فقه الأولويات
الأستاذ الدكتور/ أحمد يوسف سليمان
أستاذ الشريعة الإسلامية
كلية دار العلوم/ جامعة القاهرة- مصر
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه
وبعد... فإن أمتنا الإسلامية لم تكن فى يوم من الأيام
أشد حاجة إلى مراعاة فقه الأولويات منها فى هذه الأيام
العصيبة من حياتها المعاصرة. وذلك لأسباب عديدة لعل أهمها
الأسباب الآتية:
1- الجمود الحضارى الذى تعيش فيه، والذى يزداد يوما بعد يوم، ومما يزيد الإحساس به التطور الهائل والسريع الذى حدث
فى وسائل الاتصالات المختلفة، والتقدم الرهيب فى كم وكيف المعلومات، الأمر الذى
جعل العالم
كله قرية واحدة، لا
مكان فيها للكسل الفكرى أو الخمول العقلى.
ولكى تلحق أمتنا بالركب الحضارى
عليها أن تحدد بوضوح غايتها وهدفها وأن تختار أقصر الطرق وأسرعها لتحقيق هذا الهدف
دون تردد أو إبطاء، ومما ينبغى أن يراعى مع الوضوح
إمكانية التحقيق له وواقعيته، ولا بأس أن يكون ذلك على مراحل، بحيث
تسلم كل مرحلة إلى التى تليها.
2- سبب ثان وهو
تفكك الأمة الإسلامية إلى دول صغيرة، ليس بينها رابط، كأنها عقد انفرطت حباته، أو
جزر منفصلة، فلابد من السعى للبحث عن وسائل واقعية تربط
بينها، كالروابط الاقتصادية التى من شأنها التقريب
بينها، وسط عالم لا يعترف بالتشرذم، إنما يحترم
التكتلات الاقتصادية والسياسية الكبيرة القوية، والأمة الإسلامية لديها من
الإمكانات والقدرات ما يهيئها لأداء دور مؤثر فى عالمها
المعاصر.
3- كثرة الفرق
والأحزاب والاتجاهات والاجتهادات بين العاملين لنهضة الأمة الإسلامية دون تنسيق أو
موازنة بين الأولويات والتخطيط لتحقيقها، بل إن
هذه الاتجاهات منها ما يميل إلى الخرافة والسطحية، ومنها ما
يميل إلى الحرفية وضيق الأفق والصدر، ومنها الاتجاه الوسط الذى
يعنى بفهم الواقع واختيار الأولى والممكن، وهذا الاتجاه الوسط هو المعنى بالبحث عن
الموازنات بين المصالح واختيار الأنسب لأمته من قيمها ودينها، وهذا الاتجاه
هو المعول على ما فى البحث
والاهتمام والتطبيق لفقه الأولويات.
- فما المراد بفقه
الأولويات؟ وما علاقته بالأصول الشرعية الأخرى؟ وكيف نستفيد به
فى مواجهة مشاكلنا المعاصرة؟
المراد بفقه الأولويات، وعلاقته بغيره من الأصول الشرعية:
فقه الأولويات معناه الفهم لأنسب الأحكام التى
تتلاءم مع مقاصد الشرع بتحقيق أهم المصالح وأكثرها
نفعا، ودرء المفاسد أو أخفها ضررا، مع ملاحظة المآلات التى تؤول إليها تلك الأحكام. فهو فقه يأتى
بعد فقه الواقع بجميع جوانبه، وفقه النص بمعرفة غاياته ومراميه؟ ليختار الفقيه
الأنسب فى الحال والمآل.
ولذلك فإن هذا الفقه يرتبط بثلاثة أمور لابد من فهمها
حتى يتضح لنا المقصود بفقه الأولويات مما يبعث على الاهتمام به
وتطبيقه فى واقع أمتنا.
الأمر الأول: مقاصد الشريعة.
الأمر الثانى: رفع الحرج.
الأمر الثالث: الذرائع.
وسوف نتناولها فى هذا البحث الموجز على
نفس الترتيب السابق:
الأمر
الأول: مقاصد الشريعة
يقصد الشارع من الأحكام تحقيق مصلحة الإنسان فى الدنيا والآخرة، ومن تأمل الشريعة الإسلامية فى مصادرها ومواردها وجد ذلك واضحا. والمصلحة ضد المفسدة وهى فى اللغة تحقيق المنفعة (1).
