بين
حقوق الإنسان وواجباته فى الإسلام
السيد/
صالح بن عبد الله بن حميد
رئيس شئون
الحرمين الشريفين
وعضو مجلس الشورى ولجنة الشئون الإسلامية
المملكة
العربية السعودية
الحمد لله والصلاة والسلام
على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد..
فلاشك أن من مظاهر الرقى الإنسانى، والعلو الحضارى الاهتمام
الكبير بحقوق الإنسان، وكلما ظفرت قضية حقوق الإنسان بمزيد من البحث والتفصيل،
والتفعيل والتنظير والمتابعة والتطبيق، دل ذلك على الجد والسمو فى إعطاء هذه القضية ما تستحقه. بل إنه ليس من المبالغة إذا
قيل إن قضية حقوق الإنسان هى قضية القضايا، لأنها تعنى
كرامته وتكريمه وعبوديته لله عز وجل، وتحقيق العدل والإنصاف والبر والرحمة فى كل شئونه.
وفى المقابل فإن إهمال هذه
القضية وتناسيها، يعكس صورة الظلم والهمجية، وموت الضمير الإنسانى،
بل تجسد التخلف الحضارى الحقيقى،
ولو بدت على السطح المكاسب المادية والتقنيات العلمية.
ولو ذهبنا نفتش فى التاريخ حول هذه القضية ومساراتها وأجواء ظهورها، أو
الحديث عنها والدعوة إليها وتبنيها. لرأينا هذه القضية
لا تثار إلا إذا كان هناك توجه نحو إحقاق الحق، والعدل والبر والإحسان، وإحساس
بالظلم والمعاناة وكره للشقاء، وهضم للحقوق.
ففى القرن الثالث
عشر الميلادى فى إنجلترا سنة
(1215م) صدر ما يسمى بـ (الماجنا
كارتا) والتى بموجبها نال الشعب البريطانى
حقه فى تجنب المظالم المالية التى
كانت توقعها به السلطات آنذاك.
وفى أمريكا فى القرن الثامن عشر وبالتحديد سنة ( 1776 م) تضمنت وثيقة إعلان
الاستقلال الأمريكى التأكيد على الحق فى الحياة والحرية والمساواة.
ثم جاءت الثورة الفرنسية
لتصدر وثيقة إعلان حقوق الإنسان فى 2/8/1789م وهى تعد إعلانا واضحا وبارزا لهذه الحقوق وكل هذه مراحل وخطوات سبقت الإعلان
العالمى لميثاق حقوق الإنسان فى 10/12/1948م والذى تم إعلانه
بعدما أثقلت الأعناق الحربُ العالمية الثانية.
وباستعراض هذا التاريخ تلاحظ
الجهود والمجاهدات من قبل أولئك المفكرين وتلك الشعوب والتى
تعكس وتجسد ما عانوه جميعا والآلام والظلم والقهر من سلطات سياسية متسلطة أو طقوس
دينية متعصبة ومحاربة كل اتجاهات صالحة تسعى إلى تحرير العقل الإنسانى
بل تحرير الإنسان نفسه وتحقيق كرامته.
ولكن الإسلام الذى جاء به محمد- صلى الله عليه
وسلم- منذ أكثر من أربعة عشر قرنا أى
من القرن السابع الميلادى لم يكن لدى معتنقيه هذه
المعاناة ولم يكتووا بهذه الآلام فقد جاء ت عقيدته وشريعته وأحكامه راسمة لهذه
الحقوق ومثبتة لهذا وزائدة عليها بل إنها لم تقتصر على حقوق الإنسان، بل أثبتت
حقوق الحيوان والنبات والبيئة بل بعبارة جامعة جاءت لإصلاح الأرض ومن عليها
فالإنسان فى شريعة الإسلام مستخلف فى
هذه الأرض ليعمرها ويصلحها ومن المعلوم أن الإصلاح لا يكون إلا بالتعمير وإقرار
الحق والعدل والبر والقسط وقطع كل عناصر الفساد والإفساد، يحسن هنا تقرير ثلاث
نقاط:
الأولى: إننا نحن
المسلمين حينما نتحدث عن هذا ونقرره ونبينه ليس مقصدنا الأول بيان سبق الإسلام
وفضله ولا فتح باب الجدال الذى قد يؤدى إلى الخصومة
والمنازعة ولكن مقصودنا التأكيد على معرفتنا لهذه الحقوق وإيماننا بها
وممارستنا لها قبل أن يعرفها الناس.
