مستقبلنا بين التجديد الإسلامى
والحداثة الغربية
الأستاذ/ الدكتور محمد عمارة
المفكر الإسلامى- مصر
فى
لقاء مع عدد من المثقفين الأندونيسيين- ذوى التوجهات
الإسلامية- وأثناء استعراض واقع الفكر الإسلامى المعاصر
حدثتهم عن تمايز تيارات الفكر فى عالم الإسلام، وتوزعها-
على وجه الإجمال- إلى:
أولا: تيار الجمود والتقليد لتراثنا الفكرى،
وعلى الأخص منه تراث عصر التراجع الحضارى لأمتنا
وحضارات ذلك التيار الذى ينظر فقط إلى الخلف!.. ويقف
عند ظواهر النصوص، مغفلا المقاعد التى تغياها الشارع من وراء هذه النصوص.. بل ويتخير من النصوص "النصوص
الوسيطة" بدلا من "النصوص الأولى" المقدسة والمعصومة- غافلين عن
معنى "النص " فى علم أصول الفقه، وهو الذى لا ينطبق على كل "عبارة" وإنما يقتصر على ما
هو قطعى الثبوت وقطعى
الدلالة الذى لا مجال فيه لأى
تأويل.
ولذلك كله، فإن
هذا التيار- تيار الجمود والتقليد- يخاصم النظر العقلى فى حكم وعلل الأحكام التى جاءت بها النصوص.. مع إهمال فقه الواقع المتغير، والذى يتطلب- فى الفروع- أحكاما
جديدة، تواكب المتغيرات، وتستجيب للمصالح الشرعية المعتبرة التى
تفرزها هذه المتغيرات.
وثانيا: تيار التغريب والحداثة الغربية، ذلك الذى
انطلق وينطلق من المرجعية الفلسفية للحضارة الغربية. معتمدا مناهج النظر
"الوضعية- العلمانية"- وأحيانا المادية- التى
تعاملت بها تلك الحضارة مع الدين وعوالمه، علومه
ومعارفه، فنظرت إلى الدين ومواريثه باعتبارها "فكرا" غير علمى، عبر عن مرحلة من مراحل تطور "العقل الإنسانى"، هى مرحلة
"طفولة" هذا العقل .. التى تلتها ونسختها
"رحلة الميتافيزيقا " والتى تلتها- هى الأخرى- ونسختها " المرحلة الوضعية"، التى جعلت الكون المادى والواقع الدنيوى فقط- وليس الغيب- هو مصدر المعرفة الحقة والعلم الحقيقى، كما جعلت
"العقل " ولا التجربة وحدهما- دون " النقل" و " الوجدان
"- الطرق المعتمدة والمأمونة لتحصيل هذه المعرفة.. فكانت "القطيعة
المعرفية" مع الموروث وبالذات الموروث الدينى تلك التى تميزت بها ثقافة الحداثة
الغربية، والحداثة الثقافية، عندما عزلت علمانيتها السماء عن الأرض وبدعوى أن "العالم
مكتف بذاقه"، وأن "الإنسان مكتف بذاته".
وأن تدبير هذه الحياة الدنيا إنما يتم بالأسباب المادية
والملكات الإنسانية المودعة فى ظواهرها وعوالمها، دونما
حاجة إلى مدبر مفارق ومتعال من وراء الطبيعة.. حتى لقد جعلت هذه الثقافة الحداثية- التى تمحورت حول الإنسان
دون الله- جعلت من هذا الإنسان "كائنا طبيعيا"و "سيدا للكون
"، وليس ذلك المخلوق الربانى، الذي نفخ الله فيه
من روحه. وجعله خليفة له.. أى سيدا فى
الكون، وليس سيد الكون، وإنما عبدا
لسيد الكون. ذلك هو تيار التغريب والحداثة الغربية، الذى نظر أهله، إلى الغرب فقط، فقلدوه وجمدوا على مقولات
ثقافته وفلسفاته.. كما نظر أهل الجمود التراثى، فقط إلى
الماضى، فقلدوا مقولات سلف عصر تراجعنا الحضارى، وجمدوا عند ظواهر نصوصها.
وثالثا: تيار الإحياء والتجديد، الإحياء لأصول الإسلام وثوابته، بالعودة
إلى المنابع الجوهرية والنقية لهذا الدين الحنيف، والنظر فيها بعقل معاصر، يفقه أحكامها،
كما يفقه الواقع الذى يعيش فيه. عاقدا القرآن بين
"فقه الواقع" و فقه الأحكام " ليصل إلى التجديد فى الفروع- أى الفقه الذى هو علم الفروع - مبدعا الأحكام الفقهية الجديدة التى تستجيب للمصالح الشرعية المعتبرة التى
طرحتها وتطرحها مستجدات الواقع الجديد والمعيش.
ففى
هذا التيار- الإحيائى والتجديدى-
تتوازن " الثوابت "- الدائمة الثبات. والضامنة دوام إسلامية النسق الفكرى على امتداد الزمان والمكان- مع
" التجديد" فى الفروع التي تطرحها متغيرات الواقع ومستجداته..
الأمر الذى ينفى القطيعة "قطيعة للجديد
والتجديد" مع "الثوابت والثبات ".. كما ينفى "الجمود
والتقليد"، الذى يحدث فراغا فكريا، سرعان ما تملؤه
الفكرية الحداثية الغربية، التى
مثلت- منذ نشأتها فى عصر النهضة الأوروبية- قطيعة
معرفية مع الموروث الدينى على وجه الخصوص.
لقد دار حديثى، مع المثقفين الأندونيسيين،
حول هذا التشخيص لتيارات الفكر فى عالم الإسلام.
وأحسست أن كلامى كان واضحا.. وكان مقبولا..
اللهم إلا عند ذكر مصطلح " التجديد " أو الإشارة إلى نماذج العلماء
المجددين، فإن النظرات والإيماءات كانت لشىء بأن هناك
لبسا يحول دون وضوح المقصود من وراء هذا "التجديد".
وأخيرا أدركت أن هناك خلطا فى المفاهيم
والمضامين- مفاهيم ومضامين المصطلحات- حدث لأن عددا من "الحداثيين-
المتغربين " عمدوا إلى "تسويق بضاعتهم"
. الوضعية العلمانية- وأحيانا المادية تحت عنوان راية، ومصطلح "التجديد" حتى أصبح هذا
المصطلح "سىء السمعة"! عند هؤلاء المثقفين الأندونيسيين الأمر الذى أوجب
ويستوجب تحديد مفاهيم ومضامين المصطلحات.. ليتميز "
التجديد" كسبيل إسلامى أصيل فى
التطور بعالم الأفكار.. عن " الحداثة" بمعناها الغربى-
تلك التى تعنى القطيعة المعرفية مع ثوابت الدين وأصوله..
