الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
حقوق الطفل فى شريعة الإسلام

حقوق الطفل فى شريعة الإسلام

سماحة الشيخ/ عز الدين الخطيب التميمى

قاضى القضاة

مستشار جلالة الملك للشئون الإسلامية

المملكة الأردنية الهاشمية

المقدمة : 

الحمد لله العزيز الوهاب، ( يهب  لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير) (الشورى: 49). ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شىء عنده بمقدار ) (الرعد: 8).

والصلاة والسلام على خاتم رسله وأنبيائه سيدنا محمد بن عبد الله وآله وصحبه الكرام.

أما بعد: فإن الإنسان فى هذه الدنيا ذو مطامع وأمنيات ورغبات، وأعز مطمح يرنو إليه، وأحلى أمنية تراوده أن يرزقه الله ذرية طيبة وولدا صالحا يمتد به حبل ذكره من بعده، فإن الدنيا دار فناء مؤقتة، وليست دار بقاء مؤبدة. وهؤلاء عباد الرحمن يدعون الله تعالى أن يهب لهم الذرية القوية النقية الصالحة التى تسعد أهلها ولا تشقيهم فيقول الله تعالى: ) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ( (الفرقان: 74) وقرة الأعين معناها هدوئها واطمئنانها، وهذا كناية عن سرورها وسعادتها واطمئنانها لأن الخائف القلق لا تهدأ عينه ولا يطمئن جنبه.

ولا  ريب فى أن العرب والمسلمين يعيشون فى هذه الأيام مرحلة تاريخية حافلة باهتمام العالم دوله وشعوبه بالطفل والطفولة، وعقدت من أجل ذلك مؤتمرات أممية ودولية، وصدرت عن المحافل الدولية إعلانات وعهود واتفاقيات تتعلق بالأطفال وحقوقهم والعناية بهم فى هذا العالم الصاخب.

وجاء هذا الاهتمام العالمى بالأطفال نتيجة لما أصاب شعوب العالم من ويلات الحرب العالمية الثانية، ونتيجة لظلم النظم الاجتماعية التى أعقبت سلسلة الحروب التى ذهبت ضحيتها ملايين البشر، وتشرد على أثرها ملايين البشر وهجر كذلك الملايين من الأسر والأفراد وتركوا أوطانهم ومساكنهم ليعيشوا فى العراء تحت قسوة الطبيعة، وكان من نتائج ذلك وجود أعداد هائلة من الأرامل والأمهات الثكالى. ووجدت نسبة كبيرة من الأطفال الذين فقدوا آباءهم  وأمهاتهم وذويهم، وأصبحوا فى ضياع وجوع وعرى وحرمان، واحتاجوا إلى أيد رحيمة تنقذهم مما هم فيه من تعاسة.

نعم، إن الطفولة فى العالم تقع فى هذه الآونة فى مأزق، تعانى من التشرد، والتعسف والقهر والتهجير والاستبداد. ولا ريب فى أن مأساة الطفولة هى الأوجع ألما لدى العلماء والمفكرين والأدباء والسياسيين والتربويين.

أضف إلى ذلك أن الفقر الذى ابتليت به الشعوب استتبع جوع الأطفال، وعرى الأطفال، وهزال الأطفال، ومرض الأطفال، وجهل الأطفال، وسلب الأطفال فرحهم و إبداعهم وسعادتهم.

وإن ظلم النظم الاجتماعية المتحكمة فى مصائر الشعوب استتبع رعب الأطفال، وخوف الأطفال وكبت الأطفال، وذهول الأطفال، ويتم الأطفال، وقتل الروح المعنوية لدى الأطفال، وبالتالى نقمة الأطفال على الحياة والأحياء.

وهنا أجدنى ملزماً أن أشير بكل اعتزاز إلى موقف الإسلام من الأطفال والطفولة.

ومما نفخر به ونعتز به أن الإسلام له أياديه البيضاء على الأطفال والطفولة، فقد حفلت آيات الكتاب العزيز، وسيرة النبى- صلى الله عليه وسلم- وأحاديثه الشريفة بالاهتمام البالغ بالأطفال والعناية بهم، ولو جئنا نستعرض تلك النصوص وشروحها وأقوال الصحابة والتابعين والعلماء الأجلاء الذين جاءوا من بعدهم عبر العصور الإسلامية لوجدنا فيضا من الآثار يُكوَّنُ موسوعة عظيمة فى حقوق الأطفال والطفولة وتربيتهم، مما يهيىء لهم حياة حرة كريمة، مفعمة بالسعادة فى الدنيا والآخرة، وتفتح أمامهم أبواب الخير بعدما يتخطون مرحلة الطفولة إلى ما بعدها من مراحل العمر.

والأطفال نعمة من نعم الله الكبرى على الناس تملأ حياتهم بهجة وسروراً وتزيدها أنساً وحبوراً، وتضفى عليها ألواناً من الجمال، وتمنحهم راحة واستقراراً وشعوراً بالأمن والسعادة.

وهم مصابيح البيوت، وقرة العيون، وفلذات الأكباد وبهجة الأعياد، ونبض المجتمعات، وهم أحباب الرحمن، قال الله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً) (الكهف: 46). والأطفال لهم فى الشريعة الإسلامية حقوق على ذويهم، وحقوق على مجتمعهم وحقوق على الدولة التى يعيشون فى كنفها وعلى أرضها.

وهذه الحقوق تنبع من غرائزهم وحاجاتهم الفطرية، كحاجتهم إلى الغذاء والكساء، وحاجتهم إلى الأمن، وحاجتهم إلى العطف والحنان، وهذه الحاجات لا يستغنى عن إشباعها أى طفل من أطفال العالم، فى كل الظروف والأحوال وفى كل العصور. إشباعها من متطلبات عيشهم والإبقاء على حياتهم، وهناك حاجات تتجدد بتجدد العصور ولكل عصر حاجاته ومتطلباته، ففى عصرنا هذا نشأت علوم ومعارف لم تكن من قبل، وظهرت على مسرح الحياة وسائل تكنولوجية أضحت تشكل حاجات مهمة للإنسان فى حياته الاجتماعية والسياسية والفكرية.

إن ظهور الكمبيوتر والإنترنت والآليات والمخترعات الأخرى التى انتشرت فى العالم ، ودخلت كل ميادين الحياة البشرية ، أصبحت الحاجة الى استخدامها ضرورة من ضرورات المعيشة ، وأصبح تعلمها ضرورياً لمواكبة السير فى قافلة الحياة مع الشعوب والأمم.

فمن حق الأطفال أن يتعلموها ويتقنوا استخدامها إلى جانب الآداب الشرعية فلا يتسنى للأمة أن تواكب الحياة البشرية وهى تجهل هذه العلوم التى يعتمد عليها التقدم العمرانى فى حياة البشر .

ومهما يكن من أمر فأن  الطفولة مظهر من مظاهر القدرة الإلهية العظيمة ألا ترى أن الله تعالى خلق الطفل فى رحم المرأة - من نطفة صغيرة بل غاية فى الصغر لا ترى الإ بالمجهر المكبر(إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً) ( الإنسان :2 ) ثم بعد فترة وجيزةمن الزمن يُخرج الخالق البارئ المصور من هذه النطفة وليداً طفلاً على  صورة بديعة الخلق .( لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم)  ( التين : 4) وفيه ما فيه من طاقات ودوافع وحاجات تتفتح يوماً بعد يوم تبهر العقول وتنمو فى استواء وإعتدال .. ( فتبارك الله احسن الخالقين)   (المؤمنون:14) ويشير القرآن الكريم إلى هذا المعنى فى قولة تعالى :( ونُقِرُّ فى الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ) ( الحج :5)

ورأيت أن اقدم هذا البحث الموجز مشاركة متواضعة فى أعمال المؤتمر العام الثالث عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية المنعقد فى القاهرة من31/5/2001إلى 3/6/2001م وذلك لبيان ما للإسلام من يد بيضاء سابغة على الإنسانية بعامة وعلى الأطفال والطفولة بخاصة ، وما فيه من تعاليم وأحكام تكرم الطفولة ، وتحيط الأطفال برعاية تفوق فى حسنها وعدالتها وصدقها وشمولها كل ما تواضع علية البشر فى هذا الميدان، وأرجو الله أن يجعل عملى هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبله منى ويثيبنى عليه، وأن يفيد من يقرؤه ويتصفحه ويمعن النظر فى كلماته. والله يتولى الصالحين.

