فقه
المستحدثات فى بعض المجالات الاقتصادية
الأستاذ
الدكتور/ نصر فريد واصل
مفتى الديار المصرية- السابق
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق
أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله الهادى
الأمين الذى بعثه الله رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه
ومن اهتدى بهديه وعمل بسنته وتمسك بشريعته إلى يوم
الدين وبعد، فإن الفقه فى الدين
من أعظم النعم التى أنعم الله بها
على عباده المؤمنين المخلصين لأنه يحقق الخير للإنسان فى
كل أمور الدنيا والدين، ومن فقه دينه من المسلمين فقه دنياه ودانت له بعز ومجد
واستخلفها خلافة شرعية بأمر ربه ومولاه يعمرها ويستخرج منها كل خيراتها تحقيقا
لقوله تعالى ( هو أنشأكم من الأرض
واستعمركم فيها ( (هود
61). وقوله صلى الله عليه وسلم "
من يرد الله به خيرا يفقه فى
الدين " (1).
والإسلام أمر
بطلب العلم بصفة عامة فى أمور الدين وأمور الدنيا فكل
منهما مكمل للآخر لأن دين الإسلام دين متكامل عقيدة وشريعة دين ودولة منهج حياة
متكامل يحث على العلم ويرفع مكانة العلماء قال الله تعالى: )وقل رب زدنى علما ( (طه 114). وقال
الرسول في "طلب العلم فريضة على كل مسلم " (2) والخطاب إلى
المسلم هنا يشمل المسلمة.
وحتى لا يتوهم
أحد من غير المتخصصين فى الأحكام الشرعية أن الإسلام
يعادى العلم المادى أو يحد من نشاطه وتجاربه خاصة ونحن فى سبيلنا للتعرض لبعض المسائل العلمية الطبية والاقتصادية
والتكنولوجية المستحدثة فى هذا الشأن وبيان حكمها الشرعى
فإننا نبين أن الإسلام يدعو إلى العلم أيا كان نوعه طالما كان يهدف لخدمة
الإنسانية وتحقيق الرخاء والرفاهية للبشر جميعا حتى أنه كرم العلماء وجعل لهم
منزلة رفيعة لدرجة أنه قرنهم بالملائكة فى قوله تعالى:(
شَهِدَ الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو
العزيز الحكيم ( (آل عمران 18)
وقال الله تعالى:
)
يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ( ( المجادلة 11)، كما فضلهم الإسلام على العباد
والزهاد وجعلهم ورثة للأنبياء فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم- "فضل
العالم على العابد كفضلى أنا على أدناكم " (3) وقال أيضا "العلماء
ورثة الأنبياء " (4).
والعلم الذى قدره الله سبحانه وتعالى وعظمه ورفع مكانة أصحابه هو
العلم الذى يهدى إلى الإيمان بالله تعالى ويحقق للبشرية
الخير والسعادة والأمان سواء كان علما دينيا أو ماديا لأن الله تعالى ما استخلف
الإنسان فى الأرض وسخر له كل ما فى
الكون مصداقا لقوله تعالى: ( هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا )
(البقرة 29).
وقوله تعالى: ( وسخر لكم ما فى
السموات وما فى الأرض جميعا منه (
(الجاثية 13)0 إلا لعبادته سبحانه وتعالى ولاعتمار الأرض ونشر الخير والنماء فيها لكل
البشر قال الله تعالى: ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( " ( الذاريات
56). وقال جل شأنه: ) هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) (هود 61). وهذا الاستعمار والاستخلاف لا يكون
إلا بفقه الدين والدنيا معا وفق ظروف كل عصر وما يستجد فيه من قضايا وأحداث فى شتى المجالات الطبية والاقتصادية والتكنولوجية. ونحن من
جانبنا نشارك بهذا البحث "فقه المستحدثات فى
بعض مجالات الطب والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا" كنماذج لفقه الواقع فى الحياة المعاصرة بناء على دعوة الأستاذ الدكتور/ محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف ورئيس
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية للاشتراك فى المؤتمر
العام الثالث عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذى
سينعقد فى القاهرة فى الفترة
من 31/5/ 2001م حتى 3/6/ 2001م تحت عنوان "التجديد فى
الفكر الإسلامى" مساهمة منا فى العمل
على نشر دعوة الإسلام وبيانها للناس كما جاء بها
الإسلام لدفع كثير من الأوهام والشبهات التى تتعلق
بالشريعة والتى يثيرها أعداء الإسلام والمسلمين لجهلهم
بحقيقة الشريعة الإسلامية ومبادئها الإسلامية السمحة وقدرتها على علاج كل مشكلات
المجتمع المحلى والعالمى أى
مجتمع كان فى
كل عصر وزمان وفى كل مكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وسوف أتناول هذا
البحث من خلال: فقه المستحدثات فى بعض المجالات
الاقتصادية.
إن الشريعة
الإسلامية قد عنيت بالمجالات الاقتصادية عناية فائقة وذلك لأن الإنسان لا يستطيع
العيش فى مجتمعه إلا من خلال المعاملات المدنية
والتجارية لتلبية حاجياته من مأكل وملبس ومشرب وغيره وكل ذلك لا يكون إلا من خلال
تلك المعاملات المالية ولذلك كان الحفاظ على المال الذى
به تتم المعاملات الاقتصادية من بين الكليات والمقاصد
الخمسة التى دعت الشريعة الإسلامية وكل الشرائع إلى
المحافظة عليها وهى الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
ومما لا شك فيه أن المعاملات المالية التجارية
والاقتصادية تختلف من عصر إلى آخر حسب حاجيات المجتمع فى
كل عصر والفقه الإسلامى بما يحتويه من ذخائر ونفائس
سواء فى صورة قواعد كلية عامة أو فروع فقهية خاصة قد
استوعب كل ما يحتاجه الإنسان وأوجد الحلول لكل مشكلات الحياة على مدار العصور إن
لم يكن فى صورة فروع ومسائل خاصة ففى
صورة قواعد كلية عامة وبذلك يستطيع الفقيه المجتهد فى
عصر أن يستنبط الحكم الشرعى لما يستجد من معاملات سواء
من خلال النصوص الشرعية مباشرة أو من خلال هذه القواعد الكلية العامة .
ونحن فى عصرنا الحالى قد جدت علينا بعض
المعاملات المالية والاقتصادية التى لم تكن فى العصور السابقة كما تغيرت النقود والمعاملات المتداولة بين
الناس فبعد أن كانت هذه النقود من الذهب والفضة وتحمل قيمتها فى
ذاتها أصبحت العملات ورقية لا قيمة لها فى ذاتها وإنما
تظهر قيمتها وتتحدد بما تحتفظ به الدولة من رصيد من
العملات الأصلية- الذهب والفضة- فى خزائنها لهذه
الأوراق النقدية أو بقوة اقتصادها وما تتخذه فى ذلك من
نظم وقوانين لتحقيق هذا الغرض، ولذلك ثار الخلاف بين العلماء المعاصرين فى شأن المعاملات فى المصارف
والبنوك اقتراضا أو إيداعا وحكم الزيادة على رأس المال فى
هذه المعاملات وحكم زكاتها، وهل هذه المعاملات التى
تقوم بها هذه المصارف والبنوك العصرية موافقة للشريعة
الإسلامية أم أنها من المعاملات الربوية المحرمة شرعا
باعتبار أن النقود الورقية كالنقود الذهبية سواء بسواء لا يجوز فيها الزيادة عند
القرض أو الإيداع لأنها ربا حرمه الله.
كما أن هناك من
المستحدثات المعاصرة فى المجال الاقتصادى
أيضا بيع المرابحة الذى يقوم به
بعض البنوك لشراء سلع للعملاء مرابحة فهل هذه المعاملات جائزة شرعا أم لا؟ وما هى الضوابط الشرعية لها؟ ولذا فإننا سوف نتعرض فى هذا البحث لبعض هذه المعاملات البنكية خاصة وأن وجود تلك
البنوك والمصارف أصبح ضرورة لتنمية المال واستثماره لأن التنمية والاستثمار الناجح
لا يتحققان إلا من خلال تجميع هذه الأموال واستثمارها بواسطة تلك البنوك نظرا
لضخامة المشروعات الاستثمارية فى هذا العصر ولذا فإن
تنمية البنوك والمصارف لهذه الأموال وتشجيعها على الاستثمار فيما أحله الله فى نظر الإسلام أصبح ضرورة قومية واجتماعية لتحقيق الإنتاج الزراعى والصناعى والتجارى والاستثمار لهذا المال بما يعود على المجتمع والفرد
بالنفع العام ويحقق الأمن للجميع وللمال نفسه اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا.