وفى الشرع عرفها الإمام الغزالى بقوله: "أما المصلحة فهى
عبارة فى الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعنى به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح
الخلق فى تحصيل مقاصدهم، لكننا نعنى بالمصلحة المحافظة
على مقصود الشرع، ومقصود الشرع
من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما
يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعه مصلحة"
(2) .
وللمصلحة تقسيمات عديدة باعتبارات مختلفة، فمن حيث اعتبار
الشارع لها وعدم اعتباره نجد أن من المصالح ما اعتبرها الشارع، فجاءت أحكامه
مراعية لها بوجود الأصل الذى يشهد لنوعها أو لجنسها
بالاعتبار، و إما أن يلغى الشارع اعتبارها بمجىء أصوله
مهدرة لهذه المصلحة، كمصلحة المرأة أن يكون الطلاق بيدها، ومصلحة القاتل فى ألا يقتص منه، ونحو ذلك، أو بسكوته عن اعتبارها وعدم
اعتبارها، وهى ما يسميه جمهور الأصوليين بالمصلحة المرسلة، والمقصود أن الشارع لم
يأت بأحكام على وفق هذه المصلحة أو عدم وفقها (3).
وللغزالى- رحمه الله- مفهوم
آخر أكثر وضوحا، حيث يرى أن المصالح بهذا الاعتبار أربعة: أن يراعى الشارع نوعها
وهذه أساس القياس. و قد يراعى جنسها وهذه المصلحة
المرسلة، وقد يبطلها وقد يسكت عنها. والآخران مردودان. فلا اعتبار
لمصلحة مع عدم مراعاة الشرع لها نوعا أو جنسا (4).
وهذا النوع من التقسيم بعيد الصلة بفقه الأولويات، أما التقسيم
الذى له صلة قوية بهذا النوع من الفقه فهو تقسيم
المصالح من حيث الأهمية والقوة، والمصالح من حيث القوة والأهمية ثلاثة أقسام: ضرورية،
و حاجية، وتحسينية.
والمقصود بالمصالح الضرورية: المصالح التى لابد منها فى قيام مصالح
الدين والدنيا، وإذا فقدت ترتب على فقدانها مفاسد وتهارج
"وفقد حياة، وفى الآخرة فوت النجاة، والنعيم والرجوع بالخسران المبين " (5)،
والمصالح الضرورية خمسة، هى: حفظ الدين، والنفس، والنسل
والعقل، والمال.
وقد راعى الشارع هذه المصالح وأوجب
الحفاظ عليها، وشرع من الحدود ما يروع أو يزجر من يفكر فى
العدوان عليها.
والمصالح الحاجية
المقصود بها: كل ما يحتاج إليه للتوسعة ورفع الضيق
والحرج، والمشقة الواقعة بفوات المطلوب. وهى مكملة للمصالح الضرورية. والمصالح
التحسينية وهى: الأخذ بما يليق من محاسن العادات ومكارم الأخلاق، كالطهارات ، وأخذ الزينة، وكل مصلحة من هذه المصالح لها
مكملات ومتممات بحيث إذا فرضنا فقدانها- لم نخل بحكمتها الأصلية، وذلك مثل التماثل
فى القصاص، والكفاءة فى
الزواج، وآداب الطهارة، ونحو ذلك (6). وهذا النوع من التقسيم وثيق الصلة بفقه
الأولويات؟ لأنه ينبغى على الفقيه أن يراعى سلم هذه
المصالح، فيقدم المصالح الضرورية على الحاجية،والحاجية على التحسينية، وأن يراعى تقديم الأصول على المكملات
والمتممات. فإذا تعارضت الضروريات مع الحاجيات.. قدم
الضروريات، فإذا تعارضت الحاجيات مع التحسينات قدم الحاجيات وهكذا، فإن فقه
الأولويات شديد الصلة بهذا التقسيم، ومن أخطأ فى مراعاة
هذا التدرج ربما قدم مصلحة قليلة الأهمية على مصلحة أكثر منها فأوقع الناس فى الحرج أو الضيق، أو ربما أدى بهم إلى الهلاك.