صلاح الأولاد مقصد إسلامى

إن رعاية الأطفال وتربيتهم، والعناية بهم ذات جوانب متعددة، واجتهادات كثيرة، ولكنها ذات ثوابت واضحة الأصول والقواعد، وجاء فيها عبر العصور وفى عصرنا الحاضر بحوث ودراسات تشكل مكتبة عظيمة قيمة.

ولعل من الخير والمفيد أن نستعرض بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التى تُعَدُ أسساً وأصولأ حقيقية لتربية الأطفال ورعايتهم، وهى أصول تدعو إلى بناء الإنسان المسلم الذى يعتز بهويته ومعالم شخصيته وخصائصها. فلا يتركها تذوب فى هويات غريبة أو تضمحل وتتلاشى فى شخصيات الأمم الأخرى، إنها نصوص ترمى إلى بناء المسلم الذى يتجنب "مركب النقص ".

1/1 يقول الله تعالى: ( هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تَغَشَّاها حملت حملا خفيفا فمرَّت به فلما أثقلت دعوا الله ربَّهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين). (الأعراف: 189). وهذه الآية تدل على أن المقصود من الزواج:

أولأ: السكن بين الزوجين فيطمئن كل منهما للآخر.

ثاتيأ: ولادة الأطفال ذكورا وإناثا.

ثالثا: تربيتهم ليكونوا صالحين.

1/2 وتشير الآية إلى أن صلاح الأولاد مطمح الزوجين كليهما وليس مطمح. الزوج وحده ولا مطمح الزوجة وحدها ( دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين) (الأعراف: 189) فكان الدعاء منهما معا، وتنطوى الآية على أنه ينبغى أن يخيم على الأسرة التوافق والانسجام بين الزوجين وهذا عنصر رئيسى من عناصر النجاح فى بناء الأسرة ورعاية الأطفال ليكونوا صالحين. وهذا هو مطمح الإنسان الأول فى هذا الكون أن يرزقه الله ولدا صالحا ذكرا أو أنثى.

1/3  الإنسان الصالح هو الإنسان الذى يعشق العلم ويكون العلم لذته العظمى ومثله المبتغى بحيث يشغل العلم أهم جزء فى مخه وفى دماغه، ويحتل أوسع مساحة فى فكره ومشاعره وأحاسيسه. والإنسان الصالح هو الإنسان الذى يعشق الحق، ويقول الحق، ويلتزم الحق فيكون مثلا حيا فى سمو خلقه، ومثلا رائعا فى الثبات والتضحية، ومثلا رائعا فى استقامته وحسن سلوكه، فلا يبيع رأيه بمال ولا بجاه ولا بمنصب، بل ولا بأعراض الدنيا كلها بل ولا بحياته، وإلا تاجر فى غير متجر.

1/4 ولا ريب أن بناء الإنسان أصعب من بناء القصور وبناء الجسور وبناء السدود وبناء المدن، وأن تشذيب الصخور وتهذيب الحجارة لتصبح صالحة للبناء أهون وأيسر بكثير من تشذيب الفكر وتهذيب الخلق لدى الإنسان، لأن تربية الإنسان غرس إيمان، وتربية قلب، وصقل عقل، وتنمية شعور، وتهذيب ضمير، وإعلاء ذوق، وتقويم سلوك، ومن هنا تبدو مسئولية بناء الإنسان وتربيته مسئولية شاقة وثقيلة. ودقيقة، وهى إلى جانب ذلك مسئولية حقيقية كبرى تتعلق بقوة الأمة ومجدها وعزتها ومرتكزات حضارتها فى حاضرها ومستقبلها.

1/5 ولاشك أن حياة الأطفال هى فى واقعها مزيج من ألوان اللهو والعبث، وألوان الأحلام والأمانى، وألوان الأحاسيس والمشاعر، وألوان القلق والأرق، وألوان الجزع والفزع، وألوان الإعياء والإرهاق. أضف إلى ذلك أن أمام الأطفال فى مجتمعاتهم العديد من الدروب والمسالك، والعديد من الحاجات والمطالب، والعديد من الرغبات، والعديد من المؤثرات، والعديد من الموجهات ولذلك فإن الطفل يحتاج إلى عطف الأبوة وحنان الأمومة ونُبل الكلمة والشفقة فى المعاملة ومؤانسة الرفيق والهدوء و السكينة، وعلى التربية أن تجنبه عوامل الأحزان والكآبة، وعوامل الإعياء والإرهاق والتعب، ويحتاج إلى التعليم والتثقيف لينال حظه من الرضا ويحصل على الابتهاج وينعم بالسرور وجمال الحياة، ومن هذا كله وغيره تبدو مسئولية بناء الإنسان على حقيقتها من الصعوبة والمشقة، ويبدو مدى حاجتها إلى الحكمة فى التوجيه والصدق فى التربية والوعى على الحقائق.

تربية الأولاد تحتاج إلى الإيمان

2/1 قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) (التحريم:6)

هذه الآية تدل على:

أولاًَ: أن من حق الأطفال على الآباء والأمهات والمريين أن ينالوا تربية إيمانية وأخلاقية واجتماعية وفكرية تنأى بهم عن الانحراف.

ثانياً: إنه من الضرورى وجود الطفل فى أسرة ينتمى إليها وتحافظ عليه وتحميه ويشعر بالأمن بين أفرادها وفى ظلها.

ثالثا: إن المهمة التربوية تحتاج إلى آباء وأمهات ومربين مؤمنين ملتزمين أخلاق الدين وآدابه، ليكون لهم أثرهم فى التربية عن طريق القدوة الحسنة وليكون عملهم التربوى أضمن نجاحا وأبلغ أثرا فى التنشئة الصالحة. والتى تجنب الأطفال الانحرافات السلوكية التى يكون نهايتها الإجرام والخروج على نظام المجتمع مما يؤول بهم فى النهاية إلى الجحيم.

202 فالتربية التى تجنب الأطفال النار فى الآخرة حق من حقوقهم، وعلى الآباء والأمهات والأولياء أن يقدروا هذه الأمانة الملقاة على عاتقهم حق قدرها. قال الإمام على رضى الله عنه وكرم الله وجهه: "أدبوهم وعلموهم"، وقال ابن سيرين كانوا يقولون: (أكرم ولدك وأحسن أدبه)، وقال الحسن: "التعلم فى الصغر كالنقش فى الحجر"، وكان يقول: "الأدب من الآباء والصلاح من الله تعالى"، وكان يقال: "من أدب ابنه صغيرا قرت عينه به كبيرا" (السفارينى: غذاء الألباب: 203/1).

2/3 نعم، من حقوق الأطفال فى المجتمع وفى الأسرة والمدرسة أن ينشأوا على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى طاعة الله تعالى وعبادته وتقواه ومحبته، وعلى تمجيد مكارم الأخلاق وتقديرها والاعتزاز بها، وتثبيت الحقائق العليا فى نفوسهم، وتعويدهم الصدق والأمانة والعدل والوفاء وتحمل الجهد والصبر وضبط النفس، إباء الضيم، والدفع بالتى هى أحسن، والنفور من الظلم والعدوان. وتجنب الأنانية والبخل والإضرار بالناس كل ذلك لكى يكونوا صالحين. وهذا كله من حقوقهم، وأما التقصير فى ذلك فهو هضم لتلك الحقوق.