ولهذا فإنه من غير المقبول
اتهام الإسلام والمسلمين بعدم معرفتهم أو عدم اعترافهم بحقوق الإنسان لأننا
عرفناها وعملنا بها قبل أن يعرفها الناس وإن كنا نعترف
كذلك بوجود نقص فى التطبيق لدى بعض المسلمين فى عصور مختلفة.
الثانية: التنبيه إلى بعض الفروق بين
حقوق الإنسان فى الإسلام وفى المواثيق الدولية، من هذه الفروق:
أولا: حقوق الإنسان فى الإسلام هبة من
الله، أكرم الإنسان بها وتنزل بها
الوحى، وجاءت بها الرسل وليست نتيجة ظروف طارئة أو مطالب تقدم بها الناس أو بسبب تطور تاريخى أو
بعد معاناة وآلام.
ثانيا: حقوق الإنسان فى الإسلام جزء لا يتجزأ من الإسلام عقيدة وشريعة تتجسد فى علاقة الإنسان
بربه وبنفسه وبالناس وبالأشياء وبالحياة، أى
أن فيها جانبين: جانبا عقائديا وجانبا
فقهيا حقوقيا.
ثالثا: الحقوق فى الإسلام هى عند المسلمين واقع عملى وممارسة سلوكية وليست مجرد تصور تنظيرى
أو مثالية لا واقع لها أو إعلانات لا تطبيق لها.
رابعا: حقوق الإنسان فى
الإسلام متعلقة بابن آدم (أى بجنس الإنسان) ولم تحتج إلى ترقّ تدريجى، أما فكرة
حقوق الإنسان المعاصرة فقد نشأت فى داخل البلدان
الأوروبية ولم تمتد لتشمل شعوب الأرض بأكملها بل إن المنادين بها
مع الأسف هم الذين مارسوا الاستعمار، ووقع فى
المستعمرات من المظالم والاستبداد كل ما يتعارض مح
مبادئ حقوق الإنسان ومازال ذلك باقيا مع الأسف حتى بعد إعلان الأمم المتحدة،
فالقتل والظلم واختلاف المعايير حين النظر
فى القضايا الدولية الساخنة منها والباردة يعكس ويجسد
هذه الفروق بين الحقوق فى الإسلام وفى غيره.
الثالثة: الخصوصية التى يجب أن نستصحبها ونحن نتحدث
عن حقوق الإنسان وأعنى-بذلك الفروق والاختلافات التى لا
يمكن إغفالها أو تجاهلها سواء فيما يتعلق بالدين أو الأعراف والعادات الصحيحة أو
حتى بعض الفروق والخصائص الخلقية الجبلية.
الحقوق والواجبات:
الحق فى
اللغة: له معان كثيرة، فإذا كان الفعل حق يحق بضم الحاء فى
المضارع، فمعناه اليقين، وإذا كان الفعل حق يحق بكسر الحاء فى
المضارع، فمعناه الثبوت والوجوب، قال سبحانه وتعالى: (لقد حق القول على أكثرهم)
(1) والحق، من أسمائه سبحانه وتعالى وقيل: من صفاته، وفى التنزيل: ( ثم ردوا
إلى الله مولاهم الحق) (2)، والحق لغة ضد الباطل، قال سبحانه وتعالى: (ولا
تلبسوا الحق بالباطل) (3).
وقد ورد لفظ الحق معرفا بأل فى القرآن الكريم (أربعا
وتسعين ومائة مرة) وورد لفظ حق ( ثلاثا
وثلاثين مرة) ولفظ (حقا) سبع عشرة مرة، ولفظ (حقه) ثلاث مرات (4)، ولفظ الحق يختلف
المراد منه على سبيل التعيين فى القرآن الكريم، باختلاف
المقام الذى وردت فيه الآيات.
وعناصر الحق واقع ورودها فى مختلف المواطن، يمكن حصرها فى:
الثبوت، والوجوب، والاختصاص، والاستئثار، والحماية أيا كان مصدرها.
والحق فى
الشريعة الإسلامية: هو المصلحة الثابتة لصاحبها على سبيل الاختصاص والإستئثار بحيث يقررها المشرع الحكيم.