وهناك تقسيم آخر للمصالح من حيث العموم والخصوص، ويعنون بها أن من المصالح ما هو عام يشمل كافة الخلق، مثل مصلحة
الناس فى قتل الزنديق المتستر، وعدم قبول توبته بعد
القدرة عليه، لأنه يفسد أخلاق الناس ودينهم ونظامهم السياسى
والاجتماعى، ومن المصالح ما يتعلق بأغلب الناس وأكثرها
مثل: تضمين الصناع، ومن المصالح ما يتعلق بأفراد قلائل فى
حالات نادرة مثل: المصلحة المقتضية لفسخ نكاح زوجة المفقود (7).
وهذا التقسيم للمصالح- كذلك- قوى الصلة بفقه الأولويات، فإنه
مع اعتبارها جميعا فإنه ينبغى الاهتمام بالمصالح الكلية
على المصالح الخاصة عند التعارض، فإن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، ومصلحة
الأغلبية مقدمة على مصلحة بعض الأفراد، والمصالح الشاملة مقدمة على المصالح
القاصرة. والمصالح الممتدة مقدمة على المصالح الآنية أو المتحققة فى وقت دون وقت. ويمكن الاستدلال على مراعاة الشارع لهذه
المصالح، وتنبيهه إلى فقه الأولويات منها عند تعارضها بكثير من الأمثلة فى الكتاب والسنة، وفعل الصحابة والتابعين وأقوالهم، والتى سأكتفى بذكر نموذج واحد فقط
من كل نوع لضيق المساحة الممنوحة للبحث.
1- من الكتاب قال الله تعالى: ( أجعلتم سقاية
الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا
يستوون عند الله والله لا يهدى القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند لله وأولئك هم الفائزون
) (التوبة 19-20). فى هذه الآيات موازنة بين عدة مصالح
مشروعة هى: سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام،
والجهاد فى سبيل الله. وقد
فضل الله عز وجل مصلحة الجهاد على المصلحتين لعظيم نفع الجهاد، إذ هو ذروة سنام
الدين (8).
2- ومن السنة:
عندما أرادت قريش عقد صلح الحديبية، وأرسلت سهيل بن عمرو مندوبا عنها
لمفاوضة النبى- صلى الله عليه وسلم - حدثت خلافات رآها الجانب القرشى
ضرورية، ورآها النبى- صلى الله عليه وسلم- شكلية، ورأى
أن مصلحة إتمام الصلح أهم وأفيد. وذلك أن قريشا أصرت على عدم كتابة (بسم الله
الرحمن الرحيم)، وكتابة (باسمك اللهم)، وعدم كتابة (محمد رسول الله) وكتابة محمد
بن عبد الله) فوافق النبى صلى الله عليه وسلم (9).
3- ومن فقه
الصحابة أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه منع من التزوج بالكتابيات لأنه يترتب على الزواج
منهن كساد نساء المسلمات، وتأثير الكتابيات على أخلاق أولاد المسلمين (10). ومعنى
ذلك أنه وازن بين مصلحة فردية ومصلحة عامة، فرأى أن مصلحة مجموع المسلمين تقتضي
التحرز من مثل هذا الزواج.
الأمر الثانى: رفع الحرج :
وكلمة الحرج معناها فى اللغة:
المكان الضيق الكثير الشجر، الذى لا تصل إليه الراعية (11).
والمراد به شرعا: "كل ما أدى إلى مشقة زائدة فى البدن آو النفس أو المال حالا أو مآلا" (12).
ورفع الحرج أى إزالة هذه المشقة، أو
تخفيفها بحيث يمكن تحملها.
وعلاقة فقه الأولويات برفع الحرج هامة جدا، وقد رعاها الشارع
الحكيم، ومن ذلك أن النبى- صلى الله عليه وسلم- حينما
سئل عن الترتيب بين أعمال الحج يوم النحر من الرمى،
والحلق، والطواف، والنحر، قال: "افعل ولا حرج"(13) إباحة لترك
الترتيب بين هذه الشعائر، ورفعا للإثم عمن لم يرتبها كترتيب رسول الله صلى الله
عليه وسلم. ويبدو هذا الحرج واضحا عندما تنزل بالمسلم مشقة أو ضرر
ويريد إزالته، فكيف يزيله. هل يزيله بضرر مثله، أو بضرر أخف منه؟
إن المجتهد ينبغى ألا يختار مع
الإمكان إلا ما لا حرج فيه، لأن الشريعة لا تأتى بما فيه حرج أو ضرر، وإن كان
ولابد من الوقوع فى الضرر فإن عليه أن يوازن بين هذه
المضار ويختار أخفها. واذا كان فى
الإمكان إزالة هذا الضرر فينبغى أن يكون بضرر أخف من
الضرر المزال، ومن هنا وضع العلماء عدة قواعد استنبطوها من كثير من الجزئيات التى جاءت بها الشريعة، وكان الغرض
من هذه القواعد ضبط هذه التصرفات من جهة، واختيار الأولى والأوفق
من جهة أخرى.