3- قال الله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (آل عمران: 110).

وما كانت هذه الأمة خير الأمم، وما كان لها أن تحتل هذا المركز الممتاز فى العالم إلا بعد أن امتلكت قدرات مادية ونفسية أهلتها لأن تكون كذلك. قدرات فى العلم، وقدرات فى الفكر، وقدرات فى الجسم، وقدرات فى العقل، وقدرات فى النفس، وقدرات فى الأخلاق، وقدرات فى الإرادة، وقدرات فى إعمار الأرض وهذا هو ما اتجهت إليه التربية الإسلامية فى كل العصور.

4- التدابير الوقائية لحماية الجنين:

تؤكد أحكام الشريعة الإسلامية ضرورة اتخاذ تدابير وقائية لحماية الجنين، وإزالة الأسباب التى تؤدى إلى ضعفه أو موته وإسقاطه.

ونصوص القرآن الكريم والسنة النبوية تؤلف منهجا أخلاقياً وتشريعياً وتوجيهياً راقيا لتحقيق هذه الغاية ومن ذلك:

4/1 التوقيت المناسب للزواج:

وتعاليم الإسلام تُسدى النصيحة للمسلم أن يؤخر الزواج عند العجز عن واجباته إلى حين القدرة عليه، وتنصح هذه التعاليم الشباب باتباع أسباب العفة

 

حتى لايقعوا فى الحرام، يقول الله تعالى: ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) (النور: 33) وهذا يدل على أن من لم تسعفه ظروفه الحياتية على الزواج ولم يجد المال الذى يكفيه لزواجه والإنفاق على أسرته، فواجبه يقضى أولاً وقبل كل شئ أن يعد لهذه المهمة ما تقتضيه تبعاتها وحقوقها ولوازمها ومطالبها وإلا كان معتدياً عليها مفرطاً فى واجباتها وأداء حقوقها (يسألونك3/ 103 )، ولا ينبغى له أن يغامر فى الإقدام على الزواج، لأنه فى هذه الحالة يعرض نفسه للحرج والمتاعب والمشكلات الأسرية التى قد تتفاقم والتى تقلب الحياة الأسرية رأساً على عقب، وجحيماً لايطاق لعجزه عن تأمين احتياجاتها فيلتجئ إلى أن يغرق فى الديون ويغرق أفراد أسرته فى بحر من التعاسة فيكون قد بنى الأسرة بناءً هشاً سريعاً ما يتقوض وتعصف به الخلافات الأسرية.

بل عليه أن يصبر، وأن يلتزم العفة، لأن التعفف عن الحرام يجنبه الزلل وارتكاب الفواحش ويؤكد الرسول- صلى الله عليه وسلم- هذا المعنى بقوله:" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (رواه البخارى ومسلم)، أى علاج ووقاية من الوقوع فى الحرام.

4/2 حسن اختيار الزوج والزوجة:

أقصد بالاختيار البحث والتنقيب عن فرد مناسب  ولا أقول أنسب فرد ليكون زوجاً لزوجة، أو زوجة لزوج، أى أنه ببساطة اختيار الرجل المناسب ليكون أباً يشعر بمسئولياته، ويقوم بواجباته تجاه زوجته وأولاده، واختيار المرأة المناسبة لتكون أماً تشعر بمسئولياتها تجاه زوجها وأولادها.

وعملية الاختيار تساعد على التمييز بين الأفراد المتقدمين أو المرشحين لشغل مهمة الأبوة ومهمة الأمومة والقيام بمسئوليات الأسرة الأخرى، فيكون كل منهما مؤهلاً لهذه المهمة الخطيرة ذات الشأن.والأب الناجح- غالباً- فى إدارة الأسرة هو الإنسان الصحيح جسمياً ونفسياً واجتماعياً وأخلاقياً، وهو الذى يستطيع ألاَّ يحدث فجوات بينه وبين زوجته، وقل مثل ذلك فى الزوجة الناجحة. وأن يعمل كل منهما على توجيه الأولاد إلى أنماط السلوك وأساليب العلاقة التى تتفق مع أهداف الأسرة وأهداف المجتمع، بالإضافة إلى تنمية روح التعاون وغرس روح الفريق، وتجنيبهم الأزمات المادية والنفسية التى قد تحدث فى الأسرة أو فى محيطها.

المهم أننا نؤكد أن الاختيار الصحيح هو مرحلة من مراحل السير فى البناء السليم للحياة الزوجية والعائلية، وأنه أحد العمد والقواعد التى يمكن الاعتماد عليها فى بدء بناء الحياة الزوجية السليمة (مصطفى المسلمانى: الزواج والأسرة : ص 52 ) وأهمية الاختيار هى فى أن يكون بناء الأسرة قائما على التجانس والقدرة على التكامل المشترك من الطرفين اللذين يكونان رابطة العلاقة الزوجية، كما يقوم على القدرة على التعاون والانسجام الكامل بين الطرفين ليسيرا فى قافلة الحياة..

4/3 العناية بالجنين:

ومما هو جدير بالذكر أن الإسلام يدعو إلى الاهتمام بالطفل قبل ميلاده، بل قبل أن يكون نطفة أمشاجاً فى بطن أمه، بل قبل أن يتم الزواج بين أبيه وأمه. وذلك أن الإسلام يدعو الراغبين فى الزواج إلى أن يختار كل منهم زوجه اختياراً واعيا بعد دراسة وبحث، ولا يتم ذلك إلا بعد التأكد من إيمانه بقيم الدين، والتزام فرائضه وحسن أخلاقه. وبعد الوقوف على أحواله الصحية وسلامة جسمه من الأمراض والعلل، يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم  " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد عريض " (رواه الترمذى)  ويقول: "إياكم وخضراء الدمن " ويقول: " تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس " وهذا من أجل أن يُهَيَّأ للطفل المنتطَر المحضنُ الصالح . الذى يُعدُّه لحياة عملية وفكرية وسلوكية راقية. فلا يكون نقطة سوداء فى مجتمعه.

4/4 تنظيم الحمل:

وهو سعى إنسانى، أو اختيار إنسانى متعمد لتنظيم الحمل فى الأسرة بصورة لا تنافى أحكام الشريعة وقيمها الأخلاقية، وهذا يعنى  تلتزم الأم التباعد بين الحمل والحمل، كى تكون فترات راحة لها لتستعيد قوتها وقوة احتمالها فى سبيل تحقيق رفاه الأسرة، أو تهيئة الظروف السوية التى تعين الأسرة على أن تعيش عيشة سعيدة. وهو فى الحقيقة تنظيم فردى بين الزوجين تدفع به أضرارا محققة عن الأسرة، وهو تجنب الحمل قبل وقوعه وحصوله. يقول الله تعالى :

(  ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين)  (لقمان: 14) وهذا يتطلب تنظيم فترات الحمل.

وروى عن النبى أنه قال: "اغتربوا لاتضووا". أى حتى لا تضعف أولادكم.

