الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
ا لتنطيروالتأ صيل

التنظير والتأصيل

لفقه الأقليات الإسلامية

الأستاذ/ محمد المختار بن امبالة

رئيس المجلس الإسلامى الأعلى

الجمهورية الإسلامية الموريتانية

الحمد لله رب العالمين، اللهم مثل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه... وبعد

إن التجديد ظاهرة صحية وضرورة اجتماعية تمليها ظروف الحياة المتجددة وتطوراتها المتلاحقة، ولم يكن المجتمع الإسلامى فى فترة من فترات تاريخه الطويل أحوج إلى التجديد منه اليوم، حين تواجه البشرية عموما مرحلة تحول حضارى عالمى مذهل ومحير طال المعايير والموازين والمبادىء والأخلاق، ولم ترس سفينته بعد، فما تزال تمخر فى عباب بحره المتلاطم، ولا تدرى هل تتعثر أو تصل إلى بر الأمان؟ ولا ندرى متى يكون ذلك؟

والمجتمع الإسلامى ليس إلا جزءا من هذا المجتمع المتحول السائر هذه المسيرة الحتمية التى لم تتحدد وجهتها بعد، لذلك يحتاج إلى فكر جديد تصيغه عقول متنورة وأفهام متبصرة، عاشت هذا الواقع وسبرت أغواره وأنجاده، وحللت ظواهره وأبعاده، عقول متنورة بنور المعرفة، متقيدة بضوابط الشريعة، متحررة من الجمود والتقاليد والعادات، ملتزمة بالثوابت دون المتغيرات.

إذ لا يمكن أن نواجه هذا العصر وما فيه من تحديات وتحولات وإشكالات بأفكار صيغت فى ظروف مغايرة تماما للظروف التى نعيشها اليوم.

فقد أصبحنا نعيش ظروفا سياسية واقتصادية واجتماعية لم نعهد مثلها فيما مضى، وتحتم علينا التجديد والاجتهاد، وان كان فرض الاجتهاد الفقهى قد ضيعته الأمة فى فترات تاريخية مديدة، واكتفت بالتقليد وحلت به مشاكلها حلولا آنية، فإن الوقت لا يسمح لنا بذلك فالوضع أشد تعقيدا، والتحديات أكبر والتقليد عاجز عن حلها، فعلينا أن نحصل هذا الغرض، وأن نشمر حتى نصل إلى هذه الرتبة السامية، ولنحذر من القفز قبل التأهل، ومن التزبب فى مرحلة التحصرم، فإن ذلك بمثابة المريض الذى تدفعه حاجة التداوى إلى الاستغاثة بغير الطبيب.

 إن واقعنا اليوم يطرح إشكاليات عديدة لا شك أن شريعتنا الخاتمة تستوعبها بأصولها وقواعدها ومقاصدها، وإن كانت لا تستوعبها بنصوصها وفروعها، ومع ذلك لم تجد حلا إلى الآن نتيجة لغياب الاجتهاد الفقهى، وانعدام المجتهد المطلق الذى ينطلق فى فتاويه وأحكامه من مقاصد الشريعة وأدلتها العامة مراعيا جلب المصالح ودرء المفاسد، وقد كان دأب النظار من الفقهاء المجتهدين فى العصور القديمة أن يعالجوا الأحوال الطارئة فى حياة المسلمين باستنباطاتهم الفقهية المستمدة من نصوص الوحى، وأصول الفقه وقواعده، ومقاصد الشريعة وأسرارها، فأظهروا بذلك شمولية شريعتنا وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وهى صلاحية ما تزال تحتفظ بها وستظل كذلك، سواء وجد من يستفيد من تلك الصلاحية أم لم يوجد. إن من مشاكل واقعنا المعاصر التى لم تكن معروفة من قبل هى وجود أقليات إسلامية بصفة دائمة ومستمرة قى بلاد لا تدين بالإسلام، ولا تعترف بسلطانه، وهذه حالة لم تكن معروفة من قبل، وما عرف منها فى النادر الشاذ لم يكن بهذا الحجم ولا بهذا الشكل، وأصبحت هذه الأقليات تمثل وجودا للإسلام فى بلاد الكفر فى غاية الأهمية إذ بها تنتشر الدعوة الإسلامية، ويزداد دخول الناس فى الإسلام، وتتضح الصورة الحقيقية للإسلام بما فيه من عدالة ورحمة وسعة، بل أصبح يراود المسلمين فى السنوات الأخيرة شعور بالأمل فى أن يكون لهذه الأقليات حضور أكبر فى ظل الديمقراطية الغربية حتى يكون لها تأثير على مستوى القرار، مما ينعكس إيجابيا على البلاد الإسلامية. ولكنها فى الوقت نفسه تعانى من مشاكل كثيرة تطرح بسببها أسئلة فقهية كبيرة نابعة من واقعها الحضارى المعقد، ووضعها الاستثنائى فى إطار مجتمع له تشريعاته وقوانينه التى لا تمت إلى الإسلام بصلة، وهذه الأسئلة كثيرة ومتنوعة، بعضها يتعلق بالمعاملات المالية حيث يسود التعامل بالريا ويشرع، ويؤاجر المسلم نفسه للكافر فيعمل معه فى محلات تقدم فيها الخمور والخنازير، وبعضها يتعلق بالأحوال الشخصية حيث تنعدم الذكاة الشرعية وتمنع فى بعض الأحيان، ويسلم أحد الزوجين ويبقى الآخر كافرا... إلى غير ذلك، وبعضها يتعلق بالمرجعية عند التنازع والخصام، حيث تنعدم المرجعية الإسلامية، وتتفرد القوانين والمحاكم الكفرية بالمرجعية، فماذا يفعل هؤلاء المسلمون لو أن هذا الوضع حدث فى طور ازدهار الاجتهاد الفقهى وتعدد المجتهدين وقدرتهم على الاستنباط من الكتاب والسنة، وتأصيل الأحكام وتعليلها لوجدت الحلول المناسبة والإجابات الشافية، ولكن مع الأسف حدث هذا الوضع فى عصر الجمود والتقليد وضعف الاجتهاد وقلة أهله، فأصبح عبئا ثقيلا على الفقه الإسلامى، إذ لا تمكن معالجته من خلال تراثنا الفقهى، وإنما تمكن معالجته من أصول هذا الفقه وقواعده ومقاصد الشريعة وأدلتها العامة، إذا وجد من يصلح لأن ينظر فى ذلك ويستثمره.