ومن هذه القواعد:
1-الضرر يزال: ومعنى هذه القاعدة: أنه يجب إزالة
الضرر إذا وقع، أو توقى وقوعه قبل أن يقع، قال السيوطى-
رحمه الله-: "اعلم أن هذه القاعدة ينبنى عليها
كثير من أبواب الفقه، من ذلك: الرد بالعيب، وجميع أنواع الخيار من اختلاف الوصف
المشروط، والتعزير، وإفلاس المشترى، وغير
ذلك، والحجر بأنواعه "(
14).
2- الضرورات
تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها: وقد أضاف العلماء هذا الشرط الهام جدا وهو
قولهم، "بشرط نقصانها عنها" مما يعنى ضرورة الموازنة بين الضرر
المترتب على المحظور، والمصلحة المترتبة على الإباحة، فإن تساويا فلا إباحة، وإن
زادت المصلحة أبيح هذا المحظور. ولذلك فإن السيوطى-
رحمه الله- بعد أن ذكر العديد من الأمثلة على أن الضرورات تبيح المحظورات ذكر
الحكمة فى هذا الشرط قائلا: "ليخرج ما لو كان
الميت نبيا فإنه لا يحل أكله للمضطر، لأن حرمته أعظم فى
نظر الشرع من مهجة المضطر، وما لو أكره على القتل أو
الزنا، فلا يباح واحد منهما بالإكراه، لما فيهما من المفسدة التى
تقابل حفظ مهجة المكره أو تزيد عليها، وما لو دفن بلا كفن فلا ينبش، فإن مفسدة هتك
حرمته أشد من عدم تكفينه الذى
قام الستر بالتراب مقامه (15).
3- الضرر لا
يزال بالضرر: وهذه القاعدة مرتبطة بقاعدة الضرر يزال، أى
يزال ولكن لا بضرر، لأنه لو أزيل بالضرر لما تحققت الإزالة، ومن الأمثلة على تطبيق هذه
القاعدة: ما لو رهن المفلس المبيع، أو غرس، أو بنى فيه، فليس للبائع الرجوع فى
صورة صحة الرهن، لأن فيه إضرارا بالمرتهن، ولا فى صورة الغرس، ويبقى
الغرس والبناء للمفلس، لأنه ينقص قيمتها، ويضر بالمفلس والغرماء" (16) وهذا ا
ما لم يكن أحدهما أكثر ضررا.
وهذا ينقلنا إلى القاعدة الأخرى.
4- إذا تعارضت مفسدتان روعى
أعظمهما ضررا، بارتكاب أخفهما: "ففى هذه الحال
لابد من النظر والاجتهاد باستخدام فقه الأولويات، ولذلك شرع الله- عز وجل- القصاص،
والحدود، وقتال البغاة، والشفعة، والإجبار على قضاء الديون، ورمى الكفار إذا تترسوا بنساء وصبيان، أو بأسرى المسلمين، ولو أحاط الكفار
بالمسلمين ولا مقاومة بهم جاز دفع المال إليهم، وكذا استنقاذ الأسرى بالمال إذا لم
يكن بغيره، لأن مفسدة بقائهم فى أيديهم، واصطلامهم للمسلمين أعظم من بذل المال لهم (17).
أما قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإنها فى الواقع تعود إلى ارتكاب أخف المفسدتين، فترجع فى النهاية إلى اجتهاد المجتهد فى
المصالح والمفاسد، فيجوز ارتكاب أخف الضررين لتحقيق أعظم المصلحتين، الأمر الذى يحتاج إلى إمعان النظر، وترتيب المصالح، وترتيب المفاسد،
ثم المقارنة واختيار ما يراه محققا أخف الضررين، أو أعظم المصلحتين. ولذلك قال شيخ
الإسلام ابن تيميه رحمه الله: "ليس العاقل الذى
يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذى يعلم خير
الخيرين، وشر الشرين " (18).