4/5 نعم، يحتاج الجنين إلى رعاية مستمرة عن طريق العناية بصحة الأم الجسمية والذهنية والنفسية وتغذيتها بالغذاء المفيد، وتهيئة الأجواء النفسية المريحة لأعصابها وتفكيرها فى الفترة التى تسبق الولادة والفترة التى تعقبها، فالأم كما هو معروف ومشاهد تتعرض فى أثناء الحمل وبعد الولادة لكثير من المتاعب والمصاعب، وتعانى من الضعف والقلق والوساوس، وعدَّ الإسلام العناية بالأم على درجة عالية من الأهمية فقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحالات فى عبارات بليغة جامعة فى أكثر من موطن، وهو يوصى بالإحسان إلى الأم فى مثل قوله تعالى: ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين أن اشكر لى ولوالديك إلى المصير) (لقمان:14) ويقول سبحانه وتعالى: (  وحمله وفصاله ثلاثون شهرا(  ( الأحقاف: 15). ويقول عز وجل: ) والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة (  (البقرة: 233). وهذا فيه عناية مؤكدة بصحة الأم، وتوجيه لها بأن يكون بين أحمالها فترات من الراحة تستعيد فيها قوتها على احتمال الحمل. فماذا يكون حال الجنين إذا أهملت الأم و انعدمت العناية بها؟

وكيف تكون حال الجنين إذا تركت تغذية الأم بالغذاء الكافى المفيد لصحتها وصحة الجنين وإكسابه المناعة والقوة؟

604 إن تغذية الجنين ووجوده فى بطن الأم مُعافا صحيحاً يعتمد كليا على توفير العناية الصحية للأم، وتقديم الوجبات الكافية من الطعام المشتمل على عناصر الغذاء الضرورية، والإنفاق عليها بسخاء، قال الله تعالى: ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (البقرة 233)، والمولود له هو الزوج، هو الأب، فينبغى أن يعتنى بتغذية الزوجة الحامل وألا يهمل هذا الجانب المهم حفاظأ على صحتها من ناحية وعلى الجنين من ناحية ثانية، وعلى سلامة الأسرة كى لا تتعرض هى أو أحد أفرادها فى المستقبل للأمراض والعلل التى تكلف الشىء الكثير من النفقات والمتاعب النفسية، فينبغى أن يوضع لها ترتيبات بحيث تتضافر الأسرة والمجتمع والدولة فى تأمين الغذاء للحوامل والأمهات وتوفير الأجواء المناسبة لراحتهن، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".

4/7 لا ضرر ولا ضرار

ومن قواعد الإسلام العامة "دفع الضرر المستمد من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" فلا فائدة فى الزواج والحمل والولادة إذا كان فى ذلك إضرار بالوالدة أو الوالد أو الولد أو بالمجتمع. قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" ليأتين على الناس زمان يغبط فيه الرجال لخِفِةَّ الحَاذِّ كما يغبط اليوم أبو العشرةوالحاذ شجر قليل الورق، قال فى لسان العرب: ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم  مثلا لقلة العيال، وروى أنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر من الدعاء الآتى: "اللهم إنى أعوذ بك من جهد البلاء"، قيل: وما جهد البلاء يا رسول الله؟ قال: " قلة المال وكثرة العيال ". وروى القضاعى فى مسند الشهاب عن على كرم الله وجهه أنه قال: "إن كثرة العيال أحد الفقرين، وقلة العيال أحد اليسارين)، وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله يوصى تلميذه أبا يوسف: ( لا تتزوج إلا بعد أن تعلم أنك تقدر على القيام بجميع حوائج المرأة، وإياك أن تنشغل بالنساء قبل تحصيل العلم فيضيع وقتك ويجتمع عليك الولد ويكثر عيالك، فإن كثرة العيال تشوش البال).

4/8  فالإسلام يوجب أن يكون للزوج عمل يرتزق منه بالرزق الحلال مهما كان نوعه ومجاله، وأن يكون اعتماده على موارده الذاتية، وأن يتجنب الاعتماد على غيره باللجوء إلى الاستدانة من الآخرين، وهذا يتطلب من الزوج أن يخطط لتنمية موارده وضبط نفقاته ومصاريفه مهما كان حجم الموارد والمصاريف، ومع الزمن تصبح لديه خبرات واسعة فى القيام بمسئوليات الأسرة، وإدارة شئونها ورعايتها، وهذا يقتضى ألا يترك رب الأسرة أسرته نهبا للجوع والحرمان والحاجة مما يؤثر فى صحة الزوجة والأولاد ويعرضهم للعلل والأمراض، والضعف والهزال والإرهاق وفقر الدم بالإضافة إلى إلحاق الضرر الأخلاقى والانحراف السلوكى فى حياة أفراد الأسرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت " ورواه الحاكم وصححه إلا أنه قال:

"من يعول ". وروى الطبرانى بسند رجاله رجال الصحيح، أن رجلا مر على النبى- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فرأوا من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا فى سبيل الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : "إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو فى سبيل الله. وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو فى سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو فى سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو فى سبيل الشيطان".

وروى أبو داود والحاكم وصححه: "من كانت له أنثى فلم يئدها- أى يدفنها حية على عادة الجاهلية- ولم يهنها ولم يؤثر ولده- يعنى الذكر- عليها أدخله الله الجنة".

5- حق الطفل فى الحياة:

5/1 حرم الإسلام قتل النفس الإنسانية بغير حق، تحريما قاطعا، وعد قتل الإنسان بغير حق جريمة من الجرائم الكبرى التى يقترفها البشر. قال الله تعالى: ( ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ) (الأنعام: 151 والإسراء: 33) وقال الله تعالى: ( ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ) (الفرقان: 68) وهذا النص صريح فى أن الإسلام جعل للنفس البشرية حرمتها وكرامتها عندما نهى عن قتلها دون حق، أى دون سبب مشروع. ولا فرق فى ذلك بين طفل وشيخ وشاب، ولا بين ذكر وأنثى. قال الله تعالى: ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ) (الأنعام (140)، وقال الله تعالى: ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) (الأنعام: 151) وقال الله تعالى: ( وإذا الموءودة سئلت. بأى ذنب قتلت )  (التكوير: 8- 9).

فحق الإنسان فى الحياة ذكرا وأنثى حق قررته شريعة الله فى محكم التنزيل، فمن حق كل إنسان أن يتمتع بحياته وأن يعيش آمنا على دمه ونفسه، ومن حقه أن يدافع عن نفسه ويدفع كل خطر يهدده . ومن حقه أن يهيأ له كل ما يبقى على حياته من وسائل العيش من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وتطبيب ودواء.

5/2 والاعتداء على هذا الحق جناية عظمى لا ينبغى التساهل مع مقترفها، ولاينبغى النظر إليه من منظار الرأفة والعطف والشفقة، ولا ينبغى النظر إليه من حيث فرديته، ولاينبغى تبرير هذه الجريمة بأى مبرر ولا التماس الأعذار لمرتكبها. قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون )  (البقرة 178- 179).

5/3 العنف الأسرى:

العنف الأسرى أمر مرفوض فى الشريعة الإسلامية، وأعنى بالعنف الأسرى أن تكون علاقات أفراد الأسرة متسمة بالغلظة والجفاء، وسرعة الغضب، وشدة الحدة والغلظة فى التعامل، واعتياد الشتم والسب والنقد اللاذع على كل تصرف، بالعبارات النابية التى تجرح المشاعر والأحاسيس، واستخدام العقاب المادى لأفرادها باللكم الموجع، والضرب المؤذى المبرح الذى يكسر العظم، ويخدش اللحم، ويشوه الوجه بالضرب، وينزف الدم، واستعمال وسائل التعذيب كالعصى والكرباج وغيرها من الوسائل التى تلحق بهم الأذى والضرر.

5/4 ونجد فى القرآن الكريم فيضا من الآيات الكريمة التى تصرح بضرورة وجوب إحسان العشرة بين الزوجين وإحسان المعاملة للوالدين وإحسان النظرة إلى الأطفال بحيث يمتلئ جو الأسرة حول الأطفال بالرحمة والشفقة والتعاون والحنان، وجاءت كذلك وفرة من الأحاديث النبوية التى تنهى عن العنف ومظاهره كضرب الوجه والتعذيب البدنى والنفسى واللعن والفحش فى القول.