فهى نسخ للدين- بالجمود والإنكار.. أو بالتأويل الذى يفرغه من محتواه- بينما يعنى "التجديد": البعث
والإحياء لثوابت الدين وأصوله، مع تطور فى فقه الفروع،
مواكبة لمستجدات الواقع المعيش، وحفاظا- فى ذات الوقت- على صلاح وصلاحية الثوابت والأصول الدينية لكل
زمان ومكان.. فهما- " الحداثة" و " التجديد" نقيضان- فى نظرة كل منهما إلى ثوابت الدين وأصوله.. وأيضا فى النتائج التى يثمرها كل منهما إزاء الدين..
إن للإسلام فلسفته الفريدة فى النظر إلى الكون..
وإلى
مكانة الإنسان فى هذا الوجود.. وإلى نطاق حرية الإنسان فى هذه الحياة.. وهى فلسفة لا وجه للتوفيق بينها وبين الفلسفة
الوضعية التى قامت عليها النهضة الأوروبية الحديثة..
وثقافتها الحداثية المعاصرة.
فالإنسان- فى الرؤية الإسلامية- مخلوق لله
سبحانه وتعالى.. وفى هذا تتفق الرؤية الإسلامية مع
الوضعية الغربية المؤمنة.. لكنها تعود فتفترق عنها عندما تقرر أن الله سبحانه
وتعالى، ليس مجرد خالق فقط، وإنما هو الخالق والراعى والهادى والمدبر لهذا الوجود أو هذا الإنسان..
فالله، فى التراث الأرسطى
الإغريقى، هو مجرد خالق للعالم والوجود، خلقه ثم دفعه
للحركة فتحرك.. ولا يزال يتحرك بواسطة الأسباب الذاتية المودعة فى عوالمه وقواه. دونما حاجة إلى تدبير إلهى
أو رعاية ربانية أو شريعة دينية يأتى بها الوحى، من وراء الطبيعة
والوجود المادى، إلى الأنبياء والمرسلين.
وهذه الرؤية الأرسطية هى ذاتها الرؤية الوثنية
الجاهلية.. فلقد كان الوثنيون
- فى
الجاهلية- يؤمنون بالله خالقا لهذا الوجود ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) (لقمان: 25). ( ولئن سألتهم من خلق
السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون
) (العنكبوت: 61).
(
ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا
به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل
أكثرهم لا يعقلون
)(
العنكبوت: 63). فهم لا ينكرون الخلق والخالق لهذا الوجود.. !نما استحقوا أوصاف (لا يعلمون ) و(لا يعقلون) لأنهم وقفوا
بنطاق عمل الذات الإلهية عند "الخلق " وجعلوا " التدبير"
للأصنام والأوثان والوسائط التى أشركوها مع الله، يلجأون إليها إذا أرادوا الحرب أو السلم.. السفر
أو القرار.. الفعل أو الترك.. الإقدام
أو الإحجام.. الزواج أو الطلاق.. إلى غير ذلك من
التدابير لشئون الحياة.
وتلك بعينها، هى الفلسفة الوضعية الغربية عندما
تؤمن بالخلق والخالق. فهى
- بالعلمانية- قد قررت أن
العالم مكتف بذاته، وأن الإنسان مكتف بذاته. فالعلم تدبره الأسباب الذاتية
والمادية المودعة فى عوالمه ومجتمعاته وقواه وظواهره..
والإنسان هو سيد الكون.. ولا سلطان على العقل الإنساني إلا للعقل الإنسانى وحده و"العقد الاجتماعى"
البشرى يقرره الاختيار الإنساني وحده، والحرية الإنسانية التى
لا سقف عليها ولا إطار
يحكمها من وحى أو شريعة تأتى بها
السماء. وفى مقابل هذه الرؤية الوضعية- التى هى بعث وإحياء للتصور الأرسطى
وللتصورات الوثنية الجاهلية، تأتى فرادة الرؤية الإسلامية، التى
لا تجعل الله مجرد خالق.. وإنما هو الخالق والراعى والهادى
والمدبر لكل عوالم المخلوقات والتى ترى الإنسان خليفة لله،
خلقه الله ونفخ فيه من روحه. واستخلفه لعمارة الأرض. وسخر له كل ما فى الوجود. وحياة القدرة والحرية
والاختيار والاستطاعة والتمكين.. لكن فى حدود ثوابت عقد
وعهد الاستخلاف- عقد وعهد الإنابة والتوكيل- فهذا الإنسان- وفق عبارة الإمام محمد
عبده (1265-1323 هـ، 1849ـ 1905
م)-: "هو عبد الله وحده، وسيد لكل شئ بعده "!.. هو خليفة ونائب ووكيل لسيد الكون، سبحانه
وتعالى، وليس هو سيد الكون.. وهو الحامل لأمانة عمران هذه الأرض.. وهو فى تدبير هذا العمران، مصدر السلطة والسلطان، لكن فى إطار الحلال والحرام الدينى أى
فى إطار الثوابت الدينية-
عقيدة
وشريعة وقيما-.. فهذا الإنسان- فى هذه الرؤية
الإسلامية- ليس ذلك لا الحقير.. الفانى.. المهمش.. المجبر الذى لا حول له
ولا طول.. وأيضا، ليس هو سيد الكون، المكتفى بذاته عن توجيهات الدين، وتدبير
السماء ووحى الله ، سبحانه وتعالى.. وإنما
هو- بهذه- الرؤية الإسلامية- الرؤية الفلسفية الوسطية- سلطان الأرض المحكومة
سلطاته بسلطان السماء، لأنه خليفة فى الكون، وليس سيد
هذا الكون.. لأن سيد الكون- الله سبحانه وتعالى- ليس مجرد خالق، وإنما هو الخالق
والمدبر لكل عوالم المخلوقات.
( ألا له الخلق والأمر تبارك
الله رب العالمين ) (الأعراف: 54) ( قال
فمن ربكما يا موسى: قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى) (طه:
49-50).
( إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش
يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ) (يونس 3).
( الله يبسط الرزق لمن
يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شىء عليم ( (العنكبوت: 62).
فالرؤية "الوضعية- العلمانية" الغربية، التى
تريد تحرير الاجتماع الإنسانى من ثوابت التدبير للشريعة
الإلهية، تقول- مثلا-: "لا دين فى السياسة ولا
سياسة فى الدين ".. أو تحرر الوطن من الدين ومن
العبودية لله، ومن الالتزام بحاكمية الشريعة الإلهية. بدعوى "أن الدين لله، والوطن للجميع ". هذه الرؤية التى تعزل السماء عن الأرض، وتحصر الفعل الإلهى
فى نطاق دون نطاق هى التعبير
الحديث والمعاصر عن الرؤية "الوثنية الجاهلية" التى
سفهها القرآن الكريم وسفه قسمتها هذه عندما قال:
( وجعلوا لله مما ذرأ من
الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم
ساء ما يحكمون ) (الأنعام: 136).
بينما
الرؤية الإسلامية تجعل الدين لله.. أى خالصا. دون طغيان الطواغيت والعبودية لهم.. وتجعل الوطن أيضا لله. سخر
الله بما فيه من إمكانات لإنسان- الأمة.. المواطنين- المستخلفين فى عمرانه وتدبيره وفق الشريعة الإلهية- التى
هى بنود عقد وعهد الاستخلاف- فالكل- الوطن والمواطنون- فى الحقيقة وواقع الأمر- لله سبحانه وتعالى وفق المنطق
والمبدأ القرآنى
( قل إن صلاتى ونسكى ومحياى
ومماتى لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا
أول المسلمين ) (الأنعام: 62 1-163).
تلك هى المنطلقات المختلفة لكل من الرؤية
الإسلامية المؤمنة للكون.. ولمكانة الإنسان فى هذا
الوجود ولنطاق الحرية الإنسانية فى هذه الحياة- وهى
الرؤية المؤسسة على فلسفة الخلافة والاستخلاف- وللرؤية "الوضعية الغربية"
حتى المؤمنة منها- والتى مثلت وتمثل الجذر الفلسفى الذى يفتح الباب أمام
الحداثة الغربية لإنكار الثوابت الدينية، ونسخها، وإقامة القطيعة المعرفية معها،
بشكل مباشر وحاد، أو بالتأويل الذى يفرغ الدين ومصطلحاته من محتواه.. بينما تحول الرؤية الإسلامية دون فتح
هذا الباب، مكتفية- لتلبية احتياجات التطور، ومتغيرات الواقع، ومستجدات الزمان
والمكان والمصالح بطريق وآليات (التجديد الذى يحيى
الثوابت ويعيد الحيوية إلى الأصول مع التغيير والتجديد والتطوير والإبداع
فى الفروع التى تواكب
مستجدات الواقع والمصالح والحياة).
فإذا كانت الحداثة الغربية- انطلاقا من الفلسفة الوضعية، التى حررت الدنيا من الدين- قد أقامت قطيعة معرفية مع الموروث
الدينى..
وإذا كان الجمود والتقليد- فى فكرنا الإسلامى- ينكر التجديد، أو يستريب فيه، بدعوى أن الإسلام قد
اكتمل: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى
ورضيت لكم الإسلام دينا
) (المائدة: 3).
والمكتمل- بنظرهم- لا يحتاج إلى تجديد.. فإن تحديد
المفاهيم.. وتحرير مضامين المصطلحات.. هو الكفيل بتمييز " التجديد"
عن "الحداثة" وبنفس التناقص الموهوم بين "التجديد" وبين
"اكتمال الدين ".
التجديد هو التحقيق لاكتمال الدين:
إن " اكتمال الدين ".. "تجديده ".. وبتعبير آخر "
السلفية".. و " التجديد".. مصطلحان يرمزان- فى عرف بعض الباحثين- إلى نسقين متقابلين، بل ومتناقضين فى الرؤية والمنهج والتفكير والثمرات والذين ينظرون إلى فكرنا
الإسلامى بمناهج الفكر الغربى
لا يتصورون علاقة وفاق أو اتفاق أو تكامل بين " اكتمال الدين " وبين، "
تجديده " أو بين " السلفية" وبين " التجديد" ففى الفكر الغربى، كانت "
السلفية"- الأرثوذكسية- هى الوقوف عند الأصول فقط-
وهى أصولٌ لا علمية ولا عقلانية- حتى لقد سميت هذه "السلفية" هناك بـ "الأصولية"- بمعناها الغربى، أى الجمود المنافى للتقدم وللعقل
وللعلم ولمواكبة مستجدات الزمان والمكان.. كما كانت الحداثة هى
رد الفعل الغربى للسلفية والأصولية الغربية، التى مثلت ثورة أتت على هذه الأصولية الأرثوذكسية من القواعد
والأساس.
لكن منهجنا الإسلامى، بوسطيته
الجامعة، لم يعرف هذه الثنائية الانشطارية التى تقيم التقابل
والتضاد بين "اكتمال الدين.. والسلفية" وبين
"الاجتهاد فيه.. والتجديد له"..
إننا نتلو فى آيات القرآن الكريم قول الله
سبحانه تعالى:
( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشونِ
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم
الإسلام دينا ) ( المائدة: 3).
ونقرأ فى السنة النبوية الشريفة، قول رسول الله-
صلى الله عليه وسلم- : "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد
لها دينها" رواه أبو داود، فلا نشعر- بالمنهج الإسلامى..
ووسطيته الجامعة- أن هناك تناقضا بين اكتمال الدين،
بتمام الوحى وختام النبوة والرسالة، وبين التجديد
الدائم أبدا لهذا الدين، الذى اكتمل بختم الوحى وتمام القرآن الكريم.
ذلك أن الدين: عقيدة وشريعة.. والعقيدة فيه هى: الإيمان بالله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر..
والشريعة فيه هى: كل ما ينهجه
المسلم ويسلكه ويقيمه- من عبادات.. وقيم.. ومعاملات- كى
يعتقد هذه العقيدة ويتدين بها.. ولكل من العقيدة
والشريعة أصول وقواعد وأركان، هى جميعها قد اكتملت
بتمام الوحى الذى اكتمل به الدين، وبإقامة الرسول- صلى الله عليه وسلم-، وصحابته- رضى الله عنهم- لهذا الدين..