والأدلة على ذلك من القرآن الكريم، وتصرفات النبى صلى الله عليه وسلم وتصرفات أصحابه فى هذا المقام كثيرة نكتفى منها
بالأمثلة الآتية:
1- قال الله تعالى: (ما
قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين ( (الحشر: 5). ومعنى هذه الآية أن الله عز وجل أباح
لنبيه )أن يحرق نخيل بنى
النضير وهى مفسدة لأنها تعارضت مع مصلحة أكبر، وهى هزيمتهم وتحقيق النصر عليهم،
ولذلك لما شنع اليهود على النبى- صلى الله عليه وسلم-
بأنه يحرق النخيل نزلت الآية تبرر موقفه (19).
2- كان النبى- صلى الله عليه وسلم-
يقسم الذنوب إلى صغائر وكبائر، ويقسم الكبائر إلى كبائر وأكبر الكبائر. فقد
صح أن النبى- صلى الله عليه وسلم- قال: "اجتنبوا
السبع الموبقات " (20) وقال: " ألا أخبركم بأكبر الكبائر ثلاث.. إلخ" (21).
3- بعد انتقال النبى- صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى. انشغل أصحابه
الكرام باختيار الخليفة من بعده، قبل أن يدفنوا النبى- صلى
الله عليه وسلم- فقد تعارضت أمامهم مصلحتان: مصلحة دفن النبى
صلى الله عليه وسلم مع
حبهم العظيم له، وتقديمهم له على أنفسهم، ومصلحة الدولة الإسلامية كلها، بل
والإسلام نفسه، ورأوا أن يفرغوا أولا من اختيار الخليفة، ثم يقوموا بدفن النبى- صلى الله عليه وسلم- وهذا من المواقف الخطيرة جدا التى تدل على عظيم فقه الصحابة للأولويات، فإنه بالرغم من
تقديرهم العظيم، وإجلالهم لمكانة النبى- صلى الله عليه
وسلم- فإنهم رأوا أن مصلحة اختيار الخليفة أكثر أهمية من مجرد دفنه صلى الله عليه
وسلم ، قال ابن إسحاق: "فلما بويع أبو بكر رضى
الله عنه أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء (22).
4- ومما يدل على
ذلك من مواقف التابعين- رضى الله عنهم- استخلف الوليد
بن عبد الملك رجاء بن حيوة، وهو فقيه تابعى، ليخبره عمن تكلم عليه بالسوء فى
مجلسه، وقد حدث هذا فعلا، ووصل خبر بذلك إلى الوليد من عيونه، فحلف رجاء بن حيوة أنه لم يحدث شىء من ذلك فى مجلسه، فضرب الوليد جاسوسه سبعين سوطا، فكان المضروب يلقى
رجاء بن حيوة فيقول: يا رجاء بك يستقى المطر، وسبعون
سوطا فى ظهرى، فيقول رجاء:
سبعون سوطا فى ظهرك خير لك من أن يقتل مسلم (23)، فهذا الفقه من رجاء بن حيوة يدل على ترتيبه للأولويات واختيار تقديم أخفها ضررا،
وتأخير أكثرها فسادا.
الأمر الثالث: الذرائع
أما الأمر الثالث الذى ينبغى مراعاته فى فقه الأولويات
فهو الذرائع أو المآلات والغايات التى
تؤول إليها الذرائع، فإن الغاية لا تبرر الوسيلة، بل لابد أنه إذا كانت الغايات نبيلة
أن تكون الوسائل إليها نبيلة كذلك.