والحق عبارة عن نوعين:-
عام: وهذا النوع من
الحق يشمل كل عين أو مصلحة تكون للشخص بمقتضى الشرع،
بحيث يغدو له سلطة المطالبة بها، أو منعها عن غيره، أو
بذلها له، أو التنازل عنها، فالحق هنا يعنى الملك بأنواعه.
وخاص: وهذا النوع من
الحق يطلق على ما يقابل الأعيان المملوكة، والمنافع والمصالح، أى
الحقوق الاتفاقية، ويراد بها المصالح الاعتبارية فى عُرف الشرع، كحق الشُّفعة، وحق
القصاص، وحق الطلاق، وحق الخيار، وحق المرأة فى حبس
نفسها عن زوجها، حتى يؤدى لها معجل صداقها.
الواجب: هو كل ما يلزم
الإنسان مراعاته وحفظه، وعدم المساس به من الحقوق التى منحها الشرع للآخرين، وذلك
لأن الشرع عندما يقرر حقا، فإنه ينشىء فى الوقت نفسه واجبا مقررا على الناس كافة نحو هذا الحق، وهذا
الواجب هو: احترام هذا الحق فى نطاق الحدود المرسومة
له.
مصدر الحق: المراد بمصدر
الحق هنا هو الجهة التى تثبت الحقوق لأصحابها، وتمنحهم
حق الانتفاع بها، ومصدر الحقوق هو الشريعة الإسلامية،
وذلك لأن الشريعة الإسلامية بحكم كونها تشريعا سماويا، فإنها تنظر إلى الحقوق نظرة
دينية، أساسها أن الإنسان باعتباره عبدا مخلوقا لله جل شأنه فإنه لا يملك حقا من
الحقوق، ولكن شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى، أن يمنحه بعض الحقوق نعمة منه وفضلا.
وعلى هذا فالحق فى الشريعة الإسلامية: هو منحة يمنحها الخالق جل شأنه
للأفراد، وفق ما يقضى به صالح الجماعة، ومن ثم فقد قيدت
الشريعة استعمال الأفراد لحقوقهم بمراعاة مصلحة الغير، وعدم الإضرار بالجماعة،
فليس للفرد مطلق الحرية فى استعمال حقه، بحيث لا يحد من
سلطانه شىء، بل هو مقيد فى
ذلك بمصلحة الجماعة، وعدم الإضرار بالغير.
فالحق إذن يستلزم واجبين:
أولهما، واجب على الناس أن يحترموا حق الشخص، وألا يتعرضوا له فى
أثناء تمتعه به واستعماله.
وثانيهما: واجب على صاحب
الحق نفسه هو أن يستعمل حقه بحيث لا يضر بالآخرين، وتستوى
فى هذا سائر الحقوق، لا فرق فى
ذلك بين الحق العام، والحق الخاص.
من
أهم الحقوق التى منحها الإسلام للإنسان
1-
حق الحياة.
2-
حق الحرية.
3-
حق المساواة.
4-
حق العدالة.
5-
حق الفرد فى حماية نفسه وعرضه وسمعته.
6-
حق الفرد فى محاكمة عادلة.
7-
حق رفض الطاعة فى المعصية.
8-
حق التعليم.
9-
حق العمل.
10-
حق الأمن على الحياة الخاصة.
11-
حق حرية الفكر والتعبير عن الرأى.
12-
حق بناء الأسرة.
13-
حقوق الزوجين أحدهما نحو الآخر.
14-
حقوق الأمومة والطفولة.
15-
حق اليتيم.
16-
حقوق أخرى (إنظار المعسرين- حقوق الضعفاء (المعاقين..
إضافة لحقوق كثيرة يصعب حصرها).
من حقوق الإنسان فى الإسلام:
تتلخص حقوق الإنسان بما أجملته نصوص الشريعة
الإسلامية فيما يلى:
1-
(كرامة الإنسان) عملا بنص القرآن الكريم الذى
جاء فيه: (ولقد كرمنا بنى آدم (.
2-
(عدم التمييز فى الكرامة وفى الحقوق الأساسية ما بين
إنسان وآخر) لا فى العرق ولا فى
الجنس ولا فى النسب ولا فى
المال عملا بقول رسول الإسلام *صلى الله عليه وسلم : "لا فضل لعربى على عجمى، ولا لأبيض على
أسود إلا بالتقوى". وقوله: "النساء شقائق الرجال".