 5/5 والعنف الأسرى مهما كانت خفته أو مستواه لا يولد لدى الأطفال إلا العنف والميل إلى التخريب والتدمير الذى يتجاوز حدود الأسرة إلى الرفاق والأقران والمدرسة والسوق والمتجر وكل زوايا المجتمع، وبذا ينتقم الطفل لنفسه من الآخرين لأن العنف تبقى آثاره ماثلة فى حياته إلى آخر العمر، وهذا عنوان الفشل فى حماية الأطفال وتربيتهم.

واشمئزاز الإسلام من العنف ورفضه لأساليبه وتحريمه لايعنى ترك الأمور على غاربها دون محاسبة للطفل إذا أخطأ أو إذا بدا منه انحراف.

6- التمييز ضد الأنثى:

6/1 حمل القرآن الكريم حملة شديدة على الذين احتقروا الأنثى وعاملوها معاملة غير إنسانية، وقسوا عليها، وحرموها كثيرا من حقوقها الفطرية التى تقتضيها إنسانيتها، ويرجع احتقار المرأة لدى الشعوب فى العالم إلى أسباب عدة ليس فيها سبب معقول يستسيغه العقل أو يقبله الشرع أو الدين، ومن هذه الأسباب التى انتحلها البشر:

1- أنها جالبة للعار وبخاصة عندما تسبى من قبل الغزاة.

2- أنها ضعيفة لا تشترك فى قتال ولا تدافع عن الحمى.

3- أنها رجس من خلق الشيطان، أو خلق إله غير آلهتهم التى يزعمونها.

4- أنها تكلفهم نفقات لعيشها وهم غير قادرين على تأمينها.

5- أنها سبب خطيئة آدم التى أخرجته من الجنة.

6- أنها من عداد الماشية.

وليس لدينا شئ من الإحصائيات التى تشير إلى أعداد الإناث اللاتى ذهبن ضحية هذه النظرات الجائرة. وسواء كانت الأعداد كثيرة أو قليلة فإنها تنم عن اتجاهات منافية للعدالة، ومجافية للحق، ومغرقة فى الظلم والاستبداد، ومفصحة عن مدى القهر والضلال الذى ساد حياة الشعوب فى حقب التاريخ البشرى.

206 وقد أبطل الإسلام كل هذه الادعاءات والمزاعم، وسفه تلك النظرات الجائرة التى عاشت فى العالم شرقه وغريه قبل الإسلام سواء عند اليونان، والرومان، والهنود، وشريعة حمورابى فى بابل، والشريعة اليهودية، وعند بعض القبائل العربية، وفى أوروبا حتى فى العصور الأخيرة.

وبناء على نظرتهم هذه قسموا أطفال الإنسان إلى قسمين، قسم طاهر زكى من خلق آلهتهم وهو جنس الذكور، وقسم مدنس بالرجس من خلق الله وهو جنس الإناث. وهذه النظرة إلى الأنثى دفعتهم إلى ممارسات مجانبة للحق، ومنافية للعدل، ومغرقة فى الظلم والضلال.

6/3 ولم يقف أمر اعتقادهم هذا عند حدود الإنسان بل جاوزه إلى عالم السماء أو عالم الغيب، فكانوا ينسبون إلى الله تعالى من ذلك العالم كل ما يعتقدون أنه نوع من الإناث، ومن أجل ذلك نسبوا إليه الملائكة لاعتقادهم أن الملائكة من هذا النوع.

(د. على عبد الواحد وافى: الأسرة والمجتمع، ص: 138)

6/4 ومما يسترعى الانتباه أن آيات القرآن الكريم أبدت اهتماما كبيراً بموضوع الذكور والإناث، واحتلت مجالا واسعاً فى عرض القرآن الكريم وهى تتحدث عن هذا الجانب. فقد أخبرت الآيات القرآنية أن العرب نظروا إلى الأنثى نظرة خاطئة تنطوى على صلة وثيقة بالشرك وأفكار الوثنية، وفيها من السفاهة والكذب على الله والافتراء على جنابه ما فيها، حيث جعلوا البنات من نصيب الله، فنسبوهن إلى الله، وجعلوا الذكور من نصيبهم فنسبوهم إليهم. وناقش القرآن الكريم هذا المعتقد، وطرح العديد من الأسئلة التى تستنكر ما هم عليه، وتعلن بطلانه وفساده بصورة حاسمة، وأنهم مستحقون للعقاب الأليم على مقولاتهم وافتراءاتهم. قال الله تعالى:  (ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى فى جهنم ملوما مدحورا. أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما) (الإسراء: 39- 40) وقال الله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى. ألكم الذكر وله الانثى. تلك إذن قسمة ضيزى) (النجم 19- 22) وقال الله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى . وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا ) (النجم: 27- 28). وقال الله تعالى: ( فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون. أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون. ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ولد الله وإنهم لكاذبون. أصطفى البنات على البنين. ما لكم كيف تحكمون ) (الصافات: 149- 154). الإسلام يشجب التمييز بين الذكر و الأنثى.

6/5 شجب الإسلام بقوة التمييز بين الذكور والإناث، وعد التمييز ضد الأنثى تقليداً اجتماعياً بغيضاً، وحكماً جاهلياً بلغ الغاية فى السوء والسفاهة. قال الله تعالى:

( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم  يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب ألا ساء ما يحكمون ) (النحل: 58-59)

6/6 ذلك أن التمييز بين الذكر والأنثى فيه اعتراض على حكمة الله تعالى فى خلق الله، وفيه اعتراض على مشيئته النافذة، وتقديره فى قسم الله الخالق من لدن آدم إلى زماننا هذا وإلى أن تقوم الساعة، ليبقى النسل وتعمر الدنيا، قال الله تعالى:( لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير) (الشورى 49: 50).

6/7 وجود هذا التمييز فى مجتمعات المسلمين فى الوقت الحاضر يعود إلى جهالة تنبع من ضعف الإيمان، كما يعود إلى موروثات متخلفة لا تنسجم مع روح الإسلام العادلة. قال الله تعالى: ( لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما) (الشورى 49: 50)

فقد قضت حكمته العظيمة أن يهب لإنسان إناثا ليس معهن ذكر، ويهب لإنسان ذكورا ليس معهم أنثى، ويهب لإنسان الذكور والإناث، ويجعل إنسانا عقيما لا يولد له ولد (تفسير القرطبى 16/48).

6/8 وروى مسلم عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين. وضم أصابعه". (رواه الترمذى)

وروى الحميدى عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان، فأحسن صحبتهن. وصبر عليهن. واتقى الله فيهن دخل الجنة".

وروى الإمام أحمد فى مسنده عن عقبة بن عامر الجهنى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وأطعمهن وكساهن من جِدَتِهِ (أى ماله) كن له حجابا من النار يوم القيامة". (رواه ابن ماجه)

7- حق الطفل فى الرضاع والتغذية

7/1 يحتاج الطفل فى الأشهر الأولى من حياته إلى الرضاع فتتعين الأم

لرضاع ولدها، وتجبر على ذلك إذا لم يكن للولد ولا لأبيه مال يستأجر به مرضعة، ولم توجد متبرعة، أو إذا لم يجد الأب من ترضعه غير أمه، أو إذا كان لا يقبل ثدى غيرها، ولا تستحق أم الصغير حال قيام الزوجية أو فى عدة الطلاق الرجعى أجرة على إرضاع ولدها، وتستحقها فى عدة الطلاق البائن وبعدها. وتفرض الأجرة من تاريخ الإرضاع إلى إكمال الولد سنتين إن لم يفطم قبل ذلك. قال الله تعالى: ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) (البقرة: 233) وتنطوى هذه الآية على وجوب إرضاع الأم لولدها. وحليب الأم هو أفضل غذاء يقدم للطفل حسب رأى الأطباء المختصين لأنه الغذاء الفطرى الملائم لصحة الطفل.