لكن الإنسان المسلم، بحكم خلافته لله، سبحانه وتعالى، فى
عمارة الأرض وسياسة المجتمع، وتنمية العمران، لابد له- وهو ينجز مهمة خلافته هذه،
ويؤدى أمانتها- من إقامة أبنية أخرى يبدعها هو فوق هذه الأصول والقواعد والأركان..
فالإسلام- مثلا- قد بنى على خمس- شهادة أن لا إله إلا
الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء
الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا" - رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى- فهذه الأركان الخمسة هى
القواعد التى بنى عليها
الإسلام، وليست هى كل بناء الإسلام، إنما هى القواعد التى تعلوها أبنية
الفروع.. وهذه الأبنية- الفروع للأصول وخاصة فى
المعاملات والتى تتغير وتتجدد وتتطور تبعا للمصلحة
ووفقا لمقتضيات الزمان والمكان- إذا كانت متسقة مع مقاصد الأصول وغايات القواعد
وحدود الأركان فهى " تجديد" فى نطاق وآفاق وروح وتأثيرات هذه الأصول والقواعد والأركان..
فالأصول الثوابت قد اكتملت باكتمال الدين، بينما آفاقها وآثارها والفروع الباسقة
منها دائمة النمو والتغير والتطور شاهدة على دوام التجديد، وعلى العلاقة بين هذا
التجديد وبين الثوابت المكتملة من الأصول والقوا عد والأركان..
ولوضوح هذه الحقيقة من حقائق المنهج الإسلامى،
كان اتفاق مذاهب الفكر الإسلامى على امتناع الاجتهاد فى الأصول ففيها وعليها قامت وحدة الأمة- التى
هى فريضة دينية.. وأصل دينى-
منذ اكتمال الدين بختم الرسالة.. وكان اتفاق هذه المذاهب، كذلك، على أن الاجتهاد الإسلامى مجاله " الفروع ".. فهو،
عندئذ، يمد- بالتجديد فروع الأصول إلى المستجدات من الوقائع والمصالح.. ويحِلُّ
أحكاما جديدة- أى فروعا جديدة- محل أحكام تجاوزها
الواقع الذى تغيّر والعرف الذى
تطور والعادات التى تبدلت والمصالح التى
استجدت، عندما تكون هذه الأحكام ذات علل غائبة، تدور معها وجودا وعدما.. بل إن هذا
الاجتهاد والتجديد إنما ينهض بدوره الدائم فى الكشف عن
جوهر الأصول والقواعد والأركان وتجليتها إذا علاها غبار الابتداع فطمس معالمها
بالزيادة أو الانتقاص أو
التحريف أو فساد التأويل.. ففى
الأصول وللقواعد، أيضا، تجديد- بهذا المعنى - وهو الذى
جعل حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ، يتحدث عن "تجديد الدين "،
وليس فقط تجديد "فكر المتدينين بالدين ".. وهو الذى
جعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ينبه على أن للإيمان- وهو جوهر الدين-
تجديدا.. وذلك عندما قال لصحابته وأمته: "جددوا
إيمانكم " - قيل: يا
رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟.. قال "أكثروا من
قول لا إله إلا الله "- رواه الإمام أحمد- لأن كلمة التوحيد هى الثورة التى تكشف عن نقاء هذا
التوحيد، عندما تزيل عن أصوله وجوهره غبار وآثار العبودية والخضوع للطواغيت..
وبذلك يتجدد الإيمان، ويعود التوحيد إلى إمضاء التحرير للإنسان من عبودية هذه
الطواغيت.. فيكون إفراد الله، سبحانه وتعالى، بالعبودية هو قمة التحرير لملكات
وطاقات الإنسان: فليس "التجديد" إذن نقيضا "لاكتمال الدين وثباته
". بل إنه السبيل لامتداد تأثيرات الدين الكامل وثوابته وأصوله إلى الميادين
الجديدة، والأمور المستحدثة. والضمان لبقاء "الأصول
" صالحة دائمة لكل زمان ومكان.. أى أنه هو الضمان
لبقاء الرسالة الخاتمة خالدة، ولولا مدة الفروع الجديدة إلى الجديد من المحدثات،
وإقامته الخيوط الجديدة بين الأصول الثابتة وبين الجديد الذى
يطرحه تطور الحياة، ولولا تجديده الدائم الذى يجلو
الوجه الحقيقى النقى لأصول
الدين وثوابته.. لولا دور "التجديد" هذا فى
حياة الإسلام وسيرته لنُسخت طمست هذه الأصول، إما بتجاوز الحياة الممتدة لظل
الفروع الأولى والقديمة، فيعرى هذا الامتداد الجديد من ظلال الإسلام.. أو بتشويه البدع، عندما تتراكم، لجوهر هذه الأصول.
إن الله، سبحانه وتعالى، لما تعهد بحفظ القرآن الكريم وصيانته عن التحريف
والتبديل ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (سورة الحجر: 9). يسَّر
للمسلمين أسباب ذلك، فكان جمعه.. وتدوينه.. وخدمته بعلوم
القرآن.. وكذلك الحال مع الدين الخاتم والرسالة العامة، التى
عنى ختم الرسالات السماوية بها إرادة الله دوام بقائها
وعطائها إلى أن يعرض البشر على بارئهم يوم الدين، فكان السبيل إلى دوام بقاء هذا
الدين واستمرار عطائه وصلاحه لكل زمان ومكان هو إعمال سُنة التجديد للدين والفكر الدينى.. وهى "سُنة" لا تبديل لها ولا تحويل أى أنها قانون من القوانين الفاعلة والعاملة دائما وأبدا فى النسق الفكرى الإسلامى، وليست مجرد "مباح " أو مجرد حق من حقوق
العقل الإسلامى!..
هكذا جمعت الوسطية الإسلامية، وتجمع، بين "اكتمال الدين " وبين
"تجديده " وربطت بين "السلفية"- بمعنى العودة فى الدين إلى أصوله وينابيعه الجوهرية والنقية- وبين
"التجديد" فى الفروع وفى المتغيرات.
ونحن إذا نظرنا إلى ذاتنا الحضارية، بمنهجنا الإسلامى،
فسنجد أن فى "سلفيتنا،) هذه اجتهاد يميز بين
الجوهر- جوهر الوضع الإلهى للدين- وبين الإضافات
والنواقص والبدع التى طرأت وتمت على جوهره وأصوله..