النقود الورقية والمعاملات المصرفية
تقديم وتقسيم:
كثر الجدل حول
كون النقود الورقية من الربويات وبالتالى
فإنه لا يجوز الزيادة فيها عند الاقتراض أو الإقراض لأنها ربا أم أنها ليست من الربويات وبذلك فالزيادة فيها لا تكون من الربا وحتى يكون
الأمر واضحا جليا فإنى سوف أتناول بالبحث الصرافة
والنقود الربوية ثم أتعرض للأوراق النقدية وهل هى من الربويات أم أنها مجرد عروض
تجارة قياسا على الفلوس والخلاف الوارد فى ذلك بين
العلماء ثم أتحدث بعد ذلك عن جانب من المعاملات المصرفية كاقتراض الأفراد من
البنوك وإيداع الأفراد أموالهم فى البنوك وحكم الفوائد المتحصلة
من ذلك وغير ذلك من المستجدات الاقتصادية المتعلقة بأعمال البنوك ثم نبين أهمية
البنوك والمصارف فى تنمية الأموال واستثمارها لصالح
الجماعة وإتماما للفائدة فسوف نركز على الجانب العملى التطبيقى بذكر بعض الفتاوى الشرعية فى
معاملات البنوك واستثماراتها والزكاة المتعلقة بها وبيع
المرابحة الذى يتم عن طريق بعض البنوك للأفراد
والمؤسسات بأقساط معلومة والضوابط الشرعية لذلك سائلين المولى عز وجل أن يوفقنا
فيما قصدنا إليه إنه نعم المولى ونعم النصير.
الصرافة والنقود الربوية
الصرافة فى اللغة تطلق على عدة معانى منها:
التحويل، والتخلية، والإنفاق، والبيع (5).
أما عند الفقهاء: فهى بيع الذهب بالذهب
، والفضة بالفضة، أو بيع أحدهما بالآخر ولذلك فلابد من توفر أركان البيع فى عقد الصرافة والشروط المطلوبة لصحة البيع على العموم،
ويزاد على ذلك من الشروط التساوى والحلول، والتقايض فى مجلس العقد، إن كانا
من جنس واحد كالذهب بالذهب، والفضة بالفضة. سواء كانا مضروبين، كالجنيه المصرى والجنيه الإسترلينى،
والدينار الكويتى، والدينار العراقى،
والدولار الأمريكى، والدولار الكندى،
والريال اليمنى، والريال السعودى، والدرهم الإماراتى، والفرنك الفرنسي، والفرنك السويسرى،
والمارك الألمانى، أو غير مضروبين كالذهب الخام على
هيئة سبيكة أو حليا، ولندرة الذهب والفضة وتسهيلا للتداول فقد طُبِعَتّ عملات
ورقية لتحل محل الأولى فى التعامل بها
بين الناس، ولذا كانت الأولى هى الرصيد وهى ما يطلق
عليها الرصيد المالى لأى
دولة من الدول.
ومعنى كونه
مضروبا أى مصنوعا على هيئة عملة معينة للتعامل بها فى أى بلد من بلدان العالم، وأما معنى كونه غير مضروب
فهو ما يطلق على الخام منهما- الذهب والفضة- والذى لم
يصنع أصلا بأن يكون ذلك على هيئة سبائك، أو مصنوعا على هيئة حلى مثلا.
فلا يصح بيع جنيه
ذهبى بجنيه آخر ذهبى مع
زيادة أحدهما فى الوزن ولا مع التساوى
فى الوزن إذا كان بزيادة قرش أو قرشين مثلا فى جانب أحدهما فإن كانا متساويين فى
الوزن صح البيع- ولو كان أحدهما أزيد من الآخر فى
القيمة- بالشروط السابقة وهى الحلول والتساوى فى الوزن والقبض فى مجلس العقد.
وكذلك الحال فى بقية العملات المذكورة فلا يباع نوع منها بمثله إلا طبقا
لما سبق بيانه. كما لا يصح بيع عملة ذهبية أو فضية بعملة أخرى من جنسها إلا مع التساوى وتحقيق الشروط السابقة وهى التساوى
فى الوزن والحلول والقبض فى
مجلس العقد.
كما لا يصح بيع
أسورة ذهبية بأسورة ذهبية أخرى إحداهما ثلاث أوقيات
والأخرى خمس أو أربع أو اثنتان مثلا ولو اختلف نقشهما وصياغتهما وإن تساويا فى القيمة.
كما لا يصح بيع
أسورة ذهبية بجنيه ذهبى إلا إذا تساويا فى الوزن والحلول والقبض ولو تفاوتا فى
القيمة، فإن اتفقا فى القيمة واختلفا فى الوزن فلا يصح البيع. لحديث
الذهب بالذهب مثلا يدا بيد وكل ذلك منعا من الربا.
فإذا بيع جنس
بآخر كالذهب بالفضة أو العكس صح البيع مع التفاوت فى
الوزن والقيمة بشرط الحلول، والتقابض فى مجلس العقد، وعلى ذلك يجوز أن يشترى الجنيه الذهب الذى قيمته مائة وعشرين قرشا من الفضة بمائة قرش فقط من الفضة
أو بأقل من ذلك أو بأزيد، لحديث: "فإذا اختلفت
الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " أى مقابضة فى مجلس العقد، وهذا فيما
يتعلق بالنقدين باعتبارهما أثمانا للأشياء أما بالنسبة
للفلوس فلها أحكام أخرى.
هل الفلوس من الربويات؟
الفلوس هى المأخوذة من معادن أخرى غير الذهب والفضة، كالنيكل،
والبرونز، والنحاس، والألومونيوم. مثل القروش المصرية والفلسات
اليمنية، وغيرها من عملات البلاد الأخرى ويذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا ربا فى التعامل بها ولا يشترط فيها ما
يشترط فى الذهب والفضة أو النقود المتخذة منهما فيجوز
بيع الجنس الواحد من الفلوس بعضه ببعض ولو مع التفاضل والتأخير فى الدفع من طرف واحد أو من الطرفين معا لأنهما كعروض التجارة
بل صرح المالكية بذلك حيث قالوا: إن الفلوس هى ما اتخذت
من النحاس ونحوه وهى كعروض التجارة.
وعلى ما ذهب إليه
المالكية والشافعية والحنابلة فإنه يصح بيع أربعين قطعة من العملة فئة قرشين بمائة
قطعة من العملة المصرية فئة قرش صاغ واحد، !ن اختلفت القيمة أو الوزن، لأن ذلك من
عروض التجارة، ولأن لكل من المتعاقدين غرضا معينا ومصلحة فى
هذا التبادل، والنص التشريعى لم يشملها لا نصا ولا
قياسا، لأن الوزن ليس مقياسا فى ذلك أصلا بل المعتبر هو
العد والقيمة، والعد ليس علة على المعتمد فى بيع الربويات، كما أن
القيمة أيضا باتفاق ليست علة لأنها تتغير من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان، ومن
غرض إلى غرض، ولهذا كانت القيمة هى العلة فى إباحة الربح والتفاوت فيه فى
البيع من قوله تعالى: )وأحل الله البيع
وحرم الربا( (البقرة: 275).