3-
(النداء بوحدة الأسرة الإنسانية، وأن خير بنى
الإنسان عند الله هم أكثرهم نفعا لهذه الأسرة) عملا بقول رسول الإسلام صلى
الله عليه وسلم : "الخلق كلهم عيال الله وأحبهم
إليه أنفعهم لعياله".
4-
(الدعوة إلى التعارف والتعاون على الخير وتقديم جميع أنواع البر إلى جميع بنى الإنسان) عملا بقول القرآن الكريم: )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( (الحجرات 13)،
وقوله: )لا ينهاكم الله
عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم
أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين(
(الممتحنة 8).
5-
(حرية الإنسان فى عقيدته، وعدم جواز ممارسة الإكراه
فيها) عملا بقوله عز شأنه) لا إكراه فى الدين) (البقرة 256)، وعملا بقوله سبحانه وتعالى: )أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ( (يونس 99)، وذلك فى استنكار استعمال الضغط على حرية الإنسان فى العقيدة. (بل إن الإيمان عن طريق الإكراه غير معتبر فى الإسلام).
6-
(حرمة العدوان على مال الإنسان وعلى دمه) عملا بقول
رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم".
7-
(حصانة البيت لحماية حرية الإنسان) عملا بقول القرآن الكريم: )يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير
بيوتكم حتى تستأنسوا( (النور 27).
8- ( التكافل فيما بين
أبناء المجتمع فى حق كل إنسان بالحياة الكريمة والتحرر
من الحاجة والفقر) بفرض حق معلوم فى أموال القادرين
ليصرف لذوى الحاجة على اختلاف حاجاتهم عملا بقول القرآن الكريم: )
والذين فى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم( (المعارج 24- 25). بما ينتظم فريضة الزكاة وغيرها من
الحق الواجب فى المال
9-
(إيجاب العلم على كل مسلم) من أجل القضاء على الجهل عملا بقول الرسول صلى
الله عليه وسلم : (طلب العلم فريضة على كل مسلم) مع فتح آفاق السماء والأرض للنظر
فيها والنفاذ إليها عملا بقول القرآن الكريم:
)
قل انظروا ماذا فى السموات والأرض ( (يونس
101) وعموم قوله:) يا معشر
الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا
لا تنفذون إلا بسلطان ( (الرحمن 33) ومن ذلك سلطان العلم.
10-
( فرض الحجر الصحى) فى
حالات الأمراض المعدية منذ أربعة عشر قرنا، وقبل أن تنتبه أية دولة حينذاك لإدخاله
فى تشريعها: وذلك مبالغة فى
حماية الصحة العامة من المرض إلى جانب حماية المجتمع من الفقر والجهل كما تقدم،
عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا ظهر هذا الوباء فى أرض وكنتم فيها
فلا تخرجوا منها، أو كنتم خارجين عنها فلا تدخلوها).
11-
وهناك نصوص كثيرة لا تحصى فى التشريع الإسلامى لحماية هذه الحقوق التى
أشرنا إليها، وهى فى مجملها تشرح حقوق الإنسان الأساسية
التى لا يجوز مساسها، كما تتناول بالتفصيل حقوقه
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من آفاقها الإنسانية العليا التى
لا تميز ولا تسمح أن يميز فيها ما بين إنسان وآخر بأى
نوع من أنواع التمييز، وخاصة بسبب الأمور التى نص عليها
الإعلان العالمى لحقوق الإنسان وهى (الجنس، أو اللون،
أو اللغة، أو الدين، أو الرأى، أو الأصل الوطنى أو الاجتماعى، أو
الثروة، أو البلاد)، بل ونزيد على ذلك
مما لم يتنبه إليه واضعو ميثاق حقوق الإنسان وقد نص عليه القرآن الكريم
بقوله:
( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء
بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا
تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا
الله إن الله خبير بما تعملون ) (المائدة 8)، ويستدل من هذه الآيات الكريمة
على عدم التمييز أيضا فى هذه الحقوق بسبب الحقد
والعداء. وكذلك أعلن الإسلام بأن النساء شقائق الرجال، وأن لهن من الحقوق
مثل ما عليهن من الواجبات، إلا ما جعل
للرجال من حق فى قيادة الأسرة وتحمل مسئولياتها لما بنى عليه تكوين الرجال من خصائص تجعلهم فى
الأصل أقوى على حمل هذه المسئولية الاجتماعية الثقيلة، وما هذا فى الحقيقة إلا عبء
ثقيل وضع على عاتق الرجل سومحت فيه المرأة، من غير أن يكون فى ذلك مساس بالكرامة المتساوية. وفى ذلك منتهى العدل والابتعاد عن الظلم فيما بين
الجنسين.