وسنجد أن فى " اجتهادنا "- الذى هو استنباط الأحكام الجديدة للواقع الجديد- سنجد أن فى هذا الاجتهاد: سلفية تستحضر الأصول والمبادئ والمقاصد لنرى
الواقع الجديد فى ضوئها، ونستخرج له منها الأحكام
الجديدة.. ففى السلفية تجديد.. وفى التجديد سلفية.. وكل
المجددين- فى سيرتنا الحضارية- كانوا سلفيين فى الأصول، ومجددين فى الفروع..
إن شيخ الإسلام ابن تيمية (661- 728هـ، 1263- 1328م)- الذى
هو طليعة من يرد على الذهن والخاطر إذا ذكر مصطلح "السلفية" لم يكن مجرد
مجتهد، وإنما كان واحدا من أبرز الذين سعوا إلى إبداع مشروع فكرى لتجديد الدين الإسلامى كى تتجدد به دنيا المسلمين (1).. وإن أبرز تلاميذ ابن تيمية، وهو العلامة ابن
القيم (691- 751 هـ، 1292- 1350م). هو الذى عقد- فى
كتابه ( أعلام الموقعين)- فصلا نفيسا جعل عنوانه " فصل فى
تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد"
ذلك "لأن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد فى المعاش والمعاد، وهى عدل كلها، ورحمة كلها ومصالح كلها،
وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن
المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة" وإن أدخلت
فيها (2)..
فالثابت فى الشريعة هو فلسفة التشريع، والقواعد
والنظريات، والأحكام التى قننت للثوابت- من مثل القيم
والحدود- أما التفاصيل والفروع والجزئيات- التى هى موضوع الفقه- فإن باب الاجتهاد والتجديد مفتوح فيها أمام
العقل الفقهى، كى يبدع
الجديد من الأحكام، التى تواكب متغيرات الواقع ومستجدات
الزمان والأحوال والنيات والعادات.. كما قال ويقول الأئمة "السلفيون- المجددون ".
هكذا تحددت.. وتحررت.. ووضحت المفاهيم.. مفاهيم
" التجديد" و "الحداثة".. وانتقلت شبهات التناقض بين اكتمال الدين وبين تجديده..
وأيضا بين سلفية العودة إلى الأصول والثوابت وبين التجديد فى
الفتاوى والأحكام.
من معالم المشروع الحضارى لمدرسة الإحياء
والتجديد:
وإذا كانت أبرز وأعمق وأوسع مدارس الإحياء والتجديد فى
النهضة الإسلامية الحديثة هى تلك المدرسة التى تبلورت من حول جمال الدين الأفغانى
(1254 - 1314 هـ، 838 1- 1897م) .. والتى كان الإمام
محمد عبده (1265- 1323 هـ، 1849- 1905م) العقل الذى
هندس معالم مشروعها التجديدى فى
العديد من الميادين. فلقد تبلور فى تراث هذه المدرسة ما
يمكن أن نسميه معالم أساسية لمشروع نهضوى إسلامى "هو وسط متميزعن
مقولات أهل الجمود والتقليد"- وعن مقولات أهل الحداثة والتغريب.. هو مشروع أصولى، نابع من الأصول الإسلامية. وحديث
ومعاصر. عندما رأى هذه الأصول بعقل معاصر. وفى ضوء
مستجدات الواقع العصرى المعيش..
وهذا المشروع الحضارى "الأصولى
التجديدى". الذى حاولت به وفيه هذا المدرسة تجديد الدين الإسلامى
لتتجدد به دنيا المسلمين، يمكن أن تتخير منه أصولا
عشرة، كمعالم للنهضة والإصلاح.. وهى:
1ـ نقد ورفض الجمود والتقليد:
سواء أكان هذا التقليد لتقليد الغرب للسلف.. وجمودا على تراثهم.. لأن
"سلفية الجمود على ظواهر
النصوص "- كما يقول الإمام محمد عبده-:
"أضيق عطنا، وأحرج صدرا من المقلدين، وهى وإن أنكرت كثيرا من البدع ونحَّت عن
الدين كثيرا مما أضيف إليه وليس منه، فإنها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من لفظ الوارد
والتقيد به، دون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التى قام عليها الدين، واليها كانت الدعوة، ولأجلها مُنحت
النبوة فلم يكونوا للعلم أولياء. ولا للمدنية أحياء(3).
ونفس الرفض والنقد- بل أكثر- لتقليد الغرب، والجمود على الثقافة الحداثية للتغريب.. "ذلك لأن المقلدية
لتمدن الأمم الأخرى- وكما يقول الأفغانى- ليسو أرباب
تلك العلوم التى ينقلونها.. والتمدن الغربى هو فى الحقيقة تمدن للبلاد التى نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنسانى، ولقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة ، المنتحلين
أطوار غيرها يكونون فيها منافذ لتطرق الأعداء إليها.. وطلائع الجيوش الغالبين وأرباب الغارات، يمهدون لهم السبيل ويفتحون لهم
الأبواب. ثم يثبتون أقدامهم "، فتقليد الأجانب
يجرنا بطبيعته إلى الإعجاب بهم، والاستكانة لهم، والرضا بسلطانهم علينا. وبذلك
تتحول صبغة الإسلام، التى من شأنها رفع راية السلطة والغلب. إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحكم الأجنبى(4).
2- وثانى هذه الأصول هو التجديد الذى يؤدى إلى:
- تحرير الفكر قيد التقيد
- فهم
الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف.
- الرجوع فى كسب معارف الدين إلى ينابيعها الأولى.
- اعتبار الدين من ضمن
موازين العقل البشرى.
- إصلاح
أساليب اللغة العربية.
- التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب. وما للشعب من حق العدالة على الحكومة.
وهو
تجديد- كما يقول الإمام محمد عبده-: "خالفتُ فيه وفى الدعوة إليه رأى طلاب
علوم الدين ومن على شاكلتهم.. ( من أهل الجمود والتقليد)- وطلاب فنوق هذا العصر ومن هو فى ناحيتهم- (من أهل
الحداثة والتغريب) " (5).