ومع
اتفاق الحنفية(6) مع الجمهور فى جواز التعامل بالفلوس
مفاضلة أى بزيادة أحدهما عن الآخر ولو من جنسه فى غير السلم فقد اختلفوا فى أنه
لابد من شرط قبض ما عين مبيعا فى
مجلس العقد. وقالوا فى تعليل ذلك: إن الفلوس المأخوذة من غير الذهب والفضة إذا جعلت
ثمنا فى المبيع فإنها لا
تتعين بالتعين كالذهب والفضة، لأن بهما قوام الأشياء
لأن الذهب والفضة لا يتعينان بالتعين فلا يملك ما بيع
من الذهب بعينه ولا الفضة بعينها إلا بالقبض، لأنه قد يكون للمشترى غرض بخصوصه فى هذا المبيع، فمثلا إذا باع شخص
لآخر جنيها بخصوصه بخمسين قطعة من ذات القرشين وقبل الطرفان وجب تسليم الجنيه فى المجلس قبل التفرق إلى أجل يحدد فيما بينهما، وذلك لأن عدم
تسليم الجنيه في المجلس يترتب عليه احتمال تبديله أو تغييره من البائع "صاحبه
" بآخر ولو مثله، والحال أنه مبيع بخصوصه، وللمشترى غرض فيه.
فلو غير أو بدل كان البيع واقعا على غير معين
وذلك لا يصح، ولذلك قاس الحنفية بيع الفلوس بعضها ببعض على بيع الفلوس بالذهب
والفضة لنفس العلة ولهذا قالوا: لا يشترط التقايض من
الجانبين فى المجلس بل يكفى قبض أحدهما فقط وهو المعين مبيعا مثل ما إذا اشترى شخص من آخر قطعة من النقود فئة
"قرش صاغ واحد" بمبلغ (نصف قرش) فإذا قبض القرش فى
المجلس صح البيع، ولو تأخر دفع نصف القرش ! ان افترقا
قبل أن يقبض أحدهما فسد البيع، ومثل ذلك بيع قطعة من العملة فئة25 فلسا بخمسين
فلسا، وهكذا يقاس على ذلك.
ونحن نرى أن وجهة نطر الجمهور هى الأولى من حيث
رعاية المصلحة، وتسهيل التعامل بين الناس مادام ذلك قد اتفق على أنه يدخل فى عروض التجارة من حيث البيع والشراء اللهم إلا إذا كانت النقود
أو الفلوس لها قيمة معينة أو غرض معين كقطع النقود المعدنية الأثرية أو غير
المتداولة حيث يكون العمل بما ذهب إليه الحنفية هو الواجب والأولى رعاية لمصلحة
المتعاقدين، ولأن التعيين فى المبيع
أمر واجب كما قال جميع الفقهاء.
الأوراق النقدية
والمعاملات المصرفية: (7)
هلى الأوراق النقدية من الربويات؟
بالنظرفى النصوص التى وردت بشأن
الربا والأشياء التى يثبت فيها الربا فإننا لا نجد أحدا
من الفقهاء القدامى أو المحدثين قد أدخل الأوراق النقدية المصنوعة من ورق خاص
والمتداولة الآن بين الناس فى كل بلدان العالم تقريبا
ضمن الأجناس الربوية وان كانوا لم يصرحوا بذلك لأن
الجميع متفق على أن ما يثبت فيه الربا من المعادن هو الذهب والفضة، وأن ما يحرم
فيه الربا من النقود المضروبة منهما أى الذهب والفضة
وأن المضروب من غيرهما لا ربا فيه كما سبق توضيحه بالنسبة للفلوس مفاضلة.
وإذا كان الأمر كذلك أى
أن الأوراق النقدية ليست من الأشياء التى ثبتت فيها علة
الربا لا بالنص ولا بالقياس فتكون فى حكم الفلوس التي
لا يثبت فيها الربا، لأنها حينئذ تكون فى حكم عروض
التجارة بل ذلك واضح فيها أكثر من الفلوس- ولا يؤثر ذلك في كونها نقودا يتعامل بها الناس فيما بينهم ويستعملونها فى
شراء حاجياتهم- وقد سبق أن بينا أن المالكية- نصوا على اعتبار الفلوس من عروض
التجارة، ولا خلاف بين الفقهاء فى أن عروض التجارة لا
ربا فيها لأنه يجوز فيها التفاضل سواء كان ذلك فى الحال
أو مع التأخير. وهذا إذا كانت النقود الورقية متغيرة القيمة وليست ثابتة مستقرة-
وهذا هو الحادث والمشاهد لنا فى هذا العصر فإن القيمة
الشرائية للنقود الورقية متغيرة من وقت لآخر- أما إذا اتسمت النقود الورقية
بالاستقرار والثبات مثلها مثل الذهب والفضة فتأخذ حكم الذهب والفضة قياسا ولا
تعتبر من عروض التجارة ويقتصر دورها حينئذ على كونها نقودا فقط.
والأوراق النقدية
فى الأصل عبارة عن سندات على مصدرها بقيمتها من العملات
الذهبية أو الفضة تخول لحاملها التعامل بها نيابة عن
العملات الأصلية كما يخول له فى نفس الوقت المطالبة
بأصلها عند اللزوم، وهذا هو الأصل، وإن كان قد تغير الحال فيما بعد حيث أن الغالب
الآن هو احتفاظ الدولة برصيد فى خزائنها وليس فى الإمكان حاليا المطالبة بأصل هذه الأوراق لحملها والتعامل بها، وذلك لظروف اقتصادية تتعلق بذلك هى
من صالح الدولة غالبا، وأصبح ذلك نظاما عالميا معترفا به
بين جميع الدول، ولهذا تتغير قيمة العملات الورقية من وقت لآخر، ومن بلد إلى بلد،
ومن مكان إلى مكان، ومن غرض إلى آخره ومما يدل على أنها أصبحت فعلا ضمن عروض
التجارة أن لها نشرة عالمية منتظمة ما بين وقت وآخر من حيث البيع والشراء بالنسبة
للعملات بعضها وبعض وترى منها الزيادة والنقصان فى
العملة الواحدة من وقت لآخر.
وإذا اتضح الأمر
بالنسبة لنا، وكانت الأوراق النقدية- بالإضافة إلى كونها نقودا يتعامل بها الناس- من ضمن عروض التجارة أو فى
حكمها نظرا لتغير قيمتها فى هذا العصر من وقت لآخر وأن
علة الربا غير متوفرة فيها جاز بيع بعضها ببعض مع التفاضل، اختلفت العملة أو
اتفقت، فيجوز بيع الدولار الأمريكى بالدولار الكندى أو العكس كما يجوز بيع الدولار بريال سعودى واحد أو بأكثر والجنيه المصرى
بالدينار الكويتى وهكذا كما يجوز بيع الجنس الواحد بعضه
ببعض متفاضلا.
والعلة فى ذلك أن الأمر بالنسبة لعروض التجارة يختلف عن الأمر
بالنسبة للأمور الربوية لقوله تعالى: ( وأحل الله
البيع وحرم الربا) (البقرة 275)، والبيع باتفاق الجمهور لا يشترط فيه التساوى بين الثمن والثمن حيث يجوز التفاضل بدون تحديد لهذه
الزيادة، ويحل البيع لأجل بحيث لا يشترط التقايض فى المجلس بالنسبة لطرفى المعقود عليه
إذا لم يكن أحدهما ربويا فى
عقد سلم، فإن كان أحدهما ربويا فى
عقد سلم كأن اشترى إنسان من آخر قمحا مثلا، وجب تسليم أحد العوضين
فى مجلس العقد، وهو الثمن، ولا يشترط ذلك فى البيع الحالى عند الشافعية إلا فى الجنس الربوى الواحد أو الجنسين
بعلة واحدة ( 8).
ونحن إذا توصلنا
إلى ذلك من طريق البحث الفقهى فإننا نرى أن بيع الجنيه المصرى الورقى بجنيه وعشرة قروش
مصرية جائز لانعدام علة الربا فى ذلك كما هو الأمر
بالنسبة للفلوس أو عروض التجارة وكذلك الأمر للريال إذا بيع بمائة وعشرين فلسا،
وقس الأمر هكذا بالنسبة لبقية العملات الورقية، وكذلك لاختلاف الأغراض بالنسبة
للبيع والشراء فى عروض التجارة.