-
ويتضح من هذه النصوص التشريعية فى الإسلام مقدار حرص
الإسلام على حقوق الإنسان الأساسية، ومقدار عناية الإسلام بحقوق الإنسان
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولم يتخذ الإسلام من هذه النصوص مواعظ أخلاقية،
بل أوامر تشريعية، وأقام إلى جانبها جميع النصوص التشريعية اللازمة لضمان تنفيذها،
وهذا ما لم تصل إليه بعد نصوص (الإعلان العالمى لحقوق
الإنسان). ولا نصوص (الميثاق الدولى الخاص بالحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) للإنسان، بل ظلت هذه النصوص الدولية فى مرتبة التوصيات الأدبية التى لا
ضامن لها من الضمانات التشريعية لا على المستوى الدولى، ولا على المستوى القومى.
-
واجبات الإنسان فى مقابل حقوق الإنسان:
إن الناس اليوم ومن قبل
اليوم يتحدثون كثيرا عن حقوق الإنسان ،
ولكن قليلا هم الذين يتحدثون عن واجباته. حتى أن (الإعلان العالمى لحقوق الإنسان) لم يذكر كلمة واحدة حول واجبات
الإنسان. كما أن ميثاق الأمم المتحدة لم يشر أية إشارة إلى هذا الأمر.
والتحدث عن حقوق الإنسان مع
الصمت عن واجباته هو إقرار بالخلل الكبير فى فهم مهمة
الإنسان فى الحياة والتى لا
تزال تعالج فى غالب المناهج الإصلاحية بمنظور جزئى بعيدا عن الشمولية والتكامل.
والإسلام هو المنهج الوحيد
والفريد الذى يتعامل مع مهمة الإنسان فى الحياة بمنهجية على أساس من التوازن والتكامل العادل بين
واجبات الإنسان وحقوقه فى مهمته الحياتية.
وبين يدى
هذا التوضيح لابد من التنويه بأن منهاج الإسلام وحقيقته تؤكد على ما يلى:
1- الإنسان مستخلف بأمر
الله تعالى لعمارة الأرض.
2-
البيئة وبقية الخلائق مسخرة للإنسان لإنجاز مهمة الاستخلاف فى
الأرض.
3-
الإسلام هو المنهاج الأفضل لعمارة الأرض.
4-
الإنسان يملك إرادة الاختيار والقرار فى كل ما يحقق
مصالحه وفق القواعد العامة لمنهاج الإسلام.
5-
الإنسان مكرم لذاته بصرف النظر عن انتمائه القومى أو العرقى أو اللونى أو الدينى.
6-
العقد المدنى الاجتماعى فى منهاج الإسلام يقوم بين أطراف ثلاثة: الله جل جلاله وهو سبحانه وتعالى الذى
له حق التشريع والحكم (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين
القيم) ثم الحاكم باعتباره (المكلف والمخَّول لإدارة الناس وبسط العدل
بينهم وحفظ حقوقهم وكف النزاع بينهم والحفاظ على سلامتهم وأمنهم والرعية باعتبارها
(محل التكليف والقيام بالمسئوليات المدنية
والاجتماعية كافة).
-
أى أن العقد الاجتماعي فى
الإسلام عقد مركب من:
-
عقد بين الحاكم والشعب من جهة .
-
وعقد بين الحاكم والشعب والله سبحانه وتعالى من جهة أخرى فى
طاعته سبحانه وتعالى وعبادته والخضوع له والتسليم لأمره ( ألا له الخلق والأمر
تبارك الله رب العالمين ) (الأعراف 54).
-
أى أن الحاكم
والشعب كل منهما مقيد بأحكام منهاج الإسلام.
7-
إقامة العدل والإحسان هو منهاج الإسلام فى عمارة الأرض.
8-
الواجبات والحقوق فى منهاج الإسلام تكاليف إيمانية
تعبدية بالإضافة إلى كونها قضايا شخصية.
9-
العلاقة بين مهمة الإنسان وباقى الخلائق والبيئة علاقة
تكاملية فى عمارة الأرض.