وعلى كل حال فإن واقع هذه الأقليات الإسلامية التى نرجو لها أن تكون أكثريات فى القريب العاجل لابد أن ينظر إليها بعين الاعتبار، إذ لا يمكن أن تعامل بما تعامل به المجتمعات التى تعيش فى ظل دول إسلامية، وفى وطن إسلامى، مما يستدعى منا أن ننتج فقها جديدا يدعى (فقه الأقليات الإسلامية). ولكى ننتج هذا الفقه لابد من دراسات جادة وهادفة تنطلق من أصول الشريعة وقواعدها العامة، وتراعى واقع هذه الأقليات حتى تتكون لدينا ثروة فى مجال التنظير والتأصيل والتأطير لهذا الواقع تكون أساسا للانطلاق نحو هذا الفقه المنشود. وفى هذا الإطار فإنى أحاول أن أساهم مساهمة متواضعة فى بناء هذا الأساس أرجو أن يكون لها القبول عند الله، وأن تساهم فى تنوير الآراء التى تريد التخفيف من معاناة إخواننا العاضين على دينهم فى ديار غربة الإسلام، وذلك تحت عنوان:

التنظير والتأصيل لفقه الأقليات الإسلامية

ونهدف من وراء هذه المحاولة إلى إبراز ما يلى:

أ- بعض مقاصد الشريعة التى يمكن توظيفها فى فقه الأقليات الإسلامية.

ب- بعض القواعد التى يمكن توظيفها فى فقه الأقليات الإسلامية.

ب- مقترحات تتعلق بفقه الأقليات الإسلامية.

أولا: المقاصد:

لا شك أن شريعتنا الإسلامية جاءت لحكم وأسرار وعلل تحقق مصالح العباد فى الدين والدنيا، علم ذلك من علمه وجهله من جهله. وقد هدى الله بنور الإيمان والتوفيق إلى ذلك طائفة من علماء هذه الأمة بحثوا فى ذلك وقرروه وأصلوه وبرهنوا عليه باستقراء النصوص والأحكام، وفى مقدمة هؤلاء الإمام الشاطبى،  وإن كان لم يهتم بتعريف المقاصد وإنما اهتم بإثباتها وإظهارها بالبرهان القاطع، فإن آخرين اهتموا بتعريفها من أمثال محمد الطاهر بن عاشور، وعلال الفاسى، فيقول الأخير معرفا المقاصد تعريفا موجزا: (المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها، والأسرار التى وضعها الشارع عند كل من أحكامها) (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها ص 3) ويقول أيضا فى موضع آخر: المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح فى العقل وفى العمل، واصلاح فى الأرض، واسننباط لخيراتها، وتدبير لمنافع الجميع. (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها ص: 41،42).

والمقاصد التى نتعرض لها هنا هى المقاصد التى نرى أنها يمكن توظيفها توظيفا مباشرا فى أحكام تتعرض لها هذه الأقليات، ويدخل عليها الحرج بسببها ومن ذلك:

1- نشر الإسلام وحمل الدعوة وتبليغها:

لا شك أن هذا مقصد أساسى من مقاصد الشريعة الإسلامية، دلت لذلك نصوص وتشريعات كثيرة، قال الله تعالى: ( يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا)  (الأحزاب : 45- 46) وقال تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)

 (النحل: 25)  وقال تعالى: ( وجاهدهم به جهادا كبيرا(  (الفرقان : 52) وشرع سبحانه وتعالى قتل الأنفس فى سبيل نشر هذه الدعوة وتبليغها، قال تعالى: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ) (التوبة 111) وقال صلى الله عليه وسلم  فى الحديث الصحيح: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تحث على الجهاد وترغب فيه وتبين حدوده وأحكامه، وتحث على الدعوة والتبليغ.

هذا إلى جانب سيرته صلى الله عليه وسلم ، وسيرة خلفائه الراشدين وأصحابه البررة الذين بذلوا مُهجهم فى سبيل نشر هذا الدين وتبليغ دعوته. مما يجعلنا نقطع بأن هذا الأمر من أعظم مقاصد الشريعة وأهمها، وسيظل هذا المقصد قائما، ولكن يمكن أن تتغير وسائله، وقد أصبح حمل الدعوة وتبليغها إلى ديار الكفر مستحيلا إلا  بالطرق السلمية التى تمكن من تطبيق قوله تعالى: (  ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة(  (النحل: 125) ولن يتأتى ذلك إلا بوجود جماعات إسلامية فى بلاد الكفر تحمل هذه الدعوة، وتشرح مبادئ الإسلام، وتظهر محاسنه، وتبدى مثله العليا، هذا من أعظم أنواع الجهاد وهو الممكن اليوم، فلا يجوز أن يقال بتعطيله.

يقول عبد العزيز بن الصديق الغمارى: "ولما تعطل الجهاد بالسيف ونشر كلمة التوحيد بالقوة، وجب اًلاًّ يتعطل الجهاد باللسان، والتبليغ بالبيان والتعليم. وذلك لا يكون ولا يمكن إلا بالإقامة بينهم " ، وهذا وحده كاف للمسلم فى الترغيب فى الإقامة فى أوروبا وأمريكا وغيرهما من بلاد الكفر، وهى أفضل من الإقامة ببلاد المسلمين كما قال الماوردى رحمه الله تعالى.

وهذا معلوم فى شريعتنا وديننا ولا يحتاج إلى تقرير، بل ما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلا ليدعو إلى دين الله تعالى وطاعته. وأمر أمته بذلك أيضا. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم  أن هذا الدين سيظهر ولا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا دخله، وقد بدأ يظهر الآن مصداق هذا الحديث بسبب العمل الذى يقوم به المسلمون المقيمون فى أوروبا وأمريكا من الدعوة إلى دين الله تعالى، وتعريف الكفار بكلمة التوحيد الواجب على العبيد (حكم الإقامة ببلاد الكفار ص 42- 43).

ويمكن توظيف هذا المقصد فى حسم الخلاف فى جواز إقامة مثل هذه الأقليات ببلاد الكفر، ومن ثم توظيفه فى التماس الرخص والسهولة واللين لهذه الأقليات ما دامت تضطلع بهذه المهمة النبيلة وتخدم هذا المقصد الشرعى.