3- وثالث هذه الأصول هو الإصلاح بالإسلام:
وليس بالنموذج الحضارى الغربى
الوضعى والعلمانى. الذى اقتحم عالم الإسلام فى ركاب
الغزوة الأوروبية الحديثة.. "لأن الدين- (كما يقول الأفغانى)-:
هو قوام الأمم ، وبه فلاحها، وفيه سر سعادتها، وعليه
مدارها. وهو السبب المفرد لسعادة الإنسان.. وإنا معشر المسلمين.-
إذا لم يؤسس نهوضنا على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير لنا فيه.. ولقد كان
الخلل والهبوط الذى اعترى حياتنا من طرح أصول هذا
الدين. ونبذها ظهريا.. والعلاج إنما يكون برجوع الأمة
إلى قواعد دينها. والأخذ بأحكامه على ما كان فى
بدايته.. ولا سبيل إلى اليأس والقنوط. فإن جراثيم الدين
متأصلة فى النفوس.. والقلوب مطمئنة إليه، وفى زواياها
نور خفى من محبته، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا
إلى نفخة واحدة يسرى نفسها فى جميع الأرواح لأقرب وقت.
فإذا قاموا وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم، فلا
يعجزهم أن يبلغوا منتهى الكمال الإنسانى، ومن طلب إصلاح الأمة بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططا.. ولن يزيدها إلا نحسا، ولن يكسبها إلا تعسا" (6).
وبعبارة
الإمام محمد عبده: "
لقد أشربت أنفس الأمة الانقياد إلى الدين. حتى صار طبعا فيها، فكل من طلب
إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرا غير صالح للتربة التى
أودعه فيها، فلا ينبت، ويضيع تعبه، ويخفق سعيه.. وأكبر شاهد على ذلك ما شوهد من
أثر التربية التى يسمونها أدبية من عهد محمد على إلى
اليوم، فإن المأخوذين بها لم يزدادوا إلا فسادا- وإن
قيل إن لهم شيئا من المعلومات- فما لم تكن معارفهم العامة وآدابهم مبنية على أصول
دينهم فلا أثر لها فى نفوسهم.
إن سبيل الدين لمزيد الإصلاح فى المسلمين لا
مندوحة عنها. فإن إتيانهم
من طرق الأدب
والحكمة العارية عن صبغة الدين. يحوجه إلى إنشاء بناء جديد. ليس عنده من مواده شىء. ولا يسهل عليه أحد أن يجد من
عماله أحدا.. وإذا كان الدين كافلا بتهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها. ولأهله من الثقة فيه ما ليس لهم فى غيره. وهو حاضر لديهم،
والعناء فى إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به. فلم العدول عنه إلى غيره (7) .
4- ورابع هذه
الأصول هو الوسطية الإسلامية:
والتى
برئت من الغلو والإغراق فى المادية.. أو فى الروحانية،وإذا كانت المدنية الأوروبية- كما يقول الإمام
محمد عبده- هى: "مدنية الملك والسلطان، مدنية
الذهب والفضة، مدنية الفخفخة والبهرجة مدنية الختل والنفاق، وحاكمها الأعلى هو
الجنيه " عند قوم، و الليرة عند قوم آخرين ولا دخل للإنجيل فى شىء من ذلك.. فلقد ظهر الإسلام، لا روحيا مجردا. ولا جسديا جامدا، بل إنسانيا وسطا بين ذلك، آخذا
من كلا القبيلين بنصيب. فتوفر
له من ملاءمة الفطرة البشرية ما لم يتوفر لغيره، ولذلك
سمى نفسه دين الفطرة وعرف له ذلك خصومه اليوم. وعدوه المدرسة الأولى التى يرقى فيها البرابرة على سلم المدنية (8).
5- وخامس هذه الأصول هو العقلانية المؤمنة:
تلك التى جمعت وتجمع بين العقل والنقل.. بين
الحكمة والشريعة.. فتقرأ النقل بالعقل- وتحكم العقل- وهو نسبى الإدراك- بالنقل- الذى هو العلم الإلهى الكلى
والمطلق والمحيط.. ذلك أن العقل هو جوهر إنسانية الإنسان. وهو أفضل القوى
الإنسانية على الحقيقة.. وهو ينبوع اليقين فى الإيمان
بالله وعلمه وقدرته، والتصديق بالرسالة.. أما النقل فهو
الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب.. كأحوال الآخرة والعبادات (9) والقرآن- وهو
المعجز الخارق- دعا الناس إلى النظر فيه بعقولهم .. فهو
معجزة عُرضت على العقل. وعرفته القاضى فيها. وأطلقت له
حق النظر فى أنحائها. ونشر ما انطوى فى أثنائها.. فتأخر العقل والدين لأول مرة فى كتاب مقدس، على لسان نبى مرسل،
بتصريح لا يقبل التأويل.. والمرء لا يكون مؤمنا إلا إذا
عقل دينه. وعرفه بنفسه حتى اقتنع به. فمن رُبى على التسليم بغير
عقل. والعمل- ولو صالحا- بغير فقه، فهو غير مؤمن. لأنه
ليس المقصود من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يُذلل الحيوان، بل القصد منه أن
يرتقى عقله وتتزكى نفسه بالعلم بالله والعرفان فى
دينه.. والعاقل لا يقلد عاقلا مثله. فأجدر به ألا يقلد جاهلا دونه (10).
ومع
هذا التألق لمقام العقل.. فإن هناك أمورا لا يستقل العقل بإدراكها، أو إدراك
الحكمة من ورائها، ومن هنا كانت ضرورة استعانته بالوحى
"فالعقل البشرى وحده ليس فى استطاعته أن يبلغ
بصاحبه ما فيه سعادته فى هذه الحياة اللهم إلا فى قليل من لم يعرفهم الزمن، فإن كان لهم من الشأن العظيم ما به عرفهم أشار
إليهم الدهر بأصابع الأجيال.. وإذا قدرنا العقل البشرى قدره وجدنا غاية ما ينتهى إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات
التى تقع تحت الإدراك الإنسانى..
أما الوصول إلى كنه حقيقة فمما لا تبلغه قوته.. ومن أحوال الحياة الأخرى ما لا يمكن لعقل بشرى أن يصل إليه
وحده.. لهذا كان العقل محتاجا إلى معين يستعين به فى وسائل السعادة فى الدنيا والآخرة(11).