10-
العلاقة بين
واجبات الإنسان وحقوقه علاقة تكاملية إنتاجية فهما متلازمان كل منهما يقرر الآخر.
وعلى أساس ما تقدم من مفاهيم
يمكننا أن نعرض صور التلازم بين واجبات الإنسان وحقوقه فى
منهاج الإسلام.
أولا: واجب الإنسان تجاه ربه
وخالقه:
إخلاص العبودية لله وحده
وعدم الشرك به يبعث فى النفس
الإنسانية أعلى مراتب الإحساس بالحرية والمساواة مع الغير أى
أن واجب العبودية لله وعدم الشرك به ينشىء للإنسان حقين
أساسيين فى الحياة:
-
حق التحرر من العبودية والذلة لغير الله.
-
حق المساواة مع بنى البشر.
ثانيا: واجب الإنسان تجاه
والديه:
طاعة الوالدين
والإحسان إليهما والبر بهما والسهر على خدمتهما
ورعايتهما وبذل كل ما تحتاجه العناية بشيخوختهما يجعل للإنسان على أبنائه وبناته:
-
حق الطاعة.
-
حق الإكرام والمودة.
-
حق الرعاية والنفقة.
ثالثا: واجب الإنسان تجاه أسرته:
الأسرة فى
الإسلام هى الزوجة والأبناء من ذكور وإناث ثم تشعب
القرابة ليتكون منها ما يعرف بالرحم وصلة الأرحام..
1- واجب الإنسان تجاه زوجته:
يوجب الإسلام احترام الزوجة
والبر بها وعدم إهانتها
والإنفاق عليها وتوفير ما تحتاجه من متطلبات الحياة بحسب طاقته وقدرته ( لينفق
ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما
آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا) (الطلاق 7)، ولا يكلفها المشاركة فى الإنفاق إلا برضاها وعليه أن يحترم أموالها وممتلكاتها
وعدم الاعتداء عليها وهذا يجعل للمرأة على الرجل:
-
حق الرعاية والاحترام والإنفاق.
-
حق الاحتفاظ بأموالها وممتلكاتها لصالحها الشخصى.
-
حقها فى تتميه أموالها بالتجارة وغيرها.
-
حق المشاركة فى مسئولية رعاية الأسرة.
ويجعل بالمقابل للرجل على
المرأة حقوقا منها:
-
احترامه وطاعته.- ألا
تخونه فى نفسها وماله. مشاطرته مسئولية رعاية الأسرة.
2- واجب الإنسان تجاه
أبنائه:
يوجب الإسلام على الإنسان
حسن اختيار الزوجة الصالحة التى ستصبح أمّا لأبنائه
وحسن اختيار الاسم للابن، وحسن التربية والتنشئة وحسن إعداده للحياة وتحمل
المسئولية والتخلق بقيم العدل والمساواة.. وهذا يجعل للأسرة على الأبناء حقوقا
منها:
-
الطاعة والبر والرعاية للوالدين.
- المحافظة على شئون الأسرة.
"
-
صيانة أموال الأسرة.
-
المشاركة فى الإنفاق حسب الاستطاعة والقدرة.
رابعا: واجب الإنسان تجاه ولاة الأمر:
يوجب الإسلام على الإنسان
السمع والطاعة للحاكم فى غير معصية الله، كما يوجب
النصح له وإعانته على مسئولياته فى تحقيق مصالح الرعية،
وعدم الخروج على سلطانه أو التمرد على أوامره إلا إذا نقض العهد مع الله فى شروط عقد الولاية مع تحرى مصلحة الأمة فى
ذلك، وهذا يجعل للرعية على الحاكم حقوقا
منها:
-
حق المحافظة على عقيدة الأمة وهويتها والعمل على ارتقائها الحضارى.
-
إقامة العدل بين الناس.
-
حماية مصالح الرعية.
-
حماية السيادة العامة للأمة.
-
تحقيق الأمن العام للأمة.
-
المساواة بين أبناء الشعب.
-
السهر على حماية حياة الإنسان.
-
توفير أسباب الحياة الآمنة الكريمة.
خامسا: واجب الإنسان تجاه
المجتمع:
يتمثل واجب الإنسان تجاه
مجتمعه فى ميادين متعددة نوجزها:
1-
النصح العام مما يرشد الأمة فى التزام عهدها مع الله
تعالى والتزام عهدها مع حاكمها والتزام عهدها تجاه بعضها البعض فى إقامة مجتمع ينعم بالعدل والأمن والسيادة والكفاية.