هل يجوز الزيادة على
القرض فى الاوراق النقدية؟
!ذا كان الأمر لا يثير دهشة بالنسبة لهذه العملات
الورقية بيعا عند الباحثين المتعمقين فى فهم النصوص
التشريعية والفقهية القديمة والحديثة، فقد يثور الخلاف حول إقراض هذه العملات
الورقية بزيادة عليها عند الدفع من المقترض كما إذا اقترض شخص من آخر جنيها على أن
يدفعه جنيها وخمسة قروش بعد شهر مثلا ، ونحن لا نرى من وجهة نظرنا أن ذلك من ضمن
الربا لأن علة الربا وهى سبب التحريم لا توجد فيه على أساس أن هناك زيادة من حيث
النظر هذا من ناحيه (9) ومن ناحية أخرى فإننا إذا علمنا
واتفق الجميع أن علة التحريم فى الربويات
إنما هى الزيادة فى جانب
أحدهما ويؤيد ذلك تعريف الربا لغة وشرعا وأسباب النزول بالنسبة للآيات التشريعية
الواردة بشأن تحريم الربا، والحكمة التشريعية لهذه النصوص، فإننا لا نجد من حيث
الحقيقة أثرا يذكر بالنسبة لهذه الزيادة، وذلك لاتفاق الجميع على أن القرض هو نوع
من العارية(10) ويجب رد العين المستعارة بتمامها بعد استعمالها من غير نقص فإن
تلفت فى يد المستعير بتعدية وجب عليه رد قيمتها لصاحبها
ولا خلاف فى ذلك، وإن كان هناك خلاف فى بعض الفروع الفقهية بين الفقهاء.
ولما كانت النقود
يتعذر ردها بعينها لأنه لابد من إتلافها فى بيع أو
شراء، فقد أجيز رد بدلها بما يساويها فى العدد والوزن
لأن ذلك هو الأقرب من حيث الوصول إلى المساواة فى العين
المقترضة والتى قلنا أنها أصلا عارية، وإلا إذا تحكمنا
وقلنا برد العارية بعينها لتعذر ذلك ومنعنا الناس من التعاون فيما بينهم والتعاون
أصل ضرورى من الأصول التى
قامت عليها الشريعة الإسلامية وتشريعاتها فى كل أمور
الحياة.
ولهذا قال فقهاء
الشافعية: الإقراض مندوب، وصيغته: أقرضتك أو أسلفتك أو خذه بمثله أو ملكتكه على أن ترد بدله، لأن الإقراض بمعنى الإعطاء والتمليك
للشيء على أن يرد بدله، ويرد المثل فى المثلى بمثله وفى
المتقوم يرد القيمة مع مراعاة المثل صورة وينبغى اعتبار ما فيه من المعانى
كالصفة وإلا أعتبر على الصورة مراعاة القيمة، وقد قيل بأنه يرد فى المتقوم القيمة على أى حال( 11).
فإذا اقترض شخص
مثلا من آخر خمسة جنيهات ذهبية مضروبة بستة يدفعها بعد سنة مثلا كانت هناك زيادة
حقيقية وربأ فى أحد العوضين
وهما من جنس ربوى واحد ولا خلاف فى
ذلك استغلال من المقرض للمقترض وهذا ما نعت عنه الشريعة ومنعته منعا باتا وهو من
الربا المقطوع بحرمته والذى لا يحل بحال.
أما إذا كان
القرض هو خمسة جنيهات عملة ورقية بستة عملة ورقية تدفع بعد سنة مثلا، فإن الأمر
يختلف بالنسبة عما سبق حيث يجوز ذلك إذا كانت النقود قيمية
وغير مثلية من حيث الحقيقة الفعلية لأن ذلك خارج عن أنواع الربا وعلى فرض أن الربا
فيها شكلا من حيث زيادة العدد على اعتبار أن الزيادة فى
أحدهما بدون مقابل والجنس متحد، فإنه بعد التحرى
والتحقيق تنتفى هذه الزيادة، لأن الواجب طبقا لما سبق
أن قررناه بشأن قرض المال هو رد مثله تماما هو أمر ممكن
فى العملات المضروبة من الذهب والفضة.
أما هنا فى النقود فى ظل السياسة النقدية
الحديثة التى انفصلت تماما عن أصولها النقدية الصحيحة
ذات المثلية- الثابتة بالورق فإن المماثلة الحقيقية غير ممكنة فى
الواقع وإن وجدت المماثلة من حيث الشكل وذلك لاختلاف قيمة هذه العملات من وقت إلى
وقت ومن زمن إلى زمن ومن بلد إلى بلد بالزيادة أو النقصان، والمماثلة الحقيقية
مطلوبة شرعا بالنسبة لرد القرض، ولما كانت متعذرة رجعنا إلى القيمة عند التسليم
باعتبار أن القرض أصله عارية للمال والعارية أمانة فى
يد المستعير حتى يتم التسليم فإن تلفت تحت يده بتعد منه وجب عليه ضمان قيمتها،
ولهذا كان القرض دينا على المستقرض بمثله أو بقيمته إن
تعذر المثل(12).
فإذا علمنا أن
المماثلة الحقيقية غير متوفرة فى رد قروض الأوراق
المالية النقدية وجب الرجوع إلى رد القيمة لأن ذلك هو الأقرب إلى العدالة سواء
كانت القيمة فى العدد نفسه أو بزيادة عليه أو ينقص عنه
وإن كان الغالب هو الزيادة وليس النقص لاطراد الأسعار دائما وارتفاعها بسبب تضخم
النقود الورقية وانخفاض قيمتها الأصلية.
ولنضرب لذلك
مثلا: اقترض محمد من على خمسة جنيهات مصرية عملة ورقية ليدفعها بعد سنة أو عند
موسم الحصاد مثلا: ثم اشترى محمد بالمبلغ الذى اقترضه
من على ثوبا من القماش ولما حل الأجل دفع محمد المبلغ لصاحبه فأخذ على المبلغ
ليشترى به ثوبا من القماش مثل الذى
اشتراه محمد بالمبلغ الذى
أخذه من على
فوجده قد ارتفع فى السعر بحيث أنه قد دفع فيه ستة من
الجنيهات بدل خمسة بزيادة جنيه على المبلغ الذى أقرضه والذى اشترى به المقرض الثوب بعد
الدفع.
فكأن القيمة
الحقيقية المطلوب ردها هو مثل القيمة وقت الدفع ومثل القيمة الأصلية وقت الدفع هو
ستة وليس خمسة، فإذا فرضنا أن المقرض الذى أقرض خمسة من
العملة الورقية طلب ستة عند الدفع بعد أجل السنة كان آخذا لمثل قيمة دينه إن تساوى
ذلك حقيقة، فإن كان هناك تفاوت فى الزيادة أو النقصان
فإنه لا ضرر إن كان ذلك لا يصل إلى حد التفاوت الظاهر الفاحش لأن المماثلة
الحقيقية غير ممكنة لعدم التنبؤ بما فى المستقبل
بالنسبة لقيم الأشياء، كما أنه قد يؤدى الأمر إلى الضرر والتنازع إذا تركنا الأمر
وقلنا بتحديد القيم وقت دفع المبلغ من المدين وقد يؤدى ذلك إلى إحجام الناس عن
إقراض الغير ومنع التعاون فيما بينهم، ثم أن النفس البشرية فى
العادة شحيحة على مالها ولا ترغب فى نقصه أو إتلافه بل
أنها تحب زيادته ونماءه فلا أقل من أن تأخذ مثله ممن يستقرضه
منها، وهذه الرغبة تحافظ عليها الشريعة الإسلامية فى
تشريعاتها لأن المصلحة الشرعية من أهم أسس التشريع الإسلامى
بالنسبة للتشريعات التى وضعتها لمعاملات الناس بعضهم من
بعض بل أن هذه المصلحة مراعاة فى حكمة التشريع بالنسبة لحرمة الربا ومنع التعامل به بين الناس فى كل المجتمعات التى تخضع لحكم التشريع الإسلامى.
ويمكن زيادة
الأمر إيضاحا من حيث بيان أن العملة الورقية كعروض التجارة تختلف من زمن إلى زمن،
أنها ترتفع قيمتها أو تنخفض تبعا لرصيدها الأصلى
وللغطاء الذى تحتفظ به كل
دولة من الدول حفاظا على استقرار قيمة عملتها الورقية المتداولة للتعامل بها، فهى ترفع كلما زاد هذا الرصيد
وتنخفض قيمتها كلما انخفض هذا الرصيد.