6- وسادس هذه الأصول: الوعى بسنن الله الكونية:
تلك التى تحكم سائر وعوالم المخلوقات، والتى تمثل قواعد علم الاجتماع الدينى،
فى التقدم والتخلف فى النهوض
والانحطاط.. فى الانتصارات والهزائم.. وفى التدافع بين
الأمم والدعوات والحضارات.. وإن "إرشاد الله إيانا أن له فى
خلقه سننا ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الأرض
فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) (آل عمران: 137) يوجب علينا أن نجعل هذه
السنن علما من العلوم المدونة، لتستديم ما فيها من الهداية
والموعظة على أكمل وجه.. والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن
يحيل عليه فى مواضع كثيرة، وقد دلنا على مأخذه من أحوال
الأمم إذ أمرنا أن نسير فى الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها.. إن لله فى
الأمم والأكوان سننا لا تتبدل. وهى التى تسمى شرائع أو نواميس، أو قوانين، ونظام المجتمعات البشرية، وما يحدث فيها هو نظام واحد
لا يتغير ولا يتبدل، وعلى من يطلب السعادة فى المجتمع
أن ينظر فى أصول هذا النظام حتى يرد إليه أعماله، ويبنى
عليها سيرته، وما يأخذ به نفسه، فإن غفل عن ذلك غافل،
فلا ينتظر إلا الشقاء، وإن ارتفع فى الصالحين نسبه، أو
اتصل بالمقربين سببه. فمنها بحث الناظر وفكر وكشف وقرر، وأتى لنا بأحكام تلك السنن ، فهو يجرى مع طبيعة
الدين وطبيعة الدين لا تتجافى عنه ولا تنفر منه (12).
7- وسابع هذه الأصول:
أن الدولة- فى
الإسلام- "مدنية إسلامية" لا كهنوتية ولا علمانية: فلقد أتى الإسلام
بالمبادئ والمرجعية.. أما النظم والمؤسسات والآليات،
فجميعها بشرية مدنية متطورة. وهى إسلامية بقدر ما تحقق أو تقترب من تحقيق المثال الإسلامى والمرجعية الإسلامية. وإذا كانت الدولة الكهنوتية قد عرفت الحكم بالحق
الإلهى، فكانت الدولة فيها نائبة عن السماء- ولا وجود
للأمة- وإذا كانت الدولة العلمانية تحكم باسم الشعب- ولا وجود فيها لشريعة السماء-
فإن الدولة الإسلامية فيها: حاكمية الشريعة.. والأمة
مستخلفة لتحقيق حاكمية الشريعة.. "والدولة مستخلفة
فيها عن الأمة.. فهى نموذج فريد فى
هذا الباب.. "وليس فى الإسلام سلطة دينية سوى سلطة
الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وهى سلطة خولها الله لأدنى
المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم
يتناول بها من أدناهم، ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط
الخليفة عند المسلمين بما يسميه الفرنج "ثيوكراتيك " أى سلطان إلهى.. فأصل من أصول الإسلام، قلب
السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها.. وكل سلطة تناولها القاضى،
والمفتى، وشيخ الإسلام، هى سلطة مدنية، قدرها الشرع الإسلامى ولا يسوغ لواحد
منهم أن يدعى حق السيطرة على إيمان أحد، أو عبادته لربه، أو ينازعه فى طريقة نظره.. ومع هذا.. فالإسلام دين- فى
عمله- وشرع.. لم يدع ما لقيصر لقيصر، بل كان من
شأنه أن يحاسب قيصر على ما له، ويأخذ على يده فى عمله..
فكان الإسلام كمالا للشخص، وألفة فى البيت، ونظاما
للملك امتازت به الأمم التى
دخلت فيه عن سواها ممن لم يدخل فيه (13).
8- والأصل الثامن من أصول هذا المشروع التجديدى
هو الشورى:
أى
مشاركة الأمة فى صنع قرارات دولتها ومجتمعها فلابد من
إشراك الأمة فى حكم البلاد وعن طريق الشورى "وذلك
بإجراء انتخاب نواب عن الأمة تسن القوانين، والقوة النيابية لأى
أمة كانت لا يمكن أن تحوز المعنى الحقيقى إلا إذا كانت
من نفس الأمة.. وبذلك يشارك الأهالى بالحكم الدستورى الصحيح، والأمة هى التى تملك حاكمها على شرط
الأمانة والخضوع لقانونها الأساسى، وتتوجه على هذا
القسم، وتعلنه له: "يبقى التاج على رأسه ما بقى هو محافظا أمينا على صون
الدستور". وأنه إذا حنث بقسمه وخان دستور الأمة، إما أن يبقى رأسه بلا تاج، أو تاجه بلا رأس ؟ (14).
9- وتاسع هذه الأصول هو العدالة الاجتماعية:
التى
تحقق التكافل الاجتماعي بين الأمة كلها "فالإخاء الذى
عقده المصطفى- صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار. كان أشرف عمل تجلى به قبول اشتراكية الإسلام الوسطية- التى
أشار إليها القرآن بأدلة كثيرة.. والمغايرة لاشتراكية الغرب، القائمة على التطرف
وروح الانتقام من جور الحكام والأحكام- ذلك أن تنعم فريق من قوم، وشقاء فريق آخر، فى محيط واحد، وبمساع ليس بينها وبين مساعى
الآخرين كبير تفاوت، مما لا يتم به نظام الاجتماع (15).
والله، سبحانه وتعالى، عندما أضاف مصطلح "المال " فى القرآن الكريم إلى ضمير "الفرد" فى سبع آيات، وإلى ضمير "الجمع " فى سبع وأربعين آية. أراد أن ينبه بذلك "على تكافل الأمة
فى حقوقها ومصالحها"، فكأنه يقول: إن مال كل واحد
منكم هو مال أمتكم (16).