 وتوضيح ذلك أن إقامة جماعة من المسلمين فى ظل دولة كافرة لا تقيم للإسلام وزنا ولا تعيره اهتماما، ويخضع الجميع فى ظلها للقوانين والتنظيمات التى لا تمت إلى الإسلام بصلة حالة شاذة وغير مرغوب فيها، وغير معهودة فى الإسلام، بل المعهود عكسها وهو تبعية غير المسلمين للإسلام وعزة الإسلام وغلبته، وقد وجدت مثل هذه الحالة فى أواخر القرن الرابع الهجرى فى الأندلس

عندما سقطت الخلافة الإسلامية فيها، واستولى المسيحيون عليها فظهر ما يعرف بالمدجنين، وبالمسلمين الذميين- حسب تعبير الونشريسى فى المعيار- وهم فئات من المسلمين بقيت فى أوطانها الأصلية لم تهاجر، وخضعت لسلطان الدولة المسيحية، ولكنها لم تطرح فى ذلك الوقت إشكالات فقهية كبيرة مثل ما هى الحالة الآن، للاختلاف البين بين الأوضاع القائمة آنذاك والأوضاع القائمة اليوم ، فبساطة المجتمع فى ذلك الوقت، وانعدام النظم المعقدة إلى جانب مستوى المسلمين فى ذلك الوقت حيث سمح لهم بنوع من الاستقلال فى الأنشطة والمعاملات الخاصة بهم، فكان لهم قضاتهم وشهودهم وقوانينهم  وأحكامهم الجارية فيما بينهم على مقتضى الشريعة الإسلامية.

نظرا لهذا الواقع فإن المتتبع للتراث الفقهى المتعلق بهذه الجماعات يلاحظ أنها لم تطرح مشاكل إلا فيما يتعلق بحكم بقائها تحت سلطان دولة كافرة، ويتفرع عن ذلك حكم شهادتهم، أو فيما يتعلق بتولية قضاتهم من طرف السلطة الكافرة.

وقد ناقش الونشريسى فى الجزء الثانى من المعيار هذه الإشكالية فشنع على هؤلاء المسلمين المقيمين ببلاد غير الإسلام مقررا وجوب هجرتهم ولم يقبل لهم عذرا، وقال: "إنهم عصاة بإقامتهم فى دار الكفر ولو كان يدخل عليهم أشد الضيق فى المعيشة بسبب انتقالهم عن أوطانهم "، وقال: "إن مصلحة الدين مقدمة على مصلحة الدنيا، وأن الواجب الفرار من دار غلب عليها أهل الشرك والخسران إلى دار الأمن والإيمان، فلا عذر بوجه لمستطيع لو لحقه ما لحقه من ضيق المعيشة وانقطاع الكسب، وإنما العذر للمستضعف العاجز رأسا الذى لا يستطيع حيلة ولا يهتدى سبيلا". (المعيار ج 2 ص 132).

فلم يراع الونشريسى ضرورة معاش ولا مصلحة دعوة، ورد على من يقول بعدم وجوب الهجرة بعد فتح مكة وزوال الخوف اعتمادا على حديث: (لا هجرة بعد الفتح) فقال: " إن الذى  انقطع بفتح مكة هو وجوب الهجرة للخوف على الدين والنفس، إذ لم يبق هناك خوف" ووجوب الهجرة إلى النبى- صلى الله عليه وسلم- على من أسلم بمكة،  وإن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لا ينقطع وجوبها أبدا، فتجب فى كل الأعصار وتاركها راض بالذل والهوان وعدم احترام الإسلام إلى آخر كلامه ". ( المعيار ج 2 ص 126).

ولا ينفرد الونشريسى وحده بهذا الموقف، بل مثله فيه علماء آخرون.

لكن المازرى يبدو أكثر مرونة وأوسع نظرا فى هذه المسألة من غيره- وهو ممن عاصر هذا الواقع وشاهده- حيث أجاز لهم الإقامة تحت طائلة الضرورة أو لرجاء مصلحة الدعوة، إذ يقول فى فتوى له تتعلق بأحكام قاضى صقلية وشهوده: "وهذا المقيم ببلد الحرب إن كان اضطرارا فلا شك أنه لا يقدح فى عدالته، وكذا إن كان تأويله صحيحا مثل إقامته ببلد أهل الحرب لرجاء هدايتهم أو نقلهم عن ضلالة ما"، وأشار إليه الباقلانى، وقال: " إن تولية هؤلاء الكفار قضاة مسلمين يحجزون بعض الناس عن بعض واجبة، وإن كانت تولية الكافر باطلة فلا يقدح ذلك فيهم وننفذ أحكامهم كما لو ولاهم سلطان مسلم ". (فتاوى المازرى ص 365- 366) وقد تناول هذا الموضوع بعض علماء الشناقطة، ومن  أكثرهم فيه تفصيلا الشيخ سيدى المختار الكنتى  (ت 1241هـ) حيث قسم الديار إلى أربعة أقسام:

- دار إسلام وسنة وعافية.

- دار إسلام وظلم وبدعة.

- دار كفر وأمان.

- دار كفر وظلم.

وقال: إن القسم الأول هو الذى تجب سكناه والهجرة إليه من جميع ما بعده، وإن القسم الثانى تجب الهجرة إليه مما بعده، وإن القسم الثالث يجوز السفر إليه ولا تحل سكناه، وإن القسم الرابع لا تجوز سكناه ويحرم السفر إليه إن كان يخاف على نفسه، أو يخاف أن يكره على فعل محرم، ويكره إن كان، إنما تؤخذ منه إتاوة كما تؤخذ فى بلاد الإسلام. (فتاوى الشيخ باى بن الشيخ سيد محمد- مخطوط) فكأنه يوافق الونشريسى فى رأيه، ولكنه أكثر منه تفصيلا، غير أنه لم يتعرض للمصالح التى تترتب على الإقامة، والمفاسد التى تنشأ عن الانتقال، وهو أمر اهتم به الشيخ عبد العزيز بن الصديق الغمارى،  وهو أدرى بالواقع اليوم لأنه معاصر، فألف رسالة فى جواز الإقامة ببلاد الغرب سماها (حكم الإقامة ببلاد الكفار) واحتج فيها للجواز، بل قال بالوجوب فى بعض الأحيان مراعيا ما يترتب على ذلك من مصالح الدعوة، وتحصيل العلوم النافعة التى هى أساس التقدم والقوة ويجب تحصيلها على المسلمين، قائلا: "إن علة وجوب الهجرة عدم الأمن على الدين، وأن المسلم فى بلاد الغرب يأمن على دينه أكثر مما يأمن عليه فى بلاد الإسلام، وركز على الأمن على الدين والخوف عليه باعتبارهما أساسا لوجوب الهجرة وعدم وجوبها. وهذه هى الفكرة العامة التى تتضمنها رسالته.

2- ترغيب الناس فى الإسلام:

يبدو لى أن الناظر فى الشريعة الإسلامية يفهم من مجموعة من الأحكام والتشريعات أنها قصدت الترغيب فى الإسلام، وفتحت الباب على مصراعيه لكل من تسول له نفسه الدخول فى الإسلام، فتضمن له المستقبل، وتطهره من كل ما مضى، حتى لا يبقى عنده خوف، ولا تقوم أمامه عرقلة، ويفهم ذلك مما يلى:

أ- أن الكافر بمجرد دخوله فى الإسلام تغفر ذنوبه  وإن كانت مثل زبد البحر ويبقى كمن ولدته أمه فى ذلك اليوم، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: "الإسلام يَجُّب ما قبله".