ومن حيث الواقع
فإننا نجد كل عملة من العملات الورقية الصادرة حديثا للتداول تختلف من حيث القيمة
عن العملات المتداولة الصادرة قبلها من حيث قيمة الوحدات العددية النقدية التى تنسب إلى هذه الورقة كميزان لمعرفة قيمة كل ورقة من
أوراق التداول، كما فى الجنيه المصرى
مثلا، حيث أن الوحدات العددية النقدية التى يقدر بها هى مائة قرش مصرى وهذه القروش تختلف قيمتها من ناحية أخرى من زمن إلى زمن
تبعا لاختلاف قيمة المعدن الذى تصنع منه هذه العملات
المعدنية، فالجنيه المطروح للتداول من ثلاثين سنة مثلا كانت قيمته مائة قرش لأن
قيمة وحدته النقدية كانت تساوى ذلك فعلا من حيث أصله ومعدنه والصنعة والميزان المالى التجارى الذى يحميه فإذا قارنا ذلك بالجنيه بعد عشر سنوات مثلا
لاختلاف الوضع وكلما تقدم الزمن قلت القيمة تبعأ لقيمة
وحداته التى يتألف منها وهى القروش المصكوكة من معدن
يقل فى قيمته كثيرا عن تلك الوحدات المصنوعة من معدن
مخلوط بنسبة من الفضة أو من الفضة الخالصة.
ومن ناحية أخرى
فإن الورقة المالية سند بالمبلغ وهي فى نفس الوقت سهم بقيمته من الرصيد الأصلى
المودع فى البنك أو فى خزينة
الدولة بالنسبة لجميع الأوراق المالية
الصادرة والمتداولة ولا شك أن الأسهم التجارية كما فى
الشركات من عروض التجارة فمثلا إذا كونت شركة بين مجموعة من الناس وجعل السهم
للاشتراك فيها جنيها مصريا وتم الاكتتاب فى جميع أسهمها
فإن ذلك السهم يكون سندا فى يد صاحبه بقيمة المبلغ الذى دفعه وبناء عليه يكون مشتركا فى
رأس مال الشركة وعضوا من أعضائها ومن ناحية أخرى فإنه يحق لصاحب هذا السهم بيعه بأى مبلغ زيادة أو نقصا
بالنسبة للثمن الحقيقى للسهم، فإذا كان ثمنه
جنيها وباعه بعشرة جنيهات جاز ذلك لأنه من ضمن عروض التجارة وهذا يخضع للعرض
والطلب ورغبة المتبايعين في الثمن وهذا يختلف من شخص الى آخر ولا خلاف فى جواز ذلك
شرعا، فإذا تبين لنا أن الورقة المالية هى سند لسهم
كانت من ضمن عروض التجارة التى يجوز التعامل بها شرعا كأى سلعة من سلع عروض
التجارة التى لا يدخل فيها الربا.
ومما يؤكد
نظريتنا هذه فيما ذهبنا إليه بالنسبة للأوراق المالية النقدية فى
التعامل بها أن النقدين وهما
الذهب والفضة كانا معتبرين عند الفقهاء جميعا بالنسبة للكلام عن التعاملات الربوية ما يجوز منه وما لا يجوز والسبب فى
التحريم وحكمة التشريع فى تحريم الربا.
فقد جاء فى تفسير المرحوم الشيخ محمود شلتوت (13) تحت عنوان: الجانب الاقتصادى فى تحريم الربا ما يأتى:
أما نظرة الإسلام
فى تحريم الربا إلى الجانب الاقتصادى
العلمى بعد الجانب الخلقى،
فمرجعها إلى أن المجتمع الصالح المبنى على أسس قوية هو المجتمع الذى يكون كل فرد من أفراده عضوا عاملا فيه، أما إذا كان بعض
أفراده عاملين، وبعضهم كسالى يعيشون عالة على غيرهم، ويعتمدون فى
بقائهم ومتاعهم على ما يقدمه الآخرون لهم، فإن هذا المجتمع يختل توازنه، ويدركه
الضعف والشقاء والتخاذل بقدر ذلك وفى هذا يقول الرازى:
"إنما حرم الربا من حيث أنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب
الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم نقدا كان أو نسيئة، خف عليه
اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك
يفضى إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات " يقول الإمام الغزالى فى كتاب الشكر من إحياء
علوم الدين بالنسبة لهذا الجانب الاقتصادى: " إن المال ليس مقصودا لذاته، وإن الدرهم
والدينار فى نفسيهما ليسا إلا حجرين كسائر الأحجار،
وإنما خلقهما الله ليكونا وسيلة للتعامل بين الناس وقضاء المصالح ويتخذا ميزانا
لتقدير قيم الأشياء التى يحتاج إليها الناس فى معاشهم فقد يكون عندك ثياب أو إبل أو نحو ذلك، وأنت محتاج إلى دقيق، وليس
صاحب الدقيق محتاجا إلى شىء من ثيابك أو إبلك حتى تبيعه
بعضها ببعض ما لديه من الدقيق، وإنما هو محتاج إلى حديد أو أجر مثلا، فاحتيج إلى
النقد ليتوسط الناس، فيكون أداة التبادل، ويكون بمثابة الحاكم على الأشياء، فمن
خرج به عن هذا الوضع الذى
وضعه الله له فقد كفر بنعمة الله فيه،
فإذا كنزت المال فكأنك حبست الحاكم ومنعته من أن يتصرف ويقوم بما عليه، وإذا
استعملت الذهب والفضة فى آنيتك فكأنك سخرت الحاكم فيما
تفعله العامة والدهماء من الخدمة، لأن النقد لم يجعل لذلك، وإنما جعل لذلك الحديد
والنحاس وأمثالهما من المعادن المعدة للخدمة لا للحكم وتعديل التعامل، وعلى هذا
يكون النظر إلى النقدين على أنهما ليسا ميزانا للتقدير
والخروج بهما إلى أن يكونا مقصودين بالتعامل، واستغلال
المال بالمال مما لا يقره الشرع، ولا يرضاه الله لعباده
لأنه يؤدى إلى انحياز المال للأغنياء، وتكدسه فى
خزائنهم وصناديقهم ووقوف حركة الأعمال والتثمير بين الناس وانهيار قيمتها وشيوع
البطالة والكساد فى الأمة (14).
فأنت إذا نظرت
فيما أورده المرحوم الشيخ شلتوت فى نصه وفيما اعتمد
عليه من نص الإمام الغزالى لوجدت الدرهم فى نصه والمال مفسرا بالدراهم والدنانير فى
نص الغزالى.
وقد جاء فى تفسير المنار ما يدل على أن المراد بالنقدين
هما الذهب والفضة وذلك فى تفسير الشيخ محمد عبده لآيات
الربا وحكمة التحريم، فيقول: "ومن وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع: أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانا لتقدير قيم الأشياء التى ينتفع بها الناس فى معاشهم فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودا بالاستغلال فإن
هذا يؤدى إلى انتزاع الثروة من أيدى أكثر الناس وحصرها فى أيدى الذين يجعلون أعمالهم
قاصرة على استغلال المال بالمال، فينمو المال ويربو عندهم ويخزن فى الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك، ويبخس
العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء، ولو
وقف الناس فى استغلال المال عند حد الضرورة لما كان فيه
مثل هذه المضرات " (15).
وقد استدل الإمام
الشيخ محمد عبده فى حكمة تحريم الربا بمضرة استغلال
النقد آخذا من كلام الإمام الغزالى عن النقد حيث قال:
" من نعم الله خلق الدراهم والدنانير وهما قوام الدنيا... الخ"النص.
كما جاء فى تفسير الإمام الرازى(16) ما
يؤكد أن المراد بالنقدين هما الذهب والفضة وأن المراد
بالمال الربوى هو المتخذ منهما فقط.
يقول الإمام أبو
إسحاق الشيرازى (17): "ولا يحرم الربا إلا فى الذهب والفضة والمأكول والمشروب، فأما الذهب والفضة فإنه
يحرم فيهما الربا بعلة واحدة وهى أنها قيم الأشياء والمأكول والمشروب يحرم فيهما
بعلة واحدة وهو أنه مطعوم ".