2-
واجب الحفاظ على عقيدة الأمة وهويتها، والعمل على ارتقائها الحضارى.
3-
السهر على أمن الأمة العام فكل مسلم رجل أمن يتحمل مسئولية السهر على حماية أمن
الأمة فى كل مجال اختصاصه واهتماماته حيث يقول رسول
الهدى صلى الله عليه وسلم : (كل منكم على ثغرة من ثغرالإسلام،
الله الله.. أن يؤتى الإسلام مِنّ قِبَلِهِ).
4-
واجب التنمية الزراعية وعدم قطع الأشجار المثمرة وغيرها
إلا لحاجة مع العمل على إثراء الثروة الزراعية حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
"إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها
فليفعل ".
5-
واجب التنمية الصناعية حيث يؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب إذا
عمل أحدكم عملا أن يتقنه)، (إن الله يحب العبد المحترف).
6-
واجب التنمية التجارية يقول الرسول الكريم صلى الله عليه
وسلم: (نعم المال الصالح للرجل الصالح ).
7-
واجب بذل الجهد للتعلم وهذا فى قول رسول الله صلى الله
عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم).
8-
واجب البحث العلمى وهذا فى
قول الله تعالى: (قل انظروا ماذا فى السموات والأرض)
(يونس 101).
9-
بذل الجهد لاستثمار مكنونات الأرض وهذا فى قوله تعالى (فامشوا
فى مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (الملك 15).
10-
واجب المحافظة على البيئة وعدم إفسادها وهذا فى قول
الله تعالى: (ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها ((الأعراف
56) وكما فى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الإيمان
بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
11-
واجب المحافظة على أموال الآخرين وهذا فى قول الله
تعالى: )ولا تأكلوا
أموالكم بينكم بالباطل( (البقرة 188)، وفى قول رسول صلى الله عليه وسلم:
"إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام".
12-
واجب تحقيق التضامن الاجتماعى وهذا فى
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا
يؤمن قيل من يا رسول الله قال : من لا يأمن جاره
بوائقه". ومسئولية الأمر بالمعروف والنهى عن
المنكر: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله) (التوبة
71).
13-
واجب محاربة المخدرات والمسكرات كما فى قول الله تعالى:
( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) (المائدة
90).
وكما فى
قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "كل مسكر حرام".
14-
واجب العمل على إشاعة المحبة بين الناس وحب الخيرلهم
كما فى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
15-
يؤكد الإسلام على المسلم احترام الأقليات غير المسلمة فى
المجتمع المسلم.
واجب المسلم تجاه المجتمعات
الدولية حيث يقرر الإسلام المبادئ العامة التالية:
1-
وحدة الأسرة البشرية كما فى قوله تعالى: (يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند
الله أتقاكم) (الحجرات 13).
2-
التعرف والتعاون على كل ما يحقق الخير للمجتمع كما فى
قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (المائدة
2).
3-
تكريم النفس البشرية بصرف النظر عن انتمائه القومى أو العرقى أو الدينى أو اللونى كما فى قوله تعالى: (
ولقد كرمنا بنى آدم) (الإسراء 70).
4-
احترام حياة الإنسان وعدم الاعتداء عليها كما فى قول
الله تعالى: ( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى
الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) (المائدة 32).
5-
احترام العهود والمواثيق بين الناس كما فى قول الله
تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا
بالعقود..) (المائدة 1) ولقوله تعالى (
وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) (النحل 91).
6-
إقامة العدل حتى مع وجود الخصومة والعداوة كما فى قوله
تعالى ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب
للتقوى) (المائدة 8).
7-
احترام الجهود الخيرة للآخرين وعدم التقليل من شأنها.
كما فى
قوله تعالى: ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا فى
الأرض مفسدين) (هود 85).