وقد اتفق علماء الأمة على أن توبة الكافر مقبولة قطعا، واختلفوا فى توبة المؤمن هل قبولها قطعى أو ظنى.

ب- أن الكافر إذا أسلم يقر على نكاحه، ولا ينظر فى عقده، ولا فى صداقه،ولا فى حيثية من حيثياته الأخرى، المهم ألا يكون فيه ما يمنعه فى الحال كالتحريم بسبب النسب أو الصهر أو الرضاع، وألا يزيد على أربع،  وإذا كان عنده أكثر منهن فليختر أربعا، ولا يتدخل له فى ذلك الاختيار، فيمكن أن يختار الأوائل ويمكن أن يختار الأواخر، كما فى حديث غيلان بن أمية فى الصحيح حيث قال له صلى الله عليه وسلم : (اختر أربعا وفارق سائرهن).

جـ الله سبحانه وتعالى جعل فى الزكاة سهاما للمؤلفة قلوبهم !ن كانوا أغنياء.

د- إن الكافر إذا أسلم وله مال جمعه من الحرام كالربا وثمن الخمر والخنزير حل له بدليل قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله) (البقرة: 275) (التقسيم والتبيين لأبى زكرياء الشبلى ص 305).

هـ إن الكافر إذا أسلم وتحت يده مال سباه من مسلم أقر عليه بلا ثمن عند المالكية مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم : "الإسلام يجب ما قبله". وبأن للكافر شبهة ملك فيما حازه لقوله تعالى: )  للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم )  (الحشر: 8) فسماهم فقراء بعد هجرتهم ولهم أموال وديار تحت أيدى الكفار، ومستدلين أيضا  بالإجماع على عدم ضمان الكافر له إذا استهلكه (ذخيرة القرافى ج 13/ 441).

و- ما نقله القرافى فى الذخيرة عن أبى حنيفة من أن المسلم إذا ارتكب موجب حد فى دار الحرب لا يقام عليه الحد مخافة التنفير، فنقل عنه أنه قال: "كل ما يوجب الحد لا يوجبه إلا مع الإمام نفسه لأن ذلك ينفر القلوب ويفرق الكلمة ويوجب الدخول لدار الحرب والردة". (الذخيرة، ج 13 ص 411).

فهذا كله يدل على أن الشريعة الإسلامية قصدت إلى ترغيب الناس فى الإسلام وأن العلماء فهموا ذلك منها فأعطت للداخل الجديد كل الضمانات التى تجعله يطمئن على كل أموره الأساسية، وتنازلت له عما لا تتنازل عنه للمسلم الأصلى. ويمكن توظيف هذا المقصد إذا ثبت فى أحكام كثيرة تتعلق بالمسلمين الجدد مثل من أسلم وتحت يده ثروة جمعها من سحت، ومن أسلمت وبقى زوجها كافرا إذا وجد العالم المجتهد القادر على توظيف ذلك عن طريق الاجتهاد، أما غيره فلا، وكذلك قاعدة: "هل الدوام كالابتداء أم لا"؟ وهى قاعدة خلافية ذكرت كثيرا فى كتب الفقه والقواعد وأشار لها الزقاق فى المنهج بقوله:

وهل دام كابتدا كمن حلف           أو صح أو أحدث والذ لم يقف

وهى قاعدة يمكن توظيفها للمسلمين الجدد أيضا.

وأنا لست من القادرين على ذلك، ولست بعالم ولا أقول بهذا الرأى ولا أوافق من قال به من الباحثين فى هذا المجال، ولكنى أريد لفت انتباه أهل العلم إلى ما اهتدى إليه من أصول وقواعد يمكن استثمارها فى صناعة فقه الأقليات الإسلامية.

3- السماحة:

وهى مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية الأساسية، وسمة بارزة من سمات أحكامها، والسماحة هى السهولة واللين، وتعنى هنا سهولة المعاملة فى اعتدال، وقد عرفها محمد الطاهر بن عاشور بقوله: ( والسماحة السهولة المحمودة فيما يظن الناس التشديد فيه، ومعنى كونها محمودة أنها لا تفضى إلى ضرر أو فساد) (مقاصد الشريعة الإسلامية  ص: 61).

والدليل على أنها من مقاصد الشريعة الإسلامية  ما فى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من آيات وأحاديث تدل على اليسر والرفق ورفع الحرج، قال تعالى :  ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )  (البقرة: 286)، وقال تعالى: ( وما يريد الله ليجعل عليكم من حرج )  (المائدة: 6)، وقال تعالى: ( يريد الله بكم  اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة: 185) وفى الحديث الصحيح عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن النبى- صلى الله عليه وسلم-  قال: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة" (صحيح البخارى).

وفى صحيح البخارى أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه  أن النبى- صلى الله عليه وسلم-  قال: "إن الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه" (صحيح البخارى) وفيه أيضا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعث عليا ومعاذا- رضى الله عنهما- إلى اليمن وقال لهما: " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" (صحيح البخارى).

وقالت عائشة رضى الله عنها: "ما خير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما".

وذكر الشاطبى فى مواضع متعددة من الموافقات أن الأدلة على رفع الحرج عن هذه الأمة بلفت مبلغ القطع.

وهذا المقصد عام يمكن للمجتهد توظيفه فى كل القضايا التى يدخل على الناس بسببها الحرج.

وقد نبه الشاطبى إلى أمر هام وهو أن الحرج إذا كان عاما اعتبر، وإذا كان خاص  لم يعتبر، ونقل عن ابن العريى أنه قال: "إذا كان الحرج فى نازلة عامة فى الناس فإنه يسقط، وإذ كان خاصا لم يعتبر عندنا"، وفى أصول الشافعى اعتباره. (الموافقات ج 2 ص: 159).

ثانيا: القواعد:

إن قواعد الفقه تعتبر رفدا من روافد الفقه الإسلامى ، ومصدرا أساسيا من مصادره، ومنبعا لأسرار الشرع وحكمه، بها تضبط الأحكام وبها تناط، وبممارستها تحصل أهلية التخريج والاستنباط، وقد وصفها القرافى بقوله: "والقسم الثانى من الأصول قواعد كلية فقهية جليلة كبيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه.. وهى مهمة فى الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء" (الفروق. أ. ص: 2 - 3).