وهذه العلة المراد توفرها فى
النقود لابد أن تكون ثابتة لا تتغير فى نفسها وإن تغيرت
قيمتها بالنسبة إلى غيرها لأنها كميزان ثابت سليم توزن به
الأشياء والسلع ولا يوزن الميزان بالسلع الموزونة به
لأن هذا قلب للحقائق، ولهذا كانت الحكمة من تحريم الربا فى
النقدين بذاتهما دون غيرهما كما قال الإمام الغزالى t .
وقد ذهب الإمام
ابن القيم إلى أن علة النقود هى الثمنية
وهى لا تتحقق إلا فى النقود المضروبة من الذهب والفضة
واستدل بما ذهب إليه بأدلة عقلية قوية جدا ولهذا رأينا أن نذكر ما قاله فى ذلك فى كتابه أعلام الموقعين.
يقول ابن
القيم: " وأما الدراهم والدنانير،
فقالت طائفة العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد فى
إحدى الروايتين عنه ومذهب أبى حنيفة، وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعى ومالك وأحمد فى الرواية
الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامها في الموزونات من
النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان النحاس والحديد ربويين
لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا، فإن ما يجرى فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز
التفاضل فيه دون النسىء- أى
التأخير- والعلة إذا انتقضت من غير مؤثر دل على بطلانها، وأيضا فالتعليل بالوزن
ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض، بخلاف التعليل بالثمنية،
فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذى
به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا
يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به
الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض،
فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلاف ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر
اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم، ولو جعلت ثمنا
واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هى بغيرها لصلح أمر الناس، والأثمان لا تقصد لأعيانها، بل
يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت فى أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول
يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات (18).
ونحن إذ قد عرفنا
أن الأوراق النقدية ترتفع وتنخفض من زمن إلى زمن ومن- حالة إلى حالة تبعا لحالة
الدولة الاقتصادية التى تصدر هذه الأوراق ورصيدها الذهبى وميزانها التجارى، فتكون
بناء على نص ابن القيم خارجة عن الأثمان الحقيقية الشرعية التى
تقوم بها الأشياء لاضطراب العلة فيها من وقت لآخر وعدم
ثبوتها، وهى فى هذه الحالة كأى
سلعة من سلع المبيعات فى عروض التجارة تخضع للعرض
والطلب، لدرجة أننا نجد بعض هذه العملات الورقية لا يتعدى التعامل بها خارج حدود البلد التى أصدرتها
حيث يصبح التعامل بها خارج حدود هذه الدولة غير ذات
فائدة بل قد يصير الأمر إلى أنها قد تكون ورقة عادية لا قيمة لها وقتئذ. أما
النقود الأصلية فإنها دائما تحتفظ بقيمتها لأنها دائما لا تتغير ولا تتبدل، فهى محتفظة بذاتها فى جميع الأوقات
ومن هنا صح بها قوام الأشياء وحكم عليها بأنها ميزان
الأثمان.
ويمكن توضيح ذلك
بالمثال الآتى:
لنفرض أنك ذهبت
إلى الصائغ أو الصراف أو البنك من سنتين واشتريت جنيها ذهبيا إسترلينيا بمبلغ
عشرين دولارا أمريكيا عملة ورقية، ولفرض أن ذلك كان فى
أول يناير سنة 976 1م، وفى أول يناير 978 1م ذهبت إلى الصراف لتشترى جنيها ثانيا
مثل الأول تماما فكان ثمنه ثلاثين دولارا أمريكيا، فالأول ثمنه عشرون جنيها والثانى ثمنه ثلاثون بزيادة عشرة على الثمن الأول والثانى مثل الأول من جميع الأوصاف، لأن الحقيقة أن العملة
الورقية هى التى اشتريت
بالعملة الذهبية فكأن الجنيه فى المرة الأولى اشترينا به عشرين دولارا والثانى اشترينا به ثلاثين دولارا ولا فرق بين الأول والثانى
من جميع الوجوه، فظهر أن الثمن ميزان لا يتغير وبه توزن
الأشياء وتعرف قيم المبيعات، وهذا هو الثمن الحقيقى فى نظر الإسلام وهو الذى لا يجوز
التفاوت فيه ولا الزيادة عليه فى القرض عند الدفع فإن
حصلت زيادة فهى ربا منهى عنه
بلا خلاف وسوف نتعرض لحالة إقراض الأفراد بعضهم لبعض وحالة المعاملات المصرفية التى تكون بين البنوك والأفراد فيما يلى:
أولا.. الاقتراض
بين الأفراد:
لو فرضنا أنك من
سنتين أقرضت شخصين فى وقت واحد أحدهما الجنيه الذهبى الذى اشتريته بالعشرين
دولارا والآخر عشرين دولارا عملة ورقية نقدا، فإذا رد من اقترض الجنيه الذهبى جنيها آخر مثله إلى صاحبه فقد أرجع القرض الذى أخذه من غير زيادة عليه وبرئت ذمته من الدين عليه، وان
جاء الآخر الذى اقترض مبلغ العشرين دولارا وأرجع نفس
المبلغ وهو العشرين دولارا إلى صاحب القرض فى الوقت الذى كان فيه الجنيه الذهبى يساوى
" 25 " خمسة وعشرون دولارا لم يكن موفيا المقرض حقه، لأن المبلغ الثانى ليس مثل الأول ولا هو قيمته لأننا عرفنا أن قيمة
العشرين فى الأول أى عند أخذ
القرض هى جنيه من الذهب، وفى الثانى
أى عند رد القرض هى أقل من
الجنيه والواجب على المقترض رده هو جنيها ذهبيا أو قيمته لأن الجنيه هو الذى به تقوم الأشياء وتعرف به الأسعار، فلو قبل صاحب القرض مبلغ العشرين بعد سنتين كان
مسقطا لحقه فى بقية دينه وهذا جائز بل هو مطلوب شرعا
لأن ذلك من باب إعانة الأغنياء للفقراء والتعاون فيما بينهم، والله فى عون العبد مادام العبد فى عون
أخيه، ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى: ( مثل الذين ينفقون أموالهم فى
سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة
حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم
) (البقرة 261).
وقال أيضا سبحانه
وتعالى: ( من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه
له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه
ترجعون ) ( البقرة245).
وقال أيضا سبحانه
وتعالى: ( ومثل الذين ينفقون أموالهم
ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين
فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون
بصير ( (االبقرة265).
وقال أيضا سبحانه
وتعالى: ) وما أنفقتم من شىء فهو
يخلفه وهو خير الرازقين ( (سبأ 39).
ويد الإنسان على
المال يد وكالة أصلا وليست يد ملك لأن المال مال الله والملك كله لله، فلله ملك
السموات والأرض وما فيها، وقد أخلف الله الإنسان فى
الأرض لعمارتها والعيش فيها فقط أخذا من قوله سبحانه وتعالى: ) إنى جاعل فى الأرض خليفة ( (البقرة 30).
وهذه الخلافة
والوكالة تستوجب انفاق هذا المال على المحتاجين وتوزيعه
بعدالة وحكمة على الفقراء والمعدمين بما
يحقق الغاية من خلق الله للمال ولوجود الخلافة معا، ويؤكد ذلك قوله أيضا سبحانه
وتعالى: ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين
فيه ) (الحديد 7).
ثانيا.. المعاملات المصرفية:
إن ما يتم بين
الأفراد والمؤسسات المالية كالبنوك والمصارف من حيث القروض المالية فإنه يجب أن
نفرق بين ما إذا كانت القروض التى يعطيها البنك أو
المصرف للأفراد إنتاجية أو استهلاكية ومعنى أنها إنتاجية إنها بقصد التجارة
والاستغلال بغرض الربح كبناء المصانع، وشراء سيارات بغرض إركاب الناس بالأجرة، وهى
المعروفة حاليا بسيارات الأجرة أو بناء العمارات السكنية وما شابه ذلك.
ومعنى أنها
استهلاكية أن يكون القرض بغرض استهلاك الفرد المقترض له فى
أمور استهلاكية ضرورية تخصه هو وأسرته كالإنفاق منه على الطعام والشراب وأجرة
المسكن ومصاريف المدارس والعلاج وغير ذلك.