7/2 ولاشك أن هذه المهمة تحتاج إلى نفقات مالية وتوجبها على الأب أو الولى أحكام الشريعة الإسلامية وتلزمه بها، قال الله تعالى: ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (البقرة: 233) وإيجاب النفقة للأمهات ينعكس على صحة الأولاد بالخير والمصلحة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دينار أنفقته فى سبيل الله، ودينار أنفقته فى رقبة. أى عتق رقبة. ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك.. وأعظمها أجرا الذى أنفقته على أهلك" (رواه مسلم).

7/3 وإذا تقاعس الأب فى الإنفاق على الأسرة والأطفال وبخل فى ذلك فإنه يرتكب الوزر والإثم بسبب هذا البخل والتقتير مما يؤدى إلى ضياع الولد وشذوذه وانحرافه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)، وفى رواية لمسلم: "كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته" (رواه أبو داود وغيره) والنفقة على الأهل والعيال تكون بتهيئة الغذاء الصالح والمسكن الصالح والكساء الصالح، حتى لا تتعرض أجسامهم للأسقام والعلل، وتنهك أبدانهم الأوبئة والأمراض.. وأحكام الشريعة الإسلامية تلزمه بالنفقة عن طريق القضاء.

 7/4 وقد ألزم المشرع الأب بنفقة معالجة أولاده عند حاجتهم إلى المعالجة وفى حالة عدم قدرة الأب على ذلك نظراً لأنه معسر، فإن على الأم الموسرة، أن تقوم بمعالجة الطفل على نفقتها على أن يعتبر ذلك دينا على الأب وتأكيدا على ضرورة توفير الرعاية الصحية للطفل فى كل الظروف ولذلك فإن نفقة معالجة الطفل تتوجب على من تجب عليه نفقته إذا كان الأب والأم معسرين.

وهذا التكافل فى الاهتمام بالنفقة على الطفل هو تأكيد للأهمية المعطاة لصحة الطفل وحياته وبقائه والتى يتوجب على الأسرة الكبيرة أن تتولاها إذا لم تتوافر الإمكانات لدى أسرة الطفل المؤلفة من الأبوين، وفى حالة عجز الأسرة عن ذلك فإن الدولة ملزمة بتقديم المعالجة والرعاية الصحية للأطفال المحتاجين. (د. جهاد الخطيب/ د. عبد الله الخطيب، حقوق الطفل فى التشريع الأردنى ص:156)

نعم إن للطفل الحق كل الحق فى أن ينشأ وينمو فى صحة وعافية، وليس من قبيل الرفاهية بل من قبيل مسئولية المجتمع وسلطاته أن تعمل على تأمين ما يحقق للطفل هذه الحاجة الأساسية والمهمة.

7/5 وتتجه تعاليم الإسلام إلى ضرورة تعويد الأطفال منذ نعومة أظفارهم على التحمل والصبر والخشونة، وعدم الاسترسال فى تنعمهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  "إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين" (رواه أحمد وأبو نعيم).

وروى الطبرانى: " تمعددوا واخشوشنوا وانتضلواأى انتسبوا إلى جدكم معد ابن عدنان فى خشونة العيش، والفصاحة، وتربوا على حياة الخشونة والتقشف، وتعلموا الرماية بالسهام ونحوها. وذلك لتكونوا مستعدين لمواجهة مصاعب الحياة ومواجهة الأعداء فى الحروب وميادين القتال.

نعم إن تعاليم الإسلام تدعو إلى تنشئة الأطفال وغرس أنبل معانى الرجولة من خشونة وإباء وشمم وخلق عظيم . وعد الاسترسال فى الملاذ والطيبات والنوم على الديباج والحرير والفرش الوثير، فإن ذلك يؤدى إلى الترهل وضعف العزائم وقلة الاحتمال، فتخمد فى نفوس الأجيال روح الصمود وروح المصابرة والمرابطة فى سبيل الله. وقد نص الفقهاء على أنه يحرم على الولى تمكين الصغير من لبس ثوب الحرير ونحوه وكذا من فعل كل محرم (السفارينى: غذاء

الألباب 1/203).

العناية بصحة الطفل:

607 من المسئوليات الكبرى التى أوجبتها تعاليم الإسلام على الآباء والأمهات والمربين، مسئولية العناية الصحية والجسمية للأطفال، لينشأوا متمتعين بسلامة البدن وقوة الجسم والحيوية والنشاط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير" (رواه مسلم). فمن حق الطفل أن يزود بثقافة صحية، وأن يُعَوَّدَ على اتباع القواعد الصحية فى مأكله ومشربه وملبسه بهدف وقاية جسمه من الآفات المرضية والأمراض السارية، ومن كل ما يؤذى استعماله من الوسائل المادية.

ويجب على الآباء والأمهات والمربين أن يجنبوا الأطفال الاختلاط بالمرضى والمصابين بالأمراض المعدية، وأن يعزلوهم عنهم، وبخاصة فإن الأطفال أكثر تقبلا للعدوى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يوردن مُمْرٍضٌ على مصح" (رواه البخارى) وقال أيضا: "فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد" (رواه البخارى).

8- حق الطفل بالحضانة:

8/1 إن الاهتمام بالطفل فى تعاليم الإسلام ينطلق من قاعدة الفطرة أو نقطة الفطرة التى تؤكد أن الطفل الإنسانى يولد متسماً بالعجز والاحتياج وبالتالى فإنه لا يستطيع القيام بالمهام التى تكفل له مقومات حياته أو ضروريات حياته دون أن تقدم له مساعدات مباشرة من أسرته أو المحيطين به لسنوات عدة، ولتوضيح ذلك يمكن الموازنة بين الطفل الإنسانى وطفل أى حيوان الذى يستطيع منذ الولادة القيام بالكثير من الوظائف التى يعجز الطفل الإنسانى عن القيام بها كتناول الغذاء والمشى والدفاع عن النفس وغير ذلك، وقد استلزم ذلك بالفعل أن تقوم الأم بمساعدة طفلها فى أداء كل المهام التى تكفل له الحياة والنمو. ومن هنا جاءت أحكام الحضانة فى الشريعة الإسلامية.

8/2 الحق فى الحضانة للأم أولا:

الأم النسبية أحق بحضانة ولدها وتربيته حال قيام الزوجية وبعد الفرقة، ثم بعد الأم يعود الحق لمن تلى الأم من النساء حسب الترتيب المنصوص عليه فى الفقه الإسلامى.

ويشترط فى الحاضنة أن تكون بالغة عاقلة أمينة لا يضيع الولد عندها، لانشغالها عنه، قادرة على تربيته وصيانته وألا تكون مرتدة ولا متزوجة بغير محرم للصغير، و ألا تمسكه فى بيت مبغضيه. وعقد زواج الحاضنة بغير قريب محرم من المحضون يسقط حضانتها. وإذا تعدد أصحاب حق الحضانة الذين هم فى درجة واحدة فللقاضى حق اختيار الأصلح للمحضون، ولاتستحق الأم أجرة للحضانة حال قيام الزوجية أو فى عدة الطلاق الرجعى، وتمتد حضانة الأم التى حبست نفسها على تربية أولادها وحضانتهم إلى بلوغهم، وتنتهى حضانة غير الأم من النساء للصغير إذا أتم التاسعة وللصغيرة إذا أتمت الحادية عشرة. ولا يسمح للحاضنة أن تسافر بالمحضون خارج البلاد إلا بموافقة الولى وبعد التحقق من تأمين مصلحته.

8/3 وكفالة الصغير واجبة على المرأة وحق لها سواء كانت مسلمة أم غير مسلمة مادام الصغير محتاجاً إلى هذه الكفالة فإن استغنى عنها ينظر فإن كانت الحاضنة والولى مسلمين خير الصغير فى الإقامة مع من يريد، فمن يختاره له أن ينضم إليه سواء أكان الرجل أم المرأة ولافرق فى الصغير بين أن يكون ذكراً أو أنثى، وأما إن كان أحدهما غير مسلم فلا يخير بينهما بل ينضم إلى المسلم منهما.

روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابنى هذا كان بطنى له وعاءً وثديى له سقاء، وحجرى له حواء، وأن أباه طلقنى وأراد أن ينزعه منى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أحق به ما لم تنكحى" (رواه أحمد وأبو داود) وهذا دليل على أن الأم أحق بالولد ما دام غير مستغن عن الحضانة، إذ أن الرسول حكم لها بحضانته ما دامت غير متزوجة.

وروى ابن أبى شيبة عن عمر بن الخطاب أنه طلق أم عاصم ثم أتى عليها وفى حجرها عاصم، فأراد أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبى بكر الصديق فقال: شمها وحجرها وريحها خير له منك حتى يشب الغلام فيختار لنفسه، وفى رواية ريحها خير له من سمن وعسل عندك وفى رواية ريقها خير له يا عمر فدعه عندها حتى يشب. (السرخسى: المبسوط ج5-6 ص:207) فالصغير الذى لا يستغنى عن الحضانة حضانته حق لأمه وواجب عليها، ومثلها أمها وجدتها وكل امرأة من النساء اللواتى لهن حق الحضانة.

8/4 نعم أعطت تعاليم الإسلام المرأة لا الرجل المرتبة الأولى فى حضانة ولدها ويتمشى هذا مع الجوانب النفسية والاجتماعية التى تؤكد أن المرأة أقدر على حضانة طفلها من الرجل فى سنوات حياته الأولى. فالأم هى مصدر الغذاء للطفل الرضيع، وهى مصدر الحنان الذى يحتاجه الطفل والمرتبط بقدرتها على تقديم كل الخدمات التى يحتاجها الطفل والعناية به، والتى لا تتوافر فى الرجل، نعم إن الارتباط بين الأم والطفل هو ارتباط جسدى يتولد منه إحساس بالانتماء ما بين الطرفين ويغذيه حاجة الطفل إلى خدمات الأم، مضافا إلى ذلك التلقائية فى رغبة الأم أن تعطى طفلها أفضل ما لديها من حب وعناية ورعاية وسهر وتعب ويقظة.

9- آثار نزاع الزوجين على حضانة الأطفال:

تنازع الزوجين على حضانة الأطفال بعد التفريق بينهما أو بعد حدوث الطلاق من أشد الحالات التى يواجهها الأطفال، ومن أكثر الحالات التى تترك آثاراً سيئة فى نفوسهم ومجرى حياتهم عندما يرون الخلافات العميقة والحادة والمحتدمة بين الأب والأم، ويجهل الآباء والأمهات أو ينسون التأثيرات السيئة لهذه الخلافات فى تنشئة أطفالهم وفى مستقبلهم، أنها تملأ نفوس الأطفال بالأحقاد والكراهيات، وعدم المبالاة، والحقد على الحياة، ويضيقون ذرعا فى حياتهم وأنها تسبب كثيراً من الانحرافات السلوكية لدى الأطفال. ومن يطلع على ما يجرى بين الأزواج فى هذا الشأن يجد العجب العجاب من الكره الذى يملأ قلوب الزوجات والأزواج تجاه بعضهم، وكل يريد أن يهزم الآخر، ويحطم الآخر، ويكيد للآخر، ويمنع حق الآخر فى رؤية الأولاد والأطفال، الأب يؤلب الأطفال على أمهم، والأم تؤلبهم على أبيهم، ويغرس كل منهما فى نفوس الأطفال الكره والضغينة، فلا يشعر الأطفال براحة، ولا يتمتعون بسعادة، وإذا ناموا ناموا على مضض وإذا استيقظوا استيقظوا على خوف وقلق.

وقد يقاطع الأب أطفاله ولا يتعرف عليهم، وتمتد هذه المقاطعة لسنوات طويلة، فينشأ الأطفال لا يعرفون لهم أبا حانيا ومثل ذلك فى الأم.

عندئذ يهمل الأطفال فلا يحسب لهم حساب فى مأكل ولا ملبس، ولا مهجع ولا دراسة ولا تعليم، ولا يؤبه لمشاعرهم أو أحاسيسهم، ولا يلتفت إليهم بصورة تضمن لهم حياة هادئة كريمة يرون فيها الحياة من وجهها المشرق الجميل الملئ بالود والحب والحنان والعطف والصفاء.

إن من حق الأطفال أن يعيشوا سعداء، ومن حقهم أن ينالوا عطفاً وحناناً، ومن حقهم أن يأكلوا طعاماً طيباً حلالاً نظيفاً، وأن يشربوا ماء طاهراً نظيفاً، وأن يشموا هواء نقياً، وأن يلبسوا ثياباً مريحة مفرحة، ومن حقهم أن ينالوا قسطاً من الراحة والطمأنينة والهدوء والسكينة، وأن يناموا سعداء يستيقظوا سعداء، ويمرحوا سعداء، فى جو أسرى دافئ.

10- حق الطفل فى التسمية:

10/1 من حق الطفل أن يسمى اسما يعرف به ويميزه عن غيره، وعن طريق هذا الاسم يُعترف بشخصيته، وهو الرمز الاجتماعي الذى يحصل عليه الطفل دالاً على ذاته ومحددا انتماءه إلى أسرة محددة ينسب إليها، ومن ماهية الاسم

يؤكد الإنسان حاجته إلى إثبات ذاته، فهو بدون الاسم يكون نكرة لا يُعرف فى مجتمعه، ولا يعترف به مجتمعه، نعم، إن الاسم معيار اجتماعى يحتاجه كل طفل من أجل أن يمارس شئون حياته، وفى هذأ العصر تعتبر شهادة الولادة الرسمية هى الدليل المادى لاسم الطفل وحقه فى الرعوية فى مجتمعه أو الدولة التى ينتمى إليها، والمنهج الإسلامى لا يكتفى بمجرد التسمية للطفل ولكنه يدعو إلى تسميته بالاسم الحسن، وقد كان لتسمية الطفل مجال واسع فى فقه الفقهاء لأن لها أحكامها وخصائصها وآدابها وآثارها فى حياة الفرد وحياة الأمة.

10/2 والشريعة الإسلامية اعتنت بتسمية الطفل واهتمت بها، ودعت إلى تسميته منذ الأيام الأولى من حياته بل منذ الساعات الأولى التى يولد فيها ففى صحيح مسلم عن أنس رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولد لى الليلة غلام فسميته باسم أبى إبراهيم "، وروى أصحاب السنن عن سَمُرَةَ قال: قال رسول  صلى الله عليه وسلم : " كل غلام رهين بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه ".

10/3 نعم، إن من حق الطفل أن ينتقى له الأهل من الأسماء أحسنها وأجملها وأوضحها معنى استجابة لتوجيه النبى صلى الله عليه وسلم فقد روى أبو داود بإسناد حسن، عن أبى الدرداء رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وبأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم ". وروى مسلم فى صحيحه، عن ابن عمررضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحب أسمائك إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن ". وعلى الأهل أن يجنبوا الأطفال الأسماء القبيحة التى تمس كرامتهم، وتكون مدعاة للاستهزاء بهم والسخرية منهم، كما روى الترمذى عن عائشة: كان يغير الاسم القبيح، وأخرج البيهقى عن ابن عباس رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه" وروى الترمذى عن ابن ماجة عن ابن عمر رضى الله عنهما: أن ابنة لعمر كان يقال لها عاصية، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة.