وهى قواعد كثيرة ومرنة والاستفادة منها أسهل على الفقيه من الاستفادة من الأصول العامة، ويمكن توظيف كثير منها فى فقه الأقليات الإسلامية، وان كانت تتفاوت فى ذلك ظهورا وخفاء.

وبما أن المقام لا يتسع لتتبع تلك القواعد فإننا نذكر هنا فقط بعض القواعد التى يمكن توظيفها توظيفا مباشرا فيما تعانى منه هذه الأقليات. مثل:

1- الضرر يزال: وهى قاعدة مشهورة فى الفقه الإسلامى تحدث عنها الفقهاء والأصوليون، واعتبروها إحدى القواعد الأساسية الأربع أو الخمس التى عليها مدار الفقه، يقول العلامة الشنقيطى سيدى عبد الله بن الحاج إبراهيم (ت: 233 1 هـ ) فى ألفيته فى الأصول.

قد أسس الفقه على رفع الضرر               وإنما يشق بجلب الوطر

   ونفى رفع القطع بالشك وأن                    يحكم العرف وزاد من فطن

كون الأمور تبع المقصد                      مع تكلف لبعض وارد

وقد أصل السيوطى فى الأشباه والنظائر لهذه القاعدة بحديث : ( لا ضرر ولا ضرار) وهو حديث أخرجه مالك فى الموطأ مرسلا، والحاكم فى المستدرك والبيهقى والدارقطنى.

2- الضرورات تبيح المحظورات: وهى قاعدة مشهورة أيضا، ولا يخفى ارتباطها بسابقتها. وهى التى ينبنى عليها جواز أكل الميتة للمضطر، وإساغة الغصة بالخمر، والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه.

3- درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: وهى قاعدة مشهورة أيضا، ذكرها الزقاق فى المنهج بقوله:

درء المفاسد مقدم على             جلب المصالح فخذ ما نقلا

وهذه القواعد الثلاث ذكرها السيوطى فى الأشباه والنظائر ص: (84،   87 )  .

4- إذا تقابل مكروهان أو محظوران أو ضرران ولم يمكن الخروج عنهما وجب ارتكاب أخفهما: وهذه القاعدة ذكرها المقرى فى قواعده ج 2 ص: 456، وتعرض لها الزقاق فى المنهج فقال:

أخف مكروهين محظورين          إن لم يكن بد كفى ضرين

 قدم كبقر وعراة وكذا                 مضطرا أو ما من نكاح أنفذا

وقال أيضا:

لأكبر الضرين ينفى الأصغر         من ذلك الجار ومن يحتكر

 ويشهد لذلك ما وقع فى صلح الحديبية، قال القرافى: قال بعض العلماء إنما التزم رسول الله r فى صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين دفعا لمفاسد عظيمة، وهى قتل المؤمنين والمؤمنات الحالّين بمكة، فاقتضت المصلحة أن ينعقد الصلح على أن يرد إلى الكفار من جاء منهم إليه لأنه أهون من قتل المؤمنين، مع أن الله تعالى علم أن فى تأخير القتال مصلحة عظيمة، وهى إسلام جماعة منهم، ولذلك قال الله تعالى: ) ليدخل الله فى رحمته من يشاء (  (الفتح 25) وكذلك قال تعالى: ) لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما(  (الفتح: 25) أى لو تميز الكافرون من المؤمنين ( الذخيرة ج 13. ص:355).

وقال أيضا فى مناقشته لأخذ الجزية من الكفار: عادة الشرع دفع أعظم المفسدتين بإيقاع أدناهما، وتفويت المصلحة الدنيا لتوقع المصلحة العليا، ومفسدة الكفر تربو على مصلحة المأخوذ من أموال الكفار، بل على جملة الدنيا فلما أقرهم الشرع؟

وجوابه أن هذا من باب التزام المفسدة الدنيا لتوقع المصلحة العليا، وذلك لأن الكافر إذا قتل انسد عنه باب الإيمان فشرعت الجزية رجاء أن يسلم هو أو أحد من ذريته : (الذخيرة ج 13 ص: 453).

5- المشقة تجلب التيسير وهى قاعدة مشهورة معدودة من القواعد التى عليها مدار الفقه، وقد أصلها السيوطى بقوله تعالى: (وما جعل عليكم فى الدين من حرج ) (الحج: 78) وهذه القاعدة قال عنها العلماء: إنها يتخرج عليها جميع رخص الشرع وتخفيفاته (الأشياء والنظائر لابن نجيم 74).

6- ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها: ذكر هذه القاعدة ابن نجيم فى الأشباه والنظائر ص: 86.

ومن فروعها أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق، وأن الطعام فى دار الحرب يؤخذ على سبيل الحاجة لأنه إنما أبيح للضرورة.

وهى قاعدة مهمة لأنها تضع حدا وتقرر معيارا للتعامل مع الضرورة كى لا نسرف فى اعتبارها فنتجاوز الحد، وهذا موضع تزيل فيه الأقدام كثيرا.

7- الضرر لا يزال بالضرر: وهى قاعدة ذكرها ابن نجيم أيضا فى الأشباه والنظائر (87)، ولذلك لم يجبر الشريك على العمارة وإنما يقال لمريدها عمر إن شئت، وهى قاعدة مهمة أيضا كالتى قبلها، وكذلك قولهم: (يحتمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام) لأن الجميع يشكل قانونا للتعامل مع الضرورات، كيف نزيلها؟ وبم نزيلها؟ وطريقة الموازنة بينها عند التعارض، وهذه كلها أمور فى غاية الأهمية، إذ لا يمكن أن نجعل اعتبار الضرورات أمرا عائما لا حدود له ولا ضوابط، ومن ثم يتذرع به كل إنسان إلى ما يريد، فلابد أن تتحقق الضرورة، وبعد ذلك تقدر بقدرها، ولابد من الموازنة بين الضرورات إذا تعارضت، فإذا كان المحتكر يتضرر بجبره على بيع طعامه بالسعر، فإن العامة تتضرر بالاحتكار، فلابد من الموازنة بين الضررين، ولا شك أن ضرر العامة أشد من ضرر شخص واحد، وكذلك بالنسبة للتسعير  وغير ذلك مما يتعارض فيه الضرر العام والضرر الخاص.

8- الحاجة تنزًّل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة: ذكر هذه القاعدة السيوطى فى الأشباه والنظائر (ص: 88) وكذلك ابن نجيم وغيرهما.