فإن كان القرض
بغرض الاستهلاك فنرى أن الواجب هو مراعاة حالة الشخص وذلك بالتنازل لهم عن الزيادة
فى القيمة والبقاء على أصل القرض من حيث القيمة العددية
الظاهرة مراعاة للمعانى الإنسانية التى
بيناها فيما سبق ولوجوب معاونة الأغنياء للفقراء مما أفاء الله عليهم من مال إن
كان البنك إسلاميا لأن أصحابه مأمورين بذلك ومكلفين بتنفيذ تشريعات الإسلام، فإن
كان البنك أو المصرف لغير مكلف بتنفيذ تشريعات الإسلام فله أن يطالب بقيمة حقه
كاملا ووجب على المقترض وفاء ما اقترضه على ضوء ما سبق أن ذكرناه من قبل وهو
مراعاة رد المثل أو قيمته زيادة أو نقصا.
أما إن كان القرض
بغرض الإنتاج وكان هذا القرض من الأوراق النقدية المالية كمن يقترض من شخص ألف
دولار للتجارة فيها على أن يرد المقترض المبلغ بعد سنة فإننا نرى أن الواجب إعادته هو ألف دولار حسب
قيمتها وقت تسليم القرض لأن هذا هو الذى يتفق مع
العدالة والغرض الشرعى من التعاون بين الناس وليس من
العدالة أن يقترض شخص مبلغا، من النقود ليشترى به منزلا
يدر عليه شهريا ربحا وفيرا ومعقولا وبعد مدة من الزمن يعيد المبلغ الذى أخذه من المقترض كما هو من حيث العدد لا من حيث القيمة حيث تكون القيمة أقل وقد يكون بعض
المبلغ إن لم يكن الكثير منه هو من الربح الذى جاء عن
طريق استغلال النقود المقترضة فى شراء هذا المنزل أو فى التجارة، فالواجب هو مراعاة القيمة ورد الدين بقيمته وقت
القرض وغير ذلك إضرار بالمقرض، ولا ضرر ولا ضرار فى
الإسلام، ولا فرق فى ذلك بين الأفراد والمصارف
وغيرها من المؤسسات المالية.
أما الإيداع وهو
غالبا ما يكون من الأفراد إلى المصارف والبنوك كمن يودع أمواله فى البنوك أو المصرف لمدة محددة أو لحين طلبها وهو من حيث
الظاهر إقراض من الأفراد لهذه المؤسسات أو المصارف وحسب ما سبق أن فصلناه فإن
الواجب إنما هو رد القيمة الحقيقية إن كان ذلك التعامل بغرض القرض وباسمه حقيقة
لأن ذلك هو الواجب شرعا، فإن كان وديعة أخذ حكم عقدها شرعا وهو رد العين إن بقيت
ورد المثل أو القيمة إن تلفت بفعل المودع عنده.
وفى الغالب الآن
فإن هذه المؤسسات والمصارف المالية تعطى نسبة معينة من رأس المال إلى المودع كربح فى نهاية المدة المحددة المطلوب بقاء المال فيها تحت يد هذه
المؤسسة حسب شروط كل منها فهل ذلك جائز شرعا؟.
والجواب على ذلك
أن الوجوب هو رد قيمة المبلغ المودع وقت الإيداع إن كان المال المودع من غير النقدين وهما الذهب والفضة، وذلك يكون فى
الأوراق النقدية، وعلى ذلك فإنه يجوز شرعا من وجهة نظرنا تحديد هذه الزيادة، لأن
الحقيقة أن هذه المبالغ التى تودع إنما تستغل فى التجارة وفى الأعمال التجارية المربحة ويقوم المصرف أو
البنك بالنيابة عن أصحاب رؤوس الأموال بتشغيلها فى عروض
التجارة وفى النهاية يقوم البنك بإعطاء نسبة من هذه الأرباح محددة من رأس المال
إلى أصحاب رؤوس الأموال تعويضا لهم عن نقص قيمتها الحقيقية من ناحية وهو الذى يقدر ذلك بدقة، ومن ناحية أخرى فإن رأس المال الأصلى هو أساس الربح فلا أقل من أن يأخذ صاحبه نصيبا منه،
على أن المودعين لهذه الأموال يضعون فى اعتبارهم
ويعملون جيدا وقت الإيداع أن البنك أو المصرف لن يأخذ منهم المال ثم يقوم بوضعه فى مكان أمين لحين طلبه، بل يأخذه للتعامل به فى مختلف المجالات التجارية
والصناعية والزراعية والمصرفية، وإلا كان عبثا من البنك لو فعل ذلك بالمال ولم
يستغله ومن أين كان سيأتى بالأرباح التى
يدفعها لأصحاب رؤوس الأموال.
فعلم المودعين
بطبيعة المودع عنده المال ورضاهم بالإيداع على هذا الحال يعتبر إذنا منهم للمودع
عنده، وإن كان ضمنيا بالتصرف فى هذه الأموال المودعة
حسب ما يراه من مصلحة للحفاظ عليها وعلى قيمتها عند طلب ردها إليهم مرة أخرى، وهذا
الإذن يبيح التصرف بالبيع والشراء والتجارة فيما يعود بالنفع على الجميع، فطبيعة
العقد هى المضاربة بالمال وإن كان ظاهره الإبداع بغرض
الحفاظ والصيانة (19).
فإذا رجعنا إلى
سبب مشروعية تحريم الربا والحكمة من التحريم من الجانبين الخلقى
والاقتصادى لكان مؤيدا لما ذهبنا إليه.
فسبب تحريم الربا
هو ما فيه من أكل أموال الناس بالباطل واستغلال حاجتهم وفاقتهم للحصول على هذه
الأموال منهم وتضعيفها أضعافا مضاعفة حتى تصير هذه الأموال فى
أيدى القلة القليلة وتنعدم من يد الكثرة الغالبة وهذا
يؤدى إلى تحكم القلة فى الكثرة وإلى الكساد الاقتصادى
والتجارى لأن أصحاب رؤوس الأموال لن يتاجروا فى أموالهم إلا عن هذا الطريق الربوى
الذى لا يكلفهم شيئا ويزيد من أموالهم ويضاعفها، ولن
يذهبوا بها إلى طريق البيع والشراء وبناء المصانع
والمزارع الذى يعود على المجتمع بالنفع والخير لأنهم قد
لا يأمنوا على أموالهم الخسارة، ومن جهة أخرى فهم
يبذلون الجهد والمشقة فى سبيل ذلك، وهم لا يرضون إلا
بالراحة والخنوع، وقد جاء الإسلام والناس على هذه الحال فعمل على إصلاح حالتهم
وتنظيم المجتمع على المحبة والمودة والتعاون والإخاء فحرم الربا وأحل البيع حيث
قال سبحانه وتعالى: ( وأحل الله البيع
وحرم الربا ) (البقرة 275).
وقد كان الرجل
يدين الرجل بالدين من بيع وشراء أو قرض، فإذا حل أجله من غير دفع زاد فى الدين فى مقابل التأخير، وهكذا
مرات بعد مرات لا الدائن يسقط من دينه ولا المدين يقدر على الوفاء حتى يتضاعف
المال مرات ومرات وفى بعض الحالات كان يصل إلى مائة ضعف أو أكثر وعلى هذا الحال
وفى هذا الوصف نزل قوله سبحانه وتعالى موبخا لهم ومؤنبا وناهيا: ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم
تفلحون ) (آل عمران: 130 ).
وهذا الربا هو
الربا الصريح المقطوع بتحريمه بين جميع العلماء والفقهاء وهو المعروف بربا النسيئة
والذى ورد فيه الإذن بحرب من الله ورسوله وبالنسبة لمن
يتعاملون به فى قوله تعالى: (
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين *
فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم
رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) (البقرة 278- 279).
ومن أجل هذا
الربا وهو ربا بالنسيئة وهو زيادة المال فى مقابل تأخير
الدفع، كان تحريم ربا الفضل وهو الزيادة مع الدفع الحال لأن هذا الربا ذريعة إلى
القسم الأول، ولهذا كان الربا فى النسيئة صريحا وفى الثانى خفيا.