فما المراد بالذرائع؟ ومتى تسد ومتى تفتح؟ وما علاقة ذلك
كله بفقه الأولويات؟
قاعدة الذرائع مرتبطة بأصل آخر هو: هل يعتبر المآل فى تصرفات المكلفين
أم لا؟ والصحيح الذى شهدت له الأدلة
والاستقراء هو أن الشارع راعى المآلات، فقد يكون التصرف
فى حد ذاته مصلحة ولكن يؤول إلى مفسدة أو العكس، فينبغى أن يراعى ذلك عند الاجتهاد كما يقول الشاطبى (24) لأن
الذرائع هى الوسائل أو الوسائط التى
ينتج عنها مآل التصرف، وهذه الذرائع قد تمنع أو تسد، وذلك إذا اتخذت طريقا إلى
المفسدة أو الحرام، وقد تفتح إذا اتخذت طريقا إلى المصالح أو المباحات
فضلا عن الواجبات، ولذلك فإنها تأخذ حكم ما تؤول إليه، ويؤخذ من كلام العلماء-
رحمهم الله- أن الذرائع تمنع إذا توافرت فيها ثلاثة شروط:
1- أن يؤدى الفعل المأذون فيه إلى مفسدة.
2- أن تكون هذه
المفسدة راجحة على مصلحة الفعل المأذون فيه.
3- أن يكون أداء
الفعل المأذون فيه إلى المفسدة كثيرا (25).
وقد جاء كثيرمن الأدلة تمنع الذرائع
وتسدها فى هذه الحالة، ومن هذه الأدلة:
1- قول الله تعالى: (ولا
تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) (الأنعام: 108)
فحرم الله سب آلهة الكفار، لأنه يؤول إلى أن الكفار يسبون الله عز وجل.
2- قوله تعالى: ( ولا
يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) (النور:
31) فقد نهى الله عز وجل عن الضرب بالأرجل، وإن كان مباحا فى
حد ذاته، لكنه يؤول إلى لفت أنظار الرجال الأجانب إلى من تفعل ذلك، الأمر الذى يؤدى إلى الفساد.
3- ونهى النبى صلى الله عليه وسلم عن شرب النبيذ بعد
ثلاث، وعن الانتباذ فى
الأوعية التى لا يعلم بتجهيز النبيد
فيها، وبين عليه الصلاة والسلام أنه إنما نهى عن ذلك
لئلا يتخذ ذريعة فقال: "لو رخصت فى
هذه الأشياء أن يفعلوها مثل هذه".
وكذلك حرم النبى- صلى الله عليه
وسلم- الخلوة بالمرأة الأجنبية، وأن تسافر مع غير ذى
محرم لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى الفساد.
4- وكذلك منع
الصحابة رضى الله عنهم أبا بكر الصديق رضى الله عنه من التحرف والسعى على الأولاد، وهو
منع من مصلحة ضرورية أو حاجية، وهو غير مشروع، لكن لما
كان هذا المنع ذريعة إلى مصلحة راجحة هى مصلحة عامة
المسلمين، وذلك للنظر فى مصالحهم، لذلك أقدم الصحابة
على منع أبى
بكر من ذلك التحرف والتكسب وكفايته فى بيت مال
المسلمين، ووافقهم الصديق على ذلك (26).
فالمآلات معتبرة، والذرائع
إليها تأخذ حكمها، فإذا كانت التصرفات مباحة لكنها تؤول إلى مفسدة بالشروط الثلاثة
السابقة فإنها تسد، وإذا كانت محظورة أصلا ولكنها تفضى
إلى مصلحة راجحة فإنها تفتح.
وعلاقة اعتبار المآل وثيقة الصلة بفقه الأولويات؟ لأن المجتهد لن يتوقف عند النظر إلى واقع المصالح أو المفاسد
فقط بل سينظر إلى ما هو أبعد من ذلك وهو مآل هذه المصالح أو المفاسد.
نماذج وأمثلة من الواقع المعاصر وموقف فقه الأولويات فيها:
مجالات فقه الأولويات متعددة، وسنختار أمثلة متنوعة تمثل أهم
هذه المجالات:
المثال الأول: أيهما يقدم الكم أو الكيف؟
المتتبع لآيات القرآن الكريم، وسنة النبى-
صلى الله عليه وسلم- يجد أنه عند التعارض بين الكم والكيف فإن الفقه الصحيح يختار
الكيف على الكم.
المثال الثانى: عند كثرة المشاكل-
كما هو الحال فى الحياة المعاصرة- بماذا نبدأ فى الإصلاح؟
فقه الأولويات فى هذه الحالة يبدأ
بما بدأ به القرآن ويولى الأهمية لما أولاه القرآن،
فالقرآن اهتم بالعقيدة، وأصول العبادات، وأصول الفضائل ومكارم الأخلاق.