10- وعاشر هذه الأصول هو إنصاف
المرأة:
لتشارك الرجل فى القيام بفرائض وتكاليف العمل
العام- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر- وبدون هذا الإنصاف لا قيام للأسرة التى هى اللبنة الأولى والأساسية فى
بناء الأمة.. "فالأمة تتكون من البيوت (العائلات)،
فصلاحها صلاحها، ومن لم يكن له بيت لا تكون له أمة.. والرجل والمرأة يتماثلان فى الحقوق والأعمال. كما أنهما يتماثلان فى
الذات والشعور والعقل.. والآية القرآنية ( ولهن مثل الذى
عليهن بالمعروف ) (البقرة: 228). (هى قاعدة
كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل فى جميع الحقوق. إلا أمرا واحدا عبر عنه بقوله: ( وللرجال عليهن درجة ) (سورة البقرة: 228) وهذا الأمر- القوامة- يوجب
على المرأة شيئا وعلى الرجل أشياء، ذلك أن الحياة الزوجية حياة اجتماعية. ولابد
لكل اجتماع من رئيس، يرجع إلى رأيه فى الخلاف، كى لا تنفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل النظام.. والرئاسة هنا
إرشاد ومراقبة وملاحظة. وليست قهرا ولا سلبا للإرادة.. فالمرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن
الشخص الواحد. فالرجل بمنزلة الرأس، والمرأة بمنزلة البدن. وكلاهما بشر تام، له
عقل يتفكر فى مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه
وُيسَرُّ
به، ويكره ما لا يلائمه
وينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر ويتخذه عبدا يستذله
ويستخدمه فى مصالحه، ولا سيما
بعد عقد الزوجية والدخول فى الحياة المشتركة التى لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين للآخر والقيام
بحقوقه أما الرجال الذين يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة فى
بيوتهم، فإنهم إنما يلدون عبيدا لغيرهم (17).
تلك نماذج من معالم المشروع النهضوى، التى أثمرتها إبداعات الإحياء والتجديد.. تلك التى جسدت منهاج التجديد الإسلامى فى: استصحاب الثوابت والقواعد والأصول.. وجددت فى فقه الواقع، فجاءت هذه المعالم إسلامية تماما.. وفى ذات
الوقت مستجيبة لمتغيرات ومستجدات ومصالح الواقع المعيش.
نماذج حداثية
للقطيعة مع الموروث:
!ذا كانت هذه الأصول
الفكرية العشرة، هى نماذج للتجديد، الذى
يستصحب الثوابت الإسلامية، ويطور فى
المتغيرات.. فهل فى واقعنا الفكرى
المعاصر نماذج لحداثة القطيعة المعرفية مع ثوابت الإسلام وأصوله وقواعده؟؟..
إن الإجابة- الصريحة- هى نعم- مع الأسف الشديد
" فلقد نجح التغريب والاستلاب الحضارى في جعل
المرجعية الوضعية تزاحم المرجعية الإسلامية فى فضائنا الفكرى.. وانطلق نفر من المتغربين، الذين ضربت عقولهم وصيغت
رؤاهم وفلسفاتهم وفق المناهج الوضعية الغربية، من هذه المرجعية الوافدة، فبشروا
بالمقولات والرؤى الحداثية- التى
قلدوا فيها "سلفهم الغربى" من فلاسفة التنوير الغربى، متحدين ثوابت الأمة. وخارجين على نسقها الإيمانى، بإقامة القطيعة المعرفية مع ثوابت الإسلام.
وحتى لا ندع مجالا " للاستنتاج "، أو " التأويل،" أو
"الادعاءات ". ونحن نقدم نماذج لهذه الحداثة "العربية" فإننا
سنقدم نصوص أصحابها، كما كتبوها ونشروها، تاركين الحكم عليها وعلى موقفها من ثوابت
الإسلام للفطرة السليمة التى تقرأ وتتأمل هذه النصوص..
ولنتيح- أيضا- فرصة النظرة المقارنة بين نصوص حداثة القطيعة مع الموروث هذه، وبين
نصوص التجديد الإسلامى، التى
سبق وأوردناها لرواد مدرسة الإحياء والتجديد.
إن الحداثة الغربية- التى هى
ثقافة التنوير الغربي الوضعى- هى
التى أعلنت وتعلن- بصريح العبارة. أنها قد أقامت وتقيم
قطيعة معرفية كبرى مع الدين، وأنها حتى
إذا استخدمت مصطلحات القاموس الدينى، فإنها تجرد هذه المصطلحات
وتفرغها من مضامينها الدينية والإيمانية.. أى أنها ، حتى عندما
تستخدم لغة الدين، فإنها تفرغ هذا الدين
من الدين، وذلك بتأويل الدين لأنسنته.. وتحويله إلى نسق فكرى إنسانى،
لا علاقة له بالغيب والسماء !!.. تعلن الحداثة الغربية ذلك،
فتقول بلسان أهلها والمدافعين عنها:
" إنه بعد أن كان المسيحى حريصا على طاعة الله وكتابه، لم يعد الإنسان يخضع إلا
لعقله.. فأيديولوجية التنوير قد أقامت القطيعة الإيستمولوجية
(المعرفية) الكبرى، التى
تفصل بين عصرين من الروح البشرية: عصر الخلاصة اللاهوتية للقديس توما الأكوينى (1225- 1274) وعصر الموسوعة لفلاسفة التنوير.. فمنذ
الآن فصاعدا راح الأمل بمملكة الله ينزاح لكى يخلى
المكان لتقدم عصر العقل وهيمنته.. وهكذا راح نظام النعمة الإلهية ينمحى ويتلاشى أمام نظام الطبيعة.. لقد أصبح الإنسان وحده
مقياسا للإنسان.. وأصبح حكم الله خاضعا لحكم الوعى
البشرى. الذى يطلق الحكم الأخير باسم الحرية.. ويمكن
للمعجم اللاهوتى القديم أن يستمر، ولكنه لم يعد يوهم
أحدا، فنفس الكلمات لم يعد لها نفس المعانى ! ..(18)
"
وعلى هذا الدرب- درب القطيعة المعرفية الكبرى مع ثوابت الإسلام وأصوله- سار
نفر من الحداثيين العرب- حذو الفعل بالفعل- فرأينا
أحدهم يذهب على درب تأويل الإسلام تأويلا يفرغ الدين من الدين، فيقول:
1- عن الذات الإلهة- التى أجمع المسلمون على تنزيهها، فى
الذات والصفات والأفعال، عن مماثلة أو مشابهة المحدثات ( ليس كمثله شىء)- الشورى: 11 ويقول عن " التوحيد" و "الوحى" و "النبوة والرسالة" و "الإيمان "
و "الغيب " و"التراث "
- وغيرها من مفاهيم ثوابت الدين ومصطلحاته:
-
إنه- أى " الله "- " هو الأرض.. والخبز..
والحرية.. والعدل.. والعتاد.. والعدة.. وصرخات الألم.. وصيحات الفرح.. فهو
تعبير أدبى أكثر منه وصفا لواقع، وتعبير إنشائى أكثر منه وصفا خبريا.. ولذلك وجب التخلى
عن ألفاظ ومصطلحات كثيرة- فى علم