وخلاصة القول:
إن منهاج الإسلام يمتاز
بالتكامل والشمول الذى يقيم المعادلة المتوازنة
والمحكمة بين واجبات الإنسان وحقوقه، فمنهاج الإسلام عندما يقرر ويؤكد على غرس
وتنمية روح المسئولية عند الإنسان ثم يرتقى بقيمة هذه المسئولية فى النفس البشرية ليجعلها ثمرة التكليف والتشريف الربانى للإنسان حيث يقول الله تعالى
( إنى جاعل فى الأرض خليفة) (البقرة 30) إنما يضع الإنسان بهذا
التكليف بأعلى مراتب المسئولية بين الخلائق. ويوم يستشعر الإنسان عظم هذا التكليف
ومسئولياته وواجباته فى الحياة تنمو وتترسخ بالمقابل فى نفسه قيمة
الآخر وحقوقه أيّاً كان هذا الآخر إنسانا
أو حيوانا أو نباتا وعلى هذا الأساس ربط الإسلام بين حق إخلاص العبودية لله (
لا إله إلا الله) وبين إماطة الأذى عن الطريق
الذى هو حق الآخر (إنسانا أو حيوانا)
وعلى أساس من هذا الاستشعار الذى يعظم العلاقة بين
الواجبات والحقوق قال الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله
عنه : (لو أن بغلة عثرت فى اليمن لخشى عمر أن يسأله الله لماذا لم يعبِّد عمر لها الطريق)
وعلى أساس هذا الإحساس بالمسئولية والواجب
تجاه الآخر قال عمر رضى الله عنه قولته التى لا تزال تجلجل فى أذن الزمان:
(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) .
وبعد فإن الإسلام قد
وضع إطارا عاما لكل هذه الحقوق والواجبات. إطارا من
الآداب العامة والرحمة وحسن الخلق.
والإسلام لم يقف عند حد بيان
الحقوق وحمايتها وإلزام
المسلمين بها وعقاب من يعتدى
عليها. لقد ذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك بكثير. فأمر بكل ما يؤدى إلى المحافظة على
حقوق الإنسان، ونهى عن كل ما يمس هذه الحقوق أو يؤدى إلى الاعتداء عليها.
إن المهمة الأولى للمسلمين
الآن ليست فى الدعوة فقط إلى الأخذ بحقوق الإنسان فى الإسلام على مستوى عالمى. وإنما
المهمة الأولى للمسلمين قبل ذلك هى مواجهة الخطر الداهم
على حقوق المسلمين فى بلاد المسلمين أنفسهم. هذا الخطر
المتمثل فى محاكاة المسلمين لغير المسلمين فى كثير من الأمور والقضايا والعادات والتقاليد والسلوك الاجتماعى المنحرف بالإضافة إلى أخذ المسلمين بالقوانين
الوضعية القاصرة. فقد أدت هذه المحاكاة إلى الجور على كثير من الحقوق.
وفى
الختام :
فلعل ما تقدم من إلماحات ذات مقارنات بين حقوق الإنسان وواجباته تبين ما يجب
أن يتقرر من توازن حين معالجات قضايا الإنسان فى كل تشعباتها من دينية واجتماعية وثقافية وسياسية مما وقع وما
يستجد، والموضوع يحتاج إلى مزيد من البسط والتقعيد والتأصيل، ولكن رغبة القائمين
على المؤتمر وفقهم الله فى الاختصار وحصر البحث فى صفحات لا تزيد عن بضع عشرة صفحة ألجأت إلى مثل هذا.
راجيا أن يكون فى هذه الإلماحات ما ينبه إلى أصول
هذه القضية ومصادر استمدادها. وبالله التوفيق وعليه التكلان
وكفى به هاديا ونصيرا.
من
مصادر البحث :
1-
الإسلام وحقوق الإنسان د. عبد الله بن عبد المحسن التركى.
2-
الحريات والحقوق فى الإسلام محمد رجاء حنفى عبد المتجلى.
3-
حقوق الإنسان وحرياته الأساسية فى النظام الإسلامى والنظم المعاصرة
د. عبد الوهاب الشيشانى.
4-
حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة محمد الغزالى
5- حقوق الإنسان فى الإسلام والرد على الشبهات المثارة حولها. د. سليمان بن
عبد الرحمن الحقيل.
6-
حقوق الإنسان فى الإسلام أحمد جمال عبد المتعال.
7-
حقوق الإنسان فى الإسلام سيف الدين حسين شاهين.
8-
أركان حقوق الإنسان د. صبحى المحمصانى.
--------------------
(1) سورة يس: الآية: 7
(2) سورة
الأنعام: الآية 62
(3)
سورة البقرة: الآية 42
(4) انظر: المعجم المفهرس
لألفاظ القرآن، مادة (حقق)