وانطلاقا من هذه القاعدة جوزت الإجازة على خلاف القياس، وجوز السلم كذلك لأنه بيع المعدوم، وجوز دخول الحمام مع جهالة مكثه فيه وما يستعمل من الماء، وجعل ابن نجيم من فروع هذه القاعدة ما عزا إلى القنية والبغية من أنه يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح: (الأشباه والنظائر ص 92). وقال إمام الحرمين: إذا طبق الحرام الزمان وأهله ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلا فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تشترط الضرورة التى تشترط فى إحلال الميتة فى حقوق آحاد الناس، بل الحاجة فى حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة فى حق الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صابر ضرورته ولم يتعاط الميتة لهلك، ولو صابر الناس حاجتهم وتعدوها إلى الضرورة لهلك الناس قاطبة، ففى تعدى الكافة الحاجة من خوف الهلاك ما فى تعدى الضرورة فى حق الآحاد،  فافهموا ترشدوا. (الغياثى ص: 478/479).

9- إذا ضاق الأمر اتسع: وهذه العبارة أجاب بها الشافعى فى ثلاثة مواضع:

أ- سئل إذا فقدت المرأة وليها فى السفر فولت أمرها رجلا أيجوز؟

فقال: إذا ضاق الأمر اتسع.

ب- سئل عن الذباب يجلس على الغائط ثم يقع على الثوب؟

فقال: إن كان فى طيرانه ما يجف فيه رجلاه، وإلا فالشىء إذا ضاق اتسع.

جـ- سئل عن أوانى الخزف المعمولة بالسرجين أيجوز الوضوء منها؟

فقال: إذا ضاق الأمر اتسع.

ذكر هذه المسائل كلها السيوطى فى الأشباه والنظائر، ثم قال: ولهم عكس هذه القاعدة: (إذا اتسع الأمر ضاق). قال ابن أبى هريرة فى تعليقه: وضعت الأشياء فى الأصول على أنها إذا ضاقت اتسعت، وإذا اتسعت ضاقت وجمع الغزالى بين القاعدتين بقوله: كل ما تجاوز عن حده انقلب إلى ضده. (الأشباه والنظائر ص 83) والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 84.

ولا يخفى ما لهذه القواعد من وثيق الصلة بمقصد السماحة واليسر الذى تحدثنا عنه سابقا، كما أنه لا يخفى إمكان توظيفها واستثمارها فى التخفيف من أنواع الحرج التى تدخل على هذه الأقليات فى معاملاتها وجميع أحوالها إن وجد العالم العارف بأحوال هذه الأقليات القادر على استثمار هذه القواعد، المتمكن من تحديد الضرورات المعتبرة شرعا والموازنة بينها إذا تعارضت.

ويمكن أن تكون هذه القواعد أساسا لفتيا أولئك الذين أفتوا هذه الأقليات بجواز الاقتراض بالربا من أجل إقامة المساكن الضرورية؟ لأن العسر وعموم البلوى من أسباب التخفيف فى العبادات وغيرها، كما فى الأشباه والنظائر لابن نجيم وغيره. ولأن الحاجة إلى المساكن ماسة جدا، قال إمام الحرمين: فأما المساكن فإنى أرى مسكن الرجل من أظهر ما تمس إليه حاجته، ولكن الذى  يأويه وعيلته وذريته مما لا غناء به عنه. (الغياثى ص: 486) مع أن تأثير الضرورة فى حكم الربا أمر قد أثير قبل هؤلاء، وقال به البعض، وقد لخص العلامة الشنقيطى محمد قال ابن أحمد قال التندغى (ت: 1345هـ) الخلاف فى ذلك بقوله:

هل الضرورة الربا تبيح                                    فيه اختلاف العلماء صريح

وهل مبيح الميتة المبيح                                     أو دون ما يبيحها يبيح

وأشار له أيضا العلامة محمد مولود بن أحمد فال اليعقوبى (ت: 1323هـ) فى نظمه الفقهى المشهور المعروف بكفاف المبتدى حيث قال:

وفى الربا ولو مع المستغرق                          والجار والحربى أى  رهق

ولا يجوز   لنمو واختلف                              فى ضرر دون مخافة التلف

قال شارحه الشيخ محمد الحسن بن أحمد الخديم الشنقيطى: دون ظن الموت هل يجزيه؟ والأظهر عند ابن رشد أنه يمنع إلا الضرر يبيح الميتة ، وهل يحل لعاص بسفره؟ قولان. وفى (قص) عن (مع) أن ما اضطر له الناس مما لابد لهم منه، ولا يجدون من يعاملهم بما يجوز... لا بأس به.

(مرام المجتدى من شرح كفاف المبتدى: 2/4، 5)

وفى المعيار أن قاضى الجماعة ابن سراج سئل عن مسألة واقعة بالأندلس وهى أن أهل الأساطيل لا يعملون فى السفن إلا بالجزء، وهى إجارة مجهولة، هل يمتنع ذلك للجهل، أو يجوز لمكان الضرورة؟ ويقول السائل: والقطر الأندلسى لا يخفى حاله والحاجة فيه إلى الطعام، وجل طعامه الآن من البحر، وكثير من أهل الفضل يوون إنشاء سفينة أو المشاركة فيها ويمنعه من ذلك كراؤها على الوجه المذكور، والحال فى الوطن لا يخفى، والضرورة فيه ظاهرة.

فأجاب: إذا كان الأمر كما ذكر فى السؤال فإنه يجوز إعطاء السفينة بالجزء للضرورة الداعية إلى ذلك؛ لأن مذهب مالك- رحمه الله تعالى- مراعاة المصلحة إذا كانت كلية حاجية ،  وهذه منها. (المعيار ج 2 ص 224). وفى الأشباه والنظائر لابن نجيم، وفى القنية والبغية يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح. (ص: 92) وقد جمعت هذه النتف رغم أننى لا أتبنى هذا الرأى ولا أقول به، تسهيلا للفائدة، وتنبيها إلى أن هؤلاء قد سبقوا إلى مثل هذا ولهم فيه أسلاف، وأرجو أن يكونوا معذورين.

والأمر يحتاج إلى كثير من التأمل والحذر والخوف من التساهل فى الشريعة والجرأة عليها اعتمادا على أصل أو قاعدة قد يكونا معارضين بما هو أقوى منهما، فلابد من التحقيق وأخذ الحيطة فى الموازنة بين المصالح والمفاسد وتنقيح المناطات وتحقيقها، وهنا تظهر قيمة العالم العارف حقا ويتميز عن غيره، فقد تعرض لنا صورة من صور الواقع، ويتراءى لنا فيها تطبيق قاعدة من هذه القواعد، ولكن يمنع من ذلك مانع آخر مثل معارضة دليل أقوى من نص أو غيره، قال ابن نجيم بعد تقريره لقاعدة التيسير بالمشقة: المشقة والحرج إنما يعتبران فى موضع لا نص فيه ، وأما مع النص بخلافه فلا، ولذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: بحرمة رعى حشيش الحرم وقطعه إلا الإذخر، وجوز أبو يوسف رحمه الله رعيه للحرج، ورد عليه بما ذكر. (الأشباه والنظائر ص: 83).