المثال الثالث: فى مجال الأعمال، ينبغى أن يكون مقياس التفاضل بين الأعمال الصالحة لأكثرها نفعا
للناس وأدومها وإن قل، والأطول بقاء وامتدادا على مر
الزمان، وتقديم عمل القلوب على عمل الجوارح، مع مراعاة الشخص العامل، ومراعاة
الزمان والمكان.
رابعا: فى مجال الإصلاح: "ينبغى البدء بتغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة، والبدء
بالتربية قبل الجهاد" (27).
نتائج البحث
1- الأمة
الإسلامية فى أشد الحاجة الآن إلى العمل بفقه
الأولويات.
2- المراد بفقه
الأولويات الفهم لأنسب الأحكام، التى تتلاءم مع مقاصد الشرع بتحقيق أهم المصالح، مع ملاحظة ما آلت إليه هذه
الأحكام.
3- يرتبط فقه
الأولويات بعد فقه الواقع وفقه النصوص بالمقاصد الشرعية فى
درء المفاسد، وتحقيق المصالح، والموازنة بين المضار، وسد الذرائع أو فتحها حسب ما
تؤول إليه.
4- مجالات العمل
بفقه الأولويات كثيرة فى العلم، والعمل، والإصلاح فى شتى مجالاته.
المصادر والمراجع
1- الأشباه والنظائر
لجلال الدين السيوطى، طبعة دار السلام، الأولى سنة
1998م تحقيق محمد تامر، وحافظ عاشور.
2- تفسير القرآن
العظيم (تفسير ابن كثير) لأبى الفداء إسماعيل بن كثير- طبعة عيسى الحلبى.
3- الجامع لأحكام
القرآن الكريم، لأبى عبد الله محمد بن أحمد القرطبى
طبعة دار الشعب- بالقاهرة.
4- رفع الحرج فى الشريعة الإسلامية: ضوابطه وتطبيقاته، للدكتور صالح بن
حميد- الطبعة الأولى (1403هـ) طبعة مركز البحث العلمى-
بجامعة أم القرى، بالسعودية.
5- زاد المعاد فى هدى خير العباد، لابن قيم الجوزية.
طبعة مؤسسة الرسالة، تحقيق شعيب، وعبد القادر الأرنؤوط،
الطبعة الرابعة عشرة (1407هـ –
1986م).
6- السيرة
النبوية لابن هشام- طبعة مصطفى الحلبى- الطبعة
الثانية (1375- 1995م) تحقيق الأساتذة: مصطفى السقا، وإبراهيم الإبيارى،
وعبد الحفيظ شلبى.
7- فى فقه الأولويات للدكتور: يوسف القرضاوى-
الطبعة الرابعة، مكتبة وهبة سنة (1422- 2000 م).
8- فيض القدير شرح
الجامع لعبد الرؤوف المناوى،
طبعة دار الفكر- بيروت- الثانية (1391 هـ- 1972م) الطبعة الرابعة.
9- القاموس المحيط،
لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادى، طبعة مصطفى الحلبى- الثانية (1371- 1952 م).
10- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان. تأليف
الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى- طبعة دار الريان للتراث:
الأولى سنة (1407هـ ـ 1987م).
11- لباب النقول فى أسباب النزول، لجلال
الدين السيوطى، طبعة دار إحياء العلوم- الثانية (1979م)
بيروت.
12- مجموع
فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدى، بإشراف الرئاسة العامة لشئون الحرمين. بالسعودية-
بدون تاريخ.
13- المستصفى لأبى حامد الغزالى/
الطبعة المصورة عن طبعة المطبعة الأميرية ببولاق- مصر سنة 1333هـ. وذلك بد ار المعرفة- بيروت.
14 – من فقه الأولويات، تأليف الدكتور مجدى الهلالى.
الطبعة الأولى (سنة 1414هـ - 1994م) دار التوزيع والنشر الإسلامية بالقاهرة.
15- الموافقات لأبى
إسحاق الشاطبى، الطبعة المصورة بدار المعرفة-
بيروت، عن طبعة المكتبة التجارية- بالقاهرة.
16- نظرية
المصلحة فى الفقه الإسلامى،
للدكتور حسين حامد حسان. طبعة المتنبى سنة 1981 م .
1- القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن
يعقوب الفيروز أبادى فصل الصاد باب الحاء
ج1/243 طبعة مصطفى البابى الحلبى.
الطبعة الثانية (1371 - 952ام).
2-
المستصفى من علم الأصول للإمام أبى حامد الغزالى، جـ 1/286- 287 الطبعة
المصورة بدار المعرفة- بيروت عن الطبعة الأميرية ببولاق- مصر سنة 1322 هـ .
3- نظرية المصلحة فى
الفقه الإسلامى ص 16- 18 طبعة المتنبى
سنة 1981م.
4-
المستصفى ج2/ 306 ونظرية المصلحة ص 19.
5-
الموافقات فى أصول الشريعة لأبى إسحاق الشاطبى ج2/8، المطبعة المصورة بدار المعرفة- بيروت عن طبعة
المكتبة التجارية بالقاهرة.
6-
نظرية المصلحة ص 30، 31.
7- السابق:
34.
8- انظر سبب نزل هذه الآيات فى تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم) لأبى الفداء إسماعيل
بن كثير جـ 2، 341- 342 طبعة عيسى الحلبى.
9-
قال ابن القيم بعد ذكره تفاصيل صلح الحديبية، وذكر بعض ما يستفاد من الفقه منه
قال: "ومنها أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة
الراجحة، ودفع ما هو شرمنه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما". زاد
المعاد فى هدى خير العباد، لابن قيم الجوزيه جـ 3/306 طبعة مؤسسة الرسالة تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط،
الطبعة الرابعة عشرة، سنة (1407هـ - 1986 م).
10-
انظر تحقيق هذه القضية فى تفسير ابن كثير جـ 1/ 257.
11- القاموس المحيط فصل الحاء باب الجيم
ج1/189.
12-
رفع الحرج فى الشريعة الإسلامية ضوابطه وتطبيقاته
للدكتور صالح بن حميد ص 47 الطبعة الأولى (403 1 هـ ) مركز البحث العلمى بجامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية.
13-
متفق عليه، انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، وضعه الأستاذ محمد فؤاد
عبد الباقى كتاب الحج باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل
الرمى جـ 2/ 65 وهو من حديث
عبد الله بن عمرو.
14- الأشباه
والنظائر. لجلال الدين السيوطى ج1/ 210 طبعة دار السلام
تحقيق: محمد تامر، وحافظ عاشور، الأولى 1998م .
15-
الأشباه والنظائر جـ1/212
16-
السابق 216.
17- السابق نفس الموضع.
18-
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية طبعة الرياض جـ.504/2.
19-
انظر رواية السيوطى لأصل القضية فى
كتابه: "لباب النقول فى
أسباب النزول " طبعة دار إحياء العلوم الثانيه 1979
م- بيروت.
20-
نص الحديث: "اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات "
رواه البخارى ومسلم، وأبو داود، والنسائى.
أنظره مع شرحه فى فيض القدير لعبد الرؤوف
المناوى، شرح الجامع الصغير للسيوطى
ج1/153طبعة دار الفكر- بيروت الثانية
(1391هـ – 1972 م).
21-
الحديث متفق عليه ونصه من حديث أبى بكرة قال قال النبى- صلى الله عليه وسلم-: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر،
ثلاثا: قالوا: بلى يا رسول الله قال:
"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئا فقال: "ألا وقول
الزور" قال: فمازال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. انظر اللؤلؤ
والمرجان جـ ا/76، 77.
22-
السيرة النبوية لابن هشام طبعة عيسى الحلبى- تحقيق
مصطفى السقا وآخرين. جـ 4 /662، ومن فقه الأولويات
للدكتور مجدى الهلالى ص 132-
133- الطبعة الأولى.
23- الجامع لأحكام القرآن الكريم لأبى
عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبى، طبعة دار الشعب
ص 6 0 38، ومن فقه الأولويات ص 142 .
24-
الموافقات للشاطبى جـ4/195
25-
نظرية المصلحة ص 202 .
26- السابق
202- 212.
27- انظر كتاب الدكتور يوسف القرضاوى: فى فقه الأولويات،
الطبعة الرابعة مكتبة وهبه، سنة (1422 هـ - 2000 م).