يقول ابن القيم:
الريا نوعان جلى، وخفى، فالجلى حرم لما فيه
من الضرر العظيم والخفى حرم لأنه ذريعة إلى الجلى، فتحريم الأول قصدا، وتحريم الثانى
وسيلة (20 ). ويقول ابن القيم فى الربا الجلى: فأما الجلى وهو الذى كانوا يفعلونه فى الجاهلية،
مثل أن يؤخر دينه ويزيده فى المال، وكلما أخره زاد
المال، حتى تصير المائة عنده آلافا مؤلفة، وفى الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج
فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدى
من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت لآخر، فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه
الدين حتى يستغرق جميع موجوداته، فيربو المال على
المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابى من غير
نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر، فمن رحمة
أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا لعن آكله وموكله وكاتبه
وشاهديه، وآذن من لم يدعه بحرب من الله ورسوله ولم يجئ مثل هذا الوعد فى كبيرة غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر (21).
وسئل الإمام أحمد
عن الربا الذى لا شك فيه قال: "هو أن يكون له دين
فيقول له: أتقضى أم تربى؟ فإن لم يقضه زاده هذا فى
الأجل ".
وفى الصحيحين من
حديث ابن عباس رضى الله عنهما عن أسامة بن زيد أن النبى- صلى الله عليه وسلم- قال: " إنما الربا فى النسيئة" ومثل هذا يراد به
حصر الكمال وأن الربا الكامل إنما هو النسيئة، كما قال الله تعالى: ( إنما
المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانا
وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة
ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون
حقا ) (الأنفال 2-4).
ولقول ابن مسعود
"إنما العالم المؤمن الذى يعمل بعلمه ويراقب الله فى السر والعلن ولا يخشى فى الله لومة لائم ".
وأما ربا الفضل
فتحريمه من باب سد الذرائع، كما صرح بذلك فى حديث أبى
سعيد- رضى الله عنه- عن النبى-
صلى الله عليه وسلم- " لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإنى
أخاف عليكم الرماء".
والرماء هو الربا فمنعهم من الربا الفضل لما يخافه عليهم من
ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين، حالا ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذى بين النوعين- إما فى الجودة
وإما فى السكة وإما فى الثقل
والخفة وغير ذلك- تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر وهو عين ربا
النسيئة.
وهذه ذريعة قريبة
جدا فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدا
ونسيئة، وهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول، هى تسد عليهم
باب المفسدة (22).
وقد بين النبى- صلى الله عليه وسلم- بيان الأجناس التى
يقع فيها الربا نصا، وبين الفقهاء المجتهدون فى الإسلام
بيان الأمور الأخرى التى يشملها النص لوجود نفس العلة
وإن كانوا لم ينصوا عليها صراحة اكتفاء بوجود هذه العلة
الموجودة فى النص التشريعى، وقد سبق بيان هذه الأجناس الربوية
وأصنافها وآراء العلماء فى ذلك من قبل بتفصيل وإيضاح،
ومع أن الشرع الإسلامى قد
حرم الربا بجميع أنواعه وشدد النكير عليه طبقا لما سبق، فقد أحل التجارة والبيع
والشراء، ولما كانت الأجناس الربوية أى التى يدخلها الريا قد تكون محلا
لعروض التجارة والبيع والشراء فقد بين الشروط الواجب مراعاتها فى
ذلك حفاظا على حكمة الشارع من تحريم الربا والنص على هذا التحريم حتى لا يكون
التعامل تحت اسم البيع والشراء والاشتغال بعروض التجارة المشروعة أصلا وسيلة إلى
الربا والتعامل به واستغلال الناس وأكل أموالهم بغير حق
فيتم السيطرة من جديد لفئة قليلة من الناس هم أصحاب رؤوس الأموال بما يهدد أمن
المجتمع وفساده من جميع الوجوه اقتصاديا وسياسيا وأخلاقيا.
وإذا تأملت ما حرم
فيه ربا النسيئة البيع والشراء رأيته إما صنفا واحدا، أو صنفين مقصدهما واحد أو
متقارب، كالدراهم والدنانير، والبر والشعير، والتمر والزبيب، فإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النسيئة، كالبر
والثياب، والحديد والزيت وهكذا.
والسبب فى ذلك شرعا هو أن التجارة فى
الأثمان بجنسها يفسد على الناس مقصدهم من
هذه الأثمان، وأن التجارة فى الأقوات بجنسها يفسد عليهم
مقصد هذه الأقوات، فلذلك حرم فيها النسيئة مع الاتحاد أو الاختلاف فى الجنس، وحل التفاضل عند الاختلاف فى
الجنس مع الحلول فى القبض.
فبالنسبة للمطعومات وما فى حكمها نجد حاجة
الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها لأنها أقوات العالم، ويدخل فى ذلك ما يصلحها، فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع
بعضها ببعض إلى أجل سواء اتحد الجنس أو اختلف ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالا متفاضلا إن اتحد الجنس وإن اختلفت صفاتها. وجوز لهم التفاضل فيها مع اختلاف أجناسها.
والسر فى ذلك أنه لو جوز بيع المطعومات
ببعض نساء إلى أجل لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح، وحينئذ قد لا تسمح نفسه ببيعها
حالا لطمعه فى الربح الذى يأتى بسبب التأخير وهو الزيادة الحاصلة على نفس الجنس مقابل
تأخير أحد المتعاقدين فى الدفع، وحينئذ يعز الطعام على
المحتاج، ويشتد ضرره، وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير لاسيما أهل البوادى، وإنما
يتناقلون الطعام بالطعام، فكان من رحمة الشرع الإسلامى بهم وحكمته أن منعهم من ربا النسيئة فى الأثمان التى بها قوام السلع، إذ لو جوز لهم النسيئة فيها لدخلها: "
إما أن تقضى وإما أن تربى " فيصير المكيال، والموزون الواحد من أى وحدة عدة موازين كثيرة، ففطموا عن النسيئة- التأخير- ثم
فطموا عن بيعها متفاضلا يدا بيد، إذ تجرهم حلاوة الربح
وظفر المكسب إلى التجارة فيها النسيئة وهو عين المفسدة. وهذا بخلاف الجنسين
المتباينين، فإن حقائقهما، وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة، ففى
إلزامهم المساواة فى بيعها إضرارا بهم، ولا يفعلونه،
وفى تجويز النساء بينها ذريعة إلى " إما أن تقضى وإما أن تربى " فكان من تمام رعاية مصالح الناس أن قصرهم
الشارع على بيعها يدا بيد كيف شاءوا فحصلت لهم مصلحة المبادلة، واندفعت عنهم مفسدة
"إما أن تقضى وإما أن تربى" وهذا بخلاف ما إذا بيعت هذه المطعومات بالنقود كالدراهم أو غيرها من الموزونات نساء حيث
إن الحاجة داعية إلى ذلك، ولو منعوا من هذا التعامل لأضر ذلك بهم ولامتنع السلم الذى من مصالحهم فبما هم محتاجون
إليه أكثر من غيرهم، الشريعة لا تأتى بهذا الضرر ولا ترضاه للناس، وليس للناس حاجة
فى بيع هذه الأصناف الربوية
بعضها ببعض نساء وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا فلذلك أبيح لهم فى جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم وليس بذريعة إلى مفسدة
راجحة، ومنعوا مما لا تدعوا إليه ويتذرع به غالبا إلى
مفسدة راجحة (23).
ومن عنده صنف من
الأصناف الربوية المطعومة
وهو محتاج إلى الصنف الآخر فإنه يمكن بيعه بالدراهم أو الدنانير
"النقود" ليشترى الصنف الآخر، كما قال النبى-
صلى الله عليه وسلم- "بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا "(24)،. وذلك هو أسهل السبل للبعد عن الوقوع فى التعامل بالربا.
وهكذا من خلال
عرضنا لفلسفة التشريع الإسلامى بالنسبة للربا يتبين لنا
أن الحكمة من تحريمه ومنع التعامل به إنما هو من أجل
غرض نبيل وسام يتعلق بمصلحة المجتمع من جميع النواحى
وبخاصة الناحية الاقتصادية لتوفير الحياة السعيدة والرفاهية لجميع أفراد المجتمع،
بدفع عجلة التقدم والصناعة والإنتاج فى جميع المجالات
بما يحقق العدالة الاجتماعية والأمن والسلام لجميع الأفراد بدون