ما اسمك؟ " قلت: وروى البخارى فى صحيحه عن سعيد ابن المسيب عن أبيه عن جده قال: أتيت إلى النبى صلى الله عليه وسلم  فقال: "حزن فقال: "أنت سهل"  قال لا أغير اسما سمانيه أبى، قال ابن المسيب: فما زالت تلك الحُزونة فينا بعد"، وعلى الأهل أن يجنبوا الطفل الأسماء المختصة بالله سبحانه، فلا تجوز التسمية بالأحد، ولا بالصمد، ولا بالخالق، ولابالرازق، ولابغيرها وعليهم أن يجنبوا الطفل الأسماء المعبدة لغير الله كعبد العزى وعبد الكعبة، وعبد النبى، وما شابهها فإن التسمية بهذه الأسماء وأمثالها محرمة باتفاق.

10/4 ومن المهم أن نتذكر أن الشورى مبدأ من المبادئ التى يحسن أن تسود الجو الأسرى، فعندما ترزق الأسرة بمولود ذكرا كان أو أنثى فينبغى أن يختار الاسم للمولود بناء على مشورة بين الزوجين وأفراد الأسرة، فإذا تم الاتفاق الودَّى على ذلك فبها ونعمت، وإلا كان الرآى الأخير للأب لأن المولود ينسب إليه، شريطة ألا يخرج عن توجيهات الإسلام فى اختيار الاسم.

10/5 وها نحن نرى ونسمع بعض المسلمين فى بلاد المسلمين خرجوا عن منهج الشريعة ، وخصائص الأمة فى تسمية الأولاد ، مثل من سمى ولده " بيجن " ومن سمى " فرعون " ومن سمى "لهب"،، ومن سمى "هتلر"، ومن سمى "جورج " ومن سمى "ميرفت "، ومن سمى "نيفين ".. إلخ.

إن مثل هذه التسميات وبخاصة إذا كانت تحمل معنى يناقض العقيدة، وتجافى المنهج الإسلامى فى تسمية الأولاد تفصل الفرد عن أمته، وتتنافى مع حضارته، ولها أثرها فى توهين الروح الاجتماعية لدى الأطفال أو لدى الإنسان المسلم، وبالإضافة إلى ذلك فإنها تركز (عقدة النقص) لدى اللأسر المسلمة وها نحن نرى الأسماء العربية الإسلامية أخذت تتلاشى من مجتمعات المسلمين فما عاد الكثيرون يسمون عائشة وخديجة وحفصة وزينب وفاطمة وبهية وصفية و لا حول ولا قوة إلا بالله.

10/6 إن تسمية الأولاد بأسماء الرجال الذين شاع ذكرهم فى التاريخ الإسلامى مثل عمر، وعثمان، وعلى، والفضل، وسعد، وسعيد، وعمرو، وخالد، وعقبة. نعم إن مثل هذه الأسماء تبعث نشاطا فى الأمة ويوحى باعتزاز الأمة برجالها العظماء الذين سطروا أروع المنجزات الفكرية والعلمية والعسكرية والسياسية فى تاريخ الأمة، ويحفظ لها هويتها وخصائصها واعتزازها بدينها وتاريخها، وقيمها الإنسانية الذاتية.

11- حق الطفل فى العيش فى أسرته:

11/1 من حق الطفل أن يعيش فى أسرته التى أنجبته، فعلى أسرته هذه أن تشرف على شئونه الجسمية والنفسية، وتمنحه العطف والحنان وحسن الرعاية، وتضمن له حق الكرامة، بعيدا عن العنف، وبعيداً عن الشقاق والنزاع والخصام، وبعيدا عن عذاب النفس.

وهذا حق من حقوقه التى نصت على مراعاته شريعة الله وحفلت به كتب الفقه الإسلامى وهى تشرح أحكام الولاية والحضانة والرضاع والوصاية والنسب وأحكام الإصلاح بين الزوجين إذا ما دب الخلاف بينهما.

11/2 الأطفال هم فلذات أكباد الآباء والأمهات، وهم الزهور التى تسعد برؤيتها عيون الآباء والأمهات. وهم نعمة كبرى أنعم الله بها على الآباء والأمهات فالواجب أن يعترف الآباء والأمهات بهذه النعمة الجليلة عليهم، وأن يقدروها ويعطوها حقها من الرعاية والاهتمام، وأن يوالوا الشكر لله من أجلها صباح مساء وفى كل ساعة من ليل ونهار، ولهم على ذلك ثواب عظيم.

11/3 وعندئذ تكون الأسرة هى المحضن الفطرى الدافئ الأمين الذى يجد فيه الأطفال الراحة والأمن والطمأنينة والسعادة، فالشأن فيها أن تحافظ على صحتهم، وتنظم أوقات طعامهم، ونومهم، ويقظتهم، ومواعيد دراستهم، وأن تذكر باستمرار مدى حاجتهم إلى نظافة أجسامهم فلا تهمل نظافتهم فى أى وقت من الأوقات، فإن النظافة سبيل إلى وقايتهم من الأمراض والعلل، وسبيل إلى ضمان صحة قوية جيدة لهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "النظافة من الإيمان،.

11/4 وأى مؤسسة أخرى غير أسرة الطفل لا تقوم مقامها، ولا تؤدى دورها ولا تؤثر تأثيرها فى تربية الطفل، ونحن هنا نتساءل: أين هى المرأة التى تمنح الطفل حنانا مثل حنان الأم، وعطفا مثل عطف الأم، وشفقة مثل شفقة الأم، ويقظة على الطفل مثل يقظة الأم، واستعدادا لتحمل المتاعب فى سبيل راحة الطفل مثل استعداد الأم؟ وأين هو الرجل الذى يضحى فى سبيل الطفل مثل تضحية الأب؟ وأين هى المؤسسة التى ترعى الطفل مثل رعاية الأب؟

12- حق الطفل فى نسبه:

12/1 من ألزم حقوق الطفل وأهمها أن يعرف أصله ونسبه، وأن ينسب إلى أبيه الذى هو من صلبه، وأن يوثق هذا النسب توثيقاً رسمياً فى سجلات الدولة. وقد اهتم الإسلام بنسب الإنسان اهتماما بالغا لافتا للأنظار ولم يكن هذا الاهتمام أمراً هامشياً أو عرضياً لأنه يتعلق بصلب الحياة، ولما يترتب عليه من سلامة العلاقات، ولما يستتبعه من حلال وحرام، ولما يقتضيه من حقوق وواجبات، وهو إلى جانب ذلك أمر منسجم مع الفطرة التى فطر الله الإنسان عليها، فالطفل من خلال نسبه يجد من يرعاه ويهتم بشئونه، ويسهر على تربيته، ويساعده على البقاء فلا يضيع فى خضم الحياة ومعتركها، ومن خلاله يجد المحضن الذى يلقى فيه الدفء، والعناية الفطرية الحقيقية.

12/2 ومن أكبر الذنوب فى الإسلام أن ينكر الأب نسب ولده، كما أن من أكبر الذنوب أن ينسب الإنسان لنفسه ولد غيره، لما فى ذلك من مصادمة للحق، وتزوير للحقائق، وتمويه على الحياة والأحياء.

3012 وقد شرع الإسلام الزواج الذى هو الطريق الصحيح المأمون المشروع لإنجاب الأطفال وثبوت نسبهم، واستمرار التناسل البشرى، وشرع الله إلى جانب ذلك إعلان هذا الزواج حتى لا يكون هنالك مجال لإنكار النسب أو تزويره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعلنوا النكاح " (رواه أحمد) وحرم خلوة الرجل بالمرأة حتى لا تدخل الريبة فى أنساب الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يخلون رجل بامرأة  إلا ومعها ذو محرم "( رواه مسلم) وحرم الزنا تحريماً قاطعاً كيلا تختلط الأنساب، وليربأ بالحياة الإنسانية عن أن تكون مثل حياة الحيوان، قال الله تعالى ): ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) (الإسراء: 32).

وحرم التبنى تحريما قاطعا لا لبس فيه، قال الله تعالى:( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله ي