ثالثا: المقترحات:

إن الاهتمام بالأقليات الإسلامية أمر لابد منه، لما لها من أهمية فى بناء المجتمع الإسلامى حيث أصبحت تمثل مصدرا للدعوة الإسلامية، ونظرا لما تعانيه من الصعوبات والتعقيدات الناشئة عن المحيط الذي تعيش فيه، والبيئة التى تكتنفها ، ونظرا لما يجب على المسلمين من اهتمام بعضهم ببعض، وارتباط بعضهم ببعض فعلينا جميعا أن نهتم بهذه الأقليات،  وأن نوجهها ونسددها ونأخذ بأيديها حتى يتأتى لها أن تتذوق حلاوة هذا الدين وتطمئن إليه، ونسجم سلوكها مع تعاليمه، وفى هذا الإطار فإنى أقترح ما يلى:

1- أن تقوم مجموعة من الباحثين المختصين بالتعاون من أجل إعداد مدونة مستخلصة من السيرة النبوية وكتب الفقه والتاريخ الإسلامى الموثوق بها تحوى كل الأدلة والشواهد والفتاوى ذات الصلة بهذا الواقع، وتحصر كل الصور التى حدثت عبر التاريخ لها شبهة بواقع هذه الأقليات ولو فى بعض الوجوه مثل:

أ- حالة المسلمين فى مكة والمدينة قبل التمكين للإسلام وقيام دولته.

ب- حالة المسلمين إبان الهجرة إلى الحبشة.

ب- حالة المسلمين فى الأندلس بعد سقوطها.

د- حالة الأقليات الإسلامية فى آسيا.

هـ- حالة المسلمين فى أثناء الاستعمار.

و- حالة بعض المجتمعات الإسلامية التى عاشت فترة من تاريخها سائبة،  لا حاكم فيها ولا محكوم، ولا سلطة ولا قانون، وإنما الكلمة فيها للقوة، فأنتج علماؤها فقها يتلاءم مع هذا الواقع ويسير أحداثه، فهذه حالة أيضا تدرج ضمن الحالات الشاذة التى تحتاج إلى نوع من التجديد فى الاجتهاد مثل حالة الأقليات الإسلامية وقد مر المجتمع الشنقيطى فى فترة من تاريخه بهذه الظروف فأنتج فقهاؤه فقها يتلاءم معها أعطوا فيه صلاحيات واسعة لجماعة القبيلة حتى أضفوا عليها صفات أهل الحل والعقد من جماعة المسلمين، وذلك نظرا لغياب السلطة، وأقروا المداراة وألزموا بها الأفراد دفاعا عن الأنفس، وأخذوا بفقه الضرورات فى كثير من المسائل فعطلوا الحدود نظرا لما يترتب على استيفائها من المفاسد لانعدام السلطة الحاكمة.

ثم دعا بعضهم كالشيخ محمد المامى بن البخارى (ت 1282هـ) دعوة صريحة إلى إحياء الاجتهاد بالتدريج انطلاقا من التخريج وانتهاء بالاجتهاد المطلق، ونبه إلى أهمية القواعد الكلية الشرعية التى تعتبر من مصادر التشريع، ومنها قواعد الضرورة التى تقدم ذكرها، وحاول تسليط هذه القواعد الكلية على القضايا المعيشية فى هذا المجتمع تخفيفا على هذه الطائفة من الأمة التى ألجأتها الضرورة إلى التبدى، فألف فى هذا المنوال كتابا رائعا سماه (كتاب البادية) ونظم فيه قصائد راقية تنبىء عن علم غزير وفكر مستنير، إن هذا النوع من الفقه بما تضمنه من قواعد وأصول وتخريج واستنباطات متأثرة بالضرورة والشذوذ وانعدام السلطة الإسلامية تمكن الاستفادة منه فى واقع أقلياتنا الإسلامية الموجودة فى البلاد الغربية.

2- إعادة النظر فى تفسير نصوص الوحى التى تتعلق بمساكنة الكفار ومناكحتهم، وموالاتهم، وحتى ما يتعلق ببعض المعاملات كالبيوع والإجارة، فيعاد فيها النظر من طرف العلماء المتمكنين المجتهدين فى ضوء العلل والمصالح، لكى ينيطوا الأحكام بعللها التى قد تتطور وتتغير أشكالها، فإن المصالح مضبوطة بالجنس لا بالنوع، وبالجملة لا بالتفصيل، فأنواع المصالح تتبدل وتتغير، وتختفى وتظهر، وما كان بالأمس يحقق مصلحة مطلوبة شرعا قد لا يحققها اليوم، ومجتمعات اليوم لا يمكن أن تحكم وتسير بما كان يحقق مصالح مجتمعات قد غبرت، فالمصالح التى هى مناطات الأحكام يجب أن تعتبر بالحالة الحاضرة، وبالواقع المعاش اليوم، وقد نقل صاحب المعيار عن بعض علماء الأندلس كلاما فى هذا الصدد فى غاية الأهمية حيث قال:

(والمصالح العامة لا تنضبط وجوهها، ولا يمكن حصرها فى قضايا متعددة وأوقات معينة، بل هى بحسب الحال الحاضرة والنازلة المتعينة واجتهاد الناظر فى ذلك، ولا يصح حصر مصالح معينة ليتوخى فعلها الأئمة واحدا بعد واحد لأن ذلك يؤدى إلى التقليد وحقيقة الاجتهاد تناقض التقليد، فالنظر فى المصالح مقصور على رأى الإمام الناظر فى أمور المسلمين، واجتهاده لا يلزمه ملاحظة مقصد من كان قبله ولا غير ذلك). (المعيار ص: 180).

وهذا يفتح الباب واسعا أمام المجتهد والعالم المتبصر لتجديد تفسير نصوص واكتشاف علل تحقق مقاصد الشارع وتلتزم بمنهج الإسلام وروحه كما يفتح الباب واسعا للاستفادة من المصالح المرسلة، ومن الاستحسان والاستصلاح، استفادة تلائم واقع هذه الأقليات، وتواكب تطور الحياة البشرية عموما، فتبقى المقاصد والأهداف الإسلامية كما هى، ولكن تكتشف آليات جديدة لتحقيق هذه المقاصد وهذه الأهداف، وهذه هى وظيفة الاجتهاد الذى لا يمكن تحقق ديمومة هذه الشريعة واستمرارها إلا به، ولذلك كان فرضا على الأمة.

3- إنشاء مرجعية إسلامية موحدة، تتمثل فى هيئة إفتاء، تتكون من عدة أشخاص أو من شخص واحد من أهل العلم حسب الإمكان، وتكون مهمة هذه الهيئة أن تكون مرجعا للفتوى فى الأمور الدينية، وأن تكون بديلا عن المرجعية الكفرية فى الخصام والتنازع، فتسجل عندها العقود، ويترافع إليها فى الخصام، وتبت فى الأحكام، وتكون أحكامها ملزمة، لأن حكم المحكم يلزم كحكم القاضى. إذا وجدت هذه الهيئة فيحرم على أفراد الجماعة الترافع إلى غيرها من المحاكم الكفرية ذات القوانين الوضعية ؛ لأن ذلك رضا بتحكيم غير ما أنزل الله مع تأتى الحكم بما أنزل الله.

والمسئول عن إنشاء هذه الهيئة هم أهل الحل والعقد من الجماعة، أى الأشخاص المتميزين المعروفين بالالتزام بالدين والمعرفة، وسداد الرأى والاهتمام بأمور المجتمع.

فهذه الجماعة عليها أن تضطلع بالمهمات العامة التى تتعلق بتسيير الطائفة الإسلامية الموجودة فى البلد فتنشىء المدارس لتعليم أبناء المسلمين، وتبنى المساجد، وتقيم مراكز الدعوة، وتعتمد الأئمة والمدرسين وهيئة الإفتاء والتخاصم التى أشرنا إليها.

وإذا لم تجد فى البلد من يمكن الاعتماد عليه من الناحية العلمية فعليها أن تستقدمه من البلاد الإسلامية، وأن تخصص لذلك الغرض ما يكفيه من المال، وتوزع ذلك على أفراد الطائفة الإسلامية المقيمة فى البلد القادرين على تحمله. وليس لهم الامتناع عن ذلك.

وهذه الجماعة لابد منها لأى مجتمع فقد سلطة شرعية تسير أموره، وترعى مصالحه، ولها صلاحيات كبيرة وسلطات واسعة لأنها تنوب عن ولى الأمر فى نظر الفقهاء الذين عاشوا فى ظل انعدام السلطة المركزية الحاكمة مثل علماء الشناقطة الذين أعطوا الجماعة القبلية فى تلك الظروف صلاحيات واسعة، وجعلوا قراراتها ملزمة للأفراد يحرم عليهم الخروج عنها.

يقول شيخنا العلامة محمد المختار بن امباله (ت 1365) صرح الفقهاء بأن من التعاون المتعين شرعا تعاون الجماعة على ما ينوبها من نوائب الدهر. (فتاوى الشيخ محمد المختار بن امباله- مخطوط)، ويقول الشيخ سيد محمد ابن الشيخ سيد المختار الكنتى: (ت 1244هـ):

"المعمول به لزوم قيام العموم بالمصالح العامة، ويجبر الإمام من أبى ذلك، وكل ما للإمام الحمل عليه للجماعة القائمة مقامه حيث لا إمام الحمل عليه، لعموم الفساد بفساده، وعموم المصلحة بصلاحه.

(فتح القدوس لأحمد الصغير التيشيتى- مخطوط)، ويقول الشيخ سيد المختار الكنتى (ت 1226 ) فى إحدى فتاويه المتعلقة بفرار بعض الأفراد عن نظام القبيلة: وان كان مريد الفرار إنما فر لأجل الضرورة لم تكن له حجة فى ذلك لأن ضرره وحده لا يوازى ضرر أهل نظامه وجماعته، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. (مجموع فتاوى الشيخ سيديا الكبير- مخطوط ).

4- خلاصة البحث:

والخلاصة التى نصل إليها تتمثل فيما يلى؛

1- إن إحياء الاجتهاد وتحصيل شروطه فريضة شرعية، وضرورة من ضروريات المجتمع المسلم.

2- إن الأقليات الإسلامية أصبحت تمثل عنصرا ذا أهمية بالغة فى نسيج المجتمع الإسلامى، ورافدا من روافد الدعوة الإسلامية التى تعلق عليها الآمال.

3- إن وضع الأقليات الإسلامية لم يكن معهودا فى السابق ، ويطرح إشكاليات كثيرة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، ويبحث لها عن الحلول الملائمة.

4- إن المشاكل التى يطرحها واقع الأقليات الإسلامية لا يمكن أن تحل إلا بنظرة جديدة واجتهاد جديد، ولا يصح الاجتهاد إلا من متأهل له، إذ لا يمكن بحال من الأحوال أن يتجاسر الجهال على شرح كتاب الله سبحانه وتعالى بحجة أن الاجتهاد فريضة على الأمة وضرورة للمجتمع، فيمتطون هذه الفكرة لإفساد الشريعة والتحلل من ربقة التكليف، فتكون كلمة حق أريد بها باطل، وإنما المطلوب اجتهاد أهل العلم والفهم والدين المتبحرين فى الشريعة العارفين بأحوال المجتمع، فإن أمكن الاجتهاد المطلق فبها ونعمت، وإلا فاجتهاد المذهب، والمراد من هذا الاجتهاد أن يستنبط فقها لهذه الأقليات يلائم واقعها، ويضع فى الحسبان مشاكلها وأوضاعها، مع الحرص التام على الالتزام بنصوص الشريعة وأصولها وقوا عدها.

5- إن فكرة التعامل مع فقه الأقليات تعاملا خاصا فكرة جريئة تحتاج إلى التسلح بالعلم ونور البصيرة، وخصوصا العلم بمقاصد الشريعة وأصول الفقه وقواعده، وقد ذكرنا فى هذا البحث مقاصد وقواعد يمكن توظيفها فى هذا الاتجاه، وليست إلا غيضا من فيض، ولكن المقام لا يسمح بكثر من ذلك.

6- اقترحت قيام مجموعة من الباحثين بإنشاء مدونة تضم كل الأصول والقواعد والمقاصد التى يمكن الاستفادة منها فى هذا الاتجاه وكذلك جميع الأدلة الجزئية والفتاوى والأحوال ذات الصلة بهذا الموضوع.

7- اقترحت أن تقوم الأقليات نفسها بإنشاء مرجعية إسلامية تكون لها بديلا عن المرجعية الفكرية، تقرر عليها وتلزمها وتحكم بينها بشرع الله، حتى لا يبقى لها من العلاقة بالدولة الكافرة إلا مجرد المواطنة والالتزام بالنظام العام.

والله يعصمنا من الزلل، ويوفقنا فى القول والعمل، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا