربعة مع ما فيها من التقدم التدريجى والتوسع فى المباحث الفقهية والأصولية، إلى أن برز عالم محدث باسم المولى محمد أمين بن محمد شريف الاسترابادى المتوفى عام( 1033)(2)، وكان قاطنا بمكة ومات بها، وأستاذه الميرزا محمد على الاسترابادى والمتوفى (1028- 1619م) وكان قاطنا بمكة أيضا، ومع تضلعه البارع فى الحديث والفقه وفى علم الرجال، وله آثار فيها على طريقة أصحابه الإمامية بدا له رأى فى الرجوع إلى عصر المحدثين قبل القرن الرابع، فأوصى تلميذه أمين بأن يؤلف فى ذلك ويدعو الفقهاء إلى اتباعه، فألف هذا كتابه "الفوائد المدنية" التى فرغ منها عام (1031 بمكة المكرمة. وقد هجم فيها على الفقهاء، واتهمهم باتباع طريقة أهل السنة والرجوع عن طريق أهل البيت فأحدث ضجة فى الأوساط العلمية، ومال إلى طريقته جماعة من المحدثين والفقهاء أمثال المولى محمد تقى المجلس المتوفى عام (1070هـ = 1440 م ) والمولى محسن بن مرتضى الفيض الكاشانى (1008-1090 هـ = 1400-1480م )  وغيرهما، وحدث جدال عنيف بين أتباعه وأتباع المجتهدين. ومما يقول صاحب الروضات فى ذلك: "أسس بين أهل الحق أساس الخلاف والنفاق، وأوقد فيهم ثائرة الفتنة والشقاق ... فرق بين الأخباريين والمجتهدين " (3).

وهذا الرجل أنكر دليلين من الأدلة الأربعة، أى الإجماع والعقل، واكتفى بالكتاب والسنة مع حصره تفسير القرآن بما جاء عن الأئمة عليهم السلام، فرجع الأمر إلى الأخبار فقط، ولهذا سميت هذه الطائفة بـ "الأخبارية" فى قبال المجتهدين أو الأصوليين، وقد أنكر محمد أمين وأتباعه علم الأصول رأسا، واكتفوا بالأحاديث المروية فى الكتب الأربعة وغيرها.

وعندى رأى فى سبب اعتناقه مع أستاذه لهذه الطريقة، وهو أنهما عاشا بمكة مدة من الزمان بين الحنابلة والسلفية من أهل السنة، فأثرت فيهما طريقتهم، مع فارق بين الطريقتين وهو أن السلفية رفضوا آراء المذاهب، واكتفوا بالكتاب والسنة، مع التركيز على السنة الواصلة إليهم فى كتب الصحاح والمسانيد، أما الأخبارية فرفضوا الاجتهاد واكتفوا بما وصل إليهم من أقوال أئمة أهل البيت.

وعلى الرغم من بقاء الناس على اتباع المجتهدين، إلا أن موجة الأخبارية توسعت واعتنقتها جماعة من العلماء بين مفرط ومعتدل فى الهجوم على المجتهدين.

ومن المعتدلين ملا عبد الله التونى، والسيد نعمة الله الجزائرى، والشيخ يوسف البحرانى ، حيث رفضوا ما نسب محمد أمين إلى المجتهدين من تخريب الدين، يقول البحرانى بشأنه: "هو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين، بل نسبهم إلى تخريب الدين وما أحسن ولا أجاد، ولا وافق الصواب والسداد". (1) بل كاد أن يميل إليها السلطان فتحعلى شاه ثانى ملوك السلسلة القاجارية. بإغواء رجل من المفرطين باسم ميرزا محمد بن عبد النبى الأخبارى المقتول عام (1232هـ 1817م)  لولا أن صرفه عنها إمام كبير من المجتهدين باسم !الشيخ جعفر بن خضر الحلى كاشف الغطاء" (1154-1227 = 1723- 1812 م).

وبالجملة فهذه الحركة الإخبارية، أو البدعة الجديدة- كما كان المجتهدون يعبرون عنها- جعلت الفقهاء يقفون أمامها، وعدوها خطرا على ساحة الفقه، حيث تجعله عاجزا عن حل مشاكل الناس إلا على العمل بالاحتياط، الذى قد انتهت الأخبارية فى سيرها إليه، فكانوا يحتاطون فى الشبهات ولاسيما الشبهات التحريمية، مع أن طريقة الفقهاء المبنية على علم الأصول فيها مجال واسع للعقل وتناسق مع الحاجات التى تتزايد كل يوم. فقام الفقهاء بتقوية علم الأصول برؤية جديدة، وألفوا كتبا فى إبطال طريقة الأخبارية، وفرقوا بينها وبين المجتهدين بأمور أنهاها بعضهم إلى الأربعين ، وقد ذكر صاحب الروضات(5) ثلاثين فرقا .

وقد طالت المعارضة بين الفريقين حتى نبغ فى أواخر القرن الثانى عشر الهجرى عالم كبير عملاق فى طريقة الاجتهاد باسم: آقا محمد باقر البهبهانى المشهور بـ  "الوحيد البهبهانى  والأستاذ الأكبر( 1118- 1206هـ = 1706-1791 م) وكان معاصرا كبير الأخبارية حين ذات وكان من المعتدلين فيها- الشيخ يوسف البحرانى المتوفى عام(1186هـ ) وقد جرت بينهما محاورات معروفة فى تاريخ الاجتهاد. فألف الوحيد فى أبطال طريقة الأخبارية كتبا ورسائل، منها "رسالة الأخبار والاجتهاد. واجتمع عنده جماعة من الطلبة، فرباهم على طريقة الاجتهاد، فاستمروا على منواله وقد برز جملة منهم فى إيران والعراق، ولا نريد ذكر أسمائهم احترازا من الإطالة فقاموا بإرساء الطريقة الأصولية والاجتهاد، وحطموا طريقة الأخبارية حتى أخرجوا أتباعها من الساحة، فتركوها للأصوليين، وانعزلوا وتفرقوا أيادى سبا فى البحرين والبصرة والأحساء وغيرها. وقد بقيت منهم قلة فى هذه البلاد.

وبذلك حدثت نهضة عارمة فى أسلوب الاجتهاد، وبدت آراء جديدة من خلال هذا الجهاد الفكرى لبعض أتباع "الوحيد" ومن بعدهم، حتى جاء دور المجتهد الكبير، الإمام الزاهد الجليل الشيخ مرتضى الأنصارى

(1214- 1281= 1800- 1864م) الذى يرتقى نسبه إلى جابر بن عبد الله الصحابى- فأخذ عن هؤلاء فى النجف و كربلاء حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، ثم طاف بلاد إيران ليأخذ العلم عن كل من بقى منهم، حتى حضر عند المجتهد الكبير ملا أحمد النراقى المتوفى (1442= 1828م ) القاطن ببلدة "كاشان "- وكان قد تتلمذ فى شبابه عند الوحيد البهبهانى، ثم عند ميرزا محمد مهدى النراقى والده، والسيد محمد  مهدى بحر العلوم ( المتوفى عام 1212 هـ = 1797 م) وغيرهما من تلامذة الوحيد- فوجده بحرا فى الفقه والاجتهاد، وكانت له آراء جديدة، منها نظرية ولاية الفقيه التى تبناها الإمام الخمينى فى بناء النظام الإسلامى، ومنها "كفاية رؤية الهلال فى مكان واحد لجميع الأقطار التى تبناها الإمام الخوئى " أكبر مجتهدى العصر فى العراق، فأقام الأنصارى أربع سنين عند ملا أحمد النراقى فى تلك البلدة الصغيرة، فكمل دراسته ورجع إلى النجف، حيث صار من أكبر مدرسيها، ثم نال المرجعية العظمى بعد رحيل العلامة الشيخ محمد حسن المتوفى عام (1266هـ )، صاحب كتاب "الجواهر فى الفقه " وهو أكبر موسوعة فقهية عند الإمامية، بل عند سائر المذاهب الإسلامية حتى الآن.

وحدثت للأنصارى بعد هذا الجهد البليغ آراء مبتكرة فى الفقه والأصول، وهى لا تزال محور الأبحاث فى هذين العلمين، وقد جمع آراءه الأصولية فى كتاب "فرائد الأصول "، وهو من الكتب الدراسية العليا إلى هذا الوقت، وكل من جاء بعده فهو عيال عليه فى علم الأصول، وكذلك فى مباحث البيع، اتكالا على كتابه (المكاسب) وإن كانت لهم آراء جديدة إلا أنها تحوم حول آراء الأنصارى، مع شىء من النقض والإبرام.

وقد خرج من مدرسته علماء كبار كان لهم دور كبير فى حقل الفقه والسياسة وفى تأسيس النظام الدستورى فى إيران والعراقى، وبذلك ارتبط التجديد الفقهى بالتجديد السياسى والاجتماعى الذى سنتحدث عنه.

2- التجديد فى الفكر السياسى والاجتماعى:

التجديد فى الفكر السياسى عند الإمامية، وإن حدث بشكل واضح وملموس متزامنا مع حدوث التجديد فى مصر وفى شبه القارة الهندية وتركيا وغيرها من البلاد الإسلامية، كما سنتداوله بالبحث، إلا أنه كان له جذور قريبة وبعيدة عندهم ، أما البعيدة العهد فهى تلك النزعة الثورية التى نشأت عليها الشيعة من بدء تاريخها، وكانت منبعثة من أتباع الأئمة من أهل البيت الذين كانوا يقاومون الحكام دائما، إما حربا واما رفضا، وقد انتهت هذه النزعة الثورية إلى ثورات دموية وحركات سياسية فى شرق العالم الإسلامى وغربة، وآخر حركة من هذا النوع هى إقامة الحكم الشيعى فى بلاد إيران على أيدى الصفوية ، وهى إن كانت فى بدء ظهورها حركة صوفية إلا أن الفقهاء تدخلوا فى الأمور وأخذوا زمامها بأيديهم فأيدوها بكل ما عندهم من المقدرة العلمية والفقهية، حتى صارت مجارى الأمور بيدهم وكانت تسير تحت إشرافهم، وكان لهم دور كبير فى الحرب أو الصلح، حتى استقر المذهب فى البلاد، وبعدها جرت حروب بين الملوك القاجارية وإمبراطورية روسيا، وكان للعلماء دور كبير فى تحريض الناس إلى معارك الحرب، وعدة منهم شاركوا فى ساحة المعركة كالسيد محمد المجاهد، وملا أحمد النراقى الذى سبق الحديث عنه وغيرهما.

ولهم رسائل بعنوان: "الجهادية والخراجية" فالعلماء لم يكونوا منعزلين عن السياسة والحكم قبل هذا التجديد أيضا، وبذلك كانوا يتدخلون تدخلا مباشرا. فى أمور الناس، وفى الحكم والسياسة، حتى جاء دور التجديد الأخير، الذى قلنا إنه بدأ متزامنا مع التجديد فى سائر الأقطار الإسلامية مع وحدة المبدأ والمصير على يد عالم مفكر ثائر وهو السيد جمال الدين الأفغانى الأسد آبادى (1254-1315هـ = 1838 1897 م)  ولا مجال لنا فى هذا المقال للحديث عن موطنه الذى خرج منه، فقد بادر "المجمع العالمى للتقريب بين المذاهب الإسلامية" إلى إقامة مؤتمر فى طهران تكريما له، وتنويها بأعماله وآثاره بمناسبة مرور مائة سنة على وفاته قبل عامين، وبحث المؤتمرون حول السيد من جميع النواحى ومنها موطنه. ولم يبق شك عندنا من خلال الأبحاث أنه إيرانى ولد فى أسد آباد من أعمال همدان، وفيها عشيرته وأقرباؤه وبيوتهم وقبورهم، وقد زارها المؤتمرون- ويعرفون بـ "الجمالى" انتسابا إلى السيد. وقد ألف ابن أخته الذى كان معه عند حضوره فى إيران- وهو لطف الله الجمالى- كتابا فى ترجمته، ويرى معه فى الصور الفوتوغرافية.

وخلاصة حياته أنه ولد فى قبيلة من الأشراف قطنت تلك البلدة منذ عدة قرون ينسبون إلى الإمام الحسين- رضى الله عنه-، فخرج مع والده إلى قزوين فتعلم بدايات العلم، ثم أتى طهران عاصمة البلاد وحضر يوما مجلس عالم كبير هناك باسم السيد محمد صادق الطباطبائى ، وهو طفل لم يتجاوز العاشرة فسمع درسه ثم أشكل عليه، حتى أحس الأستاذ أن هذا الطفل الصغير نابغة فأمر بعمامة فوضعها على رأسه، وطارت قصته فى الأوساط العلمية فى البلد. ثم سافر إلى النجف الأشرف وحضر بحث المولى مرتضى الأنصارى الذى تحدثنا عنه فى هذه المقالة، وآنس بها الحركة الفقهية الجديدة واستفاد منها فى أعماله وآرائه. وبعد مدة من الزمن قال له أستاذه اذهب إلى الهند- لما رأى عنده من النبوغ- ليطلع على الحضارة الجديدة التى جاءت بها انكلترا، ويعرف العالم الحديث، فسافر إلى الهند، ومن هناك إلى أفغانستان، وكان له دور كبير فى البلدين، ثم سافر إلى القاهرة حيث بقى فيها ثمانى سنين، وكان يدرس علم الكلام والفلسفة الإسلامية، فحضر عنده جماعة، منهم الإمام الشيخ محمد عبده وآخرون، وهناك تجلت شخصيته العلمية والسياسية، وهناك قال لمحمد عبده: إنه من أفغانستان فاشتهر بالأفغانى من قبله، وكان يتظاهر بذلك فى كثير من الأقطار إلا فى إيران، فكان فى أفغانستان يوقع: "جمال الدين الرومى"، وفى مصر والهند وتركيا: "جمال الدين الأفغانى"، وفى إيران وفى رسائله إلى الإيرانيين: "جمال الدين الحسينى"، كل ذلك حذرا من وقوف الناس على مذهبه، فيمنعهم ذلك من الحضور عنده والاتصال به، ومع ذلك فنحن لا نصر  على ذلك، كما كان السيد نفسه إلى آخر أيام حياته يتحاشى عن إبراز موطنه.

وبعد هذا العرض السريع عن حياته وموطنه نتحدث بموجز عن أفكاره وأعماله وآثاره الحكيمة التى منها هذا الذى نسميه "التجديد الفكرى فى الإسلام" ، فقد أثار هذا السيد حركة سياسية واجتماعية بل ثقافية واسعة فى بلاد الإسلام، وقد طاف بها، والتقى فيها برجال الحكم وبرجال الدين معا، ونفث فى نفوسهم روحا جديدة وفكرا ثوريا، كما طاف فى بلاد الإفرنج ولاسيما انكلترا وفرنسا وروسيا، وبقى فيها زمنا تعلم لغاتها وعرف مصير الحياة فيها، وآنس التجديد العلمى  والثقافى والسياسى فى تلك البلاد، كما التقى فيها ببعض أصحاب الرأى والمستشرقين. فحصلت لديه خبرة استفاد منها فى دعوته الإصلاحية فى بلاد الإسلام، إضافة إلى ما عنده من العلوم والمعارف الإسلامية، ومن النبوغ والفراسة والجريدة التى قال عنها الإمام عبده: (6) "إنها لم توجد إلا فى الأنبياء عليهم السلام. علاوة على زهده وشجاعته،  لأنه ما كان يخاف إلا الله جل جلاله، وكان خطيبا بليغا يتصرف فى النفوس ويسيطر على  العقول ".

وقد بدأ حركته الإصلاحية ابتداء من أفغانستان، ثم الهند، ثم مصر، ثم إيران وابتداء وانتهاء بـ  (تركيا)، حيث توفى أو استشهد فيها فى سبيل الإسلام، ودفن فيها، ثم نقل جثمانه إلى أفغانستان.

وكانت حركة الأفغانى جامعة ذات شعب.

أولا: بعث حياة جديدة فى الأمة الإسلامية كى تستيقظ من رقدتها وتصحو من غفلتها، تتقدم إلى الأمام وتتخلص من دناءتها وتأخرها، وتعرف موقفها بين الأمم فى العالم الحديث.

ثانيا: إرجاعها إلى الإسلام الأصيل الذى جاء به نبيها، وعمل به المسلمون

فى صدر حياتهم، فبلغوا إلى تلك العزة والعظمة. كذلك رجوعها إلى فهم صحيح للكتاب والسنة عاريا عن الشوائب ومتحذرا من الانحراف عن الصراط المستقيم إلى الجرى على ضوء العلم والدين معا وفق متطلبات العصر.

ثالثا: الدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية سياسيا وثقافيا واقتصاديا، والتركيز على إقامة العدل فى جميع المستويات ولاسيما فى حقل الحكم والسياسة، وقد بذل السيد جهده طوال حياته الإصلاحية، وأحدث ضجة كبيرة فى البلاد التى زارها وأقام فيها مدة طالت أو قصرت، ولاسيما عند المثقفين وأولى الأمر وأصحاب الفتوى فى تلك البلاد. وقد ربى فيها جيلا من العلماء والشخصيات ولاسيما فى مصر، مثل الإمام محمد عبده (1266-1323 هـ =  1849- 1905م )، وغيره، ممن كان لهم دور كبير فى الجهاد السياسى والثقافى والدينى. وهناك رجال فى الهند وإيران وتركيا ممن دعوا إلى إقامة العدل فى حقل السياسة والحكم الدستورى فى تلك البلاد والاستخلاص من نير الاستعمار الأجنبى، والاستبداد الداخلى ولاسيما فى مصر والهند.

ونحن نعرف أن كثيرا منهم التقوا بهذا السيد وأخذوا منه الفكر الثورى والسياسى، وطريقة مجابهة الاستعمار والاستبداد وأذنابهما فى تلك البلاد، وهذا أمر معلوم عندكم فى مصر لا يحتاج إلى البيان.

ونخص بالذكر بلدنا إيران فإن أكثر المصلحين فى القرن الرابع عشر الهجرى كانوا ممن التقوا بالسيد لدى رحلته إليها مرتين فى أواخر القرن الثالث عشر الهجرى(7).

منهم السيد محمد الطباطبائى أحد الدعاة إلى الحكم الدستورى، وهو ابن السيد محمد صادق الطباطبائى، أول من كشف الستار عن نبوغ السيد وهو صبى لم يبلغ الحلم، والذى ألبسه لباس علماء الدين. ومنهم بعض الصحافيين الذين أيدوا الحكم الدستورى فى خارج إيران، مثل السيد جلال الدين الحسينى الكاشانى (مؤيد الإسلام) فإنه بعد ما تعلم فى أصفهان والنجف الأشراف عاد إلى إيران، والتقى بالسيد جمال الدين الأفغانى فى (بندر عباس) حيث توقف فيها خمسة وأربعين يوما، وكان يعايش السيد فيها ليل نهار، وبعد مدة من الزمن قام فيها بأعمال إصلاحية ذهب إلى بمباى عام 1308هـ ثم إلى كلكتا، وكانت له مكاتبات ورسائل إلى السيد حينما كان مقيما فى لندن. وعلى أثر ذلك قام بنشر الصحف، ومنها "جريدة حبل المتين " التى كانت تنتشر فى إيران وتحرض الإصلاحيين إلى الصمود والقيام. فكان لهذه الجريدة دور كبير فى استقرار الحكم الدستورى فى إيران (8).

والذى يلفت النظر هو التماثل الفكرى والثقافى بين من تأثر بالسيد فى إيران وفى مصر. جاء فى ترجمة الإمام عبده فى كتاب الأعلام للزركلى: قال أحد من كتبوا عنه تتلخص حياته فى أمرين: الدعوة إلى تحرير الفكر من قيد التقليد، ثم التمييز بين ما للحكومات من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة.

وفى نفس الوقت كان يعيش عالم فى إيران ممن تأثر بالسيد باسم "الشيخ هادى نجم آبادى" المتوفى عام 1319 هـ أى قبل "محمد عبده " بأربع سنوات، وبعد السيد بأربع سنوات- كان يدعو الناس- وهم يجتمعون خارج بيته عند الباب كل يوم إلى تحرير الفكر، الى إقامة العدل والحكم الدستورى. وله كتاب باسم  "تحرير العقلاء"، وكان يجاهد فى سبيل تنوير الأفكار وإقامة الدستور، حتى استقر بعده بخمس سنين فى عام 1324 هـ (9).

ومهما نسينا أثر السيد ودوره فى إيران والعراق، فلا ننسى تلك الرسائل التى أرسلها بعد خروجه من إيران فى زيارته الثانية إياها إلى رأس علماء الشيعة، والمرجع الأعلى: السيد محمد حسن الشيرازى(  1230-1312 هـ ) فى العراق- وكان من أكبر تلامذة الشيخ الأنصارى، والقائم مقامه فى المرجعية الكبرى- وكذلك إلى أكبر علماء البلاد فى إيران (10).

وقد هاجم فيها تلك المعاهدة الاستعمارية التى عقدها شاه إيران ناصر الدين شاه المقتول عام 1313هـ  مع انكلترا بشأن انحصار التنباك، حيث قاموا جميعا ضدها فحرموا (11) شرب التتن فامتنع الناس من شربه حتى زوجات الشاه فى البلاط، فأجبر الشاه على نقضها ورفع اليد عنها.

وهذه الحركة من أبرز أعمال السيد فيما يرتبط بإيران والعراق، وكانت أول مرحلة من مراحل الجهاد لإقامة الحكم الدستورى، وهدم نظام الاستبداد فى البلدين، ثم تلاها قيام المسلمين شيعة وسنة فى العراق تحت قيادة الشيخ محمد تقى الشيرازى المتوفى عام (1338هـ= 1920م)، وقبله بزعامة السيد محمد كاظم اليزدى (1247-1337هـ = 1831- 1919م)- وكانا من تلامذة السيد الشيرازى، ومن أكبر مراجع التقليد بعد رحيل السيد الشيرازى- ضد انكلترا حينما احتلت العراق بعد الحرب العالمية الأولى فأخرجوها منها ونالوا الاستقلال الذاتى وحرروا البلاد.

وللحديث عن دور السيد ومن تأثر به من علماء الدين ورجال السياسة فى إيران والعراق وتركيا ومصر وغيرها مجال واسع. وبذلك حدث التجديد السياسى والثقافى والفقهى معا للشيعة الإمامية فى بلادهم، ولاسيما فى إيران والعراق. وقد قلنا آنفا: إن هناك علاقة وثيقة بين تلك الحركة الفقهية التى بدأت فى آواخر القرن الثانى عشر، وهذه الحركات السياسية والثقافية فى بداية القرن الرابع عشر وآوأخر القرن الثالث عشر الهجرى.

 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المراجع

(1)الأحزاب: 20.

(2) روضات الجنات- الطبعة الحجرية ص 33. والذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 14 ص 358.

(3) المصدر السابق ص 23  و 123 .

(4) المصدر السابق: ص39.

(5) المصدر السابق: ص 34.

(6) حياة الإمام محمد عبده: أعمال الأفغانى.

(7) رسائل مشروطيت تأليف الدكتور غلا محسين زركرى نزاد ص 77.

(8) تاريخ نهضتهاى فكرى إيرانيان. تأليف عبد الرفيع- المجلد الأول. ص 420.

(9) تاريخ نهضتهاى فكرى، ج 3، ص1229.

(10) هذه الرسائل جاءت فى كتاب حياة الإمام محمد عبده فى أعمال السيد جمال الدين الأفغانى.

(11) تاريخ نهضتهاى، فكرى، ج 3، ص 1223  وفى غيرها من المصادر الكثيرة.

 

 